باسم بشينية
7.32K subscribers
1.11K photos
49 videos
33 files
290 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
من القواعد الفقهية التي نشأت على منصات التواصل.

أتذكر ذات يوم، كتب أحد الإخوة تعليقا جاء فيه "لا تتعامل مع الله وكأنك تتعامل مع قاتل مأجور".
ووقع نقاش مع أحدهم حول القول، فقال لي "هذا القول شنيع!"

ذكرت له، أن هذا من جنس قول أيوب السختياني في أهل الحيل "يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان"، فما وجه الشناعة، فضلا عن التعريض بردة القائل؟

لم يكن الوضع يسمح بإيجاد فوارق، فقول أيوب من جنس ذلك القول، وفجأة؛ برزت إحدى القواعد الفقهية الفيسبوكية: أيوب لم يقل ذلك في سياق الجدل! بل في سياق التأصيل! ويجوز في سياق التأصيل، ما لا يجوز في سياق الجدل والرد!

هنا، وضعت بذهني أن ذي القاعدة التافهة منتشرة بكثرة، تجاوزت الوضع وقلت؛ لا علينا، لكل تصوره، قبل يومين، قرأت كلامًا لابن تيمية في منهاج السنة، حول علي ابن أبي طالب، ونشرته مع سؤال: ما رأيكم في هذا النص.

كانت ٩٠٪ من التعليقات على فيسبوك، وعلى تلغرام، تمثل قلبًا تامًا لتلك القاعدة أعلاه، حيث كانت غالبية الأجوبة: ابن تيمية لم يقل هذا في سياق التأصيل! بل في سياق الجدل! ويجوز في سياق الجدل والرد ما يحرم ويقبح في سياق التأصيل!

إذ وجدت جل التعليقات: هذا في سياق الرد.

نعم، إنها القاعدة الفقهية التي تمثل كارت الجوكر، سلاح ذو حدين، حيث يستعملها كثير من الناس تحت عنوان: إذا كان يرد؛ فيجوز قول الحرام عند الرد دون التأصيل/ وإذا كان يؤصّل؛ فيجوز قول الحرام عند التأصيل دون الرد.
"فهكذا شيوخ الدعاوى والشطح: يدعي أحدهم الإلهية وما هو أعظم من النبوة، ويعزل الرب عن ربوبيته والنبي عن رسالته، ثم آخرته شحاذ يطلب ما يقيته، أو خائف يستعين بظالم على دفع مظلمته، فيفتقر إلى لقمة، ويخاف من كلمة"

(منهاج السنة، ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ج٧، ص٢٠٩)
مؤخرًا صار الشخص يقرأ ويسمع مرارا كلمة "ظهرت فرقة جديدة"، ثم يأتي ويسرد بعض أقوالها. يُحسب أن الحكايات التي من هذا النوع تكشف لأصحابها حداثة الفرق التي سمعوا عنها مؤخرا بالنسبة لهم. ومع كون هذه الصيغة في الخطاب أقرب للدعاية الإعلامية المضادة (البروباغاندا) أكثر منها توصيفا لواقع؛ يغفل أكثر من يتحذلق بمثل هذا عن كونه هو ومن حوله، والذين على جانبه، والذين هناك يطالعون من الزاوية، وشيء واسع من امتدادهم التاريخي، ليسوا سوى فرق جديدة باعتبار الفرق الأقدم منهم، إلا أن شدة الركب التي ساعدتهم على الوقوف لمدة جيدة، سمحت لهم بعض الشيء بأن يكتسبوا صفة الهوية ضمن مسمى المألوف.
"وكل من عرف العلم يعلم أنه ليس كل حديث رواه أحمد في الفضائل ونحوه يقول: إنه صحيح، بل ولا كل حديث رواه في مسنده يقول: إنه صحيح.

بل أحاديث مسنده هي التي رواها الناس عمن هو معروف عند الناس بالنقل ولم يظهر كذبه، وقد يكون في بعضها علة تدل على أنه ضعيف، بل باطل"

(منهاج السنة، ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ج٧، ص٢٢٣)
تكلم ابن تيمية عن عبيد الله بن موسى، في كونه كان صدوقا روى عنه البخاري في صحيحه، ثم قال:

"لكنه معروف بالتشيع، فكان لتشيعه يروي عن غير الثقات ما يوافق هواه، وقد يكون علم أنه كذب، وقد يكون لهواه لم يبحث عن كذبه".

(منهاج السنة، ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ج٧، ص٣٥٦)

من أحاديثه:

"إن أخي ووزيري وخليفتي من أهلي وخير من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي علي ابن أبي طالب".
ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

"‌‌سنة ثمان وعشرين وسبعمائة: وفيها شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد الله بن تيمية الحراني الحنبلي، بل المجتهد المطلق.

فاق الناس في معرفة الفقه
، واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده. وأتقن العربية أصولا وفروعا، وتعليلا واختلافا. ونظر في العقليات، وعرف أقوال المتكلمين. ورد عليهم، ونبه على خطئهم وحذر، ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين، وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنة المحضة"
بالنسبة للسردية التي تقول "معاوية أول من ورث الحكم في الإسلام"، أردت أن أنبه على أن ابن تيمية ينقل قراءة ثانية لتاريخ توريث الخلافة ومن أين بدأ:

ينقل في منهاج السنة:

"وجدنا عليا إذا ولي قد استعمل أقاربه ... ورضي ببيعة الناس الحسن ابنه بالخلافة بعده".

(منهاج السنة، ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ج٧، ص٤٨٥)
أنهيت قراءة منهاج السنة، لابن تيمية، الطبعة التي تقع في ٨ مجلدات، منها ما هو متعلق بعلم الكلام، كبعض المجلدات الأولى، ومنها ما هو متعلق بالفقه، ومنها ما يتعلق بالنقد التاريخي، والسياسي، ونحو ذلك.
خرجت من الكتاب بفوائد، وتساؤلات، ومناقشات لابن تيمية، تاريخية وسياسية، وهي ما سيفتح الباب للقراءة بتوسع لمن سبقه في المواضيع التي ألف الكتاب لأجلها.
خلال قراءتي لمنهاج السنة، كنت أحفظ الاقتباسات من الكتاب على تنوعها، اليوم قمت بتفريغها على ملف وورد، فإذا بعدد الصفحات قد بلغ ٢٥٦ صفحة، من دون تعليق، مع كون عدد صفحاته فاقت ٤٤٠٠ صفحة.

بدأت بقراءة الكتاب يوم ٦ أفريل، وكسرت بعض الملل بغيره من الكتب، منها:

- العثمانية للجاحظ (٢٨٠ صفحة)
- تحفة المجيب لمقبل الوادعي (٤٨٤ صفحة)
- إيضاح المقال لمقبل الوادعي (٦١ صفحة)
- المخرج من الفتنة لمقبل الوادعي (٢١٦ صفحة)
- رياض الجنة لمقبل الوادعي (٣٣٢ صفحة)

فيكون عدد المقروء خلال شهرين وأسبوع، ما يقارب ٥٨٠٠ صفحة، بمعدل ١٩٠ صفحة في اليوم.
ماذا استفادت الأمة من منشوراتك؟

هنالك نسخة متكررة عن أخ فاشل أسريًا، عاطفيًا، ماليًا، ذو بطنة عريضة على أغلب الأحوال، يشرب كوب قهوة مع سبع ملاعق من السكر شغوف بالوجبات سريعة، والمشروب الغازي، نسبة تطويره لنفسه تكاد تنعدم، مدمن شاشة، وبطبيعة الحال؛ مدمن مواقع تواصل، يبلغ به التوتر أحيانا كثيرة إلى مرحلة أن يمل من تصفح الفيسبوك فيخرج من التطبيق ثم يعود إليه بعد لحظة، قائلا في نفسه: أوه! أنا كنت هنا! ليخرج ثم يتجه إلى غيره. طبعا، هذا الأخ لا يقرأ، ولا يستمع، ولا يطور من نفسه، إن كان له نوع هوى في جزئية ما، دأبه أن يعلق لمن دعم هواه قائلا: أنا أحبك. ليس هنالك حاجة لطلب العلم، فالرباط على فيسبوك يفسد عليه طلب العلم الانضباط، من المؤكد، أن بطن الأخ مفيدة جدا، كذلك سبع ملاعق السكر فضلا عن الصور التي تنزل بضحكات بهلوانية كل يوم؛ صورة عند الفطور، وصورة قبل الظهيرة وصورة بعد الظهيرة، وصورة بعد العصر، ودع عنك قضاء الساعات على تطبيقات تعديل الصور، وتبييض الأسنان، ومسح الحبوب من الوجه، قبل إنزال الصور، فضلا عن الشغف العظيم بالبحث عن مقاطع القطط اللطيفة، وقضاء ساعات يوميا للبحث عن ميمز فارغ، لنشر فكرة عميقة، ومن ثم النوم بعد وجبة عشاء تردّ ما احترق من سعرات بفعل حركة الأصابع صاعدة نازلة على فيسبوك.
تخيل أن مشوارًا بالغ الفائدة كهذا، حياة مفعمة بالفوائد، إلى حد التخمة، لا تكاد تجد فيها هامش بطالة، أو سخف، نقابلها نحن الفارغون بنشر اقتباسات مما نقرأ! ثم نجعل هذا الأخ الشغوف بالفوائد، يطئطئ رأسه، وينزل لنا، لمستوياتنا المتقهقرة، ويعلق على منشوراتنا: ما الذي استفادته الأمة مما تكتبون! يا أخي عذرًا، عطلنا روتين فوائدك الزكيّة! الويل لنا!

Inspiration: J.S 🌹
لا تتنفس أمام العوام!!

على الجبهة المقابلة، هنالك نموذج لا يفرق عن السابق إلا في التدرج على مستويات الحذلقة، أمثل مصاديقه، شخص لا يقرأ، ولا يبحث، لكنه بارع جدًا في التعبير عن رهافة الذوق، خصوصا الذوق الأخلاقي، تسأله ماذا تعرف؟ يخبرك: تخصص إدارة شؤون السمعي البصري على مواقع التواصل.

هذا النوع من المتحذلقين، تجده جالسا أكثر يومه مشتغلًا بحياته الخاصة، لكن يدخل فيسبوك، ليقنَص ما يستغربه -لأجنبيته عنه- معلقًا بكل فرح: أخي! لا تنشر هذا أمام العوام.

العوام هؤلاء، هم دوما أشخاص تافهون، بطّالون، لا يطلبون علما ولا يريدون غيرهم أن يشارك ما طلب، لكن يتطفلون على ما لا ينفعهم، بغية تجفيف منابعه، ليبقى الوضع بسيطًا مع كُليمَات لطيفة تصلح لأن تُقرأ قبل النوم. يريد ذلك النموذج أن يحافظ هؤلاء السذّج دومًا على السقف المنخفظ لوعيهم المعرفي، دوما ما يريد إبعادهم عن أي منطقة استفزازية.

وفي حين أن معلوماتك تتطور، تكتمل، تبتلع الهزيل، يشكل ذلك خطرًا تجاه أرضية المزرعة السعيدة التي ينتمي إليها المحامي الوديع عن الذين يسميهم عوامًا، يجب أن يتلقّوا معلومات بسيطة فقط، إذ لا مجال لاستقلاليتهم المعرفية، وإلا اضطرب الوضع.

لكن يشهد له أنه يتواضع أحيانًا خلال نقده؛ فيقول: نحن العوام.

كل الحذلقات واردة، إلا احتمال إلغاء المتابعة الذي يضمن له راحة البال. المهم، يجب كل يوم قنص منشور لتقديم عريضة أخلاقية وإزعاجك بجملة من النصائح الباردة، وكأنك تقود هؤلاء العوام من أعناقهم إلى جهنم، لا علينا.

هذا النموذج، يعشق المرافعات التي تستبطن توقيع معاهدة حين دخولك على فيسبوك: لن نقرأ كتب فلان، ولن ننشرها، ولن نتعرف على فلان، ولن ننشر اقتباسًا من فلان، ولن نناقش هذا الموضوع، ولن نسلّم على من يعرف فلان. أخلاق المسؤولية في هذا النوع كسرت كل سقف. يذكّرك ذلك بحماس الطفل الصغير لتقليد سلوكات الشرطة، إذ يريد أن يتصرف في حريّات الناس، من دون أن نعرف شيئا عن وضعه هو مع ما نعتبره نحن سوءًا أخلاقيًا، ومع ذلك نتعامل بلطف، تماما، كما نتعامل مع ذلك الطفل الحالم.

مع أن هذا فيسبوك في النهاية، وهو صناعة استهلاكية غير إسلامية أصلا، لكن مع ذلك، تشعر فجأة أنك أمام أعراف أسسها عتاولة أهل العلم من النقّاد؛ فكثيرًا ما يُعلَّق لديك بناء على قواعد وليدة تفاعلات شخصية لم تكن موجودة قبل خمس سنوات مثلا، وهي أقرب من الأخلاق المولّدة نتاج التفاعل الاجتماعي، حيث يحسب أصحابها أنفسهم متشبّهين بمالك يوم قال: العراق دار الضرب، أو الأوزاعي يوم قال: أحاديث الكوفة لا تبلغ جدر بيوتهم. مثال ذلك؛ السؤال الأسطوري:

لماذا لا ترد على الإ لحاد؟! على أساس أن هنالك قاعدة مطلقة؛ تشير إلى أن غاية كل طالب معرفة أن يستحيل في النهاية إلى ماكينة هجينة كاتبًا على بايو صفحته: مهتم بالملف الإلحادي.

أو السؤال المساوي له قبحًا: لماذا تقرأ هذه الكتب ولماذا تنشر منها؟ هذا السؤال يقوم على لاوعي وفاقي، إذ عليك أن تضيف من رأسك: ونحن قد اتفقنا على ألا نقرأ هذا ولا ننشر لهذا ولا نتشوف إلى معرفة تفاصيله. لتجد نفسك أخي الكريم مدانًا أمام المحكمة بنكث عقد لم توقّعه، لكنها الوقاحة، فماذا تفعل؟

وغير ذلك من السؤالات، التي تأتي استنكارًا، وهي تستبطن تسليمك بقواعدٍ - المدهش- أن أغلبها تافه، خصوصا قاعدة: يجب أن نسخّر كل جهودنا لحماية قانون الطوارئ الذي أكله الصدأ؛ وحدة العقائد الإسلامية، إذ يتفرّع سؤال الجوكر كل حين: لماذا تتكلم في نقد العقائد، أليس هذا يفرق الأمة؟

أو سؤال: ألا ترى أنه ليس لديك مشروع؟ هذا السؤال العميق الذي يمثل انعكاس الإلحاح الإسلامي بتنوعاته المستمرة، إنه سؤال النهضة التي قامت، شربت كأس ماء، ثم عادت لسباتها، لتعيش حياةً على الأجهزة، حيث لم تُلحِقها عمليات الإنعاش المستمرة عبر ما يسمى: مشاريع، بدَقة قلب واحدة، لكن كل الحذلقة واردة، إلا نقاش أهلية تلك النهضة، ليس هنالك وقت، يجب أن تسلّم بالقاعدة، وتستمر! ويبقى شعار "العوام" وشعار "الأمة" مما يغذي خطاب هذه الكثرة على الدوام.
:

- لقد جعلونا ترند هزلي لمدة طويلة...
- ما الحل؟
- لن نسيطر على العالم! بل سنحرض على ترند: ابن تيمية يقول بقدم العالم 🥀
النقد الناعم، ذو الريشة المحترمة، إلى حد بالغ جدًا، والذي يتجه بخطى رزينة وجملٍ توضع تحت كل كلمة من كلماتها ألف خط، حيث اللفظ فضفاض، والعبارة ذات وقار إلى حد جعلها حمّالة أوجه؛ لا يمكن أن يمنع الذهن من التكيف معه على أي حال، فإن كانت الحقيقة هي: خطأ هذا الفعل؛ لن يتغير الخطأ بمجرد تقديمه في القالب الذي سبق ذكر صفاته. لذلك كانت للذهن خاصية التجريد، التي تعمد إلى الموضوع، فتستخلص منه أخصّ صفاته، هذه الخاصية ليست مسؤولة عن صفات جانبية للموضوع، مثل توسيع العبارة وجعل مهمة التضييق على الهدف تبدو صعبة، إن الذهن، يهتم في النهاية بتحديد الخطأ، ومقداره، وأثره. ولا يهتم بالقوالب التي يُقدَّم فيها كل ذلك إلا بقدر ما يساعد على الفهم فقط.
"يمكننا تمييز خلافة هشام، بأنها اللحظة التي تشكلت فيها أخيرا رواية سردية عظيمة لأصول الإسلام والخلافة المبكرة، ومع ذلك، تمزقت هذه النسخة الأموية، وأعيد تركيبها تحت حكم العباسيين الأول"

(معاوية بن أبي سفيان من الجزيرة العربية إلى الإمبراطورية، ستيفن هامفريز، ترجمه عن الإنكليزية: هشام شامية، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت، ٢٠٢٢، ص٣٦)
بدأت قراءة كتاب ستيفن هامفريز، الذي بعنوان؛ معاوية ابن أبي سفيان من الجزيرة العربية إلى الإمبراطورية، مقدمة الكتاب كانت تحتوي على ما يدل على قصور هامفريز في جوانب سياسية معقدة.

مثال ذلك تفسيره للحرب الواقعة بين (بني أمية- معاوية) وبين (بني هاشم- علي) بكون ذلك يعود إلى عداء قديم، حيث مرحلة بداية الإسلام، إذ كان بنو أمية أعظم أعداء دين النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان هاشميًا.

هذا التفسير ضحل، ولا يمكن أن نفسر الواقع بهذه الاهتزالية، إلا من منطلق جدلي، الواقع يخبرنا أن بني أمية، كقبيلة، كان عملها في دولة النبي، العمل السياسي والعسكري، وعلى صعيد الولايات، قد تعدى من حيث النفوذ عمل مختلف القبائل الأخرى.

مكة، التي تعتبر أم القرى، والتي تحضى بوزن معنوي ثقيل في نفس كل مسلم، كان النبي بعد فتحها، قد استعمل عليها عتاب الأموي، وعلى غيرها استعمل الإخوة الأمويين: أبان بن سعيد، وخالد بن سعيد، وسعيد بن سعيد، وعلى نجران استعمل أبا سفيان ويزيد الأموييَّن، كانت الوحدة السياسية وفقا لهذا، معتضدة بالمصاهرة، إذ صاهر النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث من بناته، لبني أمية. حيث قام بتزويج أكبر بناته؛ زينب، لأبي العاص، وزوج اثنتين لعثمان، وقال؛ لو كانت عندنا ثالثة لزوجناها عثمان.

هذه العلاقة السياسية والأسرية العميقة، يتجاوزها هامفريز ولا يخرج عن دائرة طرح الشيع! فالواقع يخبرنا أن العداء الذي وقع إبان جاهليتهم، قد ذاب بمصداق حسن إدارتهم لوظائفهم السياسية في دولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والسياسة تخبرنا أنه إذا كان لشخص نية مبيتة، لم يكن معقولا تقديمه لمناصب قيادية، وسياسية، هو وأغلب الرؤوس الكبيرة من قبيلته، ومع ذلك يحسن الإدارة. فالطرد، أو التولية ثم العزل، هو ما يمثل وسيلة سياسية ناجعة مع الخصم، لا تنصيبه لمراكز سياسية ذات أهمية.

تناول هامفريز، هو تناول ساذج لواقع النظم السياسية المبكرة، فكثرة استعمال النبي للقوم، ومصاهرته لهم، مع أن معاوية كان حريصًا على تجنب الصدام مع بني هاشم، وأدعى للسلم، لا يمكن أن يوضع في قالب متسق مع فكرة الجذور المتقدمة إلى مرحلة جاهلية أبي سفيان رأس الأمويين.

ففكرة العودة للجذور القديمة، يمكن أن يأخذ محلًا معقولا، في حال ما لو كان معاوية، هو من أعلن عن الحرب على رأس بني هاشم. فهذا يُعقل تفسيره بإحياء العداوة القديمة، ولو كان بدرجة متدنية، ومع ذلك لن يعتبر تفسيرا جادًا ومنضبطا. ذلك لأن بني أمية الذين عادوا النبي فترة جاهليتهم، عادوا كل المسلمين بعيدًا عن الانتماء العرقي أو القبلي المتشعب الذي كانوا عليه، ولم تكن عداوتهم منحصرة تجاه بني هاشم من المسلمين.

فإن الواقع يؤكد على أن ما حصل من بني أمية فترة جاهلية رؤوسهم، حصل من غيرهم أيضا، بل من مثل أبي لهب، ولا يمكن جعل أدنى صدام لأي قبيلة مع الهاشميين، مبنيًا على كون بني تلك القبيلة كانوا قد قاوموا نبوة محمد الهاشمي، صلى الله عليه وسلم، فالعباسيون فعلوا بالعلوييين شرًا كثيرا، ولا يمكن مع هذا تفسير الأمر بنفس الفكرة تلك، فهي قد جاءت من باب تلاقي الصدف، لا أنها تقوم على تحليل سياسي عميق.
"إن الأسلحة التي يدافع بها الأمير عن ملكه إما أن تكون له وإما أن تكون لجنود مأجورة، وإما لجنود مساعدة، وإما مختلطة، فالجنود المأجورة والمساعدة خطرة ولا نفع لها، والأمير الذي يحافظ على ملكه بالجنود المأجورة لن يبقى واثقا من ملكه مطلقا".

(الأمير، نيكولا ميكيافيلي، ترجمة: محمد لطفي جمعة، مؤسسة هنداوي، ص٨٣).
أكثر شيء أستغرب منه، هو كثرة هوس الشبيبة الذين لم ينخرطوا بعد في سلك التوظيف، بمتابعة طواحين هواء؛ تضيع أوقاتهم بشكل متفق على أنه ذميم إلى حد كبير، حتى هم، الكثير منهم يدرك ذلك ويقر به. فترة الجامعة، كانت لدي شراهة وافقها تفرغ واسع، ذلك لأن المسؤوليات محدودة، وأهمها كان يتمثل في النجاح الجامعي، بعد التخرج، بدأت الحياة تتغير تدريجيًا بفعل مزاحمة مسؤوليات تأخذ حيزًا رهيبًا من الوقت، وكان ذلك يذكرني بنصائح كثير من المهتمين بالمعرفة والعلم، من حيث استغلال تلك الفترة إلى أقصى حد ممكن، كانت قراءاتي تصل إلى مستوى ممتاز، وكذلك التدوينات، كان هنالك تفرغ من ناحية الوقت، وكان لصيقا بدرجة أقل من الهمّ، مقارنة بما أتى لاحقا من ظروف، أتخيل وضعي اليوم في حال ما لم استغل تلك الفترة بالمرة، كما يحصل مع من يرمي دماغه كالكرة في ملعبٍ؛ أصدق عنوان يعلّق عليه؛ ملعب القيل والقال، ماذا كان سيحصل؟ صحفي مواقع تواصل ليس إلا! كان يمكن أن تجلس ثلاث ساعات يوميًا في متابعة أشياء ستنساها بعد النوم، نفس الساعات كان يمكن أن تتحاشى صرفها هناك، لتُتَوِّجها بقراءة ثلاث فصول من كتاب مهم! الأمر الذي سينمي وضعك المعرفي بصورة تجعلك تتكبر عن حشر أنفك في مواطن قد لا يؤهلك وعيك -في حال ما لو كان جدار الأنفة المعرفية لديك هشًا- حتى لمعرفة أنك لن تستفيد منها.
عيدكم مبارك 🌹