"إن مثل من منع النظر في كتب الحكمة من هو أهل لها، من أجل أن قوما من أراذل الناس قد يظن بهم أنهم ضلوا من قبل نظرهم فيها، مثل من منع العطشان شرب الماء البارد حتى مات من العطش لأن قوما شرقوا به فماتوا، فإن الموت عن الماء بالشرق أمر عارض، وعن العطش أمر ذاتي ضروري"
(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص٣٠)
الموقف من الحكمة ومدلولها لدى ابن رشد ونحوه، هو موقف أهل الكلام من العقل، بل مدلول الحكمة لدى المتفلسفة، هو مدلول العقل لدى جمهور المتكلمة.
لذا كان ابن النفيس دقيقًا عند قوله "لا يوجد إلا مذهبان: إما مذهب الفلاسفة أو مذهب أهل الحديث" فالحكمة لدى ابن رشد منحصرة في فلسفة اليونان فلم يتصور فلسفة غيرها، كما أن العقل لدى المتكلمة منحصر في العقل اليوناني في أكثر قضاياه المتعلقة بالإلهيات.
وبذا يوهمون أن معارضيهم ينصبون العداء للحكمة المطلقة أو البحث العقلي المطلق، لا لفلسفة مقيدة بصاحبها، ينازعه معارضها بفلسفة أخرى.
تشعر في هذا النص، أن من يحرم النظر في كتب أرسطو، كأنه يحرم النظر في كتب "الحكمة" بإطلاق، أو يحرم أي بحث فلسفي/عقلي أصلا! وهذا من التسرع.
(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص٣٠)
الموقف من الحكمة ومدلولها لدى ابن رشد ونحوه، هو موقف أهل الكلام من العقل، بل مدلول الحكمة لدى المتفلسفة، هو مدلول العقل لدى جمهور المتكلمة.
لذا كان ابن النفيس دقيقًا عند قوله "لا يوجد إلا مذهبان: إما مذهب الفلاسفة أو مذهب أهل الحديث" فالحكمة لدى ابن رشد منحصرة في فلسفة اليونان فلم يتصور فلسفة غيرها، كما أن العقل لدى المتكلمة منحصر في العقل اليوناني في أكثر قضاياه المتعلقة بالإلهيات.
وبذا يوهمون أن معارضيهم ينصبون العداء للحكمة المطلقة أو البحث العقلي المطلق، لا لفلسفة مقيدة بصاحبها، ينازعه معارضها بفلسفة أخرى.
تشعر في هذا النص، أن من يحرم النظر في كتب أرسطو، كأنه يحرم النظر في كتب "الحكمة" بإطلاق، أو يحرم أي بحث فلسفي/عقلي أصلا! وهذا من التسرع.
الاستعانة في قضايا الإلهيات بالتراث الغربي السقيم موضة قديمة، لو تبحث في كتب الكندي وابن سينا وابن رشد، بل حتى في كتب الغزالي أو الفخر الرازي، سترى تأرجحا بين عبارات التعظيم والتبجيل لأعيان الفلاسفة اليونانيين وبين الخشوع في حضرة المنطق الأرسطي، ولا تخلو عبارة في هذا الشأن من ذكر المبرر الشهير وهو أننا وإياهم على ثغر واحد وغاية واحدة وهي إثبات الصانع.
اليوم، يسلك كثير من الإسلاميين نفس السبيل، كترجمة كتب اللاهوتيين المثاليين النصارى، التي كتبت ضد الإلحاد، أو التركيز على مثل برهان أنسلم، أو فكرة الضرورة الأخلاقية لكانط، ومحاولة تصدير ذي الكتب والمقالات تحت خانة: الرد على الإلحاد وإثبات الصانع.
فبعيدًا عن كون الشرع يتفق مع هؤلاء الغربيين أم لا، يتم اتخاذهم سندًا لمجرد دعوى الرد على الإلحاد، فكيف إن كان الإلحاد نتيجة منطقية عند تفشي مقالاتهم؟
وصف الإله بما ينطبق على العدم كمثال.
اليوم، يسلك كثير من الإسلاميين نفس السبيل، كترجمة كتب اللاهوتيين المثاليين النصارى، التي كتبت ضد الإلحاد، أو التركيز على مثل برهان أنسلم، أو فكرة الضرورة الأخلاقية لكانط، ومحاولة تصدير ذي الكتب والمقالات تحت خانة: الرد على الإلحاد وإثبات الصانع.
فبعيدًا عن كون الشرع يتفق مع هؤلاء الغربيين أم لا، يتم اتخاذهم سندًا لمجرد دعوى الرد على الإلحاد، فكيف إن كان الإلحاد نتيجة منطقية عند تفشي مقالاتهم؟
وصف الإله بما ينطبق على العدم كمثال.
👍1
جمهور المسلمين لدى ابن رشد "لا يصدقون بالشيء إلا من جهة ما يتخيلونه، ويعسر وقوع التصديق لهم بموجود ليس منسوبا إلى شيء متخيل"
(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص٥٠)
(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص٥٠)
👍1
"مع الأشاعرة أشعري، ومع الصوفية صوفي، ومع الفلاسفة فيلسوف" –ابن رشد عن الغزالي.
(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص٥٣)
ومن قرأ له مشكاة الأنوار، وجواهر القرآن، قال: ومع القرامطة قرمطي.
(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص٥٣)
ومن قرأ له مشكاة الأنوار، وجواهر القرآن، قال: ومع القرامطة قرمطي.
بعضهم ينافح في منبر عام على صحة عقائد ابن رشد وابن سينا، وقد لا يدري أن ابن رشد يرى كفر من يصرح بعقائد المشائين وينصرها أمام العوام، بل حتى أنه يرى كفر من يصرح بها لأهل الجدل كالأشعرية.
"بل كثير من الطرق التي بنت عليها الأشعرية معارفها هي سوفسطائية، فإنها تجحد كثيرا من الضروريات مثل ثبوت الأعراض وتأثير الأشياء بعضها في بعض، ووجود الأسباب الضرورية للمسببات.
... ولقد بلغ تعدي نظارهم في هذا المعنى على المسلمين أن فرقة من الأشعرية كفَّرت من ليس يعرف وجود الباري سبحانه بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم، وهم الكافرون والضالون بالحقيقة".
(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص٦٤)
... ولقد بلغ تعدي نظارهم في هذا المعنى على المسلمين أن فرقة من الأشعرية كفَّرت من ليس يعرف وجود الباري سبحانه بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم، وهم الكافرون والضالون بالحقيقة".
(فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال والانفصال، أبو الوليد ابن رشد، دراسة وتحقيق: محمد عمارة، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ص٦٤)
"أبو الحسن الأشعري الذي ينسب إليه المذهب كان معتزليًا ثم انفصل عن أستاذه وأعلن إنضمامه إلى أهل السنة، وانفصال التلميذ عن الأستاذ أو المريد عن الشيخ، لا يعني القطيعة التامة معه، وإنكار يعني في الغالب شق طريق فرعية تبقى مشدودة إلى الأصل بشكل أو بآخر.
وهذا ما حدث فعلا، فالمذهب الأشعري كما تطور بعد مؤسسه بقي مشدودا إلى طريقة المعتزلة يتبنى كثيرا من مقدماتهم العقلية وإشكالياتهم اللاهوتية"
(الكشف عن منهاج الأدلة في عقائد الملة، أبو الوليد ابن رشد، تحقيق محمد عابد الجابري، مركز الدراسات للوحدة العربية، الطبعة الأولى ١٩٩٨م، ص١٤، للجابري)
وهذا ما حدث فعلا، فالمذهب الأشعري كما تطور بعد مؤسسه بقي مشدودا إلى طريقة المعتزلة يتبنى كثيرا من مقدماتهم العقلية وإشكالياتهم اللاهوتية"
(الكشف عن منهاج الأدلة في عقائد الملة، أبو الوليد ابن رشد، تحقيق محمد عابد الجابري، مركز الدراسات للوحدة العربية، الطبعة الأولى ١٩٩٨م، ص١٤، للجابري)
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
«لن نؤمن بإله بمواصفات الأديان القديمة!» (١)
هكذا يتم إعلان التمرد على الإسلام في كثير من الأوساط "الملحدة"، وكثيرا ما تأتي ذي الأحجية للتدليل على أنه لم تكن هنالك حصرية إسلامية في موضوع الصفات بل وقع اقتباس من الديانات المتقدمة؛ والتي "كانت تتصور إلها بصفات يتصف بها البشر".
طبعًا إلحاد "زوج دورو" دوما ما يحب مداعبة العبثية، بلا بحث، ولا تأريخ، ولا تدقيق، ولا اطلاع طفيف على النظريات "الإلحادية"، بل دومًا ما ترى أمامك ملحدًا؛ صِفتُهُ: رجلٌ يحمل بين كتِفَيه حذاءً بدل رأس. فلنرى مدى صحة ذي الأحجيات.
لعل أقدم ما يمكن أن نبدأ منه من مقالات حفظت حول اللاهوت وتفي بالغرض، هي المقالات اليونانية، ولنأخذ على سبيل المثال أرباب الفلسفة ممن سيطرت عقائدهم اللاهوتية بصورة محكمة على من بعدهُم، أعني بالخصوص؛ أرسطو، الذي "كان له تأثير كبير على تصورات الفلاسفة حتى نهاية العصور الوسطى؛ أي خلال عشرين قرنًا" بتعبير جورج بولتزير.
لقد كانت الأرسطية، التي لم تحفظ منها إلا الميول المثالية، وكذلك المثالية الأفلاطونية، والأفلاطونية المحدثة، تُعتبَر الممثل الرسمي عن ديانة ما قبل المسيح بقرون، إلى ما بعد العصور الوسطى عند شيوعها بعد حركات الترجمة، إنها الفلسفات التي نشأت على يد رجال كانوا يقولون بتعدد الآلهة، بل حتى بوجود نصف إله!، وحيث أن الآلهة متعددة؛ لقد كان لكل ما لا تفسير له من وجهة نظر علم الطبيعة؛ يُجعَل إله باسمه؛ فإله الرعد، وإله الشمس وإله الريح وهلم جرّا، لكن! المحرك الأول لكل ما يتحرك، بأي صفات كان؟
في هذا المنعطف؛ يخبرك أرسطو أن الإله: محرك لا يتحرك، في حين أن إله الإسلام؛ ينزل ويجيء ويأتي ويتكلم بحرف وصوت، وعليه ينبني أن العرب –كما يؤكد الدارمي– تقول: أمارة ما بين الحي والميت الحركة، كمقولة فلسفية مسلَّمة لدى كل مسلم؛ تقارع مقالة الأرسطية، فالحركة التي هي من صفات الإله –عز وجل– عند المسلمين، ليست صفةً لإله الديانات "القديمة" على الإسلام، فضلا عن أن تكون صفة لحيّ. فهذه واحدة.
أرسطو، يؤسس علم "ما بعد الطبيعة" الذي يفترق عن "علم الطبيعة" في أخص صفات المشاهدات من الموجودَات؛ وهو الحس، فإن كان الحِس صفة لازمة كي نُقرَّ بوجودِ بشر، فإن الإله لدى أرسطو يتصف بـ "ما بعد الحِس"، فإنه لا يُرى ولا يُسمَع، بل إنه معقول كالذهن، كُليٌّ، فإن كان من يعبدُه المسلمون قد كلم موسى تكليما بحرف وصوت، وسمعه موسى، ويَرَاه المُؤمنون كما يرون القمر، وينظرون إلى وجهه بأعينهم، أفيشمله قول اليوناني "لاهوت ما بعد الطبيعة"؟ لقد قال ابن تيمية: لم يفرّق الأنبياء بين عالم الغيب وعالم الشهادة بأن الأول معقول والثاني محسوس. فكلاهما محسوس، والغيب ما غاب عن الحس لا ما امتنع الحس به، وقد أتحفنَا رحمه الله إذ قال:
"وأما علم ما بعد الطبيعة وإن كانوا يعظمونه، ويقولون هو الفلسفة الأولى وهو العلم الكلي الناظر في الوجود ولواحقه، ويسميه المتأخرون: العلم الإلاهي، وزعم المعلم الأول لهم أرسطوا أنه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم. فالحق فيه من المسائل قليل و غالبه علم بأحكام ذهنية لا الحقائق خارجية". –نقض المنطق.
فهذا عالم ما بعد الطبيعة، يقول بمعقولية وذهنية ومطلقية الإله، وهذا الإسلام يقول بتعيّن الإله، وأن وجوده حقيقي خارج الذهن. فهذه ثانية.
هكذا يتم إعلان التمرد على الإسلام في كثير من الأوساط "الملحدة"، وكثيرا ما تأتي ذي الأحجية للتدليل على أنه لم تكن هنالك حصرية إسلامية في موضوع الصفات بل وقع اقتباس من الديانات المتقدمة؛ والتي "كانت تتصور إلها بصفات يتصف بها البشر".
طبعًا إلحاد "زوج دورو" دوما ما يحب مداعبة العبثية، بلا بحث، ولا تأريخ، ولا تدقيق، ولا اطلاع طفيف على النظريات "الإلحادية"، بل دومًا ما ترى أمامك ملحدًا؛ صِفتُهُ: رجلٌ يحمل بين كتِفَيه حذاءً بدل رأس. فلنرى مدى صحة ذي الأحجيات.
لعل أقدم ما يمكن أن نبدأ منه من مقالات حفظت حول اللاهوت وتفي بالغرض، هي المقالات اليونانية، ولنأخذ على سبيل المثال أرباب الفلسفة ممن سيطرت عقائدهم اللاهوتية بصورة محكمة على من بعدهُم، أعني بالخصوص؛ أرسطو، الذي "كان له تأثير كبير على تصورات الفلاسفة حتى نهاية العصور الوسطى؛ أي خلال عشرين قرنًا" بتعبير جورج بولتزير.
لقد كانت الأرسطية، التي لم تحفظ منها إلا الميول المثالية، وكذلك المثالية الأفلاطونية، والأفلاطونية المحدثة، تُعتبَر الممثل الرسمي عن ديانة ما قبل المسيح بقرون، إلى ما بعد العصور الوسطى عند شيوعها بعد حركات الترجمة، إنها الفلسفات التي نشأت على يد رجال كانوا يقولون بتعدد الآلهة، بل حتى بوجود نصف إله!، وحيث أن الآلهة متعددة؛ لقد كان لكل ما لا تفسير له من وجهة نظر علم الطبيعة؛ يُجعَل إله باسمه؛ فإله الرعد، وإله الشمس وإله الريح وهلم جرّا، لكن! المحرك الأول لكل ما يتحرك، بأي صفات كان؟
في هذا المنعطف؛ يخبرك أرسطو أن الإله: محرك لا يتحرك، في حين أن إله الإسلام؛ ينزل ويجيء ويأتي ويتكلم بحرف وصوت، وعليه ينبني أن العرب –كما يؤكد الدارمي– تقول: أمارة ما بين الحي والميت الحركة، كمقولة فلسفية مسلَّمة لدى كل مسلم؛ تقارع مقالة الأرسطية، فالحركة التي هي من صفات الإله –عز وجل– عند المسلمين، ليست صفةً لإله الديانات "القديمة" على الإسلام، فضلا عن أن تكون صفة لحيّ. فهذه واحدة.
أرسطو، يؤسس علم "ما بعد الطبيعة" الذي يفترق عن "علم الطبيعة" في أخص صفات المشاهدات من الموجودَات؛ وهو الحس، فإن كان الحِس صفة لازمة كي نُقرَّ بوجودِ بشر، فإن الإله لدى أرسطو يتصف بـ "ما بعد الحِس"، فإنه لا يُرى ولا يُسمَع، بل إنه معقول كالذهن، كُليٌّ، فإن كان من يعبدُه المسلمون قد كلم موسى تكليما بحرف وصوت، وسمعه موسى، ويَرَاه المُؤمنون كما يرون القمر، وينظرون إلى وجهه بأعينهم، أفيشمله قول اليوناني "لاهوت ما بعد الطبيعة"؟ لقد قال ابن تيمية: لم يفرّق الأنبياء بين عالم الغيب وعالم الشهادة بأن الأول معقول والثاني محسوس. فكلاهما محسوس، والغيب ما غاب عن الحس لا ما امتنع الحس به، وقد أتحفنَا رحمه الله إذ قال:
"وأما علم ما بعد الطبيعة وإن كانوا يعظمونه، ويقولون هو الفلسفة الأولى وهو العلم الكلي الناظر في الوجود ولواحقه، ويسميه المتأخرون: العلم الإلاهي، وزعم المعلم الأول لهم أرسطوا أنه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم. فالحق فيه من المسائل قليل و غالبه علم بأحكام ذهنية لا الحقائق خارجية". –نقض المنطق.
فهذا عالم ما بعد الطبيعة، يقول بمعقولية وذهنية ومطلقية الإله، وهذا الإسلام يقول بتعيّن الإله، وأن وجوده حقيقي خارج الذهن. فهذه ثانية.
👍2