باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
كلام الكندي في الروح "يدل دلالة واضحة على رضاه واتفاقه مع أفلاطون وأفلوطين، وتقاطعه مع أرسطو الذي لم يأخذ منه الكندي شيئا" (١)

فما ماهية النفس/الروح عند أفلاطون بلسان الكندي؟ يجيب:
"النفس على رأي أفلاطون وجل الفلاسفة باقية بعد الموت وجوهرها كجوهر الباري عز وجل في قوتها إذا تجردت" (٢)

فـ "النفس تشبه ما هو إلهي وخالد ومعقول وذو صورة واحدة، وما هو غير قابل للانحلال وما هو دائما بذاته وإن الجسد يشبه ما هو إنساني وفان وغير معقول وذو أشكال متعددة" (٣)

موقف الكندي؟ يجيب:
"ولعمري لقد وصف أفلاطون وأوجز وجمع في هذا الاختصار معاني كثيرة"(٤) فإن النفس عند الكندي جوهر "بسيط ذات شرف وكمال، عظيمة الشأن جوهرها كجوهر الباري، مقياس الشمس من الضياء" (٥)

الروح التي اعتبرها الكندي الأفلاطوني جوهرا كجوهر الباري حسب تصوره؛ بسيطة وغاية في التجريد، التزم اليونانيون عبادة ما اتصف بصفاتها؛ كالعقول المفارقة من المجرّدات، ولم يفرقوا بينها وبين الصانع من حيث العبادة، فالكل كبعضه من حيث الصفة.

هذا اللازم، كما يلزم الكندي، يلزم أيضًا من وصف الروح –تبعا لعقلية التجريد الأفلاطوني– بكونها ”سر من أسرار الله عز وجل، لا يدركه الحس“(٦) أو أنها ”عبارة عن موجود قائم بنفسه غير متحيز، ولا مشار إليه، منزه عن الاختصاص بجهة، ليس هو داخل البدن، ولا هو خارجه، ومماسا له، ولا منفصلا عنه، بل كل ذلك يجوز على الأجسام المتحيزة“(٧)

لما وصل أفلاطون ونحوه لمقالة تجريد العقول المفارقة كما جردوا الباري؛ لم يجدوا فرقا فعبدوا الجميع، وهذا اللازم هو ما يتخلف عنه من يجرّد المعبود، ولا يعبد باقي المجرّدات.

(١) المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص٣٦.
(٢) رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ٢٧٤.
(٣) فيدون، أفلاطون، ترجمة سامي النشار، وعباس الشربيني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص٤٦.
(٤) رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ص٢٧٤.
(٥) رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ص٢٧٣.
(٦) إحياء علوم الدين، الغزالي، ص٢٢٥. بواسطة نظرية ابن تيمية، لسمرين.
(٧) أجوبة الغزالي عن أسئلة ابن العربي، ص٦٦ بواسطة نظرية ابن تيمية، لسمرين.
"القاعدة اليونانية نظرت إلى المادة كأنها عنصر النقص وموطن الخطايا"

(المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص٤٩)
مداومة الأقوال من دون معرفة بالنسق الفلسفي يؤدي للحيرة! أنظر مثلا قول الكندي أن النفس تبقى بعد الموت، لا يعني هذا إتفاقا منه مع ما في القرآن، بل هي كلمة لا تفهم على مراد الكندي إلا بقراءتها داخل الفلسفة المثالية/أفلاطون؛ حيث تعتبر النفس جوهرًا من جنس الجوهر الإلهي المثالي بحسبه، وحين موت الجسم المادي، فإن البقاء في النهاية للمثل؛ التي من ضمنها الروح.
كذلك كلمة إخوان الصفا أن وظيفة الأنبياء إنما هي "التذكير" بالحق، بل ويستدلون بقوله ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾، فذي الكلمة أيضا لا بد أن تفهم داخل النسق الفلسفي الذي يتبناه إخوان الصفا؛ وهو مبدأ التذكر الأفلاطوني كما في فيدون ص٣٨، أي أن النفوس كانت تعيش في عالم المُثل بمعزل عن البدن، ثم لما خُلق البدن وهبطت أليه ذي النفوس لتحل فيه، أخذت رويدًا رويدًا تتذكر ما كانت تتعاطاه في عالمها الأول، وهنا يجري تأويل إخوان الصفا لـ ﴿الذكر﴾ في الآية بـ "التذكر".
أيضا اقتصار المتكلمين على إثبات العلم الأزلي، لا ينبغي درسه من باب قوة تحاكمهم للنص أو تعظيم الباري، وإنما يدرس من باب النسق الذي تحاكموا إليه؛ فكونه "لا يتحرك" يفيد أنه لا يتجدد/يتحرك له علم بالشيء عند وقوعه –إضافة لعلمه الأزلي بأنه سيقع– وهنا يظهر أن مقالة الاقتصار على إثبات العلم الأزلي؛ محض تفريع على أصل "المحرك الذي لا يتحرك". فمن يجعل الخلاف في العلم المتجدد فروعيا أمام أصل إثبات العلم الأزلي؛ مسوغًا للخلاف بين القرآن وفلسفة أرسطو.
ومثل هذا كثير، ولا تحله غير دراسة أصول المذاهب والمقالات، أما الاكتفاء بالتأمل في شذرات هنا وهناك فلا ينتج معرفة.
آخر ما حُقق من كتب ابن تيمية؛ رسالة تحمل عنوان ”قاعدة في أن كل دليل يحتج به مبتدع ففيه دليل على نقيض قوله“.

أقل فائدة لذي الرسالة، أنها تثبّت يقينية دلالة كل ما يستدل به مبطل على نقيض مدلوله.

من أمثلة ذلك:
ابن سينا لما ترك القول بحدوث النفس مع حدوث البدن، صار يقول بتقدم النفس على البدن؛ حيث كانت تعيش في عالم المثل الأفلاطوني، وهو الذي يصطلح عليه الإسلاميون من المتفلسفة بالجنة، ثم هذه النفس تهبط من عالم المثل عند حدوث البدن في عالم المادة، لتتحد به اتحاد جوهر روحاني بجوهر جسماني. ولما يموت البدن، تعود هذه النفس إلى عالم المثل ثانية؛ إما إلى الجنة فتتنعم وفق ما أسماه بالنعيم الروحاني، وإما إلى النار فتتعذب وفق العذاب الروحاني.

لكن بماذا يستدل من القرآن على مدلوله؟ يقول ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ "ولا يقال رجوع إلا حيث ورود" (١)

لكن سياق الآية على ماذا يدل في الحقيقة؟ قال تعالى ﴿یَـٰۤأَیَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَىِٕنَّةُ، ٱرۡجِعِیۤ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِیَةࣰ مَّرۡضِیَّةࣰ، فَٱدۡخُلِی فِی عِبَـٰدِي، وَٱدۡخُلِی جَنَّتِی﴾

فإن الرجوع –بنص الآية– إلى الجسم، لا إلى عالم المثل، بل أمرها الله بالدخول في الجسم، ثم دخول الجنة، أي دخول الجنة وهي في الجسم.

وفي هذا قال ابن عباس "ترد الأرواح المطمئنة يوم القيامة في الأجساد"، وقال الضحاك "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد"، وقال عكرمة "ارجعي إلى ربك راضية مرضية: إلى الجسد"

وجماعة من الأشياخ قالوا: قوله تعالى ﴿إرجعي إلى ربك﴾ أي عند الموت، وهذا بمعنى "إلى ثواب ربك"، أما قوله ﴿وأدخلي في عبادي﴾ فهو عند القيامة، لتدخل إلى الجنة وهي في جسم العبد.

وقرأ بعض السلف ﴿وادخلي في عبدي﴾ ومنهم ابن عباد والهنائي والكلبي، وقالو: يعني الروح ترجع في الجسد. (٢)

فالشاهد أن ما استدل به ابن سينا؛ لا يدل صريحا إلا على نقيض قوله، فكون الرجوع لا يكون إلا حيث ورود؛ فالنفس ترجع إلى جسم العبد؛ فإن كانت مطمئنة كانت مرضية ودخلت الجنة بعد دخولها جسد العبد، وإن كانت كافرة لم تكن مرضية ودخلت النار بعد دخولها جسد العبد.


(١) الأضحوية في المعاد، ابن سينا، ص٩٠.
(٢) أنظر تفسير الطبري، أواخر سورة الفجر.
"إن النفس عند هؤلاء الفلاسفة جوهر روحاني غير جسم ولا جسماني، لأن الجوهر الذي تحل فيه الصور العقلية والكلية جوهر روحاني غير موصوف بصفات الأجسام وهو الذي نسميه بالنفس الناطقة، التي يدرك بها الإنسان الموجود المطلق الواجب الوجود المنزه عن الجسمية، والمدرك لشيء غير جسماني لا يجوز أن يكون جسمًا، لأن الجسم لا يدرك إلا جسمًا".

(المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص١٦١)
باختصار:

ابن سينا: "إن واجب الوجود معقول الذات غير محسوس الذات البتة، لأنه ليس بجسم ولا في مكان ولا حامل للعوارض التي تحملها الأجسام" (١)

هذا وقد قال في المقدمة: "فإني أريد أن أدل في هذه المقالة على حقيقة ما عند المشائين المحصلين" (٢) يعني بهم الأرسطيين.

مُحرجٌ أن يصرح ابن سينا بنسبة ذي المقالة لأرسطو، في حين تجد الأشعرية ينسبونها لكتاب الله وفق قانون التأويل، وكثير من متحذلقيهم اليوم يقولون: ذي عقيدتنا سواء قال بها أرسطو أو لم يقل.

(١) المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، منشورات مؤسسة مطالعات إسلامي داشكاه مك كيل شعبة تهران، ص٦.
(٢) المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، ص١.
من الحماقة أن يدافع سلفي وأشعري عن أحد الأئمة في خندق واحد، أو ينشر سلفيٌّ دفاع أشعريٍّ عن إمام من الأئمة.

ما يعتقده السلفي دفاعا عن الإمام يعتقده الأشعري بدعة مكفرة، وما يعتقده الأشعري دفاعا عن الإمام يعتقده السلفي بدعة مكفرة، وهكذا يكذب كل منهما على الآخر وهو يغمز صاحبه.

سيقول السلفي: كان الإمام يقول بقول أئمة السلف في أصول الدين؛ يثبت الحرف والصوت لا الكلام النفسي ولا يعتقد خلق القرآن، وكان يثبت الاستواء ولا يؤوله بالاستيلاء، بل يفسره بالاستقرار والعلو، وكان يقول بعلو الذات، ويأخذ بخبر الآحاد، ويثبت الجهة، والحد، والصفات العينية، ونحو ذلك. فلا ينبغي لأحد أن يطعن فيه لأجل هذا وإلا كان مبتدعا.

أما دفاع الأشعري: فعلى النقيض، معاذ الله أن يكون مجسمًا، مثبتا للجهة والأبعاض وعلو الذات والاستقرار ونحوه.

ألا ترى أنها مسرحية ساخرة؟ نعم، ساخرة، وإني أشعر بالخجل تجاه أصحاب السكوت عن الخلاف السلفي الأشعري، سكوت ينكشف سخفه سريعا عند الحديث عن صفات وعقائد المخلوق، فكيف به عند الحديث عن صفات الخالق؟.
"ولا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات من حيث هي متغيرات فيكون تارة يعقل منها أنها موجودة غير معدومة وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة ولكل واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة، ولا واحدة من الصورتين تبقى مع الثانية، فيكون واجب الوجود متغير الذات".

(المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، منشورات مؤسسة مطالعات إسلامي داشكاه مك كيل شعبة تهران، ص١٩)

ذي المقالة التي نسخت عن أرسطو لدى مختلف الطوائف الإسلامية، سوى أهل الحديث، وقد أوضح سمرين تسلسلها باختصار في رسالة تسهيل تسلسل الحوادث.

١. عند أرسطو: الله محرك لا يتحرك، بالتالي فهو يعلم ذاته فقط، لأن علمه بغيره؛ علم بمتحركات، وذي حركة في علمه.

٢. عند ابن سينا: الله محرك لا يتحرك، بالتالي فهو يعلم ذاته وعلمه بغيره إنما هو علم بالكليات، لأن علمه بغيره كالجزئيات؛ يلزم منه الغيرية في العلم، وذي حركة في علمه.

٣. عند الأشعرية: الله محرك لا يتحرك، وبالتالي فهو يعلم الجزئيات، لكن بعلم أزلي، لأن تجدد العلم يلزم منه حركة العلم من متغير إلى متغير، وذي حركة في علمه.
👍1
سلفية! بس بسلف يوناني 🌹
باسم بشينية
سلفية! بس بسلف يوناني 🌹
نور الدين قوطيط كمثال عن سلفية بسلف يوناني (١)

فحوى منشوره: ١. الإلحاد أحادى النظرة للوجود، فالوجود عنده مادي محسوس فقط.
٢. المادية تؤدي إلى البراغماتية/النفعية.
٣. الأخلاق والمشاعر لا مادية ومن كان ماديًا فإنه يعاني على مستوى الشعور.
٤. الوحي يقر بتعددية المستويات الوجودية (هذا محسوس مادي/وهذا غير محسوس مثالي)
٥. هناك مستوى وجودي ما وراء الطبيعة.


ذي النقاط هي خلاصة ما يتصوره قوطيط عن الإسلام في مسألة الوجود، لكن أين نجد الركائز الأولى لهذا الكلام؟

الكندي الذي كان يتبنى المثالية الأفلاطونية بصراحة في مواضيع النفس والمعاد، يتقاطع طرحه مع ميول أرسطو المثالية في تقسيم الوجود، حيث يرى أن:

"العالم المرئي: لا يمكن أن يكون تدبيره إلا بعالم لا يرى" (١) فالكندي فيلسوف العرب الأول والذي كان مثاليًا يوناني الفلسفة (٢) يتبع أفلاطون في تقسيم الوجود إلى وجود مادي محسوس، ووجود مثالي غير محسوس.

فذي الأفلاطونية، كيف تنظر على وجه الدقة في واجب الوجود؟ يقول ابن سينا: "إن واجب الوجود معقول الذات غير محسوس الذات البتة، لأنه ليس بجسم ولا في مكان ولا حامل للعوارض التي تحملها الأجسام"(٣) إذًا، هو معقول الذات؛ أي مثال من جنس الذهن، مستوى وجوده غير مادي، غير محسوس، "وهو عقل محض لأن ماهيته مجردة عن المادة" (٤) بمعنى: مجردة عن شرط وجود المادة الطبيعية وهو الحس بها، فمستوى وجوده يفارق مستوى وجود الأشياء، فهو شيء لا كالأشياء، مستوى وجوده: ما وراء الحواس.

لكن هل للتفريق بين الوجود الغيبي والوجود المشهود بمعيار إمكان الحس أصل في عقائد الأنبياء؟

كان ابن تيمية شديد التنبيه على أنه من الأمور الباطلة ما يقولونه –أي أرسطو ومن أخذ عنه– من "أن عالم الشهادة هو المحسوسات وعالم الغيب المعقولات" (٥) فالمسلمون "لا يسمون أحدا من الملائكة عقلا، ولا الله عقلا، إلا من أخذ ذلك عن الفلاسفة"(٦)

فـ "الرسل لم تفرق بين الغيب والشهادة بأن أحدهما معقول والآخر محسوس، كما ظن ذلك من ظنه من المتفلسفة والجهمية" (٧) فالله وجوده محسوس، سمعه موسى بحواسه، ويراه المؤمنون بحواسهم، وخلق آدم بيده وغرس الجنة بيده وخط التوراة بيده (٨) فـ "الموجود هو ما يمكن الإحساس به" (٩)

لكن ما بعد الطبيعة، ما وراء الطبيعة، الوجود الماورائي غير المرئي، ما الموقف السلفي منه؟

"وأما علم ما بعد الطبيعة وإن كانوا يعظمونه ويقولون هو الفلسفة الأولى وهو العلم الكلي الناظر في الوجود ولواحقه ويسميه المتأخرون: العلم الإلاهي، وزعم المعلم الأول لهم أرسطو أنه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم فالحق فيه من المسائل قليل وغالبه علم بأحكام ذهنية لا الحقائق خارجية" (١٠) ذلك لأن مستوى الوجود وفق نظرية ما وراء الطبيعة غير محسوس وغير متعين وليس منفصلا عن الذهن، بل هو مستوى وجودي ذهني محض، من جنس المُثل الأفلاطونية.

ومع ربط الشعور باللا مادية، يتصور قوطيط أنه حقق مكسبًا للأخلاق، فكيف وقد كان الأئمة يربطون الإخلاق بعضو جسماني مادي، كما ربط الماديون الوعي بعضو جسماني مادي؟ يقول علي رضي الله عنه ”الرحمة في الكبِد، والرأفة في الطحال“ (١١) فالأخلاق نتاج مادة جسمانية، كما أن الوعي نتاج عضو مادي جسماني هو الدماغ. ومع أني قد رددت على قوطيط بنفس الكلام حول للأخلاق لما كتب منشورا قديما بعنوان ”أن تتبنى الرؤية المادية للذات“، لكنه لا يراجع الدرس، يُحبب إليه أن يحنّ للمحفوظات مرة على مرة.

أما ربط المادية بالبراغمانية النفعية، فيصلح أن يعبّر عن ذلك بـ ”خواطر مثقّف“، عن أي دراسة أقمت ذي الروابط التي لا يقع فيها أدنى طالب فلسفة؟

يوجد فرق جوهري بين المادية والبراغماتية: البراغماتية تقول بخطأ الأفكار التي لا تنجح، لكن المادية تقول بعدم نجاح الأفكار الخاطئة، لارتكاز البراغماتية على اللاأدرية المثالية، وارتكاز المادية على مبدأ ”إمكان معرفة الشيء في ذاته“.

تقول النفعية البراغماتية: نحن لا ندري عن حقيقة الشيء في ذاته، لا ندري هل هذه الأفكار والأخلاق والمشاعر ستؤدي إلى النجاح أو الفشل في تحقيق الفائدة والنفع، فالأفكار موضوعيا لا يُحكم عليها بأنها خطأ أم صواب. بل الحكم عليها يكون لغيرها: أي بعد رؤية نجاحها من فشلها.

لكن المادية على العكس، فهي تحكم على الأفكار في ذاتها، لأنها تقول بقدرة العقل على معرفة الشيء في ذاته، فالفكرة الكاملة أو الأخلاقية التي تؤدي للفشل الذي هو فشل موضوعيًا هي فكرة خطأ في ذاتها. وليست خطأ لمجرد أنها لم تحقق فائدة.

يقول المادي جورج بولتزير: "البراغماتية نوع مبتذل من أنواع اللاأدرية، فهي ترى أن أساس الحقيقة ليس مطابقة الواقع وليس صواب الانعكاس الذي يحققه الواقع ويوجهه، بل هو ببساطة النفع. ولكن نفع من؟ الكذب عند البرجوازية الرجعية هو الأكثر نفعًا“ (١٢)

فعند قوطيط؛ عادي أن نقوم بالتهريج في وسط لا نجد فيه طلاب فلسفة، أو متعلمين للفلسفة المادية، أو البراغماتية، لنهذي كما نشاء، ما دام المعلّق سيحتفي ويقول: رائع.
👍1
نور الدين قوطيط كمثال عن سلفية بسلف يوناني (٢)

الكلام في المقال السابق، كان يُوضَّح مرارا، من نقد يوسف سمرين للدعجاني، إلى تأليفه لنظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود، إلى كثير من المنشورات الفرعية، والانتقادات، حتى لمنشورات قوطيط السابقة في هذا الموضوع، لكن هؤلاء لا يحبون الجلوس للدراسة، وإعادة النظر في الموروث من الردود المسيحية على الإلحاد، يرغبون في التزلف لابن تيمية بذكره هنا وهناك، لكن حين الرد على الإلحاد يظهر فيهم محمد الغزالي؛ القائل أنه على عقيدة السلف عند العبادة، لكن عند الرد على الإلحاد ينقلب إلى طريقة الخلف.
تلك المستويات الماورائية، محض خرافة، وهذا النص السطحي لن ينفع في تحريك ساكن، فالبضاعة اليونانية كسدت منذ خط ابن تيمية درء التعارض. ونحن نرى في منشورات هؤلاء أثر دراسة الإلحاد من منظور لاهوتي مسيحي يتقاطع في غالب أحيانه مع الأرسطية والجهمية.


المراجع: (١) رسائل الكندي، رسالة في الحدود، بواسطة المصطلح الفلسفي عند العرب، دراسة وتحقيق عبد الأمير الأعسم، الهيئة المصرية للكتب، القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٨٩م، فصل: رسالة الحدود للكندي، ص١٩٨.
(٢) المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص٣٦.
(٣) المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، منشورات مؤسسة مطالعات إسلامي داشكاه مك كيل شعبة تهران، ص٦.
(٤) ابن سينا، المرجع السابق، ص٢٣.
(٥) بغية المرتاد، ابن تيمية، تحقيق موسى الدويش، مكتبة العلوم و الحكم، الطبعة الثانية ٢٠٠١، ص١٢٥.
(٦) بغية المرتاد، ابن تيمية، تحقيق موسى الدويش، مكتبة العلوم و الحكم، الطبعة الثانية ٢٠٠١، ص٢٥٥.
(٧) درء التعارض لابن تيمية، ج٩، ص١٥.
(٨) الشريعة للآجري.
(٩) درء التعارض لابن تيمية، ج٥، ص١٣١.
(١٠) نقض المنطق، ابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن بن حسن قائد، راجعه: سُعود بن عبد العزيز العُريفي، عمر بن سَعْدِي الجزائري، دار عطاءات العلم، دار ابن حزم، الطبعة الثالثة، ١٤٤٠هـ - ٢٠١٩م، ص٢٨٤.
(١١) صحيح الأدب المفرد للبخاري، محمد ناصر الدين الألباني، ص٢٠٦، قال الألباني: حسن الإسناد.
(١٢) المادية والمثالية في الفلسفة، للفيلسوف المادي جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص١٠٥.
👍1
باسم بشينية
Photo
ينشر نور الدين قوطيط كتاب الإنسان بين المادية والإسلام، والذي يقول أنه كتاب جميل قرأه قبل عشرين سنة، على أنه يحل مشكلة الإلحاد المادي.
الإشكال هو هو، أن تكون أسوتُك في قصة المادية والإسلام أمثال محمد قطب، ونحوه.
هل كان محمد قطب يتخذ موقفا إسلاميًا من المادية في موضوع الروح على الأقل؟ أم موقفا جهميًا أفلاطونيًا؟

كان يقول: "الروح في ذاتها أمر غير محسوس، والمادية تنفي الجوانب الروحية وتؤمن بعالم الجسد وحده، وبالواقع الذي تدركه الحواس"(١)

محمد قطب يعتبر الروح أمرًا غير محسوس، لا يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لكن قبل مقابلته بمقالات أهل الحديث، أين تجد أصول هذا الكلام؟

•أرسطو، ابن سينا: النفس ترجع إلى العالم العقلي عند أرسطو وابن سينا (٢)
•الكندي الأفلاطوني: النفس جوهرها كجوهر الباري عز وجل في قوتها إذا تجردت (٣)
•إخوان الصفا القرامطة الأفلاطونيين: النفس جوهرة سماوية روحانية حية نورانية (٤)
•أفلاطون: النفس تشبه ما هو إلهي وخالد ومعقول وذو صورة واحدة، وما هو غير قابل للانحلال وما هو دائما بذاته وإن الجسد يشبه ما هو إنساني وفان وغير معقول وذو أشكال متعددة (٥)

هذه الآراء في النفس، مع رأي ابن رشد، والفرابي، وابن الطفيل، وابن باجة، وجملة من أخذ عن مثالية أفلاطون: "عند هؤلاء الفلاسفة جوهر روحاني غير جسم ولا جسماني، لأن الجوهر الذي تحل فيه الصور العقلية والكلية جوهر روحاني غير موصوف بصفات الأجسام وهو الذي نسميه بالنفس الناطقة، التي يدرك بها الإنسان الموجود المطلق الواجب الوجود المنزه عن الجسمية، والمدرك لشيء غير جسماني لا يجوز أن يكون جسمًا، لأن الجسم لا يدرك إلا جسمًا" (٦)

إذًا، فالروح غير مادية وفق الفلسفة الأفلاطونية، بل معقولة، غير محسوسة، وهذا التناسق محله أن غير المحسوس من الإنسان كالروح، هو ما يتعلق بغير المحسوس من الغيب كالله، في هذا الإطار كان محمد قطب يسبح. فلما ينكر الماديون وجود روح غير مادية، يتحسس قطب ومن اقتبس عنه أقلامهم للمرافعة على عقائد أفلاطون ظنا منهم أنه دفاع على الكتاب والسنة.

فهل الروح مادية جسمانية محسوسة وفق الكتاب والسنة، أم أنها عقلانية من جنس المثل الأفلاطونية؟

يقول ابن تيمية: "ومن المتكلمين من يقول أن الجسم هو مما يشار إليه ويقال: إنه هنا أو هناك، فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت كما قال صلى الله عليه وسلم إن الروح إذا خرجت تبعها البصر وأنها تقبض ويعرج بها إلى السماء؛ كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح"(٧)

إذًا فالروح بنص الحديث محسوسة، يشار إليها إشارة حسية، وهي جسم بالاصطلاح الفلسفي، لا عنصر مثالي مجرد عن الجسمية.

فحين ينكر الماديون الروح، هم ينكرون الروح وفق المقالات اللاهوتية المثالية، أي وفق الذهنية الأفلاطونية؛ الروح التي لا تحس ولا يشار إليها وليست جسمًا. يقول جورج بولتزير:

”الروح من حيث تعريفها لا تتصف بأي خاصة من الخواص المعروفة للمادة في وقت ما“(٨) ”فالروح كلمة تفيد بصفة عامة كل مجال الأشياء غير المادية”(٩) أي أن المثالي يقول أن الروح: لا يمكن الإحساس بها ولا الإشارة لها إشارة حسية، وهو المخالف للكتاب والسنة، وهو الذي يرد عليه ابن تيمية، وهو الذي أدى لإنكار الماديين لوجودها.

أما محمد قطب، فليس إلا نسخة حديثة عن جهم بن صفوان، إذ يعتبر الروح جوهرا غير محسوس، يروي الإمام أحمد مناظرة الجهم مع السمنية، "فقالوا للجهم:

–ألست تزعم أن فيك روحا؟
–قال: نعم.
–فقال: هل رأيت روحك؟
–قال: لا.
–قال فسمعت كلامه؟
–قال: لا قال: فوجدت له حسا؟
–قال: لا.
–قال [جهم]: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت وهو غائب عن الأبصار، ولا يكون في مكان دون مكان (١٠)

فموقف قطب من الروح هو عين موقف جهم؛ حيث أنها غير محسوسة، وبذا يحل إشكالية أحادية الوجود المادي لدى الماديين، هذا والإمام أحمد كان يروي المناظرة قائلا: "فقال لهم عدو الله الجهم". لذا فكتاب محمد قطب يصلح أن يكون بعنوان "الإنسان بين المادية والأفلاطونية/الجهمية"، فلا يرتجى منه التحقيق ولا معوَّل عليه في التدقيق، فكيف بمن أخذ علمه في هذا الشأن عنه.

(١) الانسان بين المادية والإسلام، محمد قطب، ص٧١، ص٥٦.
(٢) أرسطو عند العرب، دراسات ونصوص غير منشورة، بدوي عبد الرحمن، وكالة المطبوعات، الطبعة الثانية، ١٩٧٨م، ص٤٧.
(٣) رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ٢٧٤.
(٤) رسائل إخوان الصفا، ج٤، ص٦.
(٥) فيدون، أفلاطون، ترجمة سامي النشار، وعباس الشربيني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص٤٦.
(٦) المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص١٦١.
(٧) مجموع الفتاوى، ج٣، ص٣٣.
(٨-٩) المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ص١٨، ص٤٢.
(١٠) الرد على الزنادقة والجهمية، الإمام أحمد، ص٦٥، ٦٦.

الكتب الجميلة مش دومًا صحيحة 🌹
👍1
"إن المدرك إذا كان ذاتا عقلية فلا يجوز أن تدركه قوة حسية"

(المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، منشورات مؤسسة مطالعات إسلامي داشكاه مك كيل شعبة تهران، ص١٥٥)

عمل ابن سينا في كتاب المبدأ والمعاد متسق للغاية مع مثالية أفلاطون، يعتبر الإنسان مركبًا من جوهرين؛ واحد جسماني محسوس، والثاني روحاني مثالي غير محسوس، وبما أن الباري حسب تصور ابن سينا ذو ماهية معقولة غير محسوس البتة، فإن ذي الروح غير المحسوسة كانت إلى جانبه قبل صدور البدن المحسوس، ثم عند حدوث البدن هبطت من عالم الجواهر المثالية المعقولة لتحل في عالم الأجسام الملموسة، وشوقها وحركتها إنما تجري وفق قاعدة "المعقول أشد اتصالا بالمعقول" أي الروح هي الجزء الذي من جنس الصانع في ماهيته –تعالى الله عن ذلك– فهي الجوهر المعقول الذي يحل في الأجسام المادية؛ وعليه مدار التعلق بالجواهر المعقولة الماورائية.
وبالتالي، فعند موت البدن، تعود ذي الروح المعقولة غير المحسوسة، لتتنعم أو تتعذب في عالم المعقولات مفارقة للجسم المحسوس، جاءت من العالم المعقول وتعود إلى العالم المعقول.

مثالية صرفة، وتكذيب للشرع. الويل لك يا ابن سينا!
هذا والكندي الذي كان أفلاطونيا، متأثرًا بالأفلاطونية المحدثة، لم يقل بإنكار المعاد الجسماني، لدلالة النص عليه، ولم يتنبه لابتداع قانون تأويل كالذي سنّه ابن سينا في الأضحوية.

وقد كان الكندي يقول:

"فأي دليل في العقول النيرة الصافية أبين وأوجز من أنه إذا كانت العظام بل إن لم تكن فممكن إذا بطلت بعد أن كانت وصارت رميما أن تكون أيضا، فإن جمع المتفرق أسهل من صنعه أيس ومن إبداعه، فأما عند باريهم فواحد لا أشد ولا أضعف، فإن القوة التي أبدعت يمكن أن تنشىء ما أدثرت".

(رسالة في كمية أرسطو، رسائل الكندي، ص٣٧٤)
باسم بشينية
"إن المدرك إذا كان ذاتا عقلية فلا يجوز أن تدركه قوة حسية" (المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، منشورات مؤسسة مطالعات إسلامي داشكاه مك كيل شعبة تهران، ص١٥٥) عمل ابن سينا في كتاب المبدأ والمعاد متسق للغاية مع مثالية أفلاطون،…
"ومن تدبر ما يوجد من كلام المسلمين عامتهم وخاصتهم سلفهم وأئمتهم وفقهائهم ومحدِّثيهم وصوفيتهم ومفسريهم ونحاتهم ومتكلميهم، لم يجد في كلام أحد منهم لفظَ العقل مقولات على ما يزعمه هؤلاء من المتفلسفة، ولا على ما يقال أنه ملك من الملائكة.
ولا يسمون أحدا من الملائكة عقلا، ولا الله تعالى عقلًا، إلا من أخذ ذلك من الفلاسفة... وأعلم أن المقصود في هذا المقام؛ أن لفظ العقل لا يعبَّرُ به عن جوهر قائم بنفسه، لا عن ملك ولا غيره في عبارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وسائر علماء المسلمين.
فلا يجوز أن يحمل شيء من كلامهم المذكور فيه لفظ العقل على مراد هؤلاء المتفلسفة بالعقول العشرة ونحو ذلك".

(بغية المرتاد، ابن تيمية، تحقيق موسى الدويش، مكتبة العلوم و الحكم، الطبعة الثانية ٢٠٠١، ص٢٥٥)
1
باسم بشينية
Photo
تقريبًا هو أول رد ربع علمي، بس معلش، خير من لا شيء..

ينقل هذا المتحذلق ذا النقل عن ابن تيمية من دون عزو لغرض أن يقال له: أنت مثالي، فيأتي هو بالفاجعة فيقول: هذا كلام ابن تيمية، رأيتم! حتى نصوص ابن تيمية ترونها تعبر عن مثالية.

لكن كيف بتر المتحذلق نص ابن تيمية؟

قال ابن تيمية:

"وأما قول السائل: هل لها كيفية تعلم؟ –أي الروح– فهذا سؤال مجمل:

١. إن أراد أنه يعلم ما يعلم من صفاتها وأحوالها فهذا مما يعلم.

٢. وإن أراد أنها هل لها مثل من جنس ما يشهده من الأجسام أو هل لها من جنس شيء من ذلك؟ فإن أراد ذلك فليس كذلك فإنها ليست من جنس العناصر: الماء والهواء والنار والتراب ولا من جنس أبدان الحيوان والنبات والمعدن ولا من جنس الأفلاك والكواكب فليس لها نظير مشهود ولا جنس معهود" (مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٩، ص٢٩٥)

هذا وقد كان يقول قبل صفحتين: "وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات، وكلا القولين خطأ" (مجموع الفتاوى، ج٩، ص٢٩٣)

فالسؤال عن كيفية تُعلم للروح، أهي من جنس المجردات غير المحسوسة أم هي جسم محسوس متعيّن، والجواب (المبتور كعادة المتحذلقين) يثبت أن لها كيفية وأحوال وأنها غير مجردة، بل هي جسم محسوس.
والجواب الثاني يثبت أنها مع ثبوت كيفيتها وأحوالها؛ جسم محسوس غير مماثل لباقي الأجسام ولا العناصر الأربع.

فهي بنص ابن تيمية ليست من جنس الأجسام المشهودة المعهودة، لا أنها ليست من جنس الأجسام بإطلاق. والنص عموما جاء في نفي المماثلة بين الموجودات، لا في نفي القدر المطلق.

فالمتحذلق ينقل نصف الجواب، حتى إذا قيل له: في كلامك خلل، قال أنتم تردون الآن على ابن تيمية، نعم إن كنت لا تعرف أبجديات النقل، وتنقل نصف نص لتخدع نفسك.
👑
"أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة.

من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد من الإقرار بالصانع موحدا مقدسا عن الكم والكيف والأين والمتى والوضع والتغير؛ حتى يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة... لا يمكن أن تكون خارجة عن العالم ولا داخلة فيه، ولا بحيث تصح الإشارة إليه أنه هنا"

(رسالة أضحوية في أمر المعاد، أبو علي ابن سينا، ضبطها وحققها سليمان دنيا، الطبعة الأولى ١٣٦٧ه‍–١٩٤٩م، ص٤٥)

ابن سينا يقر أن نصوص الشرع دلت على نقيض هذا، وبالتالي يخترع فكرة أن الشرع جاء لخطاب الجمهور لا لخطاب الحكماء.
يقتبس جماهير المتكلمين نفس الفكرة، فلا يوصف بأين ولا متى ولا كيف، بل هو لا داخل العالم ولا خارجه، لكن مع تلفيق أحجية أن: الشرع جاء بهذا النفي وخاطب به الجمهور، وفق أحجية أخرى يلفَّق لها مصطلح "المجاز".

ثم لما يقول ابن سينا أن المعاد الجسماني منفي، ويأتي متكلم ينفي الصفات، لكن يثبت المعاد فيقول لابن سينا: أنت نفيت ما يدل عليه النص دلالة قطعية، يقابله ابن سينا قائلا: وأنت نفيت ما تدل عليه النصوص دلالة قطعية كإثبات الأين والمتى والكيف والصفات العينية، فقولك في الصفات هو قولي في المعاد.

ثم تجد المتكلم يحتج على أهل الإثبات، بما يحتج به ابن سينا عليه في مسألة المعاد! والفارق بينهما: ابن سينا يقول بكذب الشارع للمصلحة، والمتكلم يدعي أن التجريد اليوناني هو عين ما دل عليه النص وأراده الشارع.

عقائد أشبه بفصل النص عن العقل، لنركّب عقلا هنا وهناك، ولنسلّطه على النص، ولنختلف في طريقة حمل النص عليه.
–العلمانية العقدية.
–ابن سينا: المعاد الجسماني منفي لأن ثبوته ضد العقل.
–المتكلم: الصفات منفية، بس المعاد ثابت .
–ابن سينا: ليه ثابت؟
–المتكلم: لدلالة النص عليه!
–ابن سينا: والصفات أيضا يدل عليها النص، وحجتك في الصفات هي حجتي في المعاد، إما أن تتابعني، أو تترك قولك في الصفات.

–المتكلم نفسه: دعنا من ابن سينا، يا مثبت؛ الصفات منفية!
–المثبت: لكن النص دل عليها.
–المتكلم: لكن هذا ضد العقل!
–المثبت: والمعاد الجسماني ضد عقل ابن سينا، فما نفيته بدعوى مخالفة العقل، نفاه ابن سينا بدعوى مخالفة العقل.
–المتكلم: لكن إنكار المعاد نتفق أنه كفر!
–ابن رشد: والسلف أجمعوا على أن إنكار صفة العلو كفر.

♻️

–ابن سينا: أنا أنكر علم الله بالجزئيات.
–المتكلم: ليه تنكره؟!
–ابن سينا: لأن الله لا يجوز عليه الحركة والتغير.
–المتكلم: إنكار علم الله بالجزئيات كفر.
–ابن سينا: وأنت أنكرت علم الله المتجدد، وحجتك في إنكار علم الله المتجدد هي حجتي في إنكاري لعلم الله بالجزئيات: أنه لا يتحرك، ولا تقع غيرية في علمه.
–المتكلم: إثبات العلم الأزلي بالجزئيات لا يلزم منه تغير وحركة.
–ابن رشد: بل يلزم، لأنه علم بمتغيّرات ولو كان أزليا، ذي حركة في علمه الأزلي. إما أن تنفي علمه بالجزئيات، أو تثبت أنه يتحرك.

–المتكلم نفسه: دعنا من ابن سينا وابن رشد، يا مثبت! علم الله أزلي ولا يتجدد.
–المثبت: هل العلم الأزلي علم بجزئيات؟
–المتكلم: نعم.
–المثبت: لكنك تنفي الحركة في علمه؟
–المتكلم: نعم.
–المثبت: ما منعك أن تلتزم مذهب ابن سينا؟
–المتكلم: لأنه ينفي علم الله بالجزئيات.
–المثبت: هل الجزئيات متغيّرات (دخول/خروج) (قيام/قعود) (أحمر/أخضر)؟
–المتكلم: نعم.
–المثبت: هل الدخول خروج والقيام قعود؟
–المتكلم: لا، بل هذا مغاير لهذا.
–المثبت: إذا علمه بالدخول مغاير لعلمه بالخروج، وعلمه بالقعود مغاير لعلمه بالقيام!
–المتكلم: يعني إيه؟
–المثبت: حتى لو سلمنا بالعلم الأزلي ونفينا المتجدد، يلزمك مع مقالة العلم بالجزئيات القول بالحركة والغيرية. إما أن تنفي علمه بالجزئيات المتغيرات كابن سينا كي تَسلم مقالة المحرك الذي لا يتحرك، أو تثبت الحركة في علمه، فلا يبقى على مقالة العلم المتجدد إشكال لديك.

♻️
–ابن سينا: أنا أقول بالإيجاب الذاتي، وأنفي الخلق بإرادة.
–المتكلم: يا كافر! تقول بقدم العالم.
–ابن سينا: هل يخلق بإرادة متجددة؟
–المتكلم: لا، بل أزلية.
–ابن سينا: لماذا نفيت الإرادة المتجددة؟
–المتكلم: لأن ذلك حركة، والله محرك لا يتحرك.
–ابن سينا: حجتك في نفي الإرادة المتجددة، هي حجتي في نفي الإرادة جملة.
–المتكلم: لا يلزم عن الإرادة الأزلية أن يتصف بالحركة.
–ابن رشد: بل يلزم، حتى إرادته الأزلية فيها حركة فهو أزلا أراد شجرا أخضرا ودمًا أحمرًا، وذي متغيرات في الإرادة أدت لمتغيرات في المراد.

♻️
–المتكلم نفسه: دعنا من ابن سينا، أنت يا مثبت! القول بتسلسل الحوادث يلزم عنه قدم العالم.
–المثبت: هل تثبت إرادة متجددة؟
–المتكلم: لا.
–المثبت: لماذا؟
–المتكلم: لأن التجدد فيها حركة، والله لا يتحرك.
–المثبت: هل تثبت أن الله خلق العالم بإرادة؟
–المتكلم: بإرادة أزلية!
–المثبت: هذه الإرادة الأزلية، أيضا فيها حركة وغيرية، فإرادته لحياتي غير إرادته لموتي، وإرادته لخلق العالم أفادت تغيرا في إرادته من كونه لم يرد إلى كونه أراد، ولو أزلًا. إما أن يزول إشكالك في الحركة وتثبت الإرادة المتجددة، وبالتالي تسلسل الحوادث. أو أن تلتزم قدم العالم بناء على نفي الحركة في الأرادة الأزلية.

–المتكلم: أصلا ابن سينا كافر، والمثبت حشوي، مالي ومال والدهاليز أنا! سلام عليكم.