باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
المشهد الذي يتكرر دائمًا:

–السائل: ما كان يقول الملحد قبل أن يسلم على يديك؟
– الأشعري: كان يقول: لا إله داخل العالم ولا خارجه.
–السائل: وماذا صار يقول بعد أن أسلم على يديك؟
– الأشعري: الله لا داخل العالم ولا خارجه. 😃
لا يوجد من يقول أن الملحد والأشعري سواء، بل لا عاقل يقول بذلك.
لكن المقولات الكلاسيكية في ذي النواحي لم تعد مقنعة بالمرة، كي تتكلم يجب أن تكون مطّردًا، ذا بحث شامل، يستوعب القضايا بما يسمى بـ "النظرية"، التي لا تغفل جليلًا كما لا تغفل تفصيلًا.
الأشعرية ليست عقيدة أصيلة، بل هي عقيدة خنثى، والكثير من مقالاتها خصوصا المتأخرة بنيت على فلسفة من كان يعبد نصف إله مع بعض كواكب، مع التصريح بنفس المقالات أحيانًا، والقول بإمامة أصحابها كأرسطو وأفلاطن أحيانًا أخرى، فذي النقطة إن قيل أن الأشعري الذي صار داخل دائرة الإسلام يُكست عن أشعريته لأنه لم يبق ملحدًا، أو لنتكلم في الإلحاد ولا نتكلم في الأشعرية، فهذا بؤس منهجي يقتل البحث العلمي النقدي، فكيف إذا تبيّن أن صناديد الإلحاد ومؤسسيه كان السبب الأصيل في إلحادهم؛ تلك المقالات اللاهوتية التي تتقاطع فيما لا يحصى كثرة مع المقالات الأشعرية ونحوها!
فهنا أنت أمام عقائد؛ لو ارتقى العقل العربي لمرحلة التنقية من الشوائب المثالية لصارت سببًا مباشرًا في الإلحاد. والتجربة البشرية موجودة أمامنَا!

تخيل كما قيل: أن تكون نافيًا للطبائع، عابدًا للمجرّد، معتقدًا بالمحرك الذي لا يتحرك والميتافيزيقا الأرسطية، قائلا بإمامة أرسطو وأفلاطن، لا بحث أخلاقي لك؛ حيث تنفي التحسين والتقبيح العقليين، لا طبائع للأشياء الطبيعية فضلا عن الإرادة الإنسانية فعلم الطبيعة من جهة؛ علم كفر، كما أن الله يجبر الإنسان ولا يخلق فعله بواسطة إرادة مؤثرة، أين ستثبت ذي العقائد أمام العلوم السياسية حيث تقول بالجبر ونفي الشيء في ذاته، أمام علم الطبيعة حيث نفي الطبائع، نفي السببية، بل أمام العلوم القانونية؛ فلا أثر يحدثه مؤثر، بل وقع القتل باقتران أداة القتل بالمقتول.
على أي شيء سترافع أمام العالم اليوم؟ وأي إلحاد ستقنعه باعتقاد ميتافيزيقا أرسطو، وباقي لوازم القرون الوسطى؟.

ثم يقال ”أن يكون أشعريًا، خير له من أن يلحد“، جميل وشاعري، لكن البحث لا عاطفة فيه! الصواب: لو عممت الأشعرية بدل اللاهوت المسيحي في أوروبا لرأيت نفس المشهد.
من وجهة نظر فلسفية، هي خطوات بطيئة نحو الإلحاد. وقد كان هيوم يقول عن المفوض؛ ”ملحد لا يدري أنه ملحد“، كما كان يقول نيتشه وغيره ”مات الإله“، يعنون به المحرك الثابت الإله الأرسطوطاليسي.
بالنسبة لعشّاق المراجع، إذا كتبت نقلا وألحوا عن مصدر الكلام ومرجعه (وأحيانا بإضافة علامتي استفهام، أو علامة استفهام وعلامة تعجّب) فاعلم أن ذكرك للمرجع محض حبة مسكّن لا أكثر، لن يعودوا لمعاينة الأصل، ولن يطلعوا على الكتاب جملة.
ولا جماعة ”أريد منهجية“، مع أن المنهجيات في ملتقى أهل الحديث وغيره لا تحصى في مختلف العلوم، لكن هؤلاء يؤكدون لأنفسهم حرصهم على منهجية عدد كبير من الناس ليقارنوا بينها، البعض أقول له ”ابدأ بهذا الكتاب“، فيقلي لأ، أريد قائمة من ثلاثين كتاب.
كي يشعر بالهيبة، لكنه لا يقرأ منها كتابا واحدًا.
أما الصنف القاتل، فهو الذي يطلب مؤلفات شخص ما، فترسل له عشرين كتابا من مؤلفاته، ثم تخبره أن العنوان الوحيد الباقي ليس متوفرًا على النت، فيقيم الدنيا ولا يقعدها! وينظر لكل المتوفر نظرة استحقار أمام غير المتوفر، ولا يقرأ منها كتابا حتى يأتي غير المتوفر، فإن توفر الكتاب بعد جهد طويل، رماه صاحبنا إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، وألحقه العشرين الآخرين، وصنف ”الرابط من فضلك“ قريب من هذا، غايته حفظ الكتاب في الجهاز ليطمئن، وفقط.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
"قلما ترانا نخلف عقبة من البلاء إلا صرنا في أخرى"

(الأدب الصغير، ابن المقفع، تحقيق: احمد زكي باشا، الطبعة الأولى، ص٧٣)

هذا الاقتباس مرة على مرة أعود لقراءته والتمعن فيه، وكأني أجدد الحِس بألفتي بذلك العهد الطويل بيني وبين تلك العقبات التي إن لم تحل شككت في أمري!
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
ناقش الفكرة، لا تمارس الشخصنة (١)

تحت مسمى خلق العبد لفعله كانت المعتزلة ترى أن الفعل منفصل أسبابه الخارجية، فهي ”بنفيها خلق الله لأفعال العباد جعلت أفعال العباد ناشئة من الإنسان نفسه“ (١) وقد كان ابن تيمية متنبهًا لافتقار ذي المقالة لركائز فلسفية رصينة، فـ ”الفاعل المختار كالإنسان فإن حركته الحاصلة باختياره لا تحصل إلا بقوة من أعضائه... وليس هو الفاعل لأعضائه ولا لقواها، فهو محتاج في فعله إلى أسباب خارجة عن قدرته“ (٢)

إن ابن تيمية حين يوجه هذا النقد لمقالة خلق العبد لفعله، يشرح أن فعل الإنسان لا يصح عقلا أن يُنظَر له بواسطة التقطيع المثالي حيث لا تفاعل بين الأسباب الخارجية لإنتاج الفعل. بل يقال في الفعل: لم يحصل إلا بأسباب خارجية، خارجة عن قدرة العبد أصلا. ولا يقدح تقرير أن الفعل هو نتاج تفاعل العبد مع الخارج في نسبة الفعل للعبد ولا في توجيه المدح أو الذم له لأجل فعله أيا كان. فإن المعتزلة وقعت في ”مشكلة الثنائية بين الفعل اللامادي، والجسد المادي“ (٣)

عندما تقدم نقدًا لشخص، غالبا ما تصعد مقولة ”ناقش الفكرة ولا تتطرق لشخص القائل“ إلى مستوى المسلَّمات، بل صارت في النقاشات عبارة عن مبدأ أخلاقي لا ينبغي تجاوزه وإلا وصف النقد بالتحامل. فإلى أي مدى يمكن تصويب ذي العقلية فلسفيا؟

هذه المقولة تريد الإلزام بنقاش فكر مجرد عن مفكر، نقاش الفكرة بمعزل عن المادة المفكرة، قائلة أن الأفكار لا يتدخل الدماغ المادي في تشكيلها.

لقد كان ابن تيمية يدرك أن ”الدماغ هو مبدأ الفكر والنظر“ (٤) فإن الدماغ هو منتِجُ الأفكار، ونوعية الأفكار التي ينتجها الدماغ متعلقة بوقائع خارجة عنه فإن ”الحقائق الخارجية مستغنية عنَّا، لا تكون تابعة لتصوُّراتنا، بل تصوُّراتنا تابعة لها“ (٥)

فلا يقال بانعزال الأفكار عن الحقائق الخارجية أو المؤثرات الواقعية كنوعية الطعام، الأصحاب، البيئة الخارجية كالمجتمع والأسرة، ما يتعاطى المفكر... إلخ. بل كل ذلك عبارة عن أسباب ساهمت في تشكيل الأفكار لأنها هي ما يتعامل معه الدماغ المفكر ويتعاطاه تصورًا وفكرا ونظرًا.

فعلى أي أساس فلسفي ترتكز مقالة ”ناقش الفكرة فقط ولا تتعرض للشخص“؟ إنها تظهر كما كبيرا من الصبيانية الفلسفية في كل نقاش. إن دراسة الأفكار لا بد أن تتطرق حسب الحاجة إلى دراسة المؤثرات التي يكون دماغ المفكر تابعا لها، فعلى سبيل المثال؛ شخص حياته الشخصية لا تخلو من تتبع الشهوات، لا ينبغي التطرق لنقد فكرته اللبرالية بمعزل عن السبب الخارجي الذي ساهم في تبنيه لها. وإنكار هذا محض مكابرة، فالأفكار في الغالب متوجهة نحو تغيير شخصيات الناس، فأولى بالمفكر ومتبني الفكرة أن تكون حياته الشخصية مساهمة في تشكيل تلك الفكرة. فكون واضع الحد –ليصوِّر القضية– لم يضعه إلا بعد تصوره للقضية الخارجية من غير حد ذهني أول مرة، فإن واضع الفكرة لأجل تغيير الوقائع الشخصية لم يضع فكرته إلا انطلاقا مما ساهم في تشكيلها في الخارج من غير فكرة ذهنية أول مرة. وهذا الخارج المشكل للفكرة ابتداء هو ما يسمى بالمسائل الشخصية، أو الشخصنة. فلا يوجد تبرير فلسفي يقف في صف المتبجحين بتحامل من يقحم المسائل الشخصية والوقائع المؤثرة في تكوين الأفكار خلال نقده لتلك الأفكار.

لا أعرف أي مدرسة نقدية، كانت تنادي بعدم التعرض لشخص المفكر، فإن كان تعريف الجرح الذي يدرسه طلاب علم الجرح والتعديل أنه ”وصفُ الراوي بما يقتضي ردَّ روايته، أو تليينه، أو تضعيفه“ (٦)

فإن وصف الراوي بالكذب أو الفسق أو إتيان خوارم المروءة هو مما يقتضي رد العلم الذي يدعيه بفكره. فلا تجد في التراث من نادى قائلا ”يجب وضع التجريح لشخص المحدِّث جانبًا والعكوف على مجرد نقاش فكرته كالمتن الذي يرويه”. فلا يقول هذا عاقل. فمثل ابن نواس قد كان ”عالما فقيها عارفا بالأحكام والفتيا، بصيرا بالاختلاف، صاحب حفظٍ ونظرٍ ومعرفةٍ بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه."(٧) لكن لم يطلب الشافعي على يديه العلم بسبب فسقه. فلا يوجد فصل بين الفكرة وشخصية المفكر.

أيضًا فإن المعتزلة قد كان فيهم أبو عقار، وقد كان يقول ”إن مباشرة الرجل للرجل فيما دون الفرج من الفخذين وغيرهما حلال“ (٨) فمثل هذا يُستثمر في مقاله ربط حالته الشخصية بما لا يسعه أن يخالفه من مذهبه. فإن قرر تحريم الإتيان فإن هذا كبيرة، فإن أتاه حكم على نفسه بالمنزلة بين المنزلتين، فكي يبرر إتيانَه الرجال يصطنع فكرة تحليل الإتيان بين الفخذين.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
ناقش الفكرة، لا تمارس الشخصنة (٢)

ثم إنك لو نظرت في انتقادات الفلاسفة، لا تجد استنكارًا لموضوع الشخصنة، ولو ذهبت لنيتشه الذي يتمسح به العقلاني المفكر، ستجد ما هو أبلغ. فحيث يقول غوستاف فولبير: ”لا يمكن أن نفكر أو نكتب إلا جالسين“ يرد عليه نيتشه قائلا: ”تمكنت منك أيها العدمي! أن تكون ذا مؤخرة ثقيلة فتلك بامتياز خطيئة في حق العقل، وحدها الأفكار التي تأتينا ونحن ماشون لها قيمة ما“ (٩)

حتى أن الماركسية كانت تؤكد على فكرة ما يسمى بالوعي البرجوازي، أي رفض الأفكار الماركسية لدى البرجوازيين لسبب خارجي وهو منع الثورات الإشتراكية لاستمرار ثروات عائلات المفكرين البرجوازيين، فهنا تدلك الماركسية على أن رفض الفكرة لا يكون دومًا منطلقه عقدي أو فلسفي. بل قد يتعلق بما هو شخصي بعيدًا عن المنطلق الفكري. فهي أيضا تبحث في الدوافع الشخصية لأفكار معارضيها.

بعيدًا عن أفكار نقدية تتطرق لشخص المفكر في سطر وسطرين. في الوسط الفلسفي تجد مؤلفات فلسفية بالغة الأهمية صُنِّفَت خصيصا في نقد شخص المفكر الفيلسوف.

ومثال ذلك كتاب المثقفون لبول جونسون، ترجمة طلعت الشايب.

تعرض فيه بول جونسون لكل من: جان جاك روسو، برتولد بريشت، كارل ماركس، إرنست همنغواي، هنريك إبسن، برتراند رسل، ليو تولستوي، جان بول سارتر، شلي. وكان قد عاصر بعضهم، وتطرق في الكتاب إلى كشف التناقض بين أفكارهم وحياتهم الشخصية.

مستندا إلى اعترافاتهم ومذكرات القريبين منهم: زوجاتهم، عشيقاتهم، أبنائهم، رفقائهم. ليدلل على أن أصحاب الأفكار العظيمة التي أثرت في مسيرة القرن العشرين كله وأحدثت تحولات مهمة في المسيرة الإنسانية، ليسوا سوى أفاقين وانتهازيين وكذابين وشهوانيين ومرتزقة. ناقضوا أفكارهم، ومارسوا ضدها إلى حد ابتذالها.

فهذا المؤلف نقد موجه لشخص المفكر، لا تجد في الاعتراض تلك الكلمات الصبيانية ”ناقش الفكرة التي جاء بها الفيلسوف ولا يجوز في ميزان النقد أن تتطرق لشخصيته“.



المراجع:

(١) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٤٢.
(٢) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج٩، ص٣٤٠. بواسطة كتاب القراءة الماركسية للتراث الإسلامي. ص٤٢.
(٣) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، يوسف سمرين، مرجع سابق، ص٤٢.
(٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٩، ص٣٠٣
(٥) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، الطعبة الأولى: ٢٠٠٥م، ص٧١.
(٦) ضوابط الجرح والتعديل؛ للدكتور عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم العبداللطيف ص٢١.
(٧) طبقات الشعراء.
(٨) البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، أبو الفضل السكسكي الحنبلي، تحقيق بسام علي سلامة، مكتبة المنار، الطبعة الثانية ١٩٩٦م، ١٤١٧هجري، ص٥٩.
(٩) أفول الأصنام، فريدريك نيتشه، ترجمة حسان بورقية، محمد الناجي، دار أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، ص١٤.
👍1
Forwarded from يوسف سمرين
أنت علماني! أو متطرف؟

أحد الأغلاط الكبرى على صعيد محاكمة الأفكار تلك التي تنبه إليها ابن تيمية، في موازناته ومحاكماته لأفكار عصره، ويتمثل الغلط في إقامة النفي والإثبات على مصطلحات حادثة فيها حيز من التعميم والإجمال أحيانًا، مثل مصطلح الجسم، الحيز، الحشوية، ونحوها حتى صارت تلك الاصطلاحات معيارًا للتحاكم.

ولو عمم النفي لنفى حقًا ملازمًا لباطل، ولو عمم الإثبات لأثبت باطلًا إلى جانب الحق، ولذا رأى أن يستفصل عن المعنى، لا الدوران حول دكتاتورية الاصطلاح، وفي هذا العصر تتكاثر القواعد والمصطلحات التي فيها الإشكالية نفسها.

على سبيل المثال يأتي من يقول: العلمانية الغاية فيها تبرر الوسيلة كما قال ميكافيلي، وليس الإسلام هكذا! وهذا التعميم فيه غلط فهناك العديد من الأحكام الفقهية جازت تبعًا لوسيلتها، كجواز النظر للخطبة، وأكل الميتة لغاية إنقاذ الحياة عند الضرورة، وجواز النطق بالكفر عند الإكراه لإنقاذ النفس، فيجري تفتيت المقالة تبعًا لقواعد وأحكام فقهية، لا التعامل معها على أنها معيار للنفي والإثبات.

وأذكر ذلك الذي سمع كلمة أحمد بن حنبل حين قال: يغزى مع الأنكى، لا الصالح في نفسه الضعيف في الغزو، فأنكرها، وذلك لأنه بنى تصوراته لا على التأصيل الفقهي نفسه، بل على ثنائية نفي أو إثبات المصطلح كنفي العلمانية وحسب أن هذا منها.

وتجد الامتحان على سبيل المثال بمسائل يحسبها الواحد من هؤلاء مفصلية في الفروق، بين الإسلام وغيره، ويحسبها لغير الإسلام، على أنها قد تكون من صميم الإسلام، وينكرها لأنها رأى جماعة مغالية قالت بها، أو خصمًا سياسيًا رددها.

بهذه الطريقة تجد من يقول ننفي تاريخية النص، ويضرب بهذا التعميم ضرورة معرفة أسباب النزول، وإثبات الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، ويصور الآيات جميعًا متعالية عن الظرف، خشية أنه لو أثبت تاريخيتها لأدى ذلك إلى انقطاع دلالاتها، عند زمن معين، والتفصيل في المحاكمة ضروري هنا، وإلا لن يخرج الباحث بنتائج جادة.

فالدوران مع المصطلح نفيًا وإثباتًا كثيرًا ما يوقع خلافًا لو حررت المعاني المقصودة لظهر الاتفاق كما قيل: أكثر خلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وتفتيت المباحث لفهمها مسلك الباحثين عن الحق، حيث إن المقصود بالمصطلحات معانيها، لا أصواتها، وهذا لا تجده في الأسماء الشرعية، التي في القرآن والسنة، كمسلم ومؤمن، ومنافق ونحوها فهي منضبطة.
1
Forwarded from يوسف سمرين
فنّ التسويق

في الأخلاقيات الرأسمالية، للركون إلى مبدأ الربح، هناك قاعدة مطردة: اترك الخلاف، لا تختلف مع الزبون، لا يهمك دينه، أو وطنه، فالمهم هو نقوده، أن يشتري، كذلك الأمر مع مديرك، إذ ينبغي ألا يهمك إلا أن تترقى في سلّمك الوظيفي، والخلاف لا يساعد على هذا.

إنما الشأن في زيادة زبائن الشركة، وإبهارهم بفنون الدعاية والتسويق، عرض خاص: خصم، احصل على الثاني مجانًا ونحو ذلك.

العديد من المتحدثين باسم الإسلام، يعملون اليوم بالمنطق نفسه: ابتعد عن الخلاف! ومخاطبة جميع العاملين في الجانب الإسلامي، كمخاطبة العاملين في فروع شركة: لنتفق على بيع السلعة، ولنترك الخلاف، كأن الدين لم ينزل (ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه).
مع فنون في الدعاية: خصم: تأويل أو إنكار ما لا يرغب به الزبون، عروض مجانية: كالتسامح مع ما يرغب فيه الزبون، سواء في الأحكام، أو شخصيات يحترمها: الترحم على بعضهم ما دام ذلك مريحًا للزبون.

تتنافس الشركات أي واحدة تقدم عرضًا أكبر من غيرها، في ظل التناحر والتنافس لجمع الزبائن، ويضحي هذا الملقي، على يوتيوب مثلًا: يوتيوبر، كغيره، فحسب! يرى تقييمه بكمية المشاهدات، وعدد المشتركين، والأرباح الشهرية، لا أكثر من ذلك، فالأرقام هي المعيار: حينها يجد أي تقييم آخر غريبًا عليه.
Forwarded from يوسف سمرين
البعض يصدّق أنه الميزان الذي ستؤطّر البحوث والعلوم وفقًا للدائرة التي يرسمُها بريشته الطوباوية المنكسرة، لا يتصور بحوثا في النظريات، ولوازم المقالات، وحدّة الصراع بين مدرسة وأخرى، تلك الحدّة التي لا يلتفت لها أي من المدرستين، بقدر اهتمامهما بالسّبك الفكري، وبناء ترسانة نظرية فعّالة لتأخذ مكانها مزاحمةً كبرى المدارس الفلسفية بتفرّعاتها، مبطلةً غيرها من المدارس بالنّقد ونقد النّقد.
وفي حين تأخذ كل مدرسة طريقها نحو الحصرية بالتأليف من طرف أبنائها في نصرتها وإبطال نقيضها، يخرج لك ”الميزان المُطفّف“، صاحب الخطاب الأجوف، السوبرمان الكرتوني الذي لا يستوعب لا هذا ولا ذاك، ولا لوازم هذا ولا ذاك، لتتجسّد فيه الحكمة القائلة: ”من جهل شيئا عاداه“.
Forwarded from باسم بشينية
"كلام أبي حامد [الغزالي] ينفع المتفلسف، ويصير أحسن، فإن المتفلسف يسلم به إسلام الفلاسفة، والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة"

(النبوات، ابن تيمية، تحقيق: الطويان، أضواء السلف، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ه‍، ج١، ص١٥٩)
باسم بشينية
"كلام أبي حامد [الغزالي] ينفع المتفلسف، ويصير أحسن، فإن المتفلسف يسلم به إسلام الفلاسفة، والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة" (النبوات، ابن تيمية، تحقيق: الطويان، أضواء السلف، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ه‍، ج١، ص١٥٩)
المدارس العقدية الخاطئة، قد تنفع في اعتناق الملحد لإسلام خاطئ، لكنّ المؤمن يصير بها إيمانه مختلطا بكثير من الباطل.

أصحاب السكوت عن الخلاف، لا يفرقون بين المقامين، أولئك القائلين ”دعه يؤديهم لإسلام خاطئ خير لهم من عدم الإسلام“. لكنّ هؤلاء لا يخافون على صاحب ”الإيمان الصحيح“ أن يتحولّ إيمانه لإيمان الخاطئين.
1
كلام الكندي في الروح "يدل دلالة واضحة على رضاه واتفاقه مع أفلاطون وأفلوطين، وتقاطعه مع أرسطو الذي لم يأخذ منه الكندي شيئا" (١)

فما ماهية النفس/الروح عند أفلاطون بلسان الكندي؟ يجيب:
"النفس على رأي أفلاطون وجل الفلاسفة باقية بعد الموت وجوهرها كجوهر الباري عز وجل في قوتها إذا تجردت" (٢)

فـ "النفس تشبه ما هو إلهي وخالد ومعقول وذو صورة واحدة، وما هو غير قابل للانحلال وما هو دائما بذاته وإن الجسد يشبه ما هو إنساني وفان وغير معقول وذو أشكال متعددة" (٣)

موقف الكندي؟ يجيب:
"ولعمري لقد وصف أفلاطون وأوجز وجمع في هذا الاختصار معاني كثيرة"(٤) فإن النفس عند الكندي جوهر "بسيط ذات شرف وكمال، عظيمة الشأن جوهرها كجوهر الباري، مقياس الشمس من الضياء" (٥)

الروح التي اعتبرها الكندي الأفلاطوني جوهرا كجوهر الباري حسب تصوره؛ بسيطة وغاية في التجريد، التزم اليونانيون عبادة ما اتصف بصفاتها؛ كالعقول المفارقة من المجرّدات، ولم يفرقوا بينها وبين الصانع من حيث العبادة، فالكل كبعضه من حيث الصفة.

هذا اللازم، كما يلزم الكندي، يلزم أيضًا من وصف الروح –تبعا لعقلية التجريد الأفلاطوني– بكونها ”سر من أسرار الله عز وجل، لا يدركه الحس“(٦) أو أنها ”عبارة عن موجود قائم بنفسه غير متحيز، ولا مشار إليه، منزه عن الاختصاص بجهة، ليس هو داخل البدن، ولا هو خارجه، ومماسا له، ولا منفصلا عنه، بل كل ذلك يجوز على الأجسام المتحيزة“(٧)

لما وصل أفلاطون ونحوه لمقالة تجريد العقول المفارقة كما جردوا الباري؛ لم يجدوا فرقا فعبدوا الجميع، وهذا اللازم هو ما يتخلف عنه من يجرّد المعبود، ولا يعبد باقي المجرّدات.

(١) المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص٣٦.
(٢) رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ٢٧٤.
(٣) فيدون، أفلاطون، ترجمة سامي النشار، وعباس الشربيني، الطبعة الثالثة، دار المعارف، ص٤٦.
(٤) رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ص٢٧٤.
(٥) رسالة القول في النفس، رسائل الكندي، ص٢٧٣.
(٦) إحياء علوم الدين، الغزالي، ص٢٢٥. بواسطة نظرية ابن تيمية، لسمرين.
(٧) أجوبة الغزالي عن أسئلة ابن العربي، ص٦٦ بواسطة نظرية ابن تيمية، لسمرين.
"القاعدة اليونانية نظرت إلى المادة كأنها عنصر النقص وموطن الخطايا"

(المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص٤٩)
مداومة الأقوال من دون معرفة بالنسق الفلسفي يؤدي للحيرة! أنظر مثلا قول الكندي أن النفس تبقى بعد الموت، لا يعني هذا إتفاقا منه مع ما في القرآن، بل هي كلمة لا تفهم على مراد الكندي إلا بقراءتها داخل الفلسفة المثالية/أفلاطون؛ حيث تعتبر النفس جوهرًا من جنس الجوهر الإلهي المثالي بحسبه، وحين موت الجسم المادي، فإن البقاء في النهاية للمثل؛ التي من ضمنها الروح.
كذلك كلمة إخوان الصفا أن وظيفة الأنبياء إنما هي "التذكير" بالحق، بل ويستدلون بقوله ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾، فذي الكلمة أيضا لا بد أن تفهم داخل النسق الفلسفي الذي يتبناه إخوان الصفا؛ وهو مبدأ التذكر الأفلاطوني كما في فيدون ص٣٨، أي أن النفوس كانت تعيش في عالم المُثل بمعزل عن البدن، ثم لما خُلق البدن وهبطت أليه ذي النفوس لتحل فيه، أخذت رويدًا رويدًا تتذكر ما كانت تتعاطاه في عالمها الأول، وهنا يجري تأويل إخوان الصفا لـ ﴿الذكر﴾ في الآية بـ "التذكر".
أيضا اقتصار المتكلمين على إثبات العلم الأزلي، لا ينبغي درسه من باب قوة تحاكمهم للنص أو تعظيم الباري، وإنما يدرس من باب النسق الذي تحاكموا إليه؛ فكونه "لا يتحرك" يفيد أنه لا يتجدد/يتحرك له علم بالشيء عند وقوعه –إضافة لعلمه الأزلي بأنه سيقع– وهنا يظهر أن مقالة الاقتصار على إثبات العلم الأزلي؛ محض تفريع على أصل "المحرك الذي لا يتحرك". فمن يجعل الخلاف في العلم المتجدد فروعيا أمام أصل إثبات العلم الأزلي؛ مسوغًا للخلاف بين القرآن وفلسفة أرسطو.
ومثل هذا كثير، ولا تحله غير دراسة أصول المذاهب والمقالات، أما الاكتفاء بالتأمل في شذرات هنا وهناك فلا ينتج معرفة.
آخر ما حُقق من كتب ابن تيمية؛ رسالة تحمل عنوان ”قاعدة في أن كل دليل يحتج به مبتدع ففيه دليل على نقيض قوله“.

أقل فائدة لذي الرسالة، أنها تثبّت يقينية دلالة كل ما يستدل به مبطل على نقيض مدلوله.

من أمثلة ذلك:
ابن سينا لما ترك القول بحدوث النفس مع حدوث البدن، صار يقول بتقدم النفس على البدن؛ حيث كانت تعيش في عالم المثل الأفلاطوني، وهو الذي يصطلح عليه الإسلاميون من المتفلسفة بالجنة، ثم هذه النفس تهبط من عالم المثل عند حدوث البدن في عالم المادة، لتتحد به اتحاد جوهر روحاني بجوهر جسماني. ولما يموت البدن، تعود هذه النفس إلى عالم المثل ثانية؛ إما إلى الجنة فتتنعم وفق ما أسماه بالنعيم الروحاني، وإما إلى النار فتتعذب وفق العذاب الروحاني.

لكن بماذا يستدل من القرآن على مدلوله؟ يقول ﴿يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ "ولا يقال رجوع إلا حيث ورود" (١)

لكن سياق الآية على ماذا يدل في الحقيقة؟ قال تعالى ﴿یَـٰۤأَیَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَىِٕنَّةُ، ٱرۡجِعِیۤ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِیَةࣰ مَّرۡضِیَّةࣰ، فَٱدۡخُلِی فِی عِبَـٰدِي، وَٱدۡخُلِی جَنَّتِی﴾

فإن الرجوع –بنص الآية– إلى الجسم، لا إلى عالم المثل، بل أمرها الله بالدخول في الجسم، ثم دخول الجنة، أي دخول الجنة وهي في الجسم.

وفي هذا قال ابن عباس "ترد الأرواح المطمئنة يوم القيامة في الأجساد"، وقال الضحاك "يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد"، وقال عكرمة "ارجعي إلى ربك راضية مرضية: إلى الجسد"

وجماعة من الأشياخ قالوا: قوله تعالى ﴿إرجعي إلى ربك﴾ أي عند الموت، وهذا بمعنى "إلى ثواب ربك"، أما قوله ﴿وأدخلي في عبادي﴾ فهو عند القيامة، لتدخل إلى الجنة وهي في جسم العبد.

وقرأ بعض السلف ﴿وادخلي في عبدي﴾ ومنهم ابن عباد والهنائي والكلبي، وقالو: يعني الروح ترجع في الجسد. (٢)

فالشاهد أن ما استدل به ابن سينا؛ لا يدل صريحا إلا على نقيض قوله، فكون الرجوع لا يكون إلا حيث ورود؛ فالنفس ترجع إلى جسم العبد؛ فإن كانت مطمئنة كانت مرضية ودخلت الجنة بعد دخولها جسد العبد، وإن كانت كافرة لم تكن مرضية ودخلت النار بعد دخولها جسد العبد.


(١) الأضحوية في المعاد، ابن سينا، ص٩٠.
(٢) أنظر تفسير الطبري، أواخر سورة الفجر.
"إن النفس عند هؤلاء الفلاسفة جوهر روحاني غير جسم ولا جسماني، لأن الجوهر الذي تحل فيه الصور العقلية والكلية جوهر روحاني غير موصوف بصفات الأجسام وهو الذي نسميه بالنفس الناطقة، التي يدرك بها الإنسان الموجود المطلق الواجب الوجود المنزه عن الجسمية، والمدرك لشيء غير جسماني لا يجوز أن يكون جسمًا، لأن الجسم لا يدرك إلا جسمًا".

(المعاد عند الفلاسفة المسلمين، من الكندي إلى ابن رشد، مقاربة تحليلية نقدية، إياد كريم الصالحي، الطبعة الأولى ٢٠١٢م، ص١٦١)
باختصار:

ابن سينا: "إن واجب الوجود معقول الذات غير محسوس الذات البتة، لأنه ليس بجسم ولا في مكان ولا حامل للعوارض التي تحملها الأجسام" (١)

هذا وقد قال في المقدمة: "فإني أريد أن أدل في هذه المقالة على حقيقة ما عند المشائين المحصلين" (٢) يعني بهم الأرسطيين.

مُحرجٌ أن يصرح ابن سينا بنسبة ذي المقالة لأرسطو، في حين تجد الأشعرية ينسبونها لكتاب الله وفق قانون التأويل، وكثير من متحذلقيهم اليوم يقولون: ذي عقيدتنا سواء قال بها أرسطو أو لم يقل.

(١) المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، منشورات مؤسسة مطالعات إسلامي داشكاه مك كيل شعبة تهران، ص٦.
(٢) المبدأ والمعاد، أبو علي الحسين عبد الله بن سينا، تحقيق عبد الله نوراني، ص١.
من الحماقة أن يدافع سلفي وأشعري عن أحد الأئمة في خندق واحد، أو ينشر سلفيٌّ دفاع أشعريٍّ عن إمام من الأئمة.

ما يعتقده السلفي دفاعا عن الإمام يعتقده الأشعري بدعة مكفرة، وما يعتقده الأشعري دفاعا عن الإمام يعتقده السلفي بدعة مكفرة، وهكذا يكذب كل منهما على الآخر وهو يغمز صاحبه.

سيقول السلفي: كان الإمام يقول بقول أئمة السلف في أصول الدين؛ يثبت الحرف والصوت لا الكلام النفسي ولا يعتقد خلق القرآن، وكان يثبت الاستواء ولا يؤوله بالاستيلاء، بل يفسره بالاستقرار والعلو، وكان يقول بعلو الذات، ويأخذ بخبر الآحاد، ويثبت الجهة، والحد، والصفات العينية، ونحو ذلك. فلا ينبغي لأحد أن يطعن فيه لأجل هذا وإلا كان مبتدعا.

أما دفاع الأشعري: فعلى النقيض، معاذ الله أن يكون مجسمًا، مثبتا للجهة والأبعاض وعلو الذات والاستقرار ونحوه.

ألا ترى أنها مسرحية ساخرة؟ نعم، ساخرة، وإني أشعر بالخجل تجاه أصحاب السكوت عن الخلاف السلفي الأشعري، سكوت ينكشف سخفه سريعا عند الحديث عن صفات وعقائد المخلوق، فكيف به عند الحديث عن صفات الخالق؟.