باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان (٦)

نرى أن من كتب حول الإنسانوية، وأصولها الفلسفية، يدرج دوما موضوع تأليه الإنسان، وأن هذه هي الغاية القصوى عند الإنسانويين، لكن قلما نرى استحضارا لمقالة "التشبه بالإله قدر الطاقة".

ابن تيمية في غير موضع من كتبه الفلسفية، يحكي حول هذا المقال، لكن لو ركزنا على طرحه، لرأينا أن التشبه بالإله قدر الطاقة، هو قول يوناني، تسرب عبر حركات الترجمة للإسلاميين، ممن وسموا بالمشائين تبعا لأرسطو وأصحابه.

أولغا، في كتابها ديكتاتورية المستنيرين، ذكرت أن مارسيليو فيتشينو، كان يؤكد مرارا "أن الإنسان لا يريد من هو أعلى منه، ولا ما هو مساو له، ولا يسمح أن يوجد فوقه أي شيء، بل يسعى للسيطرة على كل مكان... وأن يشبه الله في كل مكان".

عبارة أن الإنسان يريد أن يشبه الله في كل مكان، في أصلها هي عبارة يونيانية، لا أن أصلها مارسيليو فيتشينو.

الفيلسوف أبو البركات هبة الله ابن ملكا، في كتابه المعتبر من الحكمة الإلهية، يذكر عن قدماء المشائين قولا في الإليهات، فيقول:

"يظهر من المتداول في كلام القدماء أن المراد بلفظ إله، هي معنى إضافي بالقياس إلى من هو إله له".

ابن تيمية في كتاب الصفدية، يشير إلى أن لفظ الإله عندهم، لا يحمل معنى الإله عند العرب، بل قد يكون الإله فيهم معلم ويكون المتأله هو المتعلم، وعليه يقع التشبه بالإله قدر الطاقة حتى يصل إلى التشبه بالإله الأعظم. ولذلك قالوا: الفلسفة هي التشبه بالإله قدر الطاقة.

قال ابن تيمية: وهذا الذي حكاه عنهم مطابق لما حكاه سائر الناس عنهم أن الفلسفة عندهم هي التشبه بالإله على قدر الطاقة.
وذكر لله معنى آخر وهو الفاعل الذي لا يرى وله سلطان وجعل الملائكة هي الآلهة بهذا التفسير وبين أن العلم الإلهي يتكلمون فيه على جنس الآلهة ثم على صفات الإله الأكبر الذي هو إله الآلهة فالإلهية عند القوم أمر مشترك بين الله وبين الملائكة وبين المعلمين ومن نقتدي به.

إلى أن قال في الفارق بين لفظ الإله عند مشركي العرب، وبين لفظه عند المشائين:

"وهذا الشرك شر من شرك مشركي العرب فإن أولئك وإن أشركوا بالوسائط وقالوا هم شفعاؤنا عند الله وقالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فلم يكن التأله عندهم بمعنى التشبه والإقتداء بل بمعنى العبادة والذل والمحبة.

وهؤلاء (أي المشائين) مع عظيم شركهم بالله بمخلوقاته جعلوا التأله هو التشبه بالإله لا أنه يحب ويعبد ويدعى ويسأل ولهذا لم تكن الآلهة مختصة بالله عندهم لأن التشبه مبناه على أن الأدنى يتشبه بالذي فوقه والذي فوقه يتشبه بمن فوقه حتى ينتهي إلى الغاية ولهذا سموه إله الآلهة".

فيظهر أن مقالة تأليه الإنسان تشبها بالإله، ترجع في جذورها إلى الأرسطية، ولو كان الأمر مشتركا بينها وبين فلسفات أخرى إلا أن عقيدة القدماء من الفلاسفة كانت تنطوي على القيم التي برزت الآن في الطرح الإنسانوي.

ومن ذلك قول لوك فيري في كتابه الإنسان المؤله: لم نفتأ نشاهد تأليها للإنسان بطيئا ومحتوما.

يتبع
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان. (٦)

ابن تيمية له كتاب صدر حديثا وهو قاعدة في أن كل دليل عقلي يحتج به مبتدع ففيه دليل على بطلان قوله.

في هذا الكتاب يذكر مذاهب أساطين المقالات التي تأثر به المبتدعة من الإسلاميين، ويقارن بينها، ويذكر قول أرسطو بقدم الفلك، وقول ابن سينا بإيجاب الله للفلك، ثم يذكر قول القدرية في أن الرب لا يخلق فعل العبد، ويقارنه بقول المجوس في أن الرب لم يخلق فعل الشيطان، على قول منهم في قدم إبليس بقدم الباري سبحانه، ثم يتطرق لقول الحرنانيين بأزلية النفس وتأثير ذلك في المقالات التي قالت بتأليه الإنسان.

فيقول: "وأما الحرنانيون وإن كانوا يقولون بحدوث الأفلاك، فإنهم يقولون بأن النفس قديمة أزلية مستغنية عن الرب، ويقولون أيضا بقدم المادة والدهر والخلاء... فهؤلاء يجعلون النفوس البشرية شركاء لله آلهة من دونه، كما جعل أولئك الجن شركاء لله... فظهر تأثير ذلك في أن كثيرا من البشر ادعوا الإلهية وادعيت لهم، وهو دعوى إلهية النفس".

ومصر كانت تأوي بقراط وكثير من الفلاسفة والسحرة، ولذا لا يستغرب تأثر فرعون مدعي الإلهية بمقالهم.

وإن يكن النشاط الإنسانوي المعاصر لا يتقاطع كثيرا مع الطرحين الحرناني والمشائي في إثبات الرب، إلا أن مسألة تأليه الإنسان، ومساعي الإنسانوية الحديثة كانت تقول بها مذاهب شتى، وقد كان لابن تيمية فضل التصدي لها في مختلف مؤلفاته، الأمر الذي غفل عنه الغافل عن إدراك النسق الفلسفي لابن تيمية، وتم استبعاد بناء صرح فلسفي مبني على معقولات محضة في مواجهة ما نستقبل من فلسفات كفرية، حتى أضحى البناء في رد مذاهب الإلحاد مبنيا عند أكثر أصحابنا السلفيين على التراث المسيحي. ولو قام مجتهد في الطلب، كامل في القريحة وانتصب لفهم وتعقّل كلام ابن تيمية في ضوء ما نعاصر اليوم، لوجد فيه توجيها وخيرا كثيرا، والله المستعان.

هذه المقالات، كتبتها على عجالة، من غير مراجعة لأكثر المراجع التي بنيت عليها ما أكتب، ولم أتطرق لكل ما يتعلق بالإنسانوية، وليس بسط ذلك محتملا في جملة منشورات، وإن يكن فهي أفكار كانت حبيسة الذهن فنقلتها لإخواني، لعلي أنفع بها غيري أو ينفعني غيري بنقدها.
حول أصول الدين وفروع الدين.

قرأت قبل فترة في كتاب صلاح كنتوش العدني الموسوم بأخطاء الأصوليين في العقيدة، تقديم يحيى الحجوري، وكان في الكتاب فصل: (في تقسيم الدين إلى أصول وفروع)

جاء فيه المؤلف بنقل كلام مشهور لابن تيمية من مجموع الفتاوى (ج١٩، ص٢٠٧، ٢١٢) وخلص بتوجيه كلام الشيخ لإنكار مطلق للتقسيم.

ثم وقع له أن ابن تيمية يثبت المصطلح في كلامه ويقول به، حتى أن له رسالة موسومة برسالة في أصول الدين، فكان للإعتذار من كنتوش لابن تيمية بقوله:

"قد يقول قائل هذا شيخ الإسلام يعبر بهذا الاصطلاح وكذا ابن القيم وكثير من علماء السنه

والجواب: نعم رأيناهم يعبرون بذلك ولكن هذا لاجل أن هذا التعبير قد انتشر بين الناس وصار معروفا فشيخ الإسلام يستعمله لأنه من جمله الألفاظ التي استخدمها الناس كالعرض والجوهر ونحو ذلك".

ونحن نقول: الأولى الإعراض عن ذلك، فنعبر عن كتب الفقه والمعاملات فنقول كتب الفقه ولا نقول كتب الفروع ونعبر عن التوحيد والعقيده فنقول كتب العقيده ولا نقول كتب أصول الدين، والله المستعان"(ص٢٥)

ثم نقل كلاما للعثيمين من كتابه الأصول من علم الأصول ليعضد به فهمه، قال العثيمين "أنكر ابن تيمية أن تقسيم أحكام الإسلام إلى أصل وفرع" (الأصول من علم الأصول، ابن العثيميين، ص٢٣)، وهذا هو القول الذي كنت أراه صوابا في السابق.

والصحيح، أن كنتوش لم يحرر المسألة تحريرا دقيقا، لا في سبب التقسيم أصلا، ولا في سبب استعمال ابن تيمية للتقسيم، وحتى قول الشيخ العثيمين لإنكار ابن تيمية للتقسيم، ليس بصحيح.

وتحريرها على ما ظهر لي:

أن أصل التقسيم جاء من الأشاعرة، بحد أن الفروع أحكام عملية، وأن الأصول مقالات خبرية علمية، واشتهر هذا القول. فالأشاعرة ممن يخرج الأعمال عن مسمى الإيمان، فكان هذا الحد متسقا مع أن المخالف في الأعمال لا يكفر، بخلاف المخالف في المقالات الخبرية العلمية فإنه يكفر.

فالمسألة مبنية على مسمى الإيمان، لذا فكل من له حد للإيمان فإنه يتسق معه في تقسيمه للدين أصولا وفروعا، فإذا كان قول المرجئة "الإيمان هو التصديق بالخبر" وأن الأعمال ليست منه، فإنهم يسمون التصديق أو المسائل العلمية بأصول الدين، وما ليس من الإيمان يسمونه بفروع الدين.

وإذا كان أهل السنة، يقولون أن الإيمان "هو تصديق وقول وعمل" فإنهم يجعلون من العلم والعمل -الذي ثبت في الشرع أن مخالفه يكفر- من أصول الدين، كمن يجحد وجوب الصلاة، أو حتى من لا يصلي على قول، فهذا من المسائل العملية التي يكفر مخالفها، ويتقرر أن لهذا الأصل فروع لا يكفر مخالفه، كالتنازع في السدل والقبض مثلا، فهذا من الفروع.

وفي المسائل العلمية الخبرية، كذلك -عند أهل السنة- منها ما هو أصل وما هو فرع، فمن الأصول الإيمان بصفات الله، وبالرؤية، وأن مخالف هذا آثم، ومن فروع هذا المثال: هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أم لا؟ فهذا لا يأثم المتنازعون فيه.

بما سبق، تقرر أن الأصول والفروع تكون في الأمور الخبرية العلمية، وفي الأمور العملية، خلافا للمتكلمين، وهذا ما قرره ابن تيمية، وبه تبين خطأ القول بإنكاره للتقسيم مطلقا.

قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى، ج٦، ص٥٦):

"الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين العلمي والعملي مسائل أصول، والدقيق [من الصنفين] مسائل فروع.

فالعلم بالواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر"
القراءة لكتاباتك القديمة تفيدك لتعرف هل أنت على ذات المستوى أم تحسنت، أم تراجعت.
2
يعقوب ابن داوود:
"عقول الرجال تحت أسنة أقلامهم"
2
ابن عقيل الحنبلي:
"الحد خلاصة لا تحتمل الحشو".
2
إن كان فرعون قد كثر ذكره في القرآن لعظم دعواه، فقال "أنا ربكم الأعلى".
فإن الإنسانوية، تجدد دعواه، تجديدا منظما، وموسعا لا يختص به فرعون دون فرعون، بل تأليه للإنسانية جميها، لتخرج عن إنسانيتها، إلى ما بعد الإنسانية، وهو قول لوك فيري: لم نفتأ نشاهد تأليها للإنسان، بطيئا ومحتوما.
عندما نرى الإنسانوية، كفلسفة من شأنها تسليط الضوء على مركزية الإنسان، وصولا إلى تأليهه، يقول أمثلهم: أن الخطاب الديني يقوم على مبدأ "سِوانا"، تمجيد الذات، وتسفيل الآخر، وأن هذا ضعف في الوعي الإنسانوي لدينا، إنه قد يخاطب أصحاب القوميات، لكن لا تستطيع أن تفرض علينا تقبيح الولاء للمؤمن، والبراءة من غيره، بحجة مشاركة الآخر لي في الإنسانية، بحيث تضع الإسلام عرضة لقبول أن الإنسان قيمة عليا في الوجود، وأن النداء الإنساني يفرض علينا ألا نبرأ من إنسان مخالف في العقيدة، فقط لمجرد الشراكة في الإنسانية. الأمر الذي يستحق أن يصاح لأجله "يا ويلاه" ليس محاولة الإلزام من الآخر بأن نقبل بدينه الإنسانوي، ثم نتلوَ مقرراته قائلا "هو سماكم الإنسانويين"

لا، بل ما يضير، أن ترى متصدرا، يحكي باسم الإسلام، ويؤاخي من هب ودب، وحجته في ذلك: "المشترك الإنساني" متناسيا أن الإسلام لا يلقي أي اعتبار لهذا المشترك من حيث الولاء والبراء، ولم يأت في كتاب الله "هو سماكم الإنسانيين" وإنما التسمية التي جاءت في القرآن تثبت الولاء والبراء، وتثبت أعلى وأشرف مشترك لأجله يجب أن يوالي ويعادي الناس (هو سماكم المسلمين).
نحن والآخرون، ضدا لنحن الإنسانوية.

عليك عزيزي الإنسان ألا تُسقِط الإنتماء، ألا تسمح لأي كان أن يسقط قولك: "نحن، والآخرون"، إن الإنتماء إلى مجموعة من الناس -لا كلهم- غريزةٌ لا أتنازل عنها لمجرد الشراكة في الإنسانية، بل الشراكة في الإنسانية، هي التي تفرض علي أن يكون هؤلاء الناس هم "نحن" والمخالفون لِ "نحن" هم "الآخرون".
فنحن نتميز عن بعضنا، لأننا أناس مختلفون، عرب، عجم، مسلمين، نصارى، آل فلان...
لا أننا نتميز عن جنس الحيوان، والنبات، والجن، فنقول بأن رابطنا الأوحد هو الإنسانية، وفي حين أنتمي إلى الإنسانية، هل حقا أنا أميز نفسي؟ عمن؟ عن الحيوان؟ الجن؟ النبات؟. لا، بل أنا أدخل مرحلة ما بعد الإنسان، إلى اللا إنسان.

فما معنى أن يكون كل البشر عربا؟ يعني لا يوجد هنالك إمكانية لأن أكون أنا عربيا والآخر تركيا، والآخر هنديا، بمعنى لا أهمية حقيقية لعروبتي، فالكل عرب، بل لا يوجد حتى إمكانية الدفاع عنها، والنشر لتاريخها وهكذا... والحال أن الكل عرب، فأين الإنتماء؟ أنا سأنتمي لكل الناس، لأن كل الناس صاروا عربا، هنا أدخل مرحلة ما بعد العروبة، إلى اللا عروبة، فالعروبة في الحقيقة لم تعد تعبر عن انتماء حقيقي أجد في نفسي الحاجة إليه أمام الناس، إلا مقابل أجناس أخرى كالحيوان وكذا، فما دام كل البشر عربا! فلا يوجد أي معنى لإنتمائي للعروبة. أصل الأمر أني افترضت العروبة مثالا لمشترك إنساني، يشترك فيه كل الناس، لكن المشتركات لا تكون حجة في الإنتماء، بل الناس تنتمي على أساس ما يميزها مع مجموعة لا ما يجمعها مع كل الناس، فالعربي عربي لوجود أعجمي، والمسلم مسلم ينتمي للإسلام، لوجود دين مغاير "آخر" لا يشترك معه في العقائد، وكذلك فريقي يربح فأفرح له لأنه فريق الوطن الذي أنتمي إليه، وفريقك يخسر فأفرح لخسارته، لأنه فريق لوطن لا أنتمي إليه، أترى؟ نحن، والآخرون
منشور طويل قليلا، فأصبروا على أخيكم.

المتكلمون في أصول التفسير يجعلون من علامة السور المدنية أن الخطاب يكون فيها موجها للمؤمنين بخلاف الآيات المكية، لأن أكثر من يخاطب بها من ليس بمؤمن، يعني أن السور المكية يكون الخطاب والنداء فيها موجها لجميع الناس كقوله "يا أيها الناس".

الإنسانية، في القرآن لم تخاطب خطابا يتقاطع مع الخطاب الإنسانوي المعاصر، بحيث يكون المشترك الإنساني لوحده دلالة على أن الناس يجب أن ينتموا للإنسانية، لكونها أوسع قاسم مشترك بين كل الناس.
لا، بل الإنسانية هي الشرط الذي متى توفر وجب أن يخاطب صاحبه بالإنتماء للإسلام، فيكون الإسلام أعلى وأشرف قاسم مشترك بين الناس الذين يدخلون فيه، يوالى أصحابه، ويعادى أعداؤه. وإذا دخل الناس في الإسلام، صار الخطاب فيهم بقوله "يا أيها الذين آمنوا".

الإنسانية في الخطاب القرآني، لم تأت من حيث الإقرار على اتحاد الناس ما دامت الإنسانية جامعة لهم، بل جاء في الكتاب خطاب الناس أجمع بأن ينتموا للإسلام، لا أن يقع تذكير لهم بأنهم أناس ويجب أن يحافظوا على انتمائهم للانسانية. فالانسانية شيء متوفر في كل البشر، وليست محل انتماء حقيقي إلا مقابل أجناس ليست إنسانية مثل الحيوان والنبات، وأعلى وأشرف جامع ينتمي إليه الناس حقيقة هو الإسلام، فليس في الكتاب مناقشة لحجية انتماء الناس للإنسانية مقابل الإسلام أصلا، لأن الناس لا بد لهم من توفر الإنتماء مقابل باقي الناس، لا مقابل فاقد الإنسانية.

ولذلك يأتي خطاب الله للناس في القرآن على وجه الحث والأمر بالإسلام والإيمان والعبادة والتقوى وما في معناهم، كقوله تعالى:

(يا أيها الناس أعبدوا ربكم)
(يا أيها الناس أتقوا ربكم)
(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم)
(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم)
(يا أيها الناس قد جاءتكم موعضة من ربكم)
(قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم)
(قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين)
(قل يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث) الآيات.

فالإنسانية، شرط في مخاطبة الناس بأن ينتموا، ويدخلوا في الإسلام، وعليه من لم يكن مسلما، تعقّلنا دخوله في غير الإسلام مما يميزه عن المسلمين، وعن غيرهم من الناس وأن يكون ومن على دينه مجموعة أناس ينتمون لهذا الدين ويتميزون به عن غيرهم، ولم يكن متعقّلا أن ينتمي إنسان إلى بما يميزه عن الجماد والحيوان والنبات فقط، فتقول له من أي قوم أنت فيقول لك "من قوم الناس" فهذا غير معقول، ستقول له أعلم أنك لست "من قوم الحيوان".
فأنت بحاجة عقليا لمعرفة انتماء هذا الشخص مقابل باقي الناس، لأن الإنسانية وجدت هكذا جماعات متميزة عن بعضها لغويا، عرقيا، دينيا... فالناس لا بد لهم من أعراق ولغات وأوطان تميزهم عن بعضهم، ولم يكن المشترك الإنساني حجة في المحبة والبغض، بل هو درجة تسمح لنا أن ننتمي بعد تحققها إلى انتماء حقيقي يضيف لنا التميز، والشعور، ولو في أبسط الأمور، كفوز فريقنا في كرة القدم، أنا لا أحتاج تبريرا لعدم حزني على خسارة فريقك، فأنا أنتمي لفريقي، وهذا وحده ما يسمح لي بأن أفرح وأحزن وأشعر، فإن قبلت برفع المشترك الإنساني لدرجة عليا كما يقول الإنسانوي، فسأفرح بخسارة فريقي وربح فريقك لأنني أنتمي لفريقك في الإنسانية!! بربكم أهذا شيء يمكن تقبله في العقل؟ كلا، إن الإنتماء للانسانية، لا يضيف لي أي شعور حقيقي أسعى للظفر به، لأنه انتماء أتميز به عن أجناس لا إنسانية كما قلت سابقا: "الحيوان، النبات، الجن، الحجر...".
بيد أن انتمائي للإسلام، يجعلني أفرح بانتصاره، وهنا أتذكر مقولة صفحة "حس سليم"، أسمي الفتح الإسلامي بالفتح وأحسّنه لأنه فتحنا نحن "المسلمون"، وأسمي الحملات الصليبية بالاستعمار وأقبّحها، لأني لست صليبيا. لأنه يوجد نحن، ويوجد آخرون. لا يوجد نحن أناس تتوفر فينا الإنسانية فحسب، لأننا لا نكتفي بها في الانتماء، لأنها لا تعني شيئا إلا مقابل اللا إنسان، فنحن نسمى أناسا مسلمين، مقابل الأناس الصليبيين، لا يمكن أن تبرهن لي على نفي التمايز، والتخالف، فضلا عن عجزك على البرهنة على ثبوت معنى مقبول عقلا للانتماء لجنس الناس، وأن هذا كفيل بتحصيل الشعور، وسد دافع الإنتماء.
الرابط الإنساني.

إضعاف الترابط بين "الناس" يكون بتقليص روابطهم مع إبقاء أوسع وأخف رابط، وأعني بذلك رابط الإنسانية.
إن الإنسانية كرابط، هي في الحقيقة من أضعف الروابط بين الناس على الإطلاق، لا من أقواها كما يزعم الإنسانوي الذي فقد رابط الدين، رابط الدم، رابط الوطن، رابط اللغة، يرى من كل هذه الروابط والانتماءات وسائل للتفريق بين الإنسانية، لكن هي في الحقيقة وسائل لتقوية الترابط بين الناس، ووسائل لتنظيم العلاقات بينهم.
إن إحساس الإنسان بالترابط الديني، الوطني، العرقي، اللغوي، مع غيره لا يمكن أن يعوضه حسٌّ برابط لا يوضع إلا مقابل أجناس أخرى، كأن يقال "تربطنا الإنسانية، وهذا يكفي" يكفي في ماذا؟ يكفي لأن ننتمي لما لا تنتمي له الحيوانات.

الإنتماء لمن؟ مقابل من؟ المسلم ينتمي للإسلام مقابل الكفار، الجزائري ينتمي للجزائر مقابل باقي العالم، العربي ينتمي للعروبة مقابل الأعجمي، أبناء الأم الواحدة ينتمون لأمهم مقابل من ليسوا أبناءها.
الإنسانوي؟ ينتمي للإنسانية فقط، مقابل من ليس بإنسان، ترى كيف أن الإنتماء هنا بلا قيمة واقعيا. رابط هش جدا، وأبرز مثال يتضح به المقال، كما قيل: في مباريات كرة القدم لا تستطيع إلزامي بالفرح لفريقك الفائز على فريقي، بحجة الرابط الإنساني، هنا تظهر قوة الرابط الوطني مثلا، أو الجهوي، أما الرابط الإنساني فيظهر كأنه هراء! ليس يضيف أي شعور بالانتماء الحقيقي، وليس له شأن في توحيد الناس إلا في مقابلة من ليسوا أناسا.
👍1
في علم الكلام عادة ما يُناقَش مبحث الإشتراك، مثلا قد يقال: في ماذا يشترك الإنسان والحيوان؟ يقول لك الرجل الكلامي يشتركان في أن كل منهما ممكن الوجود، إذا نحن ننتمي للوجود، وهذا يكفي! يكفي في ماذا، يكفي في الشعور بالانتماء.
هل شعوري بوجودي وبوجود الحيوان يعبر عن رابط قوي بيننا، مثل رابط الدين، القرابة، الوطن، العرق...؟ يقال: نحن ننتمي للوجود، مشترك وجودي، ولهذا المشترك شأن في أن يقوي علاقتي بالحيوان ويزيد من ارتباطي به. هراء!

تماما كرابط الإنسانية، هذا ليس من شأنه أن يشعرني بقوة الانتماء، بل هو يشعرني بضعف الإنتماء لمطلقيته، ليس هنالك من يمارس هذه الإنسانية المشتركة في الواقع.
بعكس الدين، أنتمي للإسلام، لدي عبادات، وحولي مسلمين، ولدينا رابط نمارسه معا واقعيا، قلبيا، وقوليا، وفعليا. يوفر لنا الشعور بالانتماء حقا.
الوطن، جزائري، لدي وطن يسمى الحزائر، حولي جزائريين، جنسية جزائرية، يربط بيننا هذا الوطن، وهذه الأرض، هذا يوفر لنا الشعور بالانتماء أيضا.
اللغة، نتكلم عربية، نفهم بعض بهذه اللغة، إذا هي رابط قوي بيننا، يوفر لنا الشعور بالانتماء لهذه اللغة.
الأم مثلا، لدينا أم، نحن أولادها، إذا هي رابط قوي جدا بيننا نحن الإخوة، ونشعر بالانتماء لهذه الأم.

لكن رابط الإنسانية هل له أن يوفر الشعور بالانتماء القوي كما توفره هذه الروابط؟
أنا إنسان، هذه الإنسانية تجمعنا نحن كل الناس، إذا علينا أن نلغي غيرها لأنه لا يجمعنا كلنا، ثم يقال: نحن نشعر شعور قوي بالانتماء!
في أقل شيء كمنافسة بين عمر وزيد، والرابح يأخذ جائزة، لا يستطيع أذكى إنسانوي إلزام عمر بأن يفرح بربح زيد عليه لعلة أنهما يشتركان في الإنسانية وأنها رابط بينهما، ولو تنصّل عمر عن دينه، ولغته، وأرضه، سيعتبر الإنتماء الأقوى الذي لا يبرر له الفرح بربح زيد عليه هو انتماؤه لنفسه، لإنسانيته هو، تلك التي تريد لها إنسانية زيد أن تخسر هي الأخرى، يظهر هنا أن رابط الإنسانية، أهش وأضعف من أن يذكر كحجة على نفي وجود "الآخر" أو على ثبوت قوته أمام أي انتماء آخر، ولو كان جحر ظب.
قيل أن أعرابيا لقي إنسانويا عابرا جنب القبيلة:

- من أي قوم أنت يا رجل؟
- من بني الإنسان!
- أعرف أنك لست من بني الحيوان يا أحمق!
1
يوفال نوح هراري، في كتابه: « الإنسان الإله: موجز تاريخ الغد» (Home Deus: A brief history of tomorrow) يقول:

"إن الإنسانية في زماننا تجاوزت المجاعة والفقر والأمراض والحروب، وصارت تواجه تحديات أخرى مختلفة في عصر ما بعد الصناعة... فضلًا عن تحدي آخر ألا وهو محاولة هزيمة الموت، أي سعى الإنسان من خلال الطب الحديث لتجاوز الموت وتحقيق الخلود".

• الكورونا: أما بعد يا ابن الكافرة، حتما سيصلك الجواب بما ترى، لا بما تسمع ⚔️.
قبل يومين كنت أسمع على اليوتوب مقطع يحكي عن وائل ابن ربيعة، وقال صاحب المقطع: كان من شعراء العرب، ولما قتل لبيدا خادم ملك كندا أنشد قائلا:

إن يكن قتلنا الملوك خطاء
أو صوابا فقد قتلنا لبيدا

وجعلنا مع الملوك ملوكا
بجياد جرد تقل الحديدا...

ثم أتم صاحب القناة -الحافظ مش فاهم- قائلا على لسان وائل:

أو تردوا لنا الإتاوة و "القيءَ"

والصواب: الإتاوة والفيءَ.

تخيل مثلا ملك كندا يرد لهم القيء!!! ردوا لنا عشرين برميلا من القيء وإلا جعلنا الحروب وعيدا، تبا.
(الفلسفة بين الألباني وابن تيمية)

الألباني:
"كم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية رحمه الله هذا المولج، لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه"
(السلسلة الصحيحة ج١، ص٢٥٨)

ابن تيمية:
"كثير من أهل الحديث و السنة قد ينفي حصول العلم لأحد بغير الطرق التي يعرفها حتى ينفي أكثر الدلالات العقلية من غير حجة على ذلك"
(مجموع الرسائل والمسائل، ابن تيمية، ج٥، ص١٩)

الألباني:
"ابن تيمية دخل في موضوع أشبه ما يكون بالفلسفة، كلام ابن تيمية ينقسم إلى قسمين فيما أفهم قسم يمشي مع الشرع في حدود فهمنا وقسم يمشي مع الفلسفة التي لا تعقل"
(سؤالات علي الحلبي، ج١، ص١٤٤)

ابن تيمية:
"الفلسفة الصحيحة المبنية على المعقولات المحضة توجب عليهم تصديق الرسل فيما أخبرت به"
(منهاج السنة، ابن تيمية، ج١، ص٣٦٥)
الإنسانوية المستحيلة لإبراهيم الرماح- ص٣٩. حول أنشطة الجمعيات الإنسانوية.
الانصات للشعر الجاهلي يزيل ما يمازج الذوق من الشوائب.
1