"ويتعامل وائل حلاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغة غير مهذبة ولا يتحرى الأدب، وهذا مفهوم للأسف نتيجة كونه نصراني عربي، كقوله عن رسول الله: لم يكن بإمكان محمد أن يفكر في تشريع من خلال هذه المصطلحات المتطورة.
وهكذا يتعامل بقلة أدب مع أئمة السلف كقوله عن الإمام شريح: القاضي شريح عُرف بممارساته التي تتضمن خرقا صارخا للقرآن.
وقوله عن قضاة السلف: المعرفة بالقرآن، يجب أن لا نفهم منها أن القضاة الأوائل كانوا يقومون دائما بتطبيق الشرع القرآني.
والمراد أن نقد وائل حلاق لشاخت أشبه بمحاولة للبحث عن شرعية التجديد والإضافة داخل السياق الغربي بالمزايدة عليه، أكثر من كونها تصحيحا علميا موضوعيا لأخطاء المستشرقين... وقد وجدت أيضا من لا يزال مغترًا بكتاباته".
(التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص١٠٢، باختصار)
هذا يذكرني بكمية الفرح التي انعكست في كتابات كثير من الإسلاميين لما عرضت الجزيرة مقابلة وائل حلاق مع الظفيري، بعضهم أخذ يدعو له استبشارًا بأنه على عتبة التوحيد، والثاني أخذ يظيف عليه مسحة الباحث الموضوعي المتجرد للحق، وهكذا يحصل من فترة لفترة.
وهكذا يتعامل بقلة أدب مع أئمة السلف كقوله عن الإمام شريح: القاضي شريح عُرف بممارساته التي تتضمن خرقا صارخا للقرآن.
وقوله عن قضاة السلف: المعرفة بالقرآن، يجب أن لا نفهم منها أن القضاة الأوائل كانوا يقومون دائما بتطبيق الشرع القرآني.
والمراد أن نقد وائل حلاق لشاخت أشبه بمحاولة للبحث عن شرعية التجديد والإضافة داخل السياق الغربي بالمزايدة عليه، أكثر من كونها تصحيحا علميا موضوعيا لأخطاء المستشرقين... وقد وجدت أيضا من لا يزال مغترًا بكتاباته".
(التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص١٠٢، باختصار)
هذا يذكرني بكمية الفرح التي انعكست في كتابات كثير من الإسلاميين لما عرضت الجزيرة مقابلة وائل حلاق مع الظفيري، بعضهم أخذ يدعو له استبشارًا بأنه على عتبة التوحيد، والثاني أخذ يظيف عليه مسحة الباحث الموضوعي المتجرد للحق، وهكذا يحصل من فترة لفترة.
👍17❤7
"تفسير التاريخ الاسلامي بالنماذج الكنسية له نظائر كثيرة، مثل مفهوم الأرثوذكسية، والبطريركية، والإكليروس، ولوثر الإسلام".
(التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص١٠٣)
قد يكون هذا السلوك معقولًا إذا رأيت المستشرق يستعمله، فهو يدرس دين الإسلام وتاريخه؛ بأدوات دراسة المسيحية وتاريخها، لكن تستغرب حينما ترى هذا المنحى حاضرًا لدى عربيَّان يقفان في مخيلة دارسي الفكر على طرفي نقيض: محمد أركون، وجمال الدين الأفغاني.
كان أركون كثير الاستعمال لمصطلح "الاورثدوكسية الإسلامية"، وهي الطائفة التي يرى ضرورة تجاوزها كي تتحقق الحداثة الإسلامية، وفي المقابل كان جمال الدين الأفغاني يرى أنه:
"لا بد للمسلمين من حركة تجديد ديني لأننا إذا نظرنا إلى النهضة الأوروبية وجدنا من أهم أسبابها حركة الإصلاح الديني البروتستانتي منذ عصر لوثر" -الرد على الدهريين، ص٩.
فبين دراسة الإسلام نقديًا وفق معطى "الإسلام الأرثوذوكسي" وبين إصلاح الإسلام وفق معطى "الإسلام اللوثري"، تكمن المقاربة بين أركون "الشرير"، وبين الأفغاني "رائد النهضة".
بالمناسبة، جون هوفر الذي يحتفي كثيرون بأبحاثه عن ابن تيمية، واقع أيضا في سلوك تفسير الإسلام بالنماذج الكنسية، وإقحام ابن تيمية في ذلك، وهو كثير الاستعمال لمصطلح "الإسلام الأرثوذكسي".
(التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص١٠٣)
قد يكون هذا السلوك معقولًا إذا رأيت المستشرق يستعمله، فهو يدرس دين الإسلام وتاريخه؛ بأدوات دراسة المسيحية وتاريخها، لكن تستغرب حينما ترى هذا المنحى حاضرًا لدى عربيَّان يقفان في مخيلة دارسي الفكر على طرفي نقيض: محمد أركون، وجمال الدين الأفغاني.
كان أركون كثير الاستعمال لمصطلح "الاورثدوكسية الإسلامية"، وهي الطائفة التي يرى ضرورة تجاوزها كي تتحقق الحداثة الإسلامية، وفي المقابل كان جمال الدين الأفغاني يرى أنه:
"لا بد للمسلمين من حركة تجديد ديني لأننا إذا نظرنا إلى النهضة الأوروبية وجدنا من أهم أسبابها حركة الإصلاح الديني البروتستانتي منذ عصر لوثر" -الرد على الدهريين، ص٩.
فبين دراسة الإسلام نقديًا وفق معطى "الإسلام الأرثوذوكسي" وبين إصلاح الإسلام وفق معطى "الإسلام اللوثري"، تكمن المقاربة بين أركون "الشرير"، وبين الأفغاني "رائد النهضة".
بالمناسبة، جون هوفر الذي يحتفي كثيرون بأبحاثه عن ابن تيمية، واقع أيضا في سلوك تفسير الإسلام بالنماذج الكنسية، وإقحام ابن تيمية في ذلك، وهو كثير الاستعمال لمصطلح "الإسلام الأرثوذكسي".
👏6👍3
- التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص١٠٧.
هذا من النصوص التي تدل على ضرورة التفريع على النقد الذي وجهه ابن تيمية لفكرة "قانون التأويل"، فالاستدراك على الحداثي الذي لم يعش النصرانية ومع ذلك يستعمل مصطلحاتها لعلة استعمال المستشرق النصراني لها في دراسته الإسلام، هو من جنس استعمال الفلاسفة العرب والمتكلمين للقضايا الأرسطية تارة والأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة تارة أخرى، وفي أحيان كثيرة بنفس المصطلحات، مع أنهم لم يعيشوا ديانات هؤلاء الفلاسفة ابتداء، ولم تكن الثقافة اليونانية جزءا من ذاكرتهم الروحية.
هذا من النصوص التي تدل على ضرورة التفريع على النقد الذي وجهه ابن تيمية لفكرة "قانون التأويل"، فالاستدراك على الحداثي الذي لم يعش النصرانية ومع ذلك يستعمل مصطلحاتها لعلة استعمال المستشرق النصراني لها في دراسته الإسلام، هو من جنس استعمال الفلاسفة العرب والمتكلمين للقضايا الأرسطية تارة والأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة تارة أخرى، وفي أحيان كثيرة بنفس المصطلحات، مع أنهم لم يعيشوا ديانات هؤلاء الفلاسفة ابتداء، ولم تكن الثقافة اليونانية جزءا من ذاكرتهم الروحية.
👍13👏2
"في خصوص العقيدة الإسلامية، فإن أحمد أمين جعل عقيدة السلف في إثبات الصفات الإلهية الاختيارية نظرية مستوردة من اللاهوت اليهودي، حيث عقد أحمد أمين مبحثا استعرض فيه ما سماه: تسرب الثقافة اليهودية إلى للمسلمين.
ثم يقول -أي أحمد أمين-: وذهب جماعة من غلاة الشيعة، وجماعة من أصحاب الحديث إلى التشبيه، وقالوا يجوز عليه أي الله: الانتقال والنزول والصعود والاستقرار، فخذوا في ذلك حذو اليهود في اختلافهم- ضحى الإسلام، أحمد أمين، ج٣٣١.
وهذه فكرة استشراقية مكررة وقد واصل الطرق عليها الجابري أيضًا".
(التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص١٥٣)
في الحقيقة هذه النسبة غير دقيقة، بل أحمد أمين هنا لا يكرر فكرة استشراقية، وإنما يكرر أفكار أبي عبد الله الرازي، المُلقَّب بفخر الدين، حرفيًا:
"اعلم أن اليهود أكثرهم مشبهة وكان بدو ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض ثم تهافت في ذلك المحدثون ممن لم يكن لهم نصيب من علم المعقولات".
- كتاب: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، الفخر الرازي، مراجعة وتحرير: علي سامي النشار، الناشر: مكتبة النهضة المصرية، ص٦٣، باختصار يسير.
وهذا يدُلُّك على تناسب ما كان يثيره الرازي من خيالات مع تقنية التوفيد الاستشراقي، فهو هنا يخدم الأفكار الاستشراقية في جعل إسلام السلف في شقه العقدي مقتبسًا عن اليهود.
ثم يقول -أي أحمد أمين-: وذهب جماعة من غلاة الشيعة، وجماعة من أصحاب الحديث إلى التشبيه، وقالوا يجوز عليه أي الله: الانتقال والنزول والصعود والاستقرار، فخذوا في ذلك حذو اليهود في اختلافهم- ضحى الإسلام، أحمد أمين، ج٣٣١.
وهذه فكرة استشراقية مكررة وقد واصل الطرق عليها الجابري أيضًا".
(التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص١٥٣)
في الحقيقة هذه النسبة غير دقيقة، بل أحمد أمين هنا لا يكرر فكرة استشراقية، وإنما يكرر أفكار أبي عبد الله الرازي، المُلقَّب بفخر الدين، حرفيًا:
"اعلم أن اليهود أكثرهم مشبهة وكان بدو ظهور التشبيه في الإسلام من الروافض ثم تهافت في ذلك المحدثون ممن لم يكن لهم نصيب من علم المعقولات".
- كتاب: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، الفخر الرازي، مراجعة وتحرير: علي سامي النشار، الناشر: مكتبة النهضة المصرية، ص٦٣، باختصار يسير.
وهذا يدُلُّك على تناسب ما كان يثيره الرازي من خيالات مع تقنية التوفيد الاستشراقي، فهو هنا يخدم الأفكار الاستشراقية في جعل إسلام السلف في شقه العقدي مقتبسًا عن اليهود.
👍10❤7🔥1
باسم بشينية
"فلما سلَّم الإمام من صلاة الجمعة وثَبتُ قائما على رجلي ليراني الناس ويسمعوا كلامي، ولا تخفى عليهم مقالتي، وناديت بأعلى صوتي لابني، وكنت قد أقمت ابني بحيالي عند الاسطوانة الأخرى، فقلت له: يا ابني ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله غير مخلوق. قال عبد العزيز:…
جولدزيهر:
"هل لنا أن نسمي المعتزلة أحرارا؟ يجب علينا أن نأبى عليهم هذه التسمية، حينما كان للمعتزلة الحظ في أن يكون مذهبهم هو المذهب الرسمي في عهد ثلاثة من خلفاء العباسيين، فُرض هذا المذهب على الناس بقسوة التفتيش، والتحقيق والإرهاب".
- جولدزيهر، العقيدة الشريعة والإسلام، ص١٠٥.
(التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص٢٢٢)
"هل لنا أن نسمي المعتزلة أحرارا؟ يجب علينا أن نأبى عليهم هذه التسمية، حينما كان للمعتزلة الحظ في أن يكون مذهبهم هو المذهب الرسمي في عهد ثلاثة من خلفاء العباسيين، فُرض هذا المذهب على الناس بقسوة التفتيش، والتحقيق والإرهاب".
- جولدزيهر، العقيدة الشريعة والإسلام، ص١٠٥.
(التأويل الحداثي للتراث، إبراهيم السكران، دار الحضارة، الطبعة الأولى ١٤٣٥ه، ص٢٢٢)
🔥6❤2👍1
باسم بشينية
Photo
بمناسبة المنشور السابق، أرسل لي أحد الإخوة ذي التغريدة للسمهوري، آخر من يمارس "فضيلة" اللعق على موائد المستشرقين، وغالبا هو هنا يرد على إبراهيم السكران في نسبتِه تبرئة المعتزلة من المحنة لفان إس ولاعِق مائدته فهمي جدعان، فيريد رائد الخواطر أن يقلب الطاولة على السكران بجعل أول من قال بقول فان إس هو ابن تيمية، لكن هل تسعفه نصوص ابن تيمية في خواطره؟ يقول ابن تيمية:
"والقول بأن الله لا يرى في الآخرة وأن القرآن مخلوق من البدع القديمة التي أظهرها الجهمية المعتزلة وغيرهم في عصر الأئمة حتى امتحنوا الإمام أحمد وغيره بذلك" [١]
"ولا ريب أن المعتزلة أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة ومن أشهر مسائلهم التي امتحنوا الناس عليها قولهم إن القرآن مخلوق وقالوا معنى أن الله متكلم وأنه تكلم أنه خلق في غيره كلاما" [٢]
"والقول بأن الله لا يرى في الآخرة، وأن القرآن مخلوق من البدع القديمة التي أظهرت الجهمية من المعتزلة وغيرهم في عصر الأئمة حتى امتحنوا الإمام أحمد وغيره بذلك" [٣]
فذي ثلاث اقتباسات على عجالة من تراث ابن تيمية، يثبت فيها أن المعتزلة انخرطوا في امتحان أحمد إلى جانب الجهمية. "المُتَوَهَّم" على طراز السلف "المُتَخيّل".
فليس في نصوص ابن تيمية -بالمرة- أي تبرئة للمعتزلة، وإنما تجد فيها تحقيقًا تاريخيًا أن المحنة لم تنحصر في المعتزلة، وإنما اشترك فيها المعتزلة، والجهمية ممن لم يكونوا معتزلة.
[١] الفتاوى الكبرى لابن تيمية، ج٦، ص٦٢٩.
[٢] بغية المرتاد لابن تيمية، ص٣٤٨.
[٣] التسعينية، لابن تيمية، ج٣، ص٩٥٦.
"والقول بأن الله لا يرى في الآخرة وأن القرآن مخلوق من البدع القديمة التي أظهرها الجهمية المعتزلة وغيرهم في عصر الأئمة حتى امتحنوا الإمام أحمد وغيره بذلك" [١]
"ولا ريب أن المعتزلة أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة ومن أشهر مسائلهم التي امتحنوا الناس عليها قولهم إن القرآن مخلوق وقالوا معنى أن الله متكلم وأنه تكلم أنه خلق في غيره كلاما" [٢]
"والقول بأن الله لا يرى في الآخرة، وأن القرآن مخلوق من البدع القديمة التي أظهرت الجهمية من المعتزلة وغيرهم في عصر الأئمة حتى امتحنوا الإمام أحمد وغيره بذلك" [٣]
فذي ثلاث اقتباسات على عجالة من تراث ابن تيمية، يثبت فيها أن المعتزلة انخرطوا في امتحان أحمد إلى جانب الجهمية. "المُتَوَهَّم" على طراز السلف "المُتَخيّل".
فليس في نصوص ابن تيمية -بالمرة- أي تبرئة للمعتزلة، وإنما تجد فيها تحقيقًا تاريخيًا أن المحنة لم تنحصر في المعتزلة، وإنما اشترك فيها المعتزلة، والجهمية ممن لم يكونوا معتزلة.
[١] الفتاوى الكبرى لابن تيمية، ج٦، ص٦٢٩.
[٢] بغية المرتاد لابن تيمية، ص٣٤٨.
[٣] التسعينية، لابن تيمية، ج٣، ص٩٥٦.
👍11❤5👏3
باسم بشينية
Photo
كتاب التأويل الحداثي للتراث، من حيث قوة الاستقراء للأعمال الحداثية التأويلية، ونسبة كل منها لمنبعه الاستشراقي؛ بلغ الغاية، فهو في هذا الباب لا تكاد تجده مثله، مع وجود شيء من الثغرات.
كذلك، سمعت البعض ينسب له كشف سطو فهمي جدعان على أفكار فان أس، وهذا غير دقيق، بل السكران نفسه ينبه على أنه مسبوق بذكر ذي الفضيحة لفهمي من طرف تلميذ فان أس، وبعض المستشرقين.
الكتاب من حيث النقد ضعيف جدًا، وهذا راجع لمنهجية الكتاب ذاته، فالسكران أراد البيان من أين يستمد الحداثي العربي أفكاره التأويلية للتراث وبيان تقنياته في ذلك، لكن هذا في الحقيقة يعبر عن "معلومة"، قد تكون ذي المعلومة فضيحة بالنسبة للحداثي في أعين القراء البسطاء، وتكسر هيبة المشاريع الحداثية بأنها مجرد مشاريع تتقلد مهمة لعق طاولة الاستشراق، لكن ذي المعلومة أساسا هي واقع موضوعي، ويصرح بها هؤلاء الحداثيون جميعا ولا يسترونها، ومن حاول الستر (جدعان) كان السكران مسبوقا بكشفه، لكن السؤال عما خلف هذا الواقع هو ما يبرز لمسة الكاتب، فهذا يكون بالنقد، لا بمجرد إدراك التقنية والمنبع للتأويل الحداثي.
وهذا أشبه بما تعرض له ابن تيمية في العلاقة بين المتفلسلة واليونانيين، بين ابن عربي والغزالي، بين الغزالي وابن سينا، بين إخوان الصفا وأفلاطون، بين علم الكلام كحاشية، والفلسفة اليونانية كمتن، فلم يكن المشروع الحقيقي هو كشف بناء هذا على ذاك، استمداد هذا من ذاك، تقنية هذا في توظيف فلسفة ذاك. وإنما استهلاك الخصم نقديًا في كل فكرة وعلى كل مستوى (لغوي، عقدي، فلسفي، تاريخي)، مع التطرق لنقد التقنية (قانون التأويل) ونقد مادة الاستمداد (الرد على المنطقيين كمثال)، فعندما ترى من ينظر لذا الكتاب على أنه غاية في باب نقض التأويل الحداثي، تدرك المفارقة بين الأعمال النقدية التراثية وبين الأعمال المعاصرة، بل ترى كيف كان مدى اقتناع الناقد التراثوي بعمله مقارنة بالمعاصر الذي وقع في ذات السياق الذي وقع به المتقدم، كما ترى جودة المعيار الذي تميَّز به من يكتب لهم المتقدم، مقارنة بالقراء المعاصرين.
هذا الكتاب يعبر عن خطوة في مشروع يستحق مئة خطوة إن صح التعبير.
كذلك، سمعت البعض ينسب له كشف سطو فهمي جدعان على أفكار فان أس، وهذا غير دقيق، بل السكران نفسه ينبه على أنه مسبوق بذكر ذي الفضيحة لفهمي من طرف تلميذ فان أس، وبعض المستشرقين.
الكتاب من حيث النقد ضعيف جدًا، وهذا راجع لمنهجية الكتاب ذاته، فالسكران أراد البيان من أين يستمد الحداثي العربي أفكاره التأويلية للتراث وبيان تقنياته في ذلك، لكن هذا في الحقيقة يعبر عن "معلومة"، قد تكون ذي المعلومة فضيحة بالنسبة للحداثي في أعين القراء البسطاء، وتكسر هيبة المشاريع الحداثية بأنها مجرد مشاريع تتقلد مهمة لعق طاولة الاستشراق، لكن ذي المعلومة أساسا هي واقع موضوعي، ويصرح بها هؤلاء الحداثيون جميعا ولا يسترونها، ومن حاول الستر (جدعان) كان السكران مسبوقا بكشفه، لكن السؤال عما خلف هذا الواقع هو ما يبرز لمسة الكاتب، فهذا يكون بالنقد، لا بمجرد إدراك التقنية والمنبع للتأويل الحداثي.
وهذا أشبه بما تعرض له ابن تيمية في العلاقة بين المتفلسلة واليونانيين، بين ابن عربي والغزالي، بين الغزالي وابن سينا، بين إخوان الصفا وأفلاطون، بين علم الكلام كحاشية، والفلسفة اليونانية كمتن، فلم يكن المشروع الحقيقي هو كشف بناء هذا على ذاك، استمداد هذا من ذاك، تقنية هذا في توظيف فلسفة ذاك. وإنما استهلاك الخصم نقديًا في كل فكرة وعلى كل مستوى (لغوي، عقدي، فلسفي، تاريخي)، مع التطرق لنقد التقنية (قانون التأويل) ونقد مادة الاستمداد (الرد على المنطقيين كمثال)، فعندما ترى من ينظر لذا الكتاب على أنه غاية في باب نقض التأويل الحداثي، تدرك المفارقة بين الأعمال النقدية التراثية وبين الأعمال المعاصرة، بل ترى كيف كان مدى اقتناع الناقد التراثوي بعمله مقارنة بالمعاصر الذي وقع في ذات السياق الذي وقع به المتقدم، كما ترى جودة المعيار الذي تميَّز به من يكتب لهم المتقدم، مقارنة بالقراء المعاصرين.
هذا الكتاب يعبر عن خطوة في مشروع يستحق مئة خطوة إن صح التعبير.
👍20❤18👏2
مهما تكلمت، كتبت، قدمت، تذكر دومًا أن مصلحتك في نسيان ذلك لصالح حاجتك الدائمة للعلم، على قدر العطاء الذي تراه شيئا، حافظ على طلب العلم كأنك لم تتعلم شيئا.
ذلك التناسب العكسي بين الهمة في الطلب وبين "العطاء"، إن أغفلت حراسته كيلا يتسرب، تدنيت من مرتبة الطلب إلى مرتبة الحديث عن الطلب، وهو أشبه بشغل الصحفيين، يتكلمون كثيرًا عن -ومع- النُّخب، لكن رأيهم لا ثقل له.
ذلك التناسب العكسي بين الهمة في الطلب وبين "العطاء"، إن أغفلت حراسته كيلا يتسرب، تدنيت من مرتبة الطلب إلى مرتبة الحديث عن الطلب، وهو أشبه بشغل الصحفيين، يتكلمون كثيرًا عن -ومع- النُّخب، لكن رأيهم لا ثقل له.
❤16👍9🔥1👏1
"فقالوا ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾ وفي نحو هذا الكلام منهم إنما ورد بالحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيدًا لجواز ذلك في العقول".
(رسالة استحسان الخوض في علم الكلام، أبو الحسن الأشعري، تحقيق: محمد الولي الأشعري الرفاعي، دار المشاريع، الطبعة الأولى، ١٤١٥ه، ١٩٩٥م، ص ٤١)
من نظر في آيات البعث، لا يجد فيها إثباتا له بمجرد جوازه في العقول، وفق ما يسمى بالإمكان العقلي، بل تجويز الأمر عقلا يبقيه غير ممنوع الامتناع العقلي، وغير معلوم الإمكان الخارجي.
لذلك جاءت الآيات التي تثبت البعث بالاستدلال بالإمكان الخارجي، وهو ما يعرف بنظير البعث أو بما هو أولى منه مما هو مشاهد في الخارج، كابتداء الخلق، أو خلق السماوات.
(رسالة استحسان الخوض في علم الكلام، أبو الحسن الأشعري، تحقيق: محمد الولي الأشعري الرفاعي، دار المشاريع، الطبعة الأولى، ١٤١٥ه، ١٩٩٥م، ص ٤١)
من نظر في آيات البعث، لا يجد فيها إثباتا له بمجرد جوازه في العقول، وفق ما يسمى بالإمكان العقلي، بل تجويز الأمر عقلا يبقيه غير ممنوع الامتناع العقلي، وغير معلوم الإمكان الخارجي.
لذلك جاءت الآيات التي تثبت البعث بالاستدلال بالإمكان الخارجي، وهو ما يعرف بنظير البعث أو بما هو أولى منه مما هو مشاهد في الخارج، كابتداء الخلق، أو خلق السماوات.
👍11
سبب تأليف أبي الحسن لذي الرسالة، هو سبب تأليف ابن تيمية لرسالة (أصول الدين) التي جاءت جوابا لسؤال السائل:
"هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟ فإن قيل بالجواز: فما وجهه؟ وقد فهمنا منه عليه السلام النهي عن الكلام في بعض المسائل.
وإذا قيل بالجواز: فهل يجب ذلك؟ وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه؟ وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى القطع؟ وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفا به؟ وهل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا؟"
فيحسن لمن رام الاطلاع على كلام الأشعري في ذي الرسالة، أن يقارن ما أدلى به بما خطه ابن تيمية، وفي ذلك فوائد.
"هل يجوز الخوض فيما تكلم الناس فيه من مسائل في أصول الدين لم ينقل عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فيها كلام أم لا؟ فإن قيل بالجواز: فما وجهه؟ وقد فهمنا منه عليه السلام النهي عن الكلام في بعض المسائل.
وإذا قيل بالجواز: فهل يجب ذلك؟ وهل نقل عنه عليه السلام ما يقتضي وجوبه؟ وهل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن أو لا بد من الوصول إلى القطع؟ وإذا تعذر عليه الوصول إلى القطع فهل يعذر في ذلك أو يكون مكلفا به؟ وهل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق والحالة هذه أم لا؟"
فيحسن لمن رام الاطلاع على كلام الأشعري في ذي الرسالة، أن يقارن ما أدلى به بما خطه ابن تيمية، وفي ذلك فوائد.
👍7❤1👏1
"وفلسفيٌّ قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول".
(رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، تحقيق ودراسة عبد الله محمد الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية ١٤٦٦م- ٢٠٠٢م، ص١٣٦)
(رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، تحقيق ودراسة عبد الله محمد الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية ١٤٦٦م- ٢٠٠٢م، ص١٣٦)
👍5😢1
"ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع، وما يدعونه من فعل الأرض، والماء والنار، والهواء في الأشجار وما يخرج منها من سائر الثمار بقوله عز وجل:
﴿وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾".
(رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، تحقيق ودراسة عبد الله محمد الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية ١٤٦٦م- ٢٠٠٢م، ص١٥٤)
ذي الآية أصلا ليس فيها نفي الطبائع، وإنما فيها إثباتها، يقول تعالى أن الجنات والأعناب والنخيل تسقى [بــ] ماء، فالباء هنا تفيد أن الماء سبب في خروج الجنات والأعناب، بحيث أنه ينطوي على طبع إخراج ذلك من الأرض، ولا يلزم من هذا استقلال الطبع عن قدرة وإرادة الله.
ولوضوح ذي الآيات في إثبات طبع للماء، يؤثر في خروج النبات، يعمد الأشعرية إلى تأويلها فيقال عند قوله ﴿لنخرج به حبًا ونباتا﴾ عن الماء أن [به] تأتي بمعنى [عنده].
﴿وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾".
(رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، تحقيق ودراسة عبد الله محمد الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية ١٤٦٦م- ٢٠٠٢م، ص١٥٤)
ذي الآية أصلا ليس فيها نفي الطبائع، وإنما فيها إثباتها، يقول تعالى أن الجنات والأعناب والنخيل تسقى [بــ] ماء، فالباء هنا تفيد أن الماء سبب في خروج الجنات والأعناب، بحيث أنه ينطوي على طبع إخراج ذلك من الأرض، ولا يلزم من هذا استقلال الطبع عن قدرة وإرادة الله.
ولوضوح ذي الآيات في إثبات طبع للماء، يؤثر في خروج النبات، يعمد الأشعرية إلى تأويلها فيقال عند قوله ﴿لنخرج به حبًا ونباتا﴾ عن الماء أن [به] تأتي بمعنى [عنده].
❤4👍3
"وأجمعوا على أنه عز وجل يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته إنعامهم".
(رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، تحقيق ودراسة عبد الله محمد الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية ١٤٦٦م- ٢٠٠٢م، ص٢٢٩)
مع أن هذا الكلام -بالنسبة لرجل كتب في علم المقالات يعتبر غريبًا- إذ لا يوجد إجماع كهذا لدى السلف أصلا، لكن كيف تتشكل ذي المقالة منطقيًا؟
١- الله لا يتحرك.
٢- تجدد الإرادة حركة.
٣- إذًا إرادة الله أزلية فقط.
٤- الرضى من دون تعليقه بالأزل يلزم منه حركة، فالله قد يغضب على عبد ثم يرضى عليه، فتكون حركة من الغضب إلى الرضى.
٥- يتم تركيب مقالة الإرادة الأزلية التي لا يلزم منها حركة، بلازم من لوازم الرضا وهو الإنعام، بما يصيِّر المقالة متسقةً مع نفي الحركة، والتظاهر بعدم إنكار الصفة وإنما تأويلها.
٦- الرضى في حق الله هو إرادة الإنعام أزلًا، ولا يجوز أن يريد الآن أن ينعم، ولا يجوز أن يرضى الآن.
(رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، تحقيق ودراسة عبد الله محمد الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية ١٤٦٦م- ٢٠٠٢م، ص٢٢٩)
مع أن هذا الكلام -بالنسبة لرجل كتب في علم المقالات يعتبر غريبًا- إذ لا يوجد إجماع كهذا لدى السلف أصلا، لكن كيف تتشكل ذي المقالة منطقيًا؟
١- الله لا يتحرك.
٢- تجدد الإرادة حركة.
٣- إذًا إرادة الله أزلية فقط.
٤- الرضى من دون تعليقه بالأزل يلزم منه حركة، فالله قد يغضب على عبد ثم يرضى عليه، فتكون حركة من الغضب إلى الرضى.
٥- يتم تركيب مقالة الإرادة الأزلية التي لا يلزم منها حركة، بلازم من لوازم الرضا وهو الإنعام، بما يصيِّر المقالة متسقةً مع نفي الحركة، والتظاهر بعدم إنكار الصفة وإنما تأويلها.
٦- الرضى في حق الله هو إرادة الإنعام أزلًا، ولا يجوز أن يريد الآن أن ينعم، ولا يجوز أن يرضى الآن.
👍5👏2🔥1
"وليس استواءه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه عز وجل لم يزل مستوليًا على كل شيء".
(رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، تحقيق ودراسة عبد الله محمد الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية ١٤٦٦م- ٢٠٠٢م، ص٢٣٢)
(رسالة إلى أهل الثغر، أبو الحسن الأشعري، تحقيق ودراسة عبد الله محمد الجنيدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الثانية ١٤٦٦م- ٢٠٠٢م، ص٢٣٢)
❤10👏2
الكتاب المنسوب للأشعري [رسالة إلى أهل الثغر] ليس فيه تراجع من الأشعري عن معتقده كما يقول البعض، بل فيه نفي الحد، ونفي التحسين والتقبيح العقليين، وإثبات أن الإله لا يتحرك، ونفي المكان عنه، وإثبات الموافاة من باب إثبات أن الرضى هو إرادة النعيم مع القول بأزلية ذي الإرادة.
لكن كما ذكر ابن تيمية، أن في الكتاب بيان أن صحة دين الإسلام لا تتوقف على دليل الأعراض، ومن ذلك قول الأشعري:
"ولكن ما يستدل به من أخباره عليه السلام على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض، التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية -المعتزلة- وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام، من قِبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها"
- رسالة إلى أهل الثغر، لأبي الحسن، ص١٠٥.
وهذا ليس إنكارًا منه لصحة دليل الأعراض كما قد يتصور البعض، بل هو -على وجه الدقة- يعتقد صحته، وينكر على من أوجبه، ويرى أن الطرق الشرعية غنية عنه.
لكن كما ذكر ابن تيمية، أن في الكتاب بيان أن صحة دين الإسلام لا تتوقف على دليل الأعراض، ومن ذلك قول الأشعري:
"ولكن ما يستدل به من أخباره عليه السلام على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض، التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية -المعتزلة- وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام، من قِبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها"
- رسالة إلى أهل الثغر، لأبي الحسن، ص١٠٥.
وهذا ليس إنكارًا منه لصحة دليل الأعراض كما قد يتصور البعض، بل هو -على وجه الدقة- يعتقد صحته، وينكر على من أوجبه، ويرى أن الطرق الشرعية غنية عنه.
👍8❤4👏2🔥1
الأشعري في كتاب اللمع، عندما يرد على المعتزلة في مسألة الرؤية قد يعجبك الحجاج الذي يقدمه وهو ينصر مقولة أن "الباري يُرى بالإبصار"، لكن ما إن تصل إلى تفصيل هذه الرؤية ترى خفة الخلاف معهم في قوله "إن كان أراد حدوث إدراك فينا فذلك جائز".
بما أنك ترى صحة الأصل الذي بنوا عليه نفي الرؤية، فإن الخلاف يتحول إلى فرعي وإن كنت تثبت اللفظ، فالمعتزلي الذي يرى نفي الرؤية لأنها تستلزم الجهة والإشارة الحسية، يدله الأشعري على منطقة تقع بين إثبات الرؤية وبين نفي الجهة؛ فينسج مقالة أن حقيقة الرؤية هي "حدوث الإدراك فينا"، فهذا ليس سوى تعديل لمذهب المعتزلة.
بما أنك ترى صحة الأصل الذي بنوا عليه نفي الرؤية، فإن الخلاف يتحول إلى فرعي وإن كنت تثبت اللفظ، فالمعتزلي الذي يرى نفي الرؤية لأنها تستلزم الجهة والإشارة الحسية، يدله الأشعري على منطقة تقع بين إثبات الرؤية وبين نفي الجهة؛ فينسج مقالة أن حقيقة الرؤية هي "حدوث الإدراك فينا"، فهذا ليس سوى تعديل لمذهب المعتزلة.
👍12🔥8❤5
العلمانية تحمي الإسلام.
هذا شعار يتردد على نطاق واسع جدًا في كثير من الأبواق العلمانية، على نحو دوغمائي صرف، لذا تجد أكثر من يردده غير مستوعب لمقدماته.
المفارقة بين المثقف الحقيقي، وبين المثقف المزيف، قد تكمن هنا في النظر إلى معاني ألفاظ هذا الشعار لدى من يطلقه، وبناء عليه يتحدد المزيف من الصريح.
لقد كان جون ستيوارت مل، مدركًا للمعنى الصحيح لعبارة أن النظام العلماني يحمي الإسلام، فالعلمانية لديه محددة كعلمانية ليبرالية، كما أن الإسلام الذي يتعين على ذي العلمانية حمايته إذا ما تمكنَت محدد لدى مل على نحو دقيق، فهو إسلام يضرب جذريا خطاب حرية الفردية، إذ يحدد ما يحرمُ على الفرد فعله، وما يجب عليه فعله.
وفي هذا ينقل عنه العروي في مفهوم الحرية المقدمة التي ينبني عليه ذلك الشعار، فيقول أن:
"التحريم الإسلامي يمس حرية الفرد لأنه يفترض أن الفرد لا يعرف مصلحته وينتقد مل كذلك تحريم أكل الخنزير في الإسلام. فيقول أن للمسلمين الحق في تجنبهم لحم الخنزير لأنهم يعافونه، لكنهم عندما يحتقرون غيرهم ممن لا يعافه ويأكله، فإنهم يمشون بحرية ذلك الغير" [١]
لاحظ هنا المتغيرين الذين سيحمي أحدهما الآخر، الإسلام، والعلمانية الليبرالية. إذا ما طرحت الأصل الذي يتقاطع فيه الإسلام والليبرالية على نحو حاد، سترى أن نوعا من الخطاب الإسلامي، والذي لا إسلام بدونه، لا يمكن أن يكون والخطاب اللبرالي في سلة واحدة.
فاللبرالية على مستوى مجتمعي تنبني على أن الإنسان، ولنقل هنا: الفقيه، لا يعرف الشيء لذاته، فلا يصح أن يقول بحرمة هذا السلوك دون الآخر، فلا يوجد علمانية ليبرالية ستحمي إسلاما يرى أئمة فقهه أن الخمر محرم، ثم يخرم هذا الفقيه المنظومة الفردانية بإلزام كل أفراد المجتمع بهذا الحكم ثم تصدير خطاب ينطوي على عقوبة دنيوية وأخروية على من يخالفه.
لذلك لا يرى مل أن العلمانية الليبرالية ستحمي إسلاما ينطوي في جانبه الأصولي على حكم التحريم. وفقا لمعيار العلماني الليبرالي، يضحى الحكم بتحريم الخنزير والخمر، أو الحكم بوجوب الصلاة، دلالة على تهديد الركيزة الليبرالية، التي تقضي بعدم معرفة الشيء لذاته أحسن أم قبيح، عدم إلزام الفرد بأي حكم من باب أن الفرد يتصرف وفقا لرؤيته الشيء لذاته هو.
ومع أن هذا المفهوم مستوعب في الساحة الإعلاميةالفرنسية وغير الفرنسية، إلا أنك تجد علمانيين عرب، يستجهلون مستمعيهم وهم يصورون أن العلمانية ستحمي الإسلام الذي يعرفه المسلمون.
ذلك الشعار في الحقيقة، يعبر -إن اختصرنا القول- على حماية لإسلام لا يقول بتحريم شيء أو إيجابه، إسلام لا يوجد فيه من يقول بوجوب الصلاة، كما لا يوجد فيه من يقول بحرمة أكل الخنزير أو شرب الخمر.
لذا، لما تعرض باسكال بونيفاس الناقد الفرنسي، لموضوع الإسلام المتشدد الذي لن تحميه العلمانية، والإسلام المعتدل الذي تحميه ذي العلمانية، كان مدركًا لنوعية الخداع الذي يمارسه المثقف المزيف مثل بيرنارد هنري ليفي وأشباهه، وهم يدعون حماية العلمانية للإسلام.
كان يقول: "تم التأكيد على الفصل بين المسلم المعتدل والمسلم المتطرف لكن هذا التمييز ليس أكثر من خدعة، فالمسلم المعتدل كثيرًا ما يكون مسلمًا ولكن باعتدال، ولكي يُعتبر المسلم معتدلًا يجب على المسلم ألا يلتزم بمبادئ الإسلام وألا يكون مؤمنًا، وتُعتَبر الصلاة أو صوم رمضان دليل تطىرف ديني" [٢]
فعلى نفس الطراز، عندما تقول "العلمانية الليبرالية تحمي الإسلام"، عليك أن تؤكد على مفهوم العلمانية، الذي سيتسق عكسيًا مع أمور من الإسلام لن تناسبه، الليبرالية؟ أقل شيء هي ضد القول بتحريم الحرام، الشيوعية؟ أقل شيء هي ضد القول بوجوب قسمة الميراث على ما تقول مذاهب الفقه.
وهكذا، كل نمط علماني سيدعي بصورةخادعةحماية الإسلام، هو في الحقيقة يرى ضرورة تقليم هذا الإسلام كيلا يتضارب مع قطعيات ذلك النمط، فتصور الآن ذلك الشعار مفصلا، وهو يقول: "نحن نرى حماية الإسلام على شرط إلغاء الحكم بالتحريم، الوجوب، الكراهة، نحن سنحمي الإسلام الذي لا يقال فيه: الصلاة واجبة، الخمر حرام".
هنا سيكون الخطاب إلى حد ما فاضحا، مثل خطاب جون ستيوارت مل، سيتم لفه بكيس نفاية، ثم يرمى في القمامة سريعا، بخلاف الخطاب المزيف والخادع.
[١] مفهوم الحرية، عبد الله العروي، ص٤٧.
[٢] المثقفون المزيفون، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، باسكال بونيفاس، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ترجمة روز مخلوف، ورد للطباعة، الطبعة الأولى ٢٠١٣م، ص٥٥.
هذا شعار يتردد على نطاق واسع جدًا في كثير من الأبواق العلمانية، على نحو دوغمائي صرف، لذا تجد أكثر من يردده غير مستوعب لمقدماته.
المفارقة بين المثقف الحقيقي، وبين المثقف المزيف، قد تكمن هنا في النظر إلى معاني ألفاظ هذا الشعار لدى من يطلقه، وبناء عليه يتحدد المزيف من الصريح.
لقد كان جون ستيوارت مل، مدركًا للمعنى الصحيح لعبارة أن النظام العلماني يحمي الإسلام، فالعلمانية لديه محددة كعلمانية ليبرالية، كما أن الإسلام الذي يتعين على ذي العلمانية حمايته إذا ما تمكنَت محدد لدى مل على نحو دقيق، فهو إسلام يضرب جذريا خطاب حرية الفردية، إذ يحدد ما يحرمُ على الفرد فعله، وما يجب عليه فعله.
وفي هذا ينقل عنه العروي في مفهوم الحرية المقدمة التي ينبني عليه ذلك الشعار، فيقول أن:
"التحريم الإسلامي يمس حرية الفرد لأنه يفترض أن الفرد لا يعرف مصلحته وينتقد مل كذلك تحريم أكل الخنزير في الإسلام. فيقول أن للمسلمين الحق في تجنبهم لحم الخنزير لأنهم يعافونه، لكنهم عندما يحتقرون غيرهم ممن لا يعافه ويأكله، فإنهم يمشون بحرية ذلك الغير" [١]
لاحظ هنا المتغيرين الذين سيحمي أحدهما الآخر، الإسلام، والعلمانية الليبرالية. إذا ما طرحت الأصل الذي يتقاطع فيه الإسلام والليبرالية على نحو حاد، سترى أن نوعا من الخطاب الإسلامي، والذي لا إسلام بدونه، لا يمكن أن يكون والخطاب اللبرالي في سلة واحدة.
فاللبرالية على مستوى مجتمعي تنبني على أن الإنسان، ولنقل هنا: الفقيه، لا يعرف الشيء لذاته، فلا يصح أن يقول بحرمة هذا السلوك دون الآخر، فلا يوجد علمانية ليبرالية ستحمي إسلاما يرى أئمة فقهه أن الخمر محرم، ثم يخرم هذا الفقيه المنظومة الفردانية بإلزام كل أفراد المجتمع بهذا الحكم ثم تصدير خطاب ينطوي على عقوبة دنيوية وأخروية على من يخالفه.
لذلك لا يرى مل أن العلمانية الليبرالية ستحمي إسلاما ينطوي في جانبه الأصولي على حكم التحريم. وفقا لمعيار العلماني الليبرالي، يضحى الحكم بتحريم الخنزير والخمر، أو الحكم بوجوب الصلاة، دلالة على تهديد الركيزة الليبرالية، التي تقضي بعدم معرفة الشيء لذاته أحسن أم قبيح، عدم إلزام الفرد بأي حكم من باب أن الفرد يتصرف وفقا لرؤيته الشيء لذاته هو.
ومع أن هذا المفهوم مستوعب في الساحة الإعلاميةالفرنسية وغير الفرنسية، إلا أنك تجد علمانيين عرب، يستجهلون مستمعيهم وهم يصورون أن العلمانية ستحمي الإسلام الذي يعرفه المسلمون.
ذلك الشعار في الحقيقة، يعبر -إن اختصرنا القول- على حماية لإسلام لا يقول بتحريم شيء أو إيجابه، إسلام لا يوجد فيه من يقول بوجوب الصلاة، كما لا يوجد فيه من يقول بحرمة أكل الخنزير أو شرب الخمر.
لذا، لما تعرض باسكال بونيفاس الناقد الفرنسي، لموضوع الإسلام المتشدد الذي لن تحميه العلمانية، والإسلام المعتدل الذي تحميه ذي العلمانية، كان مدركًا لنوعية الخداع الذي يمارسه المثقف المزيف مثل بيرنارد هنري ليفي وأشباهه، وهم يدعون حماية العلمانية للإسلام.
كان يقول: "تم التأكيد على الفصل بين المسلم المعتدل والمسلم المتطرف لكن هذا التمييز ليس أكثر من خدعة، فالمسلم المعتدل كثيرًا ما يكون مسلمًا ولكن باعتدال، ولكي يُعتبر المسلم معتدلًا يجب على المسلم ألا يلتزم بمبادئ الإسلام وألا يكون مؤمنًا، وتُعتَبر الصلاة أو صوم رمضان دليل تطىرف ديني" [٢]
فعلى نفس الطراز، عندما تقول "العلمانية الليبرالية تحمي الإسلام"، عليك أن تؤكد على مفهوم العلمانية، الذي سيتسق عكسيًا مع أمور من الإسلام لن تناسبه، الليبرالية؟ أقل شيء هي ضد القول بتحريم الحرام، الشيوعية؟ أقل شيء هي ضد القول بوجوب قسمة الميراث على ما تقول مذاهب الفقه.
وهكذا، كل نمط علماني سيدعي بصورةخادعةحماية الإسلام، هو في الحقيقة يرى ضرورة تقليم هذا الإسلام كيلا يتضارب مع قطعيات ذلك النمط، فتصور الآن ذلك الشعار مفصلا، وهو يقول: "نحن نرى حماية الإسلام على شرط إلغاء الحكم بالتحريم، الوجوب، الكراهة، نحن سنحمي الإسلام الذي لا يقال فيه: الصلاة واجبة، الخمر حرام".
هنا سيكون الخطاب إلى حد ما فاضحا، مثل خطاب جون ستيوارت مل، سيتم لفه بكيس نفاية، ثم يرمى في القمامة سريعا، بخلاف الخطاب المزيف والخادع.
[١] مفهوم الحرية، عبد الله العروي، ص٤٧.
[٢] المثقفون المزيفون، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، باسكال بونيفاس، النصر الإعلامي لخبراء الكذب، ترجمة روز مخلوف، ورد للطباعة، الطبعة الأولى ٢٠١٣م، ص٥٥.
🔥12👍11❤9