باسم بشينية
7.31K subscribers
1.11K photos
49 videos
33 files
290 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
الخبرة عند هيوم، هي العادة عند الأشعري:

"قوانين الطبيعة كلها، وعمليات الأجسام كلها، إنما تعرف بالخبرة وحسب، فلو قدم لنا أي شيء وطلب إلينا أن نتكلم على الأثر الذي سيتحصل عنه، من دون الاسترشاد بمشاهدة ماضية، فبأي طريقة -لا أب لك- يجب أن يتصرف الذهن في هذه العملية؟".

(مبحث في الفاهمة البشرية،ديفيد هيوم، ترجمةموسى وهبة، دار الفرابي، الطبعة الأولى ٢٠٠٨، ص٥٤)
فكرة هيوم حول السببية، إلى حد الفقرة ٢٥ من كتابه، تبدو جد ركيكة، يسأل هيوم في حال ما لو قُدم لنا شيء ما بمثابة السبب، وطُلب منا أن نتكلم عن الأثر الذي سيحدثه؟، فإنه من دون الاسترشاد بمشاهدة ماضية لذي العلاقة لا يمكننا أن نقرر شيئا.

لماذا لا نقرر شيئا؟ لأن السبب والأثر يختلفان كليًا، ولا يمكن الربط بينهما بمجرد معرفة السبب دون معرفة الأثر، ويضرب مثالا لهذا بحجر، فإننا إن لم نشاهد سقوطه من أعلى الطاولة سابقا، لا يمكن أن نقدم علاقة سببية بين الحجر والسقوط، فالحجر لا ينطوي على طبع، ولا الأرض تنطوي على جاذبية.

بالعودة إلى سؤال: ما الأثر الذي ستحدثه النار عند شخص لم يشاهد النار ولا أثرها سابقا بالمرة، الجواب باختصار: مباشرة الحواس، إنها هي ما سيكشف الأثر، لكن دون العلم بالأثر، نعلم قطعًا أن هنالك أثرًا ما ستحدثه النار.

وعدم علمنا بالأثر، لا يعني عدم وجوده، في حال ما لو لم يعرف البشر النار مطلقًا، وكانت النار في مكان لا تصله قدم بشر، ستبقى علاقتها هذه قائمة، إنها لا تحتاج لإدراك البشر لها حتى تصبح متسببةً في الحرق.

وجهة نظر هيوم، تدور داخل نسق ”الأنا“، ومبنى حجته القائمة على ”المشاهدة الماضية“، لا تبقى لها قيمة إذا ما أكدنا أن الطبيعة لا تحتاج إلى أن نعرفها ”لذاتنا“ حتى نقر بها.
يقال أن هيوم ألف مبحث في الفاهمة البشرية وهو ابن ٢٤ سنة، ثم ندم بشدة على نشره، حق له الندم، فكرة الشطر الأول من الكتاب كلها قائمة على كلمة ”أنا أفكر إذا أنا موجود“، إنها سرقة لطيفة لقوالب ديكارت. يقول هيوم ”افترض أن إنسانًا يتمتع بأقوى ملكات عقلية، وتأملية، سيكون عاجزًا عن بلوغ فكرة السبب والأثر“ (مبحث في الفاهمة، الصفحة٧٠)، ليستنتج من هذا أنه لا يوجد تأكيد على السببية.

لاحظ أن كل أمثلة هيوم مُصدَّرة بعبارات من قبيل ”هب أن إنسانا رأى، إن المرء إذا رأى، إنني ولو كنت ذكيا فلن أدرك السببية، الإنسان“ كلها تعامل الوجود من منطلق ”الأنا“، من منطلق ”الشيء لذاتي“، إنها الفلسفة التي ينغلق فيها الإنسان/الأنا على نفسه، ولا يضحى شيء موجودًا إلا إذا باشره الإنسان.

إن الرجل العاجز عن بلوغ فكرة السبب والأثر، لا يؤكد عجزه على عدم العلم بالسبب والأثر، عدم وجوده، إن السبب يحدث الأثر سواء كشفناه، أم لم نكشفه، إنه موضوعي، مستقل عن ذواتنا.

وهنا تأتي كلمة ابن تيمية ”الحقائق الخارجية مستغنية عنا، لا تكون تابعةً لتصوراتنا، بل تصوراتنا تابعة لها“ (الرد على المنطقيين، صفحة ٧١) فالحقيقة الخارجية بين السبب والأثر سيكشفها الإنسان، ويكون تصوره تابعًا لها، لا العكس.

الطبيعة لا تتأثر بتصور الإنسان، سواء وافق على وجود الطبائع، أم أنكر، سواء وسم السببية بالاقتران، بالعادة، أم بالخبرة، فإنها لا تتأثر، ستمارس الطبيعة السببية وستؤثر في الذهن، وإن لم يوجد ”ذهن يفكر“ فإنها تمارس ما تمليه طبائعها، ولا تحتاج لذهن يدرك حتى تفعل.
كثيرًا ما وقع إلزام الأشعرية بنفي السببية، لترافع عن نفسها قائلة أنها لا تنفي السببية، بل تجعل الإله هو السبب فيما يحصل من آثار.

هيوم كان متسقًا إلى حد لم يسمح له بالوقوع في أغلوطات كهذه، في حين يحاجج في القسم الأول من كتابه حول الفاهمة البشرية بأن العقل يفصل بين السبب والأثر، حيث لا يمكن أن تتعرف على السبب بمجرد التعرف على الأثر، فإنه يبني ذلك على مقالة أنه لا توجد سببية في الأشياء، بل يوجد اقتران، وعادة، وما يجعلنا نقول أن النار تؤدي للإحراق، إنما هي الخبرة بهذه العلاقة.

إلى هنا، فلسفيا الكلام متسق مع الأشعرية، لكن كيف سيتحول هذا المذهب لرفض الوجود الإلهي في مرحلة من مراحل إطلاقه في اتجاه فلسفي أحكم اتساقًا؟ ليعود دليل الحدوث المبني على [[الآثار والأسباب]] مرفوضًا برفض عموم ثنائية [[الآثار والأسباب]]

يقول هيوم "تعترفون أن الحجة الرئيسية أو الوحيدة لصالح وجود الله مستمدة من نظام الطبيعة، التي يظهر فيها من علامات العقل والتخطيط، ولعلكم توافقون على أن هذه الحجة تعود من [[الآثار إلى الأسباب]] فمن الطبيعة تستدلون على أنه يجب أن يوجد تخطيط وتدبير في الصانع" [1]

هيوم يرى أنك في حال ما لو أبطلت السببية، داخل نظام الطبيعة، فهذا يترتب عليه أن تتيقن أن حدوث الحرق لوجود النار، إنما نضع له علاقة (سبب- أثر) بناء على الخبرة المشاهدة سابقا، وما لم نشاهده سابقا يُحدِثُ أثرًا، فليس من الصحيح أن نربط بينه وبين شيء نسميه أثرًا، فكيف إذا وجدنا آثارًا من دون أسباب؟

يقول هيوم: إنها منفصلة جوهريا عن الأسباب في فاهمتنا، لا يمكننا أن نشتق الأسباب من مجرد الآثار من دون أن نرى ذلك سابقًا.

عندما يتم تجريد هذه الفلسفة واتخاذها منهجًا تجاه كل ما يقابلنا من الآثار، ثم ننظر في الطبيعة، ونتعامل معها على أساس أنها أثر لسبب ما، يسأل هيوم: عفوًا، وفقا لأي تدليل واقعي تخبرنا أن لهذه الطبيعة سببٌ وهو الإله؟

[1] مبحث في الفاهمة البشرية،ديفيد هيوم، ترجمةموسى وهبة، دار الفرابي، الطبعة الأولى ٢٠٠٨، ص١٨٤.
"وذهب إلى أن ذوات الأسباب كتحية المسجد والركعتين عقيب الوضوء وغير ذلك، تفعل في أوقات النهي"

(اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، لتلميذه الحافظ ابن عبد الهادي، للبرهان ابن القيم الجوزية، لدى مترجميه، تحقيق سامي بن محمد بن جاد الله، دار عالم الفوائد، ص٢٢)
"وذهب إلى أن النعل إذا أصابته نجاسة فدلكَه في الأرض فإنه يطهر"

(اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، لتلميذه الحافظ ابن عبد الهادي، للبرهان ابن القيم الجوزية، لدى مترجميه، تحقيق سامي بن محمد بن جاد الله، دار عالم الفوائد، ص٢٦)
"وذهب إلى أنه يقنت في الصلوات كلها عند النوائب"

(اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، لتلميذه الحافظ ابن عبد الهادي، للبرهان ابن القيم الجوزية، لدى مترجميه، تحقيق سامي بن محمد بن جاد الله، دار عالم الفوائد، ص٤٣)
كثير ممن ينتسبون إلى السلفية في الجزائر، لا يصلون خلف من يقنت في الفجر، لاعتقادهم تحريم القنوت، وهذا أشبه بما أشار إليه ابن تيمية في مسألة ترك الإمام لما يعتقد المأموم وجوبه، أو العكس:

"قال: وتنازع ‌العلماء فيما إذا ترك الإمام ما يعتقد المأموم وجوبه، مثل: أن يترك قراءة البسملة والمأموم يعتقد وجوبها، أو يمس ذكره ولا يتوضأ، والمأموم يرى وجوب الوضوء من ذلك، أو يصلي في جلود الميتة المدبوغة، والمأموم يرى أن الدباغ لا يطهر، أو يحتجم ولا يتوضأ، والمأموم يرى الوضوء من الحجامة.

قال: والصحيح المقطوع به أن صلاة المأموم خلف إمامه صحيحة وإن كان إمامه مخطئا في نفس الأمر، لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم"

(اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، لتلميذه الحافظ ابن عبد الهادي، للبرهان ابن القيم، لدى مترجميه، تحقيق سامي بن محمد بن جاد الله، دار عالم الفوائد، ص٤٣)
من اختيارات ابن تيمية الفقهية:

"وذهب إلى أن الماء المتغير بالطاهرات، لا يسلب الطهورية بل يجوز الوضوء به ما دام يسمى ماء" [23] و"من صلى وعليه نجاسة جاهلا أو ناسيا، لا إعادة عليه" [26] "وذهب إلى أن النعل إذا أصابته نجاسة فدلكَه في الأرض فإنه يطهر" [26]

"وذهب إلى أنه من حبس في موضع نجس فصلى فيه فإنه لا إعادة عليه" [27] "وذهب إلى أن عادم الماء إذا لم يجد ترابا وعنده رماد وتيمم به يصلي ولا يعيد" [28]

و"لا يجب الوضوء من مسّ الذكر، بل يستحب" [29] "مس النساء لغير شهوة لا يجب منه الوضوء" [29] "ومنها عدم الوضوء بمس المرأة، ولو كان بشهوة" [141]

وأن "صلاة المأموم قدام الإمام تصح مع العذر" [30] "وذهب إلى أن المني طاهر، وقطع بذلك" [42] "والصحيح المقطوع به أن صلاة المأموم خلف إمامه صحيحة وإن كان إمامه مخطئا في نفس الأمر" [43]

"وأما لعنة المعين فالأولى تركها، لأنه يمكن أن يتوب" [77] "وقيل: لا يستفتح ولا يتعوذ حال جهر الإمام، وهذا أصح" [80]

"الطلاق في حال الغضب لا يقع، ولو كان غير مزيل للعقل" [123] "ووجوب غسل الجمعة على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس" [126] "وأنه يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه" [127]

"وأن الإمام إذا أقطع الجند المكوس فهي حلال لهم إذا جهل مستحقها، وكذلك إذا رتبها للفقراء وأهل العلم وغيرهم" [188]

"وجواز الوضوء بكل ما يسمى ماء، مطلقا كان أو مقيدا" [131] "وأنه يجوز الجمع بين الصلاتين للطباخ والخباز وغيرهما ممن يخشى فساد ماله أو غيره بترك الجمع" [132]

"وأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء، وهو مذهب ابن عمر واختاره البخاري" [132] "وأنه يجب على الزوج وطء المرأة بقدر كفايتها ما لم ينهك بدنه، ويشغله عن معيشته"

[133] "وأن الدم والقيء وغيرهما من النجاسات الخارجة من غير المخرج المعتاد لا تنقض الوضوء، وإن كثرت" [136]

"وأن الحائض لا تمنع من قراءة القرآن" [137] "جواز الوضوء بالماء المستعمل" [140] " تغيير الماء بالطاهرات لا يمنع التطهر به" [140]

ما بين المعقوفتين [..] هو رقم الصفحة. من كتاب اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، لتلميذه الحافظ ابن عبد الهادي، ابن القيم، لدى مترجميه، تحقيق سامي بن محمد بن جاد الله، دار عالم الفوائد.
"والرازي ... كان جبريًا محضًا"

(الاحتجاج بالقدر، ابن تيمية، إشراف: زهير الشاويش، خرج أحاديثه: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ص٩)
"يبقى الكلام في بعض أنواع الحسن والقبيح لا في جميعه، ولا ريب من أنواعه ما لا يعلم إلا بالشرع، ولكن النزاع فيما قبحه معلوم لعموم الخلق"

(الاحتجاج بالقدر، ابن تيمية، إشراف: زهير الشاويش، خرج أحاديثه: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ص١٢)
هناك مسألة يدرجها بعض متصوفة الفقهاء ضمن الفروع، إذا سكر السالك في حضرة الإله، وفق ما يسمونه بالفناء، أيعيد الوضوء أم لا؟ قالوا: لا ينقض وضوءه. وهذا غلط، إذ غياب العقل يبطل الوضوء.

هذا شبيه بالسؤال عن سقوط التكليف لمن فني، هل يعذر من سكر حيث وقع في الفناء فأسقط الفارق بين الرب والعبد؟ وبين المأمور به والمنهي عنه؟ كان جواب ابن تيمية أن:

"مثل هذه الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحضور، ليس علمًا، ولا حقًا، بل غايته أنه نقص عقله الذي يفرق به بين هذا وهذا، [وغايته أن يعذر] لا أن يكون قوله تحقيقًا وتوحيدًا"

(الاحتجاج بالقدر، ابن تيمية، إشراف: زهير الشاويش، خرج أحاديثه: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ص١٦-١٧)
قرأت كتاب الاحتجاج بالقدر لابن تيمية مرتين، واحدة قبل ثلاث سنوات، وواحدة قبل سنتين. عدت لقراءته للمرة الثالثة اليوم، فكأني ما قرأته سابقا مما رأيت من مزيد فوائده!
عدم شهود القدر في الطاعات مفصلي في تحديد تصور الإنسان لأفعاله الخيِّرة، ومن وُفِّقَ لطاعة وغاب عنه الاعتراف بفضل الله عليه، كان أقرب لمناصرة استحقاقية الجزاء على الله بما فعل، وقد ذكر ابن تيمية أن هذا "إن لم يكن قدري الاعتقاد، كان قدري الحال"

(الاحتجاج بالقدر، ابن تيمية، إشراف: زهير الشاويش، خرج أحاديثه: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ص٤٩).
موقف ابن تيمية من الهروي صاحب ذم الكلام، ومعتقده:

"وأما الذي لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، فهذا لم تبق عنده الأمور نوعين: محبوب ومكروه له، بل كل مخلوق فهو عنده محبوب للحق.

فإن هؤلاء أصل قولهم هو قول جهم بن صفوان من القدرية، فهم غلاة الجهمية في القدر، وإن كانوا في الصفات يكفرون الجهمية نفاة الصفات، كحال أبي إسماعيل الأنصاري صاحب منازل السائرين، وذم الكلام والفاروق وتكفير الجهمية وغير ذلك.

فإنه -الهروي- في باب الصفات في غاية المقابلة للجهمية والنفاة، وفي باب الأفعال والقدر قوله يوافق الجهم ومن اتبعه من غلاة الجبرية، وهو قول الأشعري وأتباعه".

(الاحتجاج بالقدر، ابن تيمية، إشراف: زهير الشاويش، خرج أحاديثه: ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ص٦٥)

الهروي من غلاة الجهمية في باب القدر لدى ابن تيمية، أما معتقده فمخالف للجهمية في الصفات، موافق لهم وللأشعري في الجبر.
هل خالف ابن القيم شيخه ابن تيمية في كون الهروي صاحب ذم الكلام ومنازل السائرين من القائلين بالجبر؟

بعض الناس يخلط ذي المسألة بغيرها، الهروي لدى ابن تيمية يقول بمقالة الحلول والاتحاد، ويقول بمقالة الجبر على أصول جهم بن صفوان.

ابن القيم يخالف ابن تيمية فيما يتعلق بموضوع الحلول، فلا ينسبه للهروي، بل يتأول نصه [الصريح]، أما في مقالة الجبر فيثبت له المقالة ولا يخالف ابن تيمية في ذلك، وفي هذا شواهد:

1- مقالة الحلول، يقول الهروي: "ما وحَّد الواحد من واحد إذ كل من وحَّده جاحد"
– منازل السائرين، عبد الله الأنصاري الهروي، الطبعة الأولى ١٩٨٨م، ١٤٠٨هجري، دار الكتب العلمية، ص١٣٩.

قال ابن تيمية:
"قد وقع في ذلك -الحلول الخاص- طائفة من الصوفية، حتى صاحب منازل السائرين في توحيده المذكور في آخر المنازل في مثل هذا الحلول، ولهذا كان أئمة القوم يحذرون من مثل هذا"
– كتاب الأسماء والصفات، ابن تيمية، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ج١، ص١٤.

أما ابن القيم فنقل معاني، منها صواب ومنها ما يحتمل القول بالحلول ثم قال عن المعنى الصواب: "وهذا المعنى حق وهو أولى بهذا الإمام العظيم القدر مما يظنه به طائفة الاتحادية والحلولية"
–مدارج السالكين، ابن القيم، تحقيق المعتصم بالله البغدادي، ج٣، ص٤٨٠.

هنا لدينا اختلاف بين ابن تيمية وابن القيم حول قول الهروي بالحلول، والصواب فيما أرى قول ابن تيمية، وابن القيم حكم حين أورد احتمالات، فانتقى -رحمه الله- ما يراه أولى بالهروي، لا بما يراه صريحًا في نص الهروي.
--------------


2- مقالة الجبر، يقول الهروي:"وأما التوحيد الثاني الذي يثبت بالحقائق فهو توحيد الخاصة، وهو إسقاط الأسباب الظاهرة، والصعود عن منازعات العقول، وعن التعلق بالشواهد. وهو أن لا يشهد في التوحيد دليلا، ولا في التوكل سببا... هذا توحيد الخاصة، الذي يصلح بعلم الفناء"
– منازل السائرين، عبد الله الأنصاري الهروي، الطبعة الأولى ١٩٨٨م، ١٤٠٨هجري، دار الكتب العلمية، ص١٣٧.

قال ابن تيمية:
"فإن هؤلاء أصل قولهم هو قول جهم بن صفوان من القدرية، فهم غلاة الجهمية في القدر، وإن كانوا في الصفات يكفرون الجهمية نفاة الصفات، كحال أبي إسماعيل الأنصاري صاحب منازل السائرين"
– الاحتجاج بالقدر، ابن تيمية، إشراف: زهير الشاويش، خرج أحاديثه: الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الخامسة، ١٤٠٦ه‍- ١٩٨٦م، ص٦٥.

أما ابن القيم، فلم يخالف ابن تيمية هنا، بل وافقه في قول الهروي بالجبر الذي هو قول جهم، حيث قال:

"وقوله -أي الهروي- وهو إسقاط الأسباب الظاهرة، يحتمل أن يريد بها: الأسباب المشاهدة التي تظهر لنا، وإسقاطها: هو أن لا يرى لها تأثيرا البتة، ولا تغييرا، وإن باشرها بحكم الارتباط العادي، فمباشرتها لا تنافي إسقاطها ... فليس إسقاط الأسباب من التوحيد، بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية.

والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية، أتباع جهم بن صفوان في الجبر، فإنه كان غاليا فيه، وعندهم أن الله لم يخلق شيئا بسبب، ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر، فليس في النار قوة الإحراق، ولا في السم قوة الإهلاك.

ثم قال ابن القيم: ولهذا قال صاحب المنازل: وهو -أي تحقيق التوحيد- أن لا يشهد في التوحيد دليلا، ولا في التوكل سببا، ولا في النجاة وسيلة، بل عندهم صدور الكائنات والأوامر والنواهي عن محض المشيئة الواحدة التي رجحت مثلا على مثل بغير مرجح، فعنها يصدر كل حادث، ويصدر مع الحادث حادث آخر مقترنا به اقترانا عاديا، لا أن أحدهما سبب الآخر، ولا مرتبط به"
–مدارج السالكين، ابن القيم، تحقيق المعتصم بالله البغدادي، ج٣، ص٤٥٨- ٤٥٩.

هنا يتفق ابن القيم مع ابن تيمية في أن الهروي يقول بالجبر المحض، الذي هو قول جهم بن صفوان، ولا يتأول له، ولا يرد عنه هذه الشبهة، بل قال أن قوله إذا طُرِدَ فسيكون "مفسدًا للدين والدنيا، بل ولسائر أديان الرسل".
ليس هنالك "فلسفة تاريخ" تستحق نقدًا فلسفيًا جذريًا تساوي ثقلًا وتأثيرًا كبيرين -طالا حتى الأقلام التي تتمسَّح بالكشوفات العقدية التاريخية في الوسط السلفي- مثل فلسفة ميشيل فوكو.