باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
الكتاب المنسوب للأشعري [رسالة إلى أهل الثغر] ليس فيه تراجع من الأشعري عن معتقده كما يقول البعض، بل فيه نفي الحد، ونفي التحسين والتقبيح العقليين، وإثبات أن الإله لا يتحرك، ونفي المكان عنه، وإثبات الموافاة من باب إثبات أن الرضى هو إرادة النعيم مع القول بأزلية ذي الإرادة.

لكن كما ذكر ابن تيمية، أن في الكتاب بيان أن صحة دين الإسلام لا تتوقف على دليل الأعراض، ومن ذلك قول الأشعري:

"ولكن ما يستدل به من أخباره عليه السلام على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض، التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية -المعتزلة- وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام، من قِبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها"

- رسالة إلى أهل الثغر، لأبي الحسن، ص١٠٥.

وهذا ليس إنكارًا منه لصحة دليل الأعراض كما قد يتصور البعض، بل هو -على وجه الدقة- يعتقد صحته، وينكر على من أوجبه، ويرى أن الطرق الشرعية غنية عنه.
👍84👏2🔥1
الأشعري في كتاب اللمع، عندما يرد على المعتزلة في مسألة الرؤية قد يعجبك الحجاج الذي يقدمه وهو ينصر مقولة أن "الباري يُرى بالإبصار"، لكن ما إن تصل إلى تفصيل هذه الرؤية ترى خفة الخلاف معهم في قوله "إن كان أراد حدوث إدراك فينا فذلك جائز".
بما أنك ترى صحة الأصل الذي بنوا عليه نفي الرؤية، فإن الخلاف يتحول إلى فرعي وإن كنت تثبت اللفظ، فالمعتزلي الذي يرى نفي الرؤية لأنها تستلزم الجهة والإشارة الحسية، يدله الأشعري على منطقة تقع بين إثبات الرؤية وبين نفي الجهة؛ فينسج مقالة أن حقيقة الرؤية هي "حدوث الإدراك فينا"، فهذا ليس سوى تعديل لمذهب المعتزلة.
👍12🔥85
العلمانية تحمي الإسلام.

هذا شعار يتردد على نطاق واسع جدًا في كثير من الأبواق العلمانية، على نحو دوغمائي صرف، لذا تجد أكثر من يردده غير مستوعب لمقدماته.

المفارقة بين المثقف الحقيقي، وبين المثقف المزيف، قد تكمن هنا في النظر إلى معاني ألفاظ هذا الشعار لدى من يطلقه، وبناء عليه يتحدد المزيف من الصريح.

لقد كان جون ستيوارت مل، مدركًا للمعنى الصحيح لعبارة أن النظام العلماني يحمي الإسلام، فالعلمانية لديه محددة كعلمانية ليبرالية، كما أن الإسلام الذي يتعين على ذي العلمانية حمايته إذا ما تمكنَت محدد لدى مل على نحو دقيق، فهو إسلام يضرب جذريا خطاب حرية الفردية، إذ يحدد ما يحرمُ على الفرد فعله، وما يجب عليه فعله.

وفي هذا ينقل عنه العروي في مفهوم الحرية المقدمة التي ينبني عليه ذلك الشعار، فيقول أن:

"التحريم الإسلامي يمس حرية الفرد لأنه يفترض أن الفرد لا يعرف مصلحته وينتقد مل كذلك تحريم أكل الخنزير في الإسلام. فيقول أن للمسلمين الحق في تجنبهم لحم الخنزير لأنهم يعافونه، لكنهم عندما يحتقرون غيرهم ممن لا يعافه ويأكله، فإنهم يمشون بحرية ذلك الغير" [١]

لاحظ هنا المتغيرين الذين سيحمي أحدهما الآخر، الإسلام، والعلمانية الليبرالية. إذا ما طرحت الأصل الذي يتقاطع فيه الإسلام والليبرالية على نحو حاد، سترى أن نوعا من الخطاب الإسلامي، والذي لا إسلام بدونه، لا يمكن أن يكون والخطاب اللبرالي في سلة واحدة.

فاللبرالية على مستوى مجتمعي تنبني على أن الإنسان، ولنقل هنا: الفقيه، لا يعرف الشيء لذاته، فلا يصح أن يقول بحرمة هذا السلوك دون الآخر، فلا يوجد علمانية ليبرالية ستحمي إسلاما يرى أئمة فقهه أن الخمر محرم، ثم يخرم هذا الفقيه المنظومة الفردانية بإلزام كل أفراد المجتمع بهذا الحكم ثم تصدير خطاب ينطوي على عقوبة دنيوية وأخروية على من يخالفه.

لذلك لا يرى مل أن العلمانية الليبرالية ستحمي إسلاما ينطوي في جانبه الأصولي على حكم التحريم. وفقا لمعيار العلماني الليبرالي، يضحى الحكم بتحريم الخنزير والخمر، أو الحكم بوجوب الصلاة، دلالة على تهديد الركيزة الليبرالية، التي تقضي بعدم معرفة الشيء لذاته أحسن أم قبيح، عدم إلزام الفرد بأي حكم من باب أن الفرد يتصرف وفقا لرؤيته الشيء لذاته هو.

ومع أن هذا المفهوم مستوعب في الساحة الإعلاميةالفرنسية وغير الفرنسية، إلا أنك تجد علمانيين عرب، يستجهلون مستمعيهم وهم يصورون أن العلمانية ستحمي الإسلام الذي يعرفه المسلمون.

ذلك الشعار في الحقيقة، يعبر -إن اختصرنا القول- على حماية لإسلام لا يقول بتحريم شيء أو إيجابه، إسلام لا يوجد فيه من يقول بوجوب الصلاة، كما لا يوجد فيه من يقول بحرمة أكل الخنزير أو شرب الخمر.

لذا، لما تعرض باسكال بونيفاس الناقد الفرنسي، لموضوع الإسلام المتشدد الذي لن تحميه العلمانية، والإسلام المعتدل الذي تحميه ذي العلمانية، كان مدركًا لنوعية الخداع الذي يمارسه المثقف المزيف مثل بيرنارد هنري ليفي وأشباهه، وهم يدعون حماية العلمانية للإسلام.

كان يقول: "تم التأكيد على الفصل بين المسلم المعتدل والمسلم المتطرف لكن هذا التمييز ليس أكثر من خدعة، فالمسلم المعتدل كثيرًا ما يكون مسلمًا ولكن باعتدال، ولكي يُعتبر المسلم معتدلًا يجب على المسلم ألا يلتزم بمبادئ الإسلام وألا يكون مؤمنًا، وتُعتَبر الصلاة أو صوم رمضان دليل تطىرف ديني" [٢]

فعلى نفس الطراز، عندما تقول "العلمانية الليبرالية تحمي الإسلام"، عليك أن تؤكد على مفهوم العلمانية، الذي سيتسق عكسيًا مع أمور من الإسلام لن تناسبه، الليبرالية؟ أقل شيء هي ضد القول بتحريم الحرام، الشيوعية؟ أقل شيء هي ضد القول بوجوب قسمة الميراث على ما تقول مذاهب الفقه.

وهكذا، كل نمط علماني سيدعي بصورةخادعةحماية الإسلام، هو في الحقيقة يرى ضرورة تقليم هذا الإسلام كيلا يتضارب مع قطعيات ذلك النمط، فتصور الآن ذلك الشعار مفصلا، وهو يقول: "نحن نرى حماية الإسلام على شرط إلغاء الحكم بالتحريم، الوجوب، الكراهة، نحن سنحمي الإسلام الذي لا يقال فيه: الصلاة واجبة، الخمر حرام".

هنا سيكون الخطاب إلى حد ما فاضحا، مثل خطاب جون ستيوارت مل، سيتم لفه بكيس نفاية، ثم يرمى في القمامة سريعا، بخلاف الخطاب المزيف والخادع.

[١] مفهوم الحرية، عبد الله العروي، ص٤٧.
[٢] المثقفون المزيفون، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، باسكال بونيفاس، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ترجمة روز مخلوف، ورد للطباعة، الطبعة الأولى ٢٠١٣م، ص٥٥.
🔥12👍119
"وإلى هنا كان ينتهي علم ابن سينا إذ تاب والتزم القيام بالواجبات الناموسية، فإن قدماء الفلاسفة كانوا يوجبون اتباع النواميس التي وضعها أكابر حكماء البلاد فلأن يوجبوا اتباع نواميس الرسل أولى.

فإنهم كما قال ابن سينا: اتفق فلاسفة العالم على أنه لم يقرع العالم ناموس أفضل من هذا الناموس المحمدي".

مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج٤، ص١٠٠.
14👍7
الولف قتَّال.
قبل سنتين وقع أن انتقلت من بلدتي إلى بلدة مجاورة، كان الأمر شاقًا جدًا، بحكم الطبع، أني ذو طبيعة ثابتة، لا متحركة، كالثنائية التي يستعملها بعض الجيوسياسيين: إقليم بري يطرد الحداثة وينجذب للثبات، إقليم بحري يطرد الثبات وينجذب للتحديث.
كان الأيام الأولى عصيبة، الهواء مختلف، المسجد البعيد جدًا، يغلق بعد كل صلاة، الأشخاص، ذهنية السكان، طريقة صياحهم لبعض، اللباقة، وكثير من الأشياء، كان الانتقال يعبر عن انحدار من مستوى رفيع في كل ذلك، إلى مستوى دون المتوسط بالنسبة لي.
كان كثير من الناس يقولون أن التأقلم خاصية الإنسان، حاولت مرارا، لكن لا فائدة، كان الوسط الجديد أشبه بورق شفاف، لا من حيث فهمه، بل من حيث ضبابية الانتماء، لا يوجد شيء ينطبع في الجانب المشرق بوضوح، كان هناك عبارة تراودني كثيرًا: أنا لا أنتمي لهذا المكان، لم أعتد، ولن أعتاد، ولا أريد أن يأتي يوم أجد فيه نفسي قد اعتدت. كان يراودني دومًا مقطع من معلقة عمرو بن كلثوم، وهو يحكي حزنه:
فما وجدت كوجدي أم سقب
أضلته فرجَّتِ الحنينَ
ولا شمطاءُ لم يترك شقاها
لها من تسعة إلا جنينا.
يقول: فما حزنت كحُزني أم سقب، وهي الناقة، أضلت ولدها، فرجع الشوق الملازم للحزن إليها، ولا حزنت كحزنه شمطاء لم يترك شقاها لأولادها التسع، إلا وكل منهم قد صار جُنة في الأرض، أي مقبورا فيها.

ترى؟ حالة معقدة، كانت العائلة تعبر عن جانب طيب جدًا، كذلك صديقي الذي تركته في البلدة الأولى، والذي ألتقي به من فترة لفترة، لكن إلى هذا الحد.

كانت الكتب تعبر عن عوالم أخرى، كانت النافذة الواسعة، كما أن الوسط الجديد كان أشد من أم السقب ناقةِ عمرو بن كلثوم، كانت الكتب أعظم من العوجاء المرقال ناقة طرفة ابن العبد، إذا انتهى الشغل وعدت إلى البيت، أخذت أردد وأنا أفتح الكتب:
وإنّي لأمضي الهمّ، عند احتِضاره
بعوجاء مرقالٍ تروحُ وتغتدي
يقول: إذا حضر الهم، أمضيته وأزلته، بركوب ناقتي السريعة، فلا أجلس محل الحزن أتأمل الهم، وإنما أشتغل عنه بمُسرعةٍ تسلي البال. وكذلك كانت الكتب، ولله الحمد والشكر.

كتب الله أن أعود اليوم، لأمكث زمنًا في البيت القديم، البلدة، الوسط، المسجد، الجيران، والأصحاب، نفس النظام، لم يتغير شيء، ولا أنا تغيرت. يسمى هذا عندنا بـ "الولف"، ويقال في المثل: الولف قتَّال. كان الأمر أشبه بفقد نفسيةٍ لن تعود، وكأنها قُتلَت حين زوال ما ألِفتُه، وإذا بها عند العودة إلى الشرط والظرف قد أقبلت.
خاطرة.
37😢16👍12
أتذكر يوم مات القايد صالح وترحَّمت عليه كتب أحد المغرر بهم "تترحم على طاغوت؟!"، ثم حذف وذهب في سبيله، اليوم عندما ترحم أحد رؤوس الحركيين في الجزائر على من تعبُد الصليب قيل: هذه سياسة، خطأ لطيف، تشفع له خدمته للإسلام.. إلخ.
هؤلاء الناس، الطاغوت بالنسبة لهم هو كرسي متحرك بحسب الشرط والظرف السياسي، لا العقدي، فالسياق الذي قد يُجعل من فلان طاغوتًا بناء عليه، هو سياق سياسي، يجري اختزال مختلف السياقات الأخرى -كالعقدية- فيه، فيتم التعامل مع الواقع من زاوية واحدة، فالنظرة السياسية التي تعبر عن نظرة أحادية هنا، هي التي تحدد الطاغوت من غيره، لكن كيف يقع الخلط العشوائي؟ شيرين بحكم الانتماء العقدي، هي نصرانية، لا ترتضي حكم الله، ذي هي القضية التي تعبر عن علة جعل الأنظمة طاغوتية لدى من أشرت إليه ممن ترحم عليها. فالمعيار غير متسق، ولا منضبط، يمكن أن يقوم بشخص فعل يستحق لأجله لقب الطاغوت، وقد يقوم نفس الفعل بآخر لكن لا يستحق لأجله ذلك اللقب بل ويُترحم عليه لتدخُّل حركة سياسية تشفع له.
قد يسمى هذا السلوك بالطاغوت المتحرك سياسيًا. وليس هذا يجاب عليه بأنه زلة، إنما هو سلوك متجذر في كثير من الإسلاميين، من قديم.
👍2511👏3😢1
المثقف التراثوي والمرأة.
تذكرت شذرة من التعقبات السطحية لعقلية الأديب التراثوي، والذي قد يكون في أحيان كثيرة من العلماء، كنت قد مررت عليها قبل أشهر في مقال لإحدى الباحثات، تستعمل ألفاظا تقع في مخيلة المطالع في ذلك الموقع الرمادي، فالنقد المتوجه لشيء يسمى "مثقف التراث" ليس نقدا موجها للفقهاء والعلماء في تناولهم قضايا المرأة، وإنما إلى بعض من الأدباء الذين عاشوا حيث يقال "التراث"، وذي حيلة سهلة الانكشاف، إذ لم يتفرد أديب أو "مثقف" تراثي بما يتم نقده من خلفية نسويَّة، بل في الغالب يكون هذا المثقف التراثي الأديب عالم فقيه، له إضافة للنتاج الفقهي والأصولي والعقدي، نتاج أدبي ينطوي أحيانا على باب بعنوان "في ذم النساء"، يحكي فيه ما قالت العرب من أشعار، وما اشتهر من سلوك وأخلاق قبيحة امتازت بها امرأة أو جملة نساء، وهكذا.
من ناحية، طبيعة التناول للمثقف التراثوي بذي الطريقة غالبا ما تنطوي على استبطان انتهاء الذهنية التراثوية، فالبداية دون تطهير التصور من رذاذ الحداثة تقضي باستعمال أدواتها النقدية في النهاية، فلا تجد الباحث يعبر عن امتداد لذلك التراث، وإنما هو يفرح باكتشاف تأثر التراثوي بوسطه، دون أن يتنبه لتأثره هو بوسطه الحداثي حين تنبهه للمفارقة بينه وبين التراثوي، بين وسطه وبين وسط التراثوي.
بالنسبة لأبواب "ذم النساء" في الكتب التراثوية، من وجهة نظر واقعية، ليس هناك مبرر للتعقيب عليها بطريق نقدي سوى طرد أصول الحداثة لذلك، وإلا فالرجال أولى بذي النفسية، فالكل يعرف أن أشهر الكتب ذمًا، هي الكتب المتوجهة بالذم لجنس الرجال لا النساء، أنظر مثلا كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين"، أغلب الشخصيات إن لم يكن كلها هي شخصيات ذكرية، أي هم رجال، كما أن عنوان الكتاب لم يأتي على سبيل المساواة في الحمق والغفلة بين الجنسين، فلم يقل الحمقاوات، ولا المغفلات، وهذا مثل أشهر الكتب المتقدمة، الذي بعنوان "البخلاء"، لأبرز الشخصيات التراثوية وأكثرها ثقافة وهو الجاحظ، لم يتعرض في كتابه غالبا للبخيلات من النساء، كما لم يكن عنوان الكتاب: البخلاء والبخيلات، بل البخلاء، الرجال. مع ذلك لا تجد -بالمرة- نقدا للمثقف التراثوي بأن تأثره بوسطه الأجنبي عن الشرع قضى بتحصيل الشهرة لذم الرجال البخلاء والحمقى والمغفلين، دون النساء اللاتي قد يشركن الرجال في ذلك. مع أن أبواب "ذم النساء" غالبا ما يكون العلم بها حكرا على نخبة أدبية تطالع في كتب الأدب العالي، فالشهرة لأخبار الحمقى والمغفلين، والبخلاء، من الرجال، أعلى لحد كبير من الشهرة المتحصلة لأبواب ذم النساء. حتى أن الشخصيات التي يضرب بها المثل في البخل ونحوه لا تكاد امرأة تذكر بينها، بخلاف ما لو اشتهر مثل "أجشع، أبخل، أغبى من فلانة"، سيكون توظيف ذلك كسردية تخدم النقد النسوي أسرع من النار في الهشيم، ومع أن ضرب المثل في مثل تلك الصفات يكون بالرجال، فإن الرجال الذين جاؤوا من بعد انقضاء "التراث" لا يتناولون هذا بجنسانية، ولا يجتاحهم الشعور بعقدة نقص، يطالعون تلك الكتب ليستفيدوا، وليتجنبوا الحمق والغفلة والبخل، لا أكثر.
👍216🔥4👏2
أحيانًا عندما تنظر في دراسات بعض طلاب الدكتوراه حول إخوان الصفا، خصوصا فيما يتعلق بـ [فكرة التأويل] لديهم، تشعر أنك تقرأ لصبيان، يلعبون الخشيبات، لا لطلاب ذوي ذهن متقد وحس نقدي عالي، أكثر ما يمكن تقديمه هو وضع اقتباس ثم تسويد عشرين صفحة تعليقا عليه بتغيير تركيب باقي النصوص التي في سياقه، إلى أن يصل إلى خاتمة ساذجة، لا تعبر عن ثلث الحقيقة التي يجب أن تنكشف، فما فائدة البحث إذا لم تكن نتيجته غير مسبوقة، أو كانت تكرارا لكتابات سابقة؟
الإشكال ليس فيما يسمى [التأويل] [الفلسفة] [العقل]، ذي كلها اصطلاحات غامضة تبحث عمن يزيح لحاء الغموض عنها، السؤال عن: أي [فلسفة] وأي [عقل] وما الخطوات الفعلية للتوفيق بين تلك [الفلسفة] وكذلك [العقل] مع [الدين] بواسطة [التأويل]، بحيث تكون النتيجة عبارة استنباط القانون الذي يعمل إخوان الصفا بناء عليه في الربط بين تلك المتغيرات [فلسفة معينة، عقل معين، دين] بـ [قانون التأويل]. فنتيجة مثل ذا البحث هي ما يجب الانطلاق منه!.
👍12👏1
باسم بشينية
عن ذلك التأسي الذي يملأ النفس العقدَّية لأهل الحديث، الذي لا يمكن مجابهته بوجه. سواء قيل ”حشوية، نابتة، مجسّمة...إلخ“، يبقى قوله عليه السلام ”ما أنا عليه وأصحابي“ إذا ما احتج به سلفيّ، استصغر المخالف نفسه، فلا يجد جبلًا يجيرُه ولا سورًا يسند عليه ظهره، فالبحث…
الذي يدرك أنه على معتقد أرسطو، يضع رسالة مكذوبة في مراسلة بينه وبين عيسى عليه السلام.
هنا، لدينا إخوان الصفا، الذين هم على معتقد أفلاطون، يهونون من شأن أرسطو، بوضع حديث على النبي فحواه عدم قول أرسطو بعقيدة الأنبياء، لكن يسلم من هذه المنقبة "ثاني الحكيمين؛ أفلاطون"، فهو أصلا "متبع" لمَ يقول النبي عنه "لو عاش حتى يعرف ما جئت به لاتبعني"؟

"ولا تقلد أقاويل الفلاسفة المختلفي الآراء المتناقضي الأقاويل، فقد روي أنه ذُكر في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أرسطاطاليس، فقال النبي عليه السلام: لو عاش حتى يعرف ما جئت به لاتبعني على ديني"

(رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج٤، ص١٧٩)
👍2
كان ابن تيمية يقلب هذا المنطق رأسا، لا الأرسطي متبع، ولا الأفلاطوني متبع.

"الفلسفة الصحيحة المبنية على المعقولات المحضة توجب عليهم تصديق الرسل فيما أخبرت به" منهاج السنة، ابن تيمية، ج١، ص٣٦٥.

فلا المعتزلة صدقوا، ولا إخوان الصفا.
5🔥5
إخوان الصفا، لم يمر علي كاتب متقدم وقلت "يا لزندقته" بصوت مرتفع كما حصل معهم.
يتصورون اتساق الأفلاطونية مع عقيدة الأنبياء وهم في نفس الكتاب يرون كفر من صدق بقوله ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾.
فالجلود تجسيم، وعالم المثل الأفلاطوني، الذي يشمل المعاد لديهم؛ عالم مثالي لا تعلق جسماني به، يرون أن الناس:

"إذا سمعوا بذكر جهنم لا يتصورونها إلا أمرا صناعيا [جسمانيًا]، وهو أنهم يظنون أن جهنم هي خندق محفور كبير واسع مملوء من النيران تشتعل وتلتهب، وأن الله يأمر الملائكة قصدا وغيظا على الكفار أن يأخذوهم ويرموا بهم في ذلك الخندق.

ثم إنه كلما أحرقت أجسادهم وصارت فحمل ورمادا أعاد فيها الرطوبة والدم حتى تشتعل من الرأس ثانيا كما اشتعل أول مرة وهكذا يكون دأبهم أبدا ويحتجون بقوله تعالى ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب﴾ ولا يدرون معنى قوله تعالى ولا تأويل كتابه.

فهكذا إذا سمعوا ذكر الجنة ونعيمها وسرور أهلها ولذاتهم، فلا يتصورونها إلا أمورا جسمانية شبه بساتين فيها أشجار وعليها ثمار وقصور بينها أنهار، وفي تلك القصور حور عين وغلمان والدان على أمثال أبناء الدنيا ونعيم أهلها. فهذا هو حقيقة الكفر والجهالة وعمى البصر"

(رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج٣، ص ٦٣)

الاتساق مع الأفلاطونية يقضي بتكفير القائل بجسمانية النعيم والعذاب الأخروي لدى إخوان الصفا لتعارض ذلك مع فكرة أفلاطون. وهكذا من يرى كفر من يثبت العلو الحسي والجهة والصفات العينية، يقول: لأن هذا لازمه التجسيم، مع أن الثاني لا يقدر على إقامة الحجة على الأول لاشتراكهما في الأصل، تطفو في هذا السياق عبارة بعض الأشعرية: الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر.
11👍5🔥5
بخصوص موضوع الوطن والإسلام، يختصره ما في القرآن: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين"

فالآية هذه وأمثالها لم تنف حب المال، أو العشيرة، أو الآباء، بل قد جاء في موضع (إنك لا تهدي من أحببت) فقد أحب النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب، الإشكال حين يقدّم ذلك على أمر الله، ويصبح حالها أحب إلى المرء من الله ورسوله فيقدمها عند التعارض.

وتختلف باختلاف الموضع، فمن أحب امرءًا وأطاعه في معصية فهو عاص بحسب المعصية التي قد تكون صغيرة، وقد تكون كبيرة، وقد تصل إلى الكفر متى أطاعه فيه.

الشاهد أن بعض الإسلاميين حسبوا بجهل منهم أن مجرد الحب لقوم أو عشيرة يتنافى مع حب الله! والآيات إنما هي في تقدم حب على غيره عند [التعارض] بصيغة أفعل التفضيل فحسب، والحب لله درجات، ما بين أصل في الإيمان، وما بين واجب، وكمال، فبهذا تنضبط الأمور.

أما الصيغ الأدبية فلا وزن لها في قوانين الفقه، كمن يقول إن العلاقات على غير أساس ديني هي وشائج طينية أرضية، أو يسمي الوطن بالوثن، ونحو ذلك مما هو مشهور بينهم، وهي تظهر حال صاحبها في علوم الشرع لا أنها تكشف مسألة مبحوثة.

يوسف سمرين.
👍225👏1
فوضى قنوات اليوتيوب.

كان قبل أسابيع حوار مع أحد الإخوة حول صنيع بعض قنوات اليوتيوب فيما يتعلق بجمع التراث السلفي المسموع.
النتيجة التي خلصت إليها، أن كثير من القنوات المشهورة، في الحقيقة تبني وعيًا سلفيا اختزاليًا في كثير من الأمور، ثم تجدها ترسم في مخيال المتابع المبتدئ وسطا فقهيا وعقديا وسياسيا وواقعيا، ليس هو الذي يعبر عن السلفية المتكاملة.
كثير من القنوات، إنما تدل على توجه أصحابها في صورة العنوان والفتوى القصيرة التي ينقلونها عن شيخ سلفي بصورة اختزالية، لا عن قول السلفية، فمثل مسألة الإنكار على ولي الأمر، يظهر لدى كثير من السلفيين أنها مسألة لا نقاش فيها، من باب أن قنوات مثل من تتسمى بالحديث والسنة والتوحيد وسفينة النجاة، لا تختار من فتاوى أهل العلم فيما يتعلق بالإنكار العلني سوى فتاوى عدم الجواز، مع أن جوازه مبثوث في كثير من كتب العقائد السلفية، حتى إذا وصلوا لشخصيات ذات وزن ثقيل مثل ابن عثيمين، بثت ذي القنوات وركزت على فتوى عدم الجواز، دون التركيز على فتوى جوازه بشرط أن يكون المنكر علنيا، وكذلك مع الألباني في نفس المسألة.
خذ مثلا شخصية سيد قطب، ذي القنوات لا تجد فيها سوى رسم صورة معينة عن سيد، أنه أسوأ رجل أنجبته الحركات الإسلامية في هذا العصر، وأن أهل العلم لا يذكرون عناوين كتبه إلا والنكير حليفهم، وهذا الصنيع، يجعل الاطلاع اللاحق على قول مثل ابن باز في توجيه بعض الثناء عليه، أو قول ابن عثيمين "حدثونا عن المقالة لا عن القائل"، أو بعض أقوال الألباني عنه أنه أديب لا عالم، أو حتى الاطلاع على تحقيق الألباني لأحد كتب حسن البنا، يجعل هذا الأمر في خانة "الشبهة". كذلك مسألة التصوير، فقهيا، المسألة فيها خلاف، لكن كثير من أصحاب ذي القنوات، لما كان ميالا لقول عدم الجواز، يختزل السلفية في عدم جواز التصوير فلا يحشو قناته إلا بذي الفتاوى، ويغطي الفتاوى التي رأت الجواز. وكذلك الأخذ من اللحية، أو أن يكون الثوب أسفل الكعبين دون الخيلاء، حتى أن مسألة الاسبال قال لي أحدهم مرة: ذي مسألة مجمع عليها بين الألباني وابن باز وابن عثيمين، لأنه رأى مقطعا جمع فتاوى الثلاثة على إحدى ذي القنوات. مع أنه لا يوجد إجماع، ينقل ابن مفلح عن ابن تيمية عدم التحريم وعدم التعرض للكراهة. وهكذا يتم بناء ذهنية سلفية وفقا لسردية اختزالية للتراث السلفي المسموع عبر ذي القنوات، والمسائل التي تم تناولها وفقا لهذا السلوك كثيرة جدا، حتى فيما يتعلق بطلب الفقه، في الغالب تجد منهج فقه الدليل ضدًا للتمذهب هو ما يتم التركيز على نشر مقاطعه، على أساس أن التمذهب ضد السنة، وفقا لشريط ما لأحد العلماء، مع أن غيره له مقطع في ضرورة التمذهب كابن عثيمين، يُستر هذا المقطع جانبًا، لكون صاحب القناة يتبع منهج فقه الدليل.
كذلك في ما يخص تكوين وسط سلفي متخيَّل، لا علاقة له بالواقع، يجد كثيرون أنفسهم فجأة يتراوحون بين صالح الفوزان واللحيدان والبراك ونحو ذلك، ثم يجد نفس القناة التي تنشر لهؤلاء العلماء، تنشر لمثل مزمل الفقيري على أنه عالم، وغيره ممن ماثله كثيرون، فيتكون ذهنيا أن هناك وفاق فقهي وعقدي ومنهجي بين هؤلاء الحنابلة، وبين مثل مزمل فقيري. أنظر مثلًا قصة الجرح التي طال حديث الناس عنها، تجد ذي القنوات على قسمين، فئة يتبنى أصحابها هذا المنهج (اللامنهج) فيجري نشر مقاطع محمد المدخلي، ابن ربيع المدخلي، محمد عبد الواحد المدخلي، عرفات المحمدي، مزمل فقيري، ونحوهم، في مسألة ضرورة التجريح وكذا، مخلوطة بمقاطع الفوزان وباقي كبار العلماء في غير هذه المسألة، فكلامهم فيها بالإنكار على منهج التجريح تجده في القناة الأخرى التي تضرر صاحبها من هذا المنهج أو رأى عدم صحته أو جوازه، فهو ينشر للفوزان (الجرح في القبور) واللحيدان (اتركوا بنيات الطريق) والخضير (هؤلاء قطاع طرق) وعبد العزيز آل الشيخ (لا أحب الخوض في هذه المسائل) وصالح آل الشيخ (هؤلاء ممتطون من حيث لا يعلمون) وغير هذا، فيتم تصوير مقاطع هؤلاء في (السلفية) التي يبثها الآخر على أنها شبهة، أو كلام مجمل، يفصله مزمل الفقيري ومحمد المدخلي ومحمد عبد الواحد ونحوهم ممن وقع في المخيال أنهم يشكلون وحدة مع الفوزان وغيره عبر خلط القناة مقاطع هؤلاء وهؤلاء مع بعضها، هذا الخلط، يحصل دوما لمن يأخذ سلفيته من قنوات يوتيوب مجهولة الصاحب، بخلاف من يعمد للقنوات الرسمية للعلماء مباشرةً.
37👍25👏5🔥4
"من أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين، ظهور المعارضين لهم"

(الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية ٧٢٨ه‍، تحقيق: علي بن حسن بن ناصر وآخرون، دار العاصمة، الطبعة الثانية ١٤١٩ه‍- ١٩٩٩م، ج١، ص٨٦)

هذه قاعدة لا تختص بزمن دون آخر، فلكل نبي عدو، وغالب أزمان ظهور الدين على غيره، إنما أسبابها قيام أهل الدين بالرد على طغيان المعارضين له، حتى أن القرآن، لو لم يعارَض لم يظهر العجز التام عن معارضته لدى المؤمنين.

كثيرًا ما يقع التعامل لدى بعض الناس مع ظهور المعارضين للدين موقع الضعف، والتذمر، والاضطراب، دون الموقع الذي يجعلون فيه من هؤلاء المعارضين وسيلةً لإظهار الحق بالنقد والرد بالبراهين الواضحة.
21👍8👏4🔥1
🔥168👍6👏4
باسم بشينية
Voice message
في نفس السياق لزكرياء عبادة: مقال نقدي.
👍4👏21
Forwarded from التأَسِّي (نورا الجبوري)
”تقولون: أيها الصحاب إنه لا جدال في الذوق والألوان فكأنكم تجهلون أن الحياة بأسرها نضال من أجل الأذواق والألوان.
ما الذوق إلا الموزون والميزان والوازن..فويل لكل حيَّ يريد أن يعيش دون نضال ما من أجل الموزونات والموازين والوازنين“.
-هكذا تكلم زرداشت، فريديتش نيتشه.
👍122
"ومعلوم أن الكلام في صدق مدعي القضية وكذبه، متقدم على الكلام في عموم رسالته وخصوصها".

(الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية ٧٢٨ه‍، تحقيق: علي بن حسن بن ناصر وآخرون، دار العاصمة، الطبعة الثانية ١٤١٩ه‍- ١٩٩٩م، ج١، ص١٢٤)

ذي إشارة لحيدة كثيرا ما تستعمل في النقاشات، المتعلقة بجانب سياسي، هل هذا النمط من الحكم، أو تحكيم هذا الحكم دون هذا، سيكون عامًا لجميع من يقع تحته، أم هو خاص بمن أراد؟. الصواب أن ينطلق النقاش ابتداء من السؤال: هل هذه القضية، أو الحكم، صحيح أم خطأ، صادق أم كاذب.

السؤال عن العموم أو الخصوص في سياق الحكم السياسي، دون السؤال عن الصحة دون الخطأ، الصدق دون الكذب، مبني على فكرة لا أدرية، على إثبات أن الشيء يعرف لذاتنا فقط، فوجهة نظري التي ترى خطأ هذا الأمر، ووجهة نظرك التي ترى صوابه، يجب أن تتسق مع تعدي بحث القضية في إطار العموم والخصوص، فمن يرى الخطأ، لا يجوز أن يعمه الحكم، لأن من يرى الصواب لا يعرف الحقيقة في ذاتها، بل يعرفها لذاته فقط، وجهة نظره هو، ولا ينبغي له إلزام غيره بوجهة نظره النسبية.

في أحيان كثيرة، يكون التعرض لذي المقالة بالنقض، وهي ضمن بحث نظرية المعرفة؛ أنكى للخصم حين الكلام عن صدق القضية أو كذبها، أما البداية من عمومها أو خصوصها، فلا ينتج شيئا.
👍7🔥3👏1
"لقد قال بوتين في مناسبات كثيرة: إننا نريد أن نكون دولة ديموقراطية، لم يقل أبدًا أننا تحت نظام مركزي، لكنني شخصيا واثق أننا نعيش تحت دولة مركزية".
- سيرغي كاراغاتوف، مستشار سابق في الرئاسة الروسية.
👍5👏2
حول الشرك، وتحويل البشر إلى آلهة، ونحو ذلك (١)

كثير من الناس، يحاول أن يبحث ما يتعلق بدعاء المقبورين وطلب الغوث منهم، على أساس أنه من باب النقاش الفقهي المحض.

نظير ذلك ما يحدث في النقاشات الكلاسيكية مع بعض الفرق الكلامية، ينسحب النقاش في أوله إلى مربع دلالة النص الشرعي على ذي العقيدة أو تلك، لتضحى النكاية منحصرة في سحب الحجة الشرعية عن المخالف، وهذا طيب، لذا ألف ابن تيمية كتابا بعنوان "قاعدة في أن كل دليل يحتج به مبتدع ففيه دلالة على بطلان قوله"، لكن صرف النظر عن الأصول التاريخية لقول المبتدع، يبقي البحث ناقصًا.

بعيدًا عن البحث الفقهي، مقالة الاستغاثة بالقبور، التي مفادها الاستغاثة بمن في القبور ما الذي تحويه من مقدمات؟

يأتي في عصر ترجمة الفلسفة اليونانية، وعلى وجه التحديد، مقالات أفلاطون، وأفلوطين، فيلحق ذلك بروز لكتاب أثيولوجيا لأفلوطين المنسوب غلطًا لأرسطو، إضافة لجملة من الكتب المثالية الأخرى، تتناول ذي الكتب مقالات مختلفة، في السياسة، في الدولة، في اللاهوت، في الحكمة، في البعث، في الرياضيات، في المنطق، وفي التعبد والتأله.

الإنسان الكامل، الذي هو الولي الصالح الذي يجتنب كل الشرور لدى أصحاب التصوف الفسلفي، المُستغاث به لدى الجفلى من الناس، نشأت الذهنية المركبة حوله بناء على مقولات أجنبية عن الشريعة، تقول بملء الفم:

"ما دام الشر يتجول في هذه المنطقة من الكون، وما دامت النفس راغبة في الفرار من الشر، فلا بد من الهرب، ولكن كيف نهرب؟ قال أفلاطون: بالتشبه بالله" [١] فالكامل الأجنبي عن كل شر، يحصل كماله بالتشبه بالإله على نحو دقيق.

سيجري التأصيل سريعا نحو إنتاج الاتساق بين الوافد اليوناني، وبين المتعارف الإسلامي، فالشر موجود في عالم الكون والفساد، عالم الأجسام، بخلاف عالم المثل الذي هو خير محض، فمن رام أن يكون هاربًا من الشر [باصطلاح أفلاطين] وليًا صالحا [باصطلاح إسلامي] عليه أن يتشبه بهذا الإله المثالي، وهنا تأتي كلمة أفلوطين أن "أن النفس انحدرت إلى هذا العالم الحسي الجسماني فصارت في هذا البدن الغليظ السائل الواقع تحت الكون والفساد" [٢] فمن رام الولاية الإلهية حسب أفلوطين، كيف يفعل؟

يقول: "إنني ربما خلوت بنفسي وخلعت بدني جانبًا كأني جوهر مجرد لا بدن، فأكون داخلا في ذاتي راجعا إليها خارجًا عن سائر الأشياء... ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي" [٣]

فالإله وفق الذهن المثالي، يتشبه به العبد بخلع صفاته الجسمانية، ليترقى بذاته عن عالم الأجسام، إلى عالم المثل الأفلاطوني. وهنا، تلحظ الاتساق كيف يفرض توازي الاطراد على مستويين، فالحنبلي، أو السلفي الذي يرى تعيُّن وجود الإله وقابليته للحس، لا يوصله الاتساق إلى مقالات من قبيل التشبيه المبني مثالية الإله الذي تقاسمه الروح البشرية في ذلك، فلا تجد سلفيًا يقبل إطاره العقدي اشتراك الإله والإنسان فيما هو من خصائص الإله كالرزق وإعطاء الولد ونحو ذلك.

بخلاف من بُنِيت مقالاته على اشتراك الإله والإنسان في جانب إلهي، وهو التجريد المثالي، فأفلاطون الذي يرى أن الروح "تشبه ما هو إلهي وخالد ومعقول وذو صورة واحدة، وما هو غير قابل للانحلال وما هو دائما بذاته وإن الجسد يشبه ما هو إنساني وفان وغير معقول وذو أشكال متعددة" [٤] يبني على فكرة أن كل من تجرد عن الصفات الجسمانية يقبل التأليه، فالأفلاك التي هي مثالية خالصة لديه، كان يعبدها إضافة لعبادته الإله، لمثاليتها، لإلهياتها، لمعقوليتها، كما كان يعبد العقل الفعال، وهنا تأتي كلمة الرازي أن الأفلاك لا يمنع شيء من كونها مألوهة، إلا كونها متناهية، مركبة، في جهة، فرأيه في صفاتها على خلاف رأي أفلاطون، لا أن أصول أفلاطون في تأليه كل من تجرد وصار معقول الذات استحق الألوهية خطأ.

[١] تاسوعات أفلوطين، نقله إلى العربية عن الأصل اليوناني: فريد جبر، مراجعة: جيرار جهامي، سميح دغيم، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الأولى ١٩٩٧م، ج١، ص٥٩.
[٢] أثيولوجيا أرسطو، ص١.
[٣] أثيولوجيا أرسطو، ص٨.
[٤] فيدون، أفلاطون، ترجمة سامي النشار، وعباس الشربيني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص٤٦.
7👍6🔥5
حول الشرك، وتحويل البشر إلى آلهة، ونحو ذلك (٢)

عندما يتم إقحام ذهنية كهذه في الوسط الصوفي، ما الذي ينتج؟ الروح البشرية، التي كانت تعيش رفقة الإله، في عالم المثل، تنزل إلى الأرض لتتحد بالجسم الشرير، فيتعين على [الولي الصالح] أن يتجرد عن جسمه، وحواسه، ليعود مألوها خالصًا. وفي سياق مقولة أفلاطون حول التشبه بالإله، يقول أرباب التصوف، مثل أبي علي الفارسي فيما ينقله عن شيخه أبي القاسم الكركاني:

"إن الاسماء التسعة والتسعين، تصير أوصافا للعبد السالك، وهو بعدُ في الطريق غير واصل" [٧] فالعبد، إذا بالغ في خلع الجسمانيات، بناء على التجريد الأفلاطوني، تتحصل له بواسطة التشبه بالإله كل أسماء الإله، فيضحى مألوهًا، رازقًا مجيبًا.

وهنا تصير الروح الإلهية لدى أفلاطون، هي نظير الولي الإلهي لدى منظري التصوف الفلسفي، كما أن الأفلاك المعبودة لدى أفلاطون، هي نظير الولي الذي في قُبِرَ جسمه لدى أصحاب التصوف الفلسفي، فالولي هنا فهو رجل كامل الخير، لا علائق حسية تشوبه، متجرد تجردًا تامًا، ذو ذات معقولة، متعالية كل التعالي عن عالم الأجسام.

هذا الولي الذي هو على طراز ما في كتاب أثيولوجيا، يترقى بنفسه عن عالم المثل، ليضحى جوهرا مجردا بلا بدن، وبواسطة التشبه بالإله، صار مشاركًا في نهاية المطاف -إذا ما فجرنا ذي الأطروحة لأقصى لوازمها- لهذا الإله في خصائصه، فالولي المتجرد مثاليًا، يرزق، ويمنع، ويسبط، ويهب البنين، ويحي ويميت، وهو في عالم المثل خاصته، فليس بميت بموت [الجسم] وإنما تحول من خير مختلط ببعض الشر [الجسم] إلى خير محض أعلى، صار كائنًا إليهيًا خالصًا.

وهنا تلمح معالم الأصل الكلي في الفلسفة المثالية على مستوى [الدعاء]، فعلى مستوى اللاهوت: ينتج الخلق المادي عن الإله المثالي، كما ينتج في شق معتزلي: الفعل المادي عن باعث مثالي لا مادي، أما على مستوى الدعاء لدى أصحاب التصوف الفلسفي، تنتج الإجابة [المادة: رزق معين] عن روح مثالية سكن جسدها القبر، فالولي حين اختلاطه بالجسم المادي، ليس يؤدي مفعولا في تحصيل الأرزاق كما لو كان غير مختلط به، فالذي يُطلب من القبور، ليس الجسد الميت وفق أصحاب التصوف الفلسفي- الأفلاطوني، وإنما تلك الروح التي كانت في ذلك الجسد. والتي يُنظر فيها كما قال أفلاطون على أنها: إلهية.

وفي هذا السياق تأتي مناجاة ابن سينا، الذي كان مدركا لوازم الطرح الأفلاطوني، ولو لم يكن من الزهَّاد في الملذات الحسية، يقول: "رزقنا الله التجرد التام، والتأله الكامل" [٥] التجرد التام، الموصل إلى التأله الكامل، كيف يُرزَق؟ يُرزق بتحصيل أعظم لذات النفس لديه، "ومن أعظم لذاتها، بمفارقة الجسم المحسوس، إن كانت تفارقه بالذات والعلاقة وبجميع الحالات" [٦] فإن كان هذا التأله يحصل بعناء خلع الحس والجسم في الدنيا، تجردًا، فإنه يقع خالصًا من غير شقاء إذا ما انخلعت الروح عن الجسم بالموت، فيكون الداعي لألوهية روح الولي أقوى. فيُعبد، وتُصرف له العبادات التي تُصرف أصالة للإله، لاشتراكه حين موته مع الإله في علو التجرد المثالي.

كثير من الناس، يجنح إلى مناقشة دعاء القبور من باب فقهي، وفي حين يتحايل بهذا التدليس السخيف في نقل النقاش إلى التسويغ الفقهي، تجده منبسطًا وهو يعيش حالة يونانية وثنية، مبنية على جواز تعدد الآلهة بتعدد المجرَّدات والأرواح الخالصة الخالعة لثقل الأجسام.

[٥] جامع البدائع، يحوي عشرين رسالة لابن سينا، ص٣١.
[٦] جامع البدائع، يحوي عشرين رسالة لابن سينا، ص٣١.
[٧] المقصد الأسنى للغزالي، ص١٥٠.
7👍5🔥4