باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
لو كررت الصفحة من القرآن من ١٠٠ مرة إلى ٣٠٠، فإن تلك الصفحة تجتمع بين عينيك كجملة واحدة تنتقي منها ما تشاء من آيات في أي وقت وترى بين عينيك ما قبلها وما بعدها وما بعد التي بعد بعدها بكل سهولة، بل وتستحظر الآيات كالأشياخ ولا تجد في ذلك حرجا ولا كثير مشقة.
بل ينتفتح لك من الخير ما لا تطيق شكر الله عليه لو حفظت الكتاب على هذا المنوال، فإنه كما اجتمعت صفحته الأولى كالجملة بين عينيك، فإنه يجتمع كله كالصفحة بين عينيك.
وعند حفظك ومراجعتك أمهات التفسير مع التدوين، والعلم بالنحو، ومطالعتك من تفسير الطبري ما لم تجد في تفسير ابن كثير، ومن تفسير ابن تيمية ما لم تجد في تفسير ابن القيم، ومن بلاغة الطاهر بن عاشور ما لم تجد في بلاغة الزمخشري، ومن التيسير لابن السعدي ما لم تجد في تيسير فلان، ومن أسباب النزول للشيخ مقبل ما لم تجد عند غيره، ومن شرح الأسماء الحسنى لإبن القيم ما لم تجد عند عبد الرزاق البدر، ومن تفسير آيات الأحكام لابن العربي ما لم تجد عند محمد الأمين الشنقيطي، وهكذا أنت تفك الغريب من كتاب الأصفهاني وتستل المعاني من كتاب الألوسي، وتدرك المنقول من التفسير بالمأثثور ثم تعقل المعقول من دقائق التفسير لابن تيمية شيخ الوجود.

وأنت على حالك هذه من ١٠ إلى ١٥ سنة! بالله عليك أجب نفسك، هل ترى وقتك الثمين الباهض الذي يضيع كله بين النوم والفسبكة و"العلاك المصدي" يضيع إذا وجهته وعصرته قدر طاقتك في القرآن وعلومه؟ إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم، أين الضياع وأنت تتسلق سلم الإمامة بالقرآن.

ولو أخذت الصفحة الواحدة أسبوعا كاملا حفظا وضبطا وبحثا في التفاسير، أترى نفسك تخسر؟ خاب وخسر من وصفك بالخسران، ألا ترى أن الناس لا يعلمون ويتنافسون في الجهالة والعلم بالمفضول، وقد مر على عمرك ما يزيد على ٢٠ سنة، ماذا قدمت لنفسك من علم؟ وما أنجزت وأنت في متسع من وقتك كل هذه المدة، فكيف بمن بلغ الثلاثين والأربعين وهو يمني نفسه ويطيل أمله؟ ويقول هذا كثير وطويل؟ قد تعيش للخمسين، كيف إذا وصلتها ووقفت تقول آه لو فعلت لكنت أعلم الناس بالقرآن ولكنني جاهل لأني بلا إرادة حينها.
واعرض الكلام على صاحب الخمسين والستين وانظر ما يقول لك "ليته قيل لي لما كنت صغيرا..."

قال الباري عن كتابه ﴿بَل هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدورِ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ وَما يَجحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظّالِمونَ﴾

قال الأشياخ: بينات: لا خفيات، في صدور الذين أوتوا العلم: هم سادة الخلق وأشرفهم وعقلاؤهم، وأولو الألباب منهم والكمّل.
6👍2
الاسم والمسمى.

من المقالات وقع فيها نزاع بين الجهمية وبين بعض متكلمة الصفاتية وأهل الحديث من الحنابلة.

وتأصيل الخلاف أنه تحصيل حاصل عند الجهمية لاتساقهم مع طرحهم في أن كلام الله مخلوق، فهذه الأسماء الحسنى من كلامه، قالوا بأنها مخلوقة ولم يخصوها أصالة بهذا، بل لما قالوا بخلقيتها لعلة أنها جاءت في القرآن الذي قالوا أنه مخلوق، التزموا بعدها بأن قالوا: لا نعبد الكريم والغفور لأن هذه أسماء مخلوقة وقولنا "يا كريم" يعني أننا نناجي مخلوقا لكونها من كلامه المخلوق فلا نعبده بها وإلا أشركنا، بعد هذا جاء التأصيل بأن الاسم غير المسمى، وقال الجهم بن صفوان: لو قلت إن للرب تسعة وتسعين اسما لعبدت تسعة وتسعين إلها حتى قال إني لا أعبد الله الواحد الصمد وإنما أعبد المراد به.

أنظر قوله "وإنما أعبد المراد به" يعني أنه لا يعبد "الله" لإعتباره أن اللفظ "الله" هو مخلوق لأنه مذكور في القرآن والقرآن على أصولهم مخلوق، فقال "أنا أعبد المراد به"، يعني هنا يوجد إلزام لمخالفه بأنه يعبد اللفظ أو الاسم، لا المسمى بذاك اللفظ، وبهذا يخلص بتخطئة القائل بأن الاسم هو عين المسمى.

لكن من قال بأن الاسم هو عين المسمى؟ الأصمعي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وسموا من يقول بأن الاسم غير المسمى بالزندقة، ونقله اللالكائي ودان به، وقال به الطبري والبغوي وابن فورك الأشعري. لكن هل يعني قولهم أن الاسم هو عين المسمى بمعنى أن اللفظ المؤلف من الحروف هو عين المسمى؟

يذكر ابن تيمية أن شيء من لوازم القول بأن الاسم هو عين المسمى ويقول بأن لازمه أن من قال بلسانه " نار" لأحترق لسانه، لأنه يزعم أن الاسم "النار" هو عين المسمى "المراد بلفظ النار"، أنظر هنا ثلاثة مصطلحات " اللفظ، الاسم، المسمى"، واللفظ مؤلف من حروف، والذين قالوا من أهل السنة بأن الاسم هو المسمى لم يعنوا بأن تلك الحروف المؤلفة لذاك اللفظ هي نفس الشخص المسمى به، ولهذا فقول من سبق من العلماء محمول على أن اللفظ هو التسمية والاسم ليس هو اللفظ، بل هو المراد باللفظ، فقول يا زيد لا يعني أنك تدعو اللفظ المؤلف من (ز ي د) وإنما دعوت المسمى باللفظ وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمى.

فلما كانت أسماء الأشياء إذا ذكرت في اللفظ المؤلف يُقصد بها "المسميات" قال من قال من أهل السنة بأن الاسم هو المسمى، كما ذكر ابن تيمية عن البغوي وغيره، وينضبط التحرير بأن عقيدة أهل السنة في الاسم والمسمى كما ذكر ابن تيمية من قوله (ولله الأسماء الحسنى) أن الاسم للمسمى، ومن قال من أهل السنة أن الاسم هو المسمى فذاك مراده، وليس مراده اللفظ المؤلف من الحروف.
قولك (قد)

"قبل الماضي تفيد القريب من الحال، وما النافية تصير معناه منفيا وقريبا من الحال"

(النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف مصر، الطبعة الثالثة، ج١، ص٥٣)
"اذا أراد امرؤ أن يعبر عن إعجابه بصفة لشيء ما، اشتق من مصدر هذه الصفة هاتين الصيغتين: ما أفعَلَه، أفعِل به"

(الموجز في قواعد اللغة العربية، سعيد الأفغاني، دار الفكر- بيروت، الطبعة؟، ٢٠٠٣م، ص١٦)

قوله تعالى (أبصِر به وأسمِع) تأويله أن الرسول عليه الصلاة والسلام تعجب من كمال سمع وبصر الباري عز وجل وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات.
👍1
"جرت عادة العرب قديمًا بنقص الألف من كل عَلَمٍ مشهور مستفيض زائدٍ على ثلاثة"

(قواعد الإملاء، ابن العثيميين، تحقيق مصطفى محمود الأزهري، ص١٤، للمحقق)

لذا في بعض كتب السلف يكتبون "إسحق بن راهويه" دون الألف، وتنطق "إسحاق"، ومثله إبرهيم وغيره، وكذلك في البسملة "الرحمن".
في قوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا﴾

"طلب عدم المؤاخذة في ﴿لا تؤاخذنا﴾ مفهوم من المضارع، بمساعدة (لا الطلبية)، وزمن المعنى في الفعل هو المستقبل [لا الحال] إذ لا يمكن تحقيق ما تطلبه من غيرك وإنفاذه إلا في المستقبل"

(النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف مصر، الطبعة الثالثة، ج١، ص٥٩، بتصرف)

هذا على أن الأصل في الفعل المضارع أن يكون للحال، ولا الطلبية من بين صوارفه للمستقبل.
👍2
"كلما تآكل وتفتت الإيمان بوجود عالم آخر بعد الموت، فإن مخاطر التطلعات المحبطة لا بد أن ترتفع أكثر وأكثر.

القادرون على الإيمان بأن ما يحدث على الأرض ليس إلا مقدمة وجيزة للوجود الأبدي سوف يعادلون أي ميل لحسد الآخرين بفكرة أن نجاح الآخرين سحابة صيف سريعة الزوال مقارنة بحياة خالدة.

أما عندما ينبذ الإيمان بحياة أخرى بوصفه مخدرا صبيانيا وأمرا مستحيلا علميا، فسوف يتعاظم بلا شك الضغط من أجل النجاح والإشباع نظرا لوعي المرء بأنه لا يملك إلا فرصة واحدة للقيام بذلك وهي تتسرب من بين أصابعه بوتيرة مخيفة، في هذا السياق لم تعد المنجزات الدنيوية مجرد افتتاحية ممهدة لما قد يتحقق في الآخرة بل هي المجمل والمنتهى لكل ما سوف نبلغ على الإطلاق."

فإن وقع فقدان لها، وقع القلق والخوف.

(قلق السعي إلى مكانة، آلان دو بوتون، ترجمة محمد عبد، دار التنوير، الطبعة الأولى: ٢٠١٨، ص٥٩).

ينحصر هذا المبحث في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما العيش عيش الآخرة".
"عندما تقول لي: إن الله هو علّة وجود المادة الأولى التي يتألف منها الكون، وأسألك بدوري: وما علة وجود الله؟ إن أقصى ما تستطيع الإجابة به: لا أعرف إلا أن وجود الله غير معلول"

(نقد الفكر الديني، صادق جلال العظم، ص٢٩)

لاحظ استعراضه لبذخه المعرفي (أقصى ما تستطيع الإجابة به: لا أعرف)
_
واحدة من المقالات التي أسهب فيها ابن تيمية في درء التعارض.

ترى قول العظم: (الله علة وجود المادة الأولى) ثم تساؤله (ما علة وجود الله) فيه مكابرة تجاه مسألة الواجب والممكن.

إذا وقع التقدير أن كل المخلوقات ممكنة الوجود، وأنها تفتقر إلى موجب يوجدها، ثم نجعل الموجب مفتقرا إلى موجد، فحيهل بالسفسطة.

كل موجود لا بد أن يكون إما واجب الوجود أي وجوده واجب بذاته، أو ممكن الوجود: وجوده ممكن مفتقر إلى غيره، فإن جعلت من الواجب مفتقرا في وجوده إلى غيره (إلى علة توجده) فقد خرمت حد واجب الوجود وبهذا يقع التسلسل، فلا اتساق في هذه الفلسفة بوجه. يعني:

إذا قدرت أن لكل مخلوق خالق ثم قلت فمن خلق ذا الخالق فإنك جعلته من جملة المخلوقات لأنك في النهاية لا تتسق فمن يقول لك أن الخالق لا يكون مخلوقا وهذه ضرورة عقلية أي إما أن يكون وجوده واجبا أو ممكنا = أنت تقول له: لا أقبل خالقا لا مخلوقا والصواب أن يكون وجوده واجبا بذاته موجدا لغيره وممكنا بغيره له علة توجده، فجمعت فيه النقيضين أنه الخالق المخلوق، وهذه ليست فلسفة بل هي سفسطة لم ترتق لتكون مقدمة عقلية، إذ العقليات المحضة إذا كانت مرتبة ولا تشوبها مقدمة باطلة فإنها لا تدل إلا على الحق.

بالنسبة لقضية الممتنع عقلا، الممكن كما هو معقول ومحسوس لا يوجد إلا بغيره: من هذه القضية الضرورية= فإنه ((يمتنع أن يوجد به غيره)) بطريق الأولى. فكيف يكون واجب الوجود الذي به يوجد غيره موجودًا بغيره، أي أن الوجوب والإمكان يمتنع عقلا أن يجتمعا في شيء واحد.

فالذي يمتنع عقلا تقدير وجود واجب أو قديم ثم القول فمن أوجبه ومن أحدثه؟، يقلك العقل كيف أجيبك بهذا؟ أنت قلت أن وجوده واجب وقديم وأنه هو الصانع، كيف تسأل من أوجده ومن أحدثه ومن صنعه؟ أنت تقول له: بل لا أقبل إلا أن يكون قديما محدثا، صانعا لكل شيء ومصنوعا، موجبا للوجود وممكنا.

ثالثها، مسألة الخالق والمخلوق، في تشريح كثير من الخطابات اللادينية تجدهم يركزون على مسألة الخالق والمخلوق التي تعبر عند الأديان عن كمال الربوبية للرب يعني أن الخطاب الديني يقلك: هذا خالق وهذا مخلوق، هذا رب وهذا مربوب، هذا موجِد وهذا موجَد، هذا محدِث وهذا محدَث، هذا قديم وهذا حادث، لكن التماثل بينهما ممتنع، يمتنع أن يكون المخلوق خالقا ويمتنع أن يكون الخالق مخلوقا وإلا ماثل المخلوق خالقه في كماله، وماثل الخالق مخلوقه من جانب النقص وهو افتاقاره إلى موجد يوجده، في هذا تجد الخطاب اللاديني يلتوي ويكابر العقل ولا يشترط لإثبات الخالق أن يتصف بالكمال في ربوبيته فيكون مستغنيا على غيره وغيره من الموجودات مفتقر إليه، بل لا يشترط في إثباته إلا أن يتصف بنقص في ربوبيته. ولا أجد وصفا لهذا التناقض في الطرح إلا بأنه سفسطة بائسة.
👍2
"الأنسب أن يلتزم العَلَم صورة واحدة في جميع الأساليب مهما اختلفت العوامل الإعرابية، وهذه الصورة التي سمي بها واشتهر فيقال مثلا:

كان أبو بكر رفيق الرسول عليه السلام في الهجرة

إن أبو بكر من أعظم الصحابة

أثنى الرسول عليه الصلاة والسلام على أبو بكر خير الثناء.

فكرمة (أبو) ونظائرها من كل علم مضاف صدره من الأسماء الستة يلتزم حالة واحدة لا يتغير آخره ويكون معها معربا بعلامة مقدرة سواء أكانت العلامة حرفا أم حركة."

(النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف مصر، الطبعة الثالثة، ج١، ص١١٤)
👍3
إسماعيل صبري:

"لا تقربوا النيل إن لم تعملوا عملا
فماؤه العذب لم يخلق لكسلان"

(النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف مصر، الطبعة الثالثة، ج١، ص١٨٠)
"لا أمل فيمن يضع عقله في أذنيه"

(مقدمة في الفلسفة العامة، يحيى هويدي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة ٩، ص١٢، بتصرف)
بالنسبة لمسألة وجود الله: "لن يصبح الباحث باحثا في الفلسفة حقا إلا إذا أقلقته مشكلة وجود الله بدرجة كافية ودفعته إلى أن يفتش عن الأسس النظرية التي تدعم هذا المعتقد"

(مقدمة في الفلسفة العامة، يحيى هويدي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة التاسعة، ص٢٧)

كلام هويدي متسق للغاية مع بعض مدعي الفكر والفلسفة، كمصطفى محمود في هذا الكتاب، مصطفى يكون في شك مريج تجاه الدين ووجود الله، ثم يخدّم الماكينة الأرسطية فليصل بها إلى الإيمان.

التفتيش عن الأسس النظرية لإثبات وجود الباري وجدها مصطفى محمود في النهاية بعد خلط عظيم في أن ينتقل من الشك في وجود الإله إلى عبادة إله هو عند التحقيق عباؤة عن عدم وليس بموجود.

حتى أنه عقد فصلا في نقض سقراط، والدفاع عن ارسطو وتأصيله ''الله محرك لا يتحرك".

وهذا يندرج تحت موضوع أن المعتقد ليس له قدرة على فرض نفسه إلا بآلة خارجة عنه، كالمنطق ...
1
أهل السفسطة : "زعموا كذلك أن الأضداد يمكن أن تتفق لشيء واحد فيكون في آن واحد حارا باردًا"

(مقدمة في الفلسفة العامة، يحيى هويدي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة التاسعة، ص٨٥)

بالنسبة للطرح الأشعري في وصف الباري بأنه لا فوق ولا تحت ولا داخل العالم ولا خارج فبهذا الإصطلاح هم داخل النسق السوفسطائي.

كذلك مثل جلال العظم وأسلافه ممن يطالب بعلة وجود واجب الوجود، فهو يريد أن يكون الخالق مخلوقا في آن واحد، وأن يكون وجوده واحبا ممكنا في آن واحد، وليس هذا إلا السفسطة.
pantheism

الفلاسفة "إن قالوا بأن الله والعالم حقيقة واحدة أو طبيعة واحدة إذا نظرت إليها من ناحية الله كانت الطبيعة الطابعة أو الخالقة.
وإذا نظرت إليها من ناحية العالم كانت الطبيعة المطبوعة أو المخلوقة: كانوا من أصحاب وحدة الوجود"

(مقدمة في الفلسفة العامة، يحيى هويدي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الطبعة التاسعة، ص٥٦)

ومنهم من ينكر التسمي بالحلول والإتحاد، ويقولون أن الإتحاد يكون بين شيء وشيء، فيرون الإتساق في مذهبهم بأن يتسموا بأهل الوحدة، أي أن الوجود واحد في الأصل وليس فيه شيء يتحد بشيء.
العلمانية في مواجهة أبي بكر.

لما أصاب أذى قريش أبا بكر، استأذن رسول الله عليه السلام في الهجرة، فأذن له، فخرج فلقيه أبو الدغنة.

وبعد حديث دار بينهما قال له أبو الدغنة: فلتأت في جواري فأنا أكفيك ولن يلحقك أذى قريش، فوافق أبو بكر.

وكان له رضوان الله عليه مسجد جنب بيته يصلي فيه وكان يستبكي في صلاته، وكانت تتأثر لذلك النساء والصبية، فلما رأت قريش أنهم يتأثرون لاستبكائه، ذهبت لأبي الدغنة وقالت له:

"إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم، فأته فمره أن يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء"(١)

أنظر قولهم " فمره أن يدخل بيته فليصنع ما شاء" وحجتهم في ذلك خوفهم من أن يدخل النساء والصبية في دينه، فذاك في اصطلاحهم فتنة لهم منه.

فالنسق العلماني والأمر بحصر الصلاة والعبادات في المسجد دون غيره ليس وليد الحين ولو أنه وجد تقنينا واشتداد شوكة ونحوه، ولكن لكل قوم وارث، فما ورث أدعياء العلمانية إلا ما أخلفه لهم أهل الجاهلية.
_____

(١) السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، ج٢، ص٢٥
معرفة، أم ماذا؟

البحث المعرفي لا يعنيه الطريقة التي يتعامل بها كثير من المنتسبين إليه، في السباق على منصب بطل العالم في العلوم، هناك معرفة صحيحة وأخرى غير صحيحة، ولا يعنينا كثيرًا عقد المفاضلة بين قائليها، لكن للعديدين وجهة نظر أخرى، فلابد أن يقلبوا الأمر إلى مسابقة، قل لا إشكال ما دامت منافسة في المعرفة، لكنها تتحول إلى شيء يشبه ما يسمى hardcore في غناء الراب، حيث يستعرض المغني نقوده، وسياراته، ومجموعات نسوية حوله، وجرائمه المكذوبة التي يفاخر بها، لإظهار أنه أفضل!

فهو ينتسب إلى طلب العلم الشرعي، لكن لابد أن تجده في حملته يستعرض معرفته الموسيقية، وبأول حفلة غنتها أم كلثوم، أو عدد الروايات التي قرأها في موضوع لا يمت للرواية بصلة، أو يخبرنا بأمور لا يعنينا التحقق منها، بدون حاجة، كنت أقرأ الكتاب الذي حفظت نصفه في بداية طلبي، هل سيسمّع له القارئ؟ ما الحاجة لهذه الجملة الاعتراضية سوى غايتها الاستعراضية؟

أو أنه يعرف أنواع العطور الفرنسية، فالرجل متبحر في العلم لدرجة أنه يعرف مناظرة حصلت في نادٍ ثقافي في نيويورك بين قس وأستاذ رياضيات، في مسألة بحثت في محاورات أفلاطون من قبل، لكنه مشغول عن قراءتها بمثل هذا الاستعراض، بحجة مطالعته للمستجدات، ومعرفته بالدقائق والخفيات، هذه الأمور يمكن أن يذكرها المرء أحيانًا على سبيل الأمثلة لتوضيح مقصد معين، لكنها تتحول إلى أوراق في اللعب وهو ينافس على المنصب المعرفي.

هذا المنصب، يتخيله كمقعد وزاري، يمكن أن يصل إليه برشوة فلان، لكن الرشاوى هنا في مدحه له وتفخيم شأنه منتظرًا رد الجميل، فإن لم يرد له المدح، جاوزه إلى غيره، حتى يقيم شبكة من العلاقات التي يمكن عن طريقها بنظره أن يصل إلى كأس أبطال المعرفة في العالم، وفي غمرة الاستعراض يذكر لنا في بداية طلبه أنه كان يحصل له مواقف كثيرة، وكأنه انتهى من مرحلة الطلب، ويمتدح المتخصصين حتى يقال هو منهم، بالمناسبة يمكن أن يحمل بعض المعرفة شخصيات لا يطاق لها منطق، ولا مقعد لها بين الرجال، وفي غمرة حذلقاتها، يكون ثقل ظلها أكبر من ثقلها المعرفي.

يوسف سمرين.
النضر ابن الحارث وفلسفة الاستغراب.

"وكان النظر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله عليه الصلاة والسلام... وكان قد قدِم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوم الفرس وأحاديث رستم واسفنديار.

فكان إذا جلس رسول الله مجلسا فذكّر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام: النظر بن الحارث، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منع فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني؟"

(السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، ج١، ص٣٢٨، بتصرف يسير)
👍1