أنهيت قراءة الكتاب، الفرد والمجتمع لدى ميشيل فوكو، الشذوذ الجنسي، والبيدوفيليا، لا يمكن لدى فوكو أن يقع بعثهما في المجتمع الحديث، إلا عبر التبرير الفلسفي التاريخي، فيجب حسم مسألة "الذات" لدى فلاسفة اليونان، وربط الاهتمام بالذات الفردية لدى أفلاطون وسقراط، بالممارسات الشاذة التي انتشرت في أثينا، لينعكس ذلك على المجتمع الأوروبي اليوم.
يطرح سؤالًا: ما الغاية من ذي القراءة للتاريخ؟
يجيب قائلا: "القصد هو أن نقول أن الشذوذ أو ما نسميه شذوذا جنسيا، ظاهرة اجتماعية موجودة منذ البدء، ومنتشرة في الأوساط الاجتماعية بين مختلف شرائح المجتمع وبين فئات مختلفة".
(ميشيل فوكو، الفرد والمجتمع، تأليف: حسين موسى، دار التنوير، الطبعة الأولى ٢٠٠٩م، ص١٠٩)
لاحظ، لأجل إحياء نمط اجتماعي وأسري معين، يرجع فلاسفة ما بعد الحداثة إلى ما قبل الميلاد. يذكرني هذا بمن يصف الفقه عودة إلى الرجعية مقابل الديمقراطية، مع أن الديمقراطية كانت قد تأسست كفلسفة، قبل الميلاد بما يقارب 400 سنة.
يطرح سؤالًا: ما الغاية من ذي القراءة للتاريخ؟
يجيب قائلا: "القصد هو أن نقول أن الشذوذ أو ما نسميه شذوذا جنسيا، ظاهرة اجتماعية موجودة منذ البدء، ومنتشرة في الأوساط الاجتماعية بين مختلف شرائح المجتمع وبين فئات مختلفة".
(ميشيل فوكو، الفرد والمجتمع، تأليف: حسين موسى، دار التنوير، الطبعة الأولى ٢٠٠٩م، ص١٠٩)
لاحظ، لأجل إحياء نمط اجتماعي وأسري معين، يرجع فلاسفة ما بعد الحداثة إلى ما قبل الميلاد. يذكرني هذا بمن يصف الفقه عودة إلى الرجعية مقابل الديمقراطية، مع أن الديمقراطية كانت قد تأسست كفلسفة، قبل الميلاد بما يقارب 400 سنة.
كان جمال الدين الأفغاني يحرص على أن "يكون له في كل قطر زاره تلاميذ معجبين مخلصين".
(جمال الدين الآسدآبادي المعروف بالأفغاني، تأليف: ابن أخته ميزرا لطف الله خان، قدمه وعلق عليه: صادق نشأت، عبد الحليم حسين، القاهرة: المكتبة الأجلو المصرية، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ه-١٩٥٧م، ص٧)
هذا النص يفسر تناقض الرؤى التي تريد الوصول إلى حقيقة الأفغاني، فلو أردنا أن نتعرف عليه عبر تلاميذه، سنرى أن الإيرانيين منهم شيعة محضة، والمصريين منهم داعون للوحدة الدينية، والتي اختزلت في وحدة العقائد مع رشيد رضا.
بخلاف أصحابه الفرنسيين، فقد كانوا معادين للإسلام أساسًا، ومنهم من كانوا أصالة ماسونيين، والبريطانيين فقد كانوا من الوزراء، ومن أصحابه من حرص على مخالفتهم لدينه، مثل أديب إسحق المسيحي، ويعقوب صنوع اليهودي.
أما أصحابه السودانيين، أمثال محمد أحمد المهدي فقد كانوا جهاديين، والقدر المشترك الذي يجمع الكل هو النفس الثوري غير المتكامل، ولذا، لم تخرج عن هؤلاء التلاميذ وأفرعهم، أي حركة ثورية حققت مطلبا كاملا.
فجمال الدين الأفغاني، أراد أن يكون مدى تأثيره مستوعبًا لمختلف التيارات، مع أن التأثير لم يكن متسقًا، لذا كان كل ثوري من هؤلاء "الأصحاب" يحمل بنية فكرية تخالف الثاني، وقد تكون أشد ما يُتوقع من المباينة. فالتأثير كان ثوريًا، حركيًا، وخطابيًا في كثير من الأحيان، ولم يكن بالمرة صاحب تأثير نظري ليتأطر الجميع تحت فكر معين.
(جمال الدين الآسدآبادي المعروف بالأفغاني، تأليف: ابن أخته ميزرا لطف الله خان، قدمه وعلق عليه: صادق نشأت، عبد الحليم حسين، القاهرة: المكتبة الأجلو المصرية، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ه-١٩٥٧م، ص٧)
هذا النص يفسر تناقض الرؤى التي تريد الوصول إلى حقيقة الأفغاني، فلو أردنا أن نتعرف عليه عبر تلاميذه، سنرى أن الإيرانيين منهم شيعة محضة، والمصريين منهم داعون للوحدة الدينية، والتي اختزلت في وحدة العقائد مع رشيد رضا.
بخلاف أصحابه الفرنسيين، فقد كانوا معادين للإسلام أساسًا، ومنهم من كانوا أصالة ماسونيين، والبريطانيين فقد كانوا من الوزراء، ومن أصحابه من حرص على مخالفتهم لدينه، مثل أديب إسحق المسيحي، ويعقوب صنوع اليهودي.
أما أصحابه السودانيين، أمثال محمد أحمد المهدي فقد كانوا جهاديين، والقدر المشترك الذي يجمع الكل هو النفس الثوري غير المتكامل، ولذا، لم تخرج عن هؤلاء التلاميذ وأفرعهم، أي حركة ثورية حققت مطلبا كاملا.
فجمال الدين الأفغاني، أراد أن يكون مدى تأثيره مستوعبًا لمختلف التيارات، مع أن التأثير لم يكن متسقًا، لذا كان كل ثوري من هؤلاء "الأصحاب" يحمل بنية فكرية تخالف الثاني، وقد تكون أشد ما يُتوقع من المباينة. فالتأثير كان ثوريًا، حركيًا، وخطابيًا في كثير من الأحيان، ولم يكن بالمرة صاحب تأثير نظري ليتأطر الجميع تحت فكر معين.
لذا نخلص إلى أن الأفغاني كان حداثيًا ساذجًا، ومع ذلك، تعتبر كثير من الحركات الجهادية أنفسها متأثرة به.
لقد أخطأت كثير من الكتابات العربية في إفراد جمال الدين الأفغاني بالدراسة النقدية والتاريخية.
جمال الدين الأفغاني لا يمكن فهمه إلا ضمن عمل يعبر عن حلقة متواصلة يكون هو رأسها، أي التأريخ الفلسفي والسياسي لمرحلة تتكون من مراحل متداخلة وكثيرة الانعطاف، بكل شخصياتها، وسياساتها.
وهذا العمل يجدر به أن يكون ضخمًا إلى حد تقديم قراءة نقدية لفترة مدتها قرنين، وهذا ما أحاول العمل عليه.
جمال الدين الأفغاني لا يمكن فهمه إلا ضمن عمل يعبر عن حلقة متواصلة يكون هو رأسها، أي التأريخ الفلسفي والسياسي لمرحلة تتكون من مراحل متداخلة وكثيرة الانعطاف، بكل شخصياتها، وسياساتها.
وهذا العمل يجدر به أن يكون ضخمًا إلى حد تقديم قراءة نقدية لفترة مدتها قرنين، وهذا ما أحاول العمل عليه.
شريف العوني ما سمع بمخالف إلا وعمل له بلوك، ومن بينهم العبد الضعيف الذي لم يتعرض له يومًا، بلوكات بالجملة لكل من يشم فيهم رائحة المخالفة.. ثم يكتب أنه يقود حملة كسر الأصنام والتصنيم!
مجرد منصة تافهة مثل تويتر، تجمعك ببعض مخالفين، كانت كفيلة بإذابة شجاعتك، فعن أي قيادة وعن أي حملة وعن أي "كسر" تتكلم؟! أوليست سلوكات كهذه أدعى للقول بأن العوني انكسر بقليل ضربات، حتى ما أراد أن يبقي قناة اتصال بينه وبين خصومه؟
وتتخيل نفسك قائدًا لحملة؟ الجبان لا يقود، بل يغلق الغرفة على نفسه، ويسبح في خيالاته، بعيدًا عن الجميع، يحقق انتصاراته الوهمية.
مجرد منصة تافهة مثل تويتر، تجمعك ببعض مخالفين، كانت كفيلة بإذابة شجاعتك، فعن أي قيادة وعن أي حملة وعن أي "كسر" تتكلم؟! أوليست سلوكات كهذه أدعى للقول بأن العوني انكسر بقليل ضربات، حتى ما أراد أن يبقي قناة اتصال بينه وبين خصومه؟
وتتخيل نفسك قائدًا لحملة؟ الجبان لا يقود، بل يغلق الغرفة على نفسه، ويسبح في خيالاته، بعيدًا عن الجميع، يحقق انتصاراته الوهمية.
Forwarded from يوسف سمرين
حاتم العوني حظرني رغم أني لم أعلق عنده يومًا، ولا كنتُ في قائمة أصدقائه، المهم يحتفي هذه المدة بكسر (الصنم) حرفيًا هذا عنوان حفل انتصاره العظيم! رد على ابن تيمية بمنشور يقول فيه ما مفاده أن ابن تيمية ليس أفضل شخص في العالم فأين هو من فضل التابعين والصحابة ذي الحجة العظيمة التي ينتشي بأن ذهنه تفتّق عنها، وكاد أن يخرج بطاقة الجوكر ويرمي بها بأن يقول ليس أفضل من الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يختم كل الردود! هذا اسمه رد وكسر صنم!
Forwarded from يوسف سمرين
فن الجدل والمناظرة والكلام عند حاتم العوني كالتالي:
-أنت أفضل من في العالم؟
-لا
خلصت بالضربة القاضية💥
-أنت أفضل من في العالم؟
-لا
خلصت بالضربة القاضية💥
"المتشبع بما لم يعط، كلابس ثوبي زور" - صحيح البخاري.
- قال أبو عبيد: المتشبع بما لم يعط، يعني المتزين بأكثر مما عنده.
- قال حمّاد: ولا أعلم المدلّس إلا متشبعا بما لم يعط.
- الراغب الأصفهاني: تنبيها أنه كاذب بقوله وفعله، فيتضاعف وزره.
- قال اللغوي: بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن.
- قال المازري: المتشبع المتكثر بأكثر مما عنده، يتصلّف به وهو الرجل الذي يرى أنه شبعان وليس كذلك.
- ابن قرقول: يكذب على نفسه بأنه أعطي ما لم يعط، ويكذب على غيره بأنه أعطي ما لم يعط.
- قال أبو عبيد: المتشبع بما لم يعط، يعني المتزين بأكثر مما عنده.
- قال حمّاد: ولا أعلم المدلّس إلا متشبعا بما لم يعط.
- الراغب الأصفهاني: تنبيها أنه كاذب بقوله وفعله، فيتضاعف وزره.
- قال اللغوي: بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن.
- قال المازري: المتشبع المتكثر بأكثر مما عنده، يتصلّف به وهو الرجل الذي يرى أنه شبعان وليس كذلك.
- ابن قرقول: يكذب على نفسه بأنه أعطي ما لم يعط، ويكذب على غيره بأنه أعطي ما لم يعط.
"وهناك حقيقة حرصنا على إظهارها، حتى تكون فكرة الناس عن جمال الدين صحيحة وكاملة، ويكون حكمهم عليها منصفا دقيقا.
وهذه الحقيقة هي أن جمال الدين كان إيرانيا، من أسد آباد، بالقرب من همدان، وكان شيعيا، جعفري المذهب، ولم يكن أفغانيا من أسعد آباد، من قرى كنر من أعمال كابل بأفغانستان. كما لم يكن سنيًا حنفي المذهب".
(جمال الدين الآسدآبادي المعروف بالأفغاني، تأليف: ابن أخته ميزرا لطف الله خان، قدمه وعلق عليه: صادق نشأت، عبد الحليم حسين، القاهرة: المكتبة الأجلو المصرية، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ه-١٩٥٧م، ص٨)
وهذه الحقيقة هي أن جمال الدين كان إيرانيا، من أسد آباد، بالقرب من همدان، وكان شيعيا، جعفري المذهب، ولم يكن أفغانيا من أسعد آباد، من قرى كنر من أعمال كابل بأفغانستان. كما لم يكن سنيًا حنفي المذهب".
(جمال الدين الآسدآبادي المعروف بالأفغاني، تأليف: ابن أخته ميزرا لطف الله خان، قدمه وعلق عليه: صادق نشأت، عبد الحليم حسين، القاهرة: المكتبة الأجلو المصرية، الطبعة الأولى، ١٣٧٦ه-١٩٥٧م، ص٨)
الحفر التيمي، وشروط إنتاج المفهوم.
لن تجد كتابا أو مقدمة، أو مقطعا، للنخبة العربية، يتناول ميشيل فوكو، إلا ويبدأ بديباجة أنه فيلسوف المناطق المظلمة، أو فيلسوف الجزء غير المفكر فيه.
يعني هذا، أن فوكو، كان شق واسع من فلسفته، يقوم على محاولات استلال المفاهيم، من السياقات التي تتناول كلام البشر ورموزهم، بحيث تكون ذي السياقات منطقة غير مفكر في كونها محلًا لاستلال المفهوم.
لم يكن فوكو يكتفي بالسرد التاريخي والمتسلسل للأحداث، بل كان يعمل على تحليل "الكلمات والرموز، والملفوظات"، بما يسمى حفرًا في التاريخ القديم، وقد أعرب بنفسه عن ذلك في كتاب همّ الحقيقة، أنه يعيش بحثًا عن المعنى.
وإن تكن فلسفة فوكو تقوم في النهاية على البحث عن شروط تكوّن المفهوم. فإنها كما ذكرت، تسخّر لأجل ذلك طاقة بحث ذات مستوى معين، وهي محل احتفاء أبله لدى كثير من العرب اليوم.
لاحظ مثل هذا النمط من التقديم، الذي يرِد أغلب الأحيان في سياق الاحتفاء بفيلسوف مريض نفسيًا، ومتعفن، يأتي دومًا متسقًا مع التغافل عن الإنتاج الهائل للحفر التاريخي الذي نجده في مختلف التأليفات التراثية.
دخول الشذ.وذ إلى الوسط العربي المبكّر، مثلًا، لم يكن ابن تيمية يتناوله وفق التأريخ التقليدي، الذي يروي تسلسل الأحداث من قبيل "وفي عام كذا، ظهر الأمر في بلاد المسلمين"، ففضلًا عن بحث المعنى، تجد ابن تيمية يحفر في الشروط التاريخية لإنتاجه وتجسُّده بقصد توضيح أسس إنتاجه، وهذا تلحظه في أبحاثه في تاريخ علم الكلام.
فخلافا لمثل كتاب المقالات لأبي الحسن، والذي كان يسرد المقالات، من غير بحث في التاريخ، تجد لابن تيمية عبارات من قبيل مساهمة ظرف الترجمة، في إنتاج معنى إغريقي معين، اكتسب سريعا دلالة شرعية، كان من شأنها تحويل مفهوم لفظ أتى في القرآن إلى مفهوم ثان.
فالظرف من حيث كونه شرط، يربط بينه وبين تحول المفاهيم اللاهوتية في البيئة الإسلامية رابط يمكن أن تجرّد منه قوانين، تلحظ جريانها مع تغير عين الفلسفة الإغريقية، إلى فلسفة أخرى، فلم يكن ابن تيمية يشرح الشروط التاريخية لإنتاج العقائد المتأثرة بعين تلك الفلسفات التي ردّ عليها وفقط، وإنما كان يقدم -على وجه الدقة-: الأسس المادية لإنتاج المعنى.
ولذا، إذا ما أجريتَ قالب المنهج التاريخي الذي عمد إليه ابن تيمية على فلسفات وافدة، كالنسوية مثلًا، ستجد أن شرط إنتاج معنى جديد لمثل لفظ "القوامة"، يجري بنفس شروط إنتاج تلك المعاني اللاهوتية التي اتّخذها مثالًا. فمنهج الحفر، لم يكن عرضيًا لديه، كما لم يكن على مستوى عقديّ وفقط.
بل كان يتناول أي حادثة وأي مفهوم بنفس ما يمكن أن يسمى "فلسفة التاريخ" خاصته. ولذا فإن تناوله لشروط إنتاج مفاهيم جنسانية جديدة -كالشذوذ- في البيئة الإسلامية العربية، كان واضحًا بالنسبة له أنه قد أتى بعد وفود قسم من الموالي، ككثير من جهّال التّرك حينها. بل كان يبحث حتى عن شروط إعادة إنتاج المعنى الشرعي عبر (التأويل) كحتمية نشوء "مفهوم" تبعا لتوفر شروط ذلك، فالشرط التاريخي هنا: وقوع فتح، ثم توفيد قوم من الترك كموالي.
ومن ذلك قوله:
"وكذلك كثير من جهال الترك وغيرهم قد يملك من الذكران من يحبهم ويستمتع بهم وقد يتأول بعضهم على ذلك ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾" - قاعدة في المحبة، ابن تيمية، ص١١٣.
فمثل هذا الطرح، يمثل بحثًا في مناطق غير مفكر فيها كانت هي المساهم الركيز في إعادة إنتاج مفهوم جنساني معين؛ منطقة الشرط والظرف التاريخي. إن وقوع فتح لقطر ما، كان من شأنه أن يساهم في وفود أهل ذلك القطر إلى بيئة المسلمين، بما يقتضي نشوء احتكاك ثقافي معين، يعمل اجتماعيًا على نشوء ألفاظ ورموز تكرّس انحيازًا من هؤلاء القوم إلى جعل مفهوم (أيمانكم) شاملًا لمفهوم (الشذ.وذ)، بذا، يقدم ابن تيمية الشرط المادي لانتاج هذا المفهوم.
فمن كان يسأله عن جواب شبهة من يتأول قوله ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ لإباحة ذلك الفعل، لم يكن أصالة يدري عن شرط إنتاج هذا المفهوم الذي طُرِحَ حول الآية، بل كان يقدم تاريخًا مفكّرا فيه؛ وجود شخص يدعي مفهومًا للآية يقضي بإباحة ذلك السلوك. بخلاف الذي قدمه ابن تيمية هنا، إنه بحث في الشرط الذي أنتج ذلك المفهوم ابتداء، وقدم مقاربة في أسس إنتاجه.
لن تجد كتابا أو مقدمة، أو مقطعا، للنخبة العربية، يتناول ميشيل فوكو، إلا ويبدأ بديباجة أنه فيلسوف المناطق المظلمة، أو فيلسوف الجزء غير المفكر فيه.
يعني هذا، أن فوكو، كان شق واسع من فلسفته، يقوم على محاولات استلال المفاهيم، من السياقات التي تتناول كلام البشر ورموزهم، بحيث تكون ذي السياقات منطقة غير مفكر في كونها محلًا لاستلال المفهوم.
لم يكن فوكو يكتفي بالسرد التاريخي والمتسلسل للأحداث، بل كان يعمل على تحليل "الكلمات والرموز، والملفوظات"، بما يسمى حفرًا في التاريخ القديم، وقد أعرب بنفسه عن ذلك في كتاب همّ الحقيقة، أنه يعيش بحثًا عن المعنى.
وإن تكن فلسفة فوكو تقوم في النهاية على البحث عن شروط تكوّن المفهوم. فإنها كما ذكرت، تسخّر لأجل ذلك طاقة بحث ذات مستوى معين، وهي محل احتفاء أبله لدى كثير من العرب اليوم.
لاحظ مثل هذا النمط من التقديم، الذي يرِد أغلب الأحيان في سياق الاحتفاء بفيلسوف مريض نفسيًا، ومتعفن، يأتي دومًا متسقًا مع التغافل عن الإنتاج الهائل للحفر التاريخي الذي نجده في مختلف التأليفات التراثية.
دخول الشذ.وذ إلى الوسط العربي المبكّر، مثلًا، لم يكن ابن تيمية يتناوله وفق التأريخ التقليدي، الذي يروي تسلسل الأحداث من قبيل "وفي عام كذا، ظهر الأمر في بلاد المسلمين"، ففضلًا عن بحث المعنى، تجد ابن تيمية يحفر في الشروط التاريخية لإنتاجه وتجسُّده بقصد توضيح أسس إنتاجه، وهذا تلحظه في أبحاثه في تاريخ علم الكلام.
فخلافا لمثل كتاب المقالات لأبي الحسن، والذي كان يسرد المقالات، من غير بحث في التاريخ، تجد لابن تيمية عبارات من قبيل مساهمة ظرف الترجمة، في إنتاج معنى إغريقي معين، اكتسب سريعا دلالة شرعية، كان من شأنها تحويل مفهوم لفظ أتى في القرآن إلى مفهوم ثان.
فالظرف من حيث كونه شرط، يربط بينه وبين تحول المفاهيم اللاهوتية في البيئة الإسلامية رابط يمكن أن تجرّد منه قوانين، تلحظ جريانها مع تغير عين الفلسفة الإغريقية، إلى فلسفة أخرى، فلم يكن ابن تيمية يشرح الشروط التاريخية لإنتاج العقائد المتأثرة بعين تلك الفلسفات التي ردّ عليها وفقط، وإنما كان يقدم -على وجه الدقة-: الأسس المادية لإنتاج المعنى.
ولذا، إذا ما أجريتَ قالب المنهج التاريخي الذي عمد إليه ابن تيمية على فلسفات وافدة، كالنسوية مثلًا، ستجد أن شرط إنتاج معنى جديد لمثل لفظ "القوامة"، يجري بنفس شروط إنتاج تلك المعاني اللاهوتية التي اتّخذها مثالًا. فمنهج الحفر، لم يكن عرضيًا لديه، كما لم يكن على مستوى عقديّ وفقط.
بل كان يتناول أي حادثة وأي مفهوم بنفس ما يمكن أن يسمى "فلسفة التاريخ" خاصته. ولذا فإن تناوله لشروط إنتاج مفاهيم جنسانية جديدة -كالشذوذ- في البيئة الإسلامية العربية، كان واضحًا بالنسبة له أنه قد أتى بعد وفود قسم من الموالي، ككثير من جهّال التّرك حينها. بل كان يبحث حتى عن شروط إعادة إنتاج المعنى الشرعي عبر (التأويل) كحتمية نشوء "مفهوم" تبعا لتوفر شروط ذلك، فالشرط التاريخي هنا: وقوع فتح، ثم توفيد قوم من الترك كموالي.
ومن ذلك قوله:
"وكذلك كثير من جهال الترك وغيرهم قد يملك من الذكران من يحبهم ويستمتع بهم وقد يتأول بعضهم على ذلك ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾" - قاعدة في المحبة، ابن تيمية، ص١١٣.
فمثل هذا الطرح، يمثل بحثًا في مناطق غير مفكر فيها كانت هي المساهم الركيز في إعادة إنتاج مفهوم جنساني معين؛ منطقة الشرط والظرف التاريخي. إن وقوع فتح لقطر ما، كان من شأنه أن يساهم في وفود أهل ذلك القطر إلى بيئة المسلمين، بما يقتضي نشوء احتكاك ثقافي معين، يعمل اجتماعيًا على نشوء ألفاظ ورموز تكرّس انحيازًا من هؤلاء القوم إلى جعل مفهوم (أيمانكم) شاملًا لمفهوم (الشذ.وذ)، بذا، يقدم ابن تيمية الشرط المادي لانتاج هذا المفهوم.
فمن كان يسأله عن جواب شبهة من يتأول قوله ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ لإباحة ذلك الفعل، لم يكن أصالة يدري عن شرط إنتاج هذا المفهوم الذي طُرِحَ حول الآية، بل كان يقدم تاريخًا مفكّرا فيه؛ وجود شخص يدعي مفهومًا للآية يقضي بإباحة ذلك السلوك. بخلاف الذي قدمه ابن تيمية هنا، إنه بحث في الشرط الذي أنتج ذلك المفهوم ابتداء، وقدم مقاربة في أسس إنتاجه.