Forwarded from يوسف سمرين
هناك العديد من الكلمات المنتشرة والسائدة التي ليست نابعة من اللسان العربي بقدر ما هي من رواسب الفلسفة والكلام، وقد يرددها حتى من لم يعرفوا الفلسفة أو من لهم موقف رافض لها، مثال ذلك: فعلًا، بدل حقًا، فتجد من يقول: هل ذهبت فعلًا؟ هل توجد هناك بناية فعلًا؟
وهذا تابع لاصطلاحات الأرسطية، المفرقة بين الوجود بالقوة، والوجود الفعلي.
أو استعمال: طبعًا، بمعنى أكيد، وهو تابع للحتمية الطبيعية، هل ذهبت إلى العمل اليوم؟ طبعًا، أي حتمًا لكن تم ذكر الطبع على أنه حتمي، وهكذا.
وهذا تابع لاصطلاحات الأرسطية، المفرقة بين الوجود بالقوة، والوجود الفعلي.
أو استعمال: طبعًا، بمعنى أكيد، وهو تابع للحتمية الطبيعية، هل ذهبت إلى العمل اليوم؟ طبعًا، أي حتمًا لكن تم ذكر الطبع على أنه حتمي، وهكذا.
"فكل ما سبق يوضح بجلاء خصوصية المفكرين الإسلاميين الفطاحل: فهم أطباء وليسوا رجال دين، ذوو نزعة طبيعية وليسوا بفقهاء".
(ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي، إرنست بلوخ، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، نقله من الألمانية إلى العربية محمد التركي ٢٠١٢م، ص٦٠)
ابن رشد الحفيد: العما بعيونك ي إرنست.
(ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي، إرنست بلوخ، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، نقله من الألمانية إلى العربية محمد التركي ٢٠١٢م، ص٦٠)
ابن رشد الحفيد: العما بعيونك ي إرنست.
باسم بشينية
Photo
حول إرنست بلوخ واليسار الأرسطي (١)
كتاب ”ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي“ لإرنست بلوخ، واحد من أتفه الكتب التي بحثت شيئا من قضايا التراث الفلسفي العربي، ولو قام على تأليفه كاتب عربي، لرأينا تشنيعا لا حد له.
فكرة الكتاب كانت غاية في السخف، بداية من عنوانه، يتصور إرنست أنه مثلما كان هيجل مثاليًا، فقد انقسم تلاميذه بعد وفاته قسمين؛ قسم يساري يمثله مثل لودفيج فيورباخ، وفيما بعد يتطور مع ماركس وأنجلز كتطويرهم للديالكتيك، وقسم يميني بقي محافظا على الميول المثالية والمطلق؛ فكذلك أرسطو، فقد كان فيلسوفا مثاليًا، وبما أنه قد مات وترك إرثًا فلسفيا فقد انقسم مريدوه قسمين: قسم يساري مادي مثله ابن سينا وابن رشد والفلاسفة العرب، وقسم يميني مثالي مثلته الكنيسة.
وذي فكرة غاية في الركاكة، قائمة على التأمل والبحث عن أسلاف لذوي النزعات التنويرية من المعاصرين، لا أنه بحث قائم عن تحليل دقيق.
أستغربُ ابتداء من اعتبار ”بلوخ أن المفكرين العرب الإسلاميين قد أنقذوا النور اليوناني وساهموا كذلك في تطويره" (١) فالأرسطية التي صارت مسخرة من وجهة نظر العلم الطبيعي، أو حتى في جوانبها الميتافيزيقية المثالية، أو المنطقية، ما المرجو من إحياء فروعها العربية؟
والكاتب ركيك، يتعامل بلغة براغماتية، لا بلغة علمية، خذ مثلا قوله عن ابن سينا وابن رشد ”فهم أطباء وليسوا رجال دين، ذوو نزعة طبيعية وليسوا بفقهاء” (٢) ثم تراه بعد عشر صفحات يستدل بكتب ابن رشد، لكن لا يفطن لرسوخ قدمه في الفقه المالكي، وهو مؤلف كتاب ”بداية المجتهد ونهاية المقتصد“، فكل هذا التدليس غايته السطحية؛ جعل الاشتغال بالفقه والعلوم الشرعية مناقضا لتعلم الطب والفلسفة، هذا وابن رشد كاد يقول بنبوة أرسطو! فكيف بما لا يحصى كثرة من الأطباء كابن النفيس الذي كان شديد الوطأة على الأرسطية؟ كيف بالفيلسوف هبة الله ابن ملكا الذي نقد المنطق وميتافيزيقا أرسطو، والقول بقدم الأفلاك؟.
ثم يريد إرنست بلوخ أن يجعل إنكار ابن سينا لمعاد الأجسام مبنيًا على رؤيا علمية طبيعانية، فيقول ”لدى المدرسيين العرب... يرجَّح العلم على الفقه حتى في شرحهم لسور القرآن مثلما ينص على ذلك كتاب المعاد حيث ينفي ابن سينا في شرحه للسورة ٣٦ حشر الأجسام يوم القيامة" (٣) لكن لا يقدم الاستدلال العلمي السينوي، لأن ابن سينا يبني نفي معاد الأجسام على مقدمة مثالية؛ وهي أن عالم الغيب معقول، ولا يصح اختلاط الجسم المحسوس بالمثالي المعقول، وذي هي عين الأرسطية، بداية من العقول المفارقة والعقل الفعال وأن المحرك الذي لا يتحرك إنما هو عقل يعقل ذاته فقط، وصولا للقول بأن العقل جوهر، لا عرض. فلا علاقة للبواعث العلمية الطبيعانية بالمسألة أصلا. بل ابن سينا كان يتسق مع الأرسطية التي بدأت قائلة أن ”العالم المرئي: لا يمكن أن يكون تدبيره إلا بعالم لا يرى"(٤) فالنفس أو الروح التي تنتمي أصالة لعالم المثل الذي لا يرى، لا يتسق على مذهب المثاليين أن ينحشر الجسم المرئي معها عند المعاد.
"فابن سينا لكونه أكثر اتساقا مع المثالية، فقد جعل البعث ذا طبيعة مثالية خالصة عبر عنه بالبعث الروحاني" (٤)
كتاب ”ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي“ لإرنست بلوخ، واحد من أتفه الكتب التي بحثت شيئا من قضايا التراث الفلسفي العربي، ولو قام على تأليفه كاتب عربي، لرأينا تشنيعا لا حد له.
فكرة الكتاب كانت غاية في السخف، بداية من عنوانه، يتصور إرنست أنه مثلما كان هيجل مثاليًا، فقد انقسم تلاميذه بعد وفاته قسمين؛ قسم يساري يمثله مثل لودفيج فيورباخ، وفيما بعد يتطور مع ماركس وأنجلز كتطويرهم للديالكتيك، وقسم يميني بقي محافظا على الميول المثالية والمطلق؛ فكذلك أرسطو، فقد كان فيلسوفا مثاليًا، وبما أنه قد مات وترك إرثًا فلسفيا فقد انقسم مريدوه قسمين: قسم يساري مادي مثله ابن سينا وابن رشد والفلاسفة العرب، وقسم يميني مثالي مثلته الكنيسة.
وذي فكرة غاية في الركاكة، قائمة على التأمل والبحث عن أسلاف لذوي النزعات التنويرية من المعاصرين، لا أنه بحث قائم عن تحليل دقيق.
أستغربُ ابتداء من اعتبار ”بلوخ أن المفكرين العرب الإسلاميين قد أنقذوا النور اليوناني وساهموا كذلك في تطويره" (١) فالأرسطية التي صارت مسخرة من وجهة نظر العلم الطبيعي، أو حتى في جوانبها الميتافيزيقية المثالية، أو المنطقية، ما المرجو من إحياء فروعها العربية؟
والكاتب ركيك، يتعامل بلغة براغماتية، لا بلغة علمية، خذ مثلا قوله عن ابن سينا وابن رشد ”فهم أطباء وليسوا رجال دين، ذوو نزعة طبيعية وليسوا بفقهاء” (٢) ثم تراه بعد عشر صفحات يستدل بكتب ابن رشد، لكن لا يفطن لرسوخ قدمه في الفقه المالكي، وهو مؤلف كتاب ”بداية المجتهد ونهاية المقتصد“، فكل هذا التدليس غايته السطحية؛ جعل الاشتغال بالفقه والعلوم الشرعية مناقضا لتعلم الطب والفلسفة، هذا وابن رشد كاد يقول بنبوة أرسطو! فكيف بما لا يحصى كثرة من الأطباء كابن النفيس الذي كان شديد الوطأة على الأرسطية؟ كيف بالفيلسوف هبة الله ابن ملكا الذي نقد المنطق وميتافيزيقا أرسطو، والقول بقدم الأفلاك؟.
ثم يريد إرنست بلوخ أن يجعل إنكار ابن سينا لمعاد الأجسام مبنيًا على رؤيا علمية طبيعانية، فيقول ”لدى المدرسيين العرب... يرجَّح العلم على الفقه حتى في شرحهم لسور القرآن مثلما ينص على ذلك كتاب المعاد حيث ينفي ابن سينا في شرحه للسورة ٣٦ حشر الأجسام يوم القيامة" (٣) لكن لا يقدم الاستدلال العلمي السينوي، لأن ابن سينا يبني نفي معاد الأجسام على مقدمة مثالية؛ وهي أن عالم الغيب معقول، ولا يصح اختلاط الجسم المحسوس بالمثالي المعقول، وذي هي عين الأرسطية، بداية من العقول المفارقة والعقل الفعال وأن المحرك الذي لا يتحرك إنما هو عقل يعقل ذاته فقط، وصولا للقول بأن العقل جوهر، لا عرض. فلا علاقة للبواعث العلمية الطبيعانية بالمسألة أصلا. بل ابن سينا كان يتسق مع الأرسطية التي بدأت قائلة أن ”العالم المرئي: لا يمكن أن يكون تدبيره إلا بعالم لا يرى"(٤) فالنفس أو الروح التي تنتمي أصالة لعالم المثل الذي لا يرى، لا يتسق على مذهب المثاليين أن ينحشر الجسم المرئي معها عند المعاد.
"فابن سينا لكونه أكثر اتساقا مع المثالية، فقد جعل البعث ذا طبيعة مثالية خالصة عبر عنه بالبعث الروحاني" (٤)
باسم بشينية
Photo
حول إرنست بلوخ واليسار الأرسطي (٢)
ثم يرى إرنست، أن "الصوفية لم تكن معادية للسنة فحسب بل كانت أيضا معادية للحكمة"(٥) فهو يجعل الغزالي الممثل الحصري للصوفية، ويغفل عن التصوف الفلسفي الذي بني أصالة على ما في كتب الغزالي كالمشكاة والجواهر والإحياء؛ لتعاد صياغته في قالب أدبي لدى ابن عربي وابن سبعين، فتتجلى الأرسطية في صورتها الحلولية في مسألة الهيولى والصورة، فيذهب ابن سبعين إلى أن الرب مادة والخلق صورة، ويذهب ابن عربي إلى أن الخلق مادة والرب صورة، فيقول الأول بحلول الخلق في الرب، ويقول الثاني بحلول الرب في الخلق، وذي بحوث متقدمة، ليست بالغامضة على ابن تيمية الذي فصّلها في بغية المرتاد، لكن إرنست يتعامل مع المباحث بنفسية أستاذية متعالية، خالية عن النقد الذاتي والتدقيق في المباحث، وكأنه صحفي.
ومن ذلك تحويره لكلام ابن الطفيل، أن ابن الطفيل في رواية حي بن يقضان نقل عن الفلسفة المشرقية لابن سينا نقلا "جاء فيه بتصريح العبارة أن الحق لم يتضمنه النص الديني القرآني فحسب! بل نجده أيضا في الفلسفة الأرسطية"(٦)
فهذا من الكذب، فإني قرأت رسالة ابن الطفيل، ولم أجد فيها مجازفة صريحة كهذه، فأقصى ما تجد فيها أن ابن الطفيل يعتبر الفيلسوف الذي أدرك بعقله، خير من النبي الذي أدرك بالوحي.
يقول إرنست بلوخ أن "ابن سينا يمثل... بداية بروز النزعة المادية"(٧) فذي مزحة ثقيلة من صحفي أجنبي عن البحث الفلسفي، وصدق ما قاله مترجم الكتاب من أن بلوخ "لم يكن مستشرقا حاذقا للغة العربية ولا متخصصا في العلوم والحضارات الشرقية" (٨) فإن ابن سينا في نظر المادية الماركسية كان قد "انحرف عن بعض المشاكل الأرسطية نحو الأفلاطونية الجديدة، وهو فيلسوف مثالي، وفي فلسفته تنحط المثالية إلى درك التصوف الإشراقي"(٩)، فليس ماديًا، ولم يعبر عن نوازع مادية، بل كان فيلسوفا مثاليًا.
المراجع:
(١) ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي، إرنست بلوخ، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، نقله من الألمانية إلى العربية محمد التركي ٢٠١٢م، ص٥-٦.
(٢) المرجع السابق، ص٦٠.
(٣) المرجع السابق، ص٦٠.
(٤) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، يوسف سمرين، ص٥٨.
(٥) مقولة الكندي، من كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب، دراسة وتحقيق عبد الأمير الأعسم، الهيئة المصرية للكتب، القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٨٩م، فصل: رسالة الحدود للكندي، ص١٩٨.
(٦) إرنست بلوخ، مرجع سبق ذكره، ص٦٧.
(٧) المرجع السابق، ص٧٢.
(٨) المرجع السابق، ص٧٤.
(٩) المرجع السابق، ص٤٠.
(١٠) الموسوعة الفلسفية، بإشراف روزنتال ويودين، دار الطليعة، ص٨، بواسطة يوسف سمرين: القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، ص٥٩.
ثم يرى إرنست، أن "الصوفية لم تكن معادية للسنة فحسب بل كانت أيضا معادية للحكمة"(٥) فهو يجعل الغزالي الممثل الحصري للصوفية، ويغفل عن التصوف الفلسفي الذي بني أصالة على ما في كتب الغزالي كالمشكاة والجواهر والإحياء؛ لتعاد صياغته في قالب أدبي لدى ابن عربي وابن سبعين، فتتجلى الأرسطية في صورتها الحلولية في مسألة الهيولى والصورة، فيذهب ابن سبعين إلى أن الرب مادة والخلق صورة، ويذهب ابن عربي إلى أن الخلق مادة والرب صورة، فيقول الأول بحلول الخلق في الرب، ويقول الثاني بحلول الرب في الخلق، وذي بحوث متقدمة، ليست بالغامضة على ابن تيمية الذي فصّلها في بغية المرتاد، لكن إرنست يتعامل مع المباحث بنفسية أستاذية متعالية، خالية عن النقد الذاتي والتدقيق في المباحث، وكأنه صحفي.
ومن ذلك تحويره لكلام ابن الطفيل، أن ابن الطفيل في رواية حي بن يقضان نقل عن الفلسفة المشرقية لابن سينا نقلا "جاء فيه بتصريح العبارة أن الحق لم يتضمنه النص الديني القرآني فحسب! بل نجده أيضا في الفلسفة الأرسطية"(٦)
فهذا من الكذب، فإني قرأت رسالة ابن الطفيل، ولم أجد فيها مجازفة صريحة كهذه، فأقصى ما تجد فيها أن ابن الطفيل يعتبر الفيلسوف الذي أدرك بعقله، خير من النبي الذي أدرك بالوحي.
يقول إرنست بلوخ أن "ابن سينا يمثل... بداية بروز النزعة المادية"(٧) فذي مزحة ثقيلة من صحفي أجنبي عن البحث الفلسفي، وصدق ما قاله مترجم الكتاب من أن بلوخ "لم يكن مستشرقا حاذقا للغة العربية ولا متخصصا في العلوم والحضارات الشرقية" (٨) فإن ابن سينا في نظر المادية الماركسية كان قد "انحرف عن بعض المشاكل الأرسطية نحو الأفلاطونية الجديدة، وهو فيلسوف مثالي، وفي فلسفته تنحط المثالية إلى درك التصوف الإشراقي"(٩)، فليس ماديًا، ولم يعبر عن نوازع مادية، بل كان فيلسوفا مثاليًا.
المراجع:
(١) ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي، إرنست بلوخ، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، نقله من الألمانية إلى العربية محمد التركي ٢٠١٢م، ص٥-٦.
(٢) المرجع السابق، ص٦٠.
(٣) المرجع السابق، ص٦٠.
(٤) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، يوسف سمرين، ص٥٨.
(٥) مقولة الكندي، من كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب، دراسة وتحقيق عبد الأمير الأعسم، الهيئة المصرية للكتب، القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٨٩م، فصل: رسالة الحدود للكندي، ص١٩٨.
(٦) إرنست بلوخ، مرجع سبق ذكره، ص٦٧.
(٧) المرجع السابق، ص٧٢.
(٨) المرجع السابق، ص٧٤.
(٩) المرجع السابق، ص٤٠.
(١٠) الموسوعة الفلسفية، بإشراف روزنتال ويودين، دار الطليعة، ص٨، بواسطة يوسف سمرين: القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، ص٥٩.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
المشهد الذي يتكرر دائمًا:
–السائل: ما كان يقول الملحد قبل أن يسلم على يديك؟
– الأشعري: كان يقول: لا إله داخل العالم ولا خارجه.
–السائل: وماذا صار يقول بعد أن أسلم على يديك؟
– الأشعري: الله لا داخل العالم ولا خارجه. 😃
–السائل: ما كان يقول الملحد قبل أن يسلم على يديك؟
– الأشعري: كان يقول: لا إله داخل العالم ولا خارجه.
–السائل: وماذا صار يقول بعد أن أسلم على يديك؟
– الأشعري: الله لا داخل العالم ولا خارجه. 😃
لا يوجد من يقول أن الملحد والأشعري سواء، بل لا عاقل يقول بذلك.
لكن المقولات الكلاسيكية في ذي النواحي لم تعد مقنعة بالمرة، كي تتكلم يجب أن تكون مطّردًا، ذا بحث شامل، يستوعب القضايا بما يسمى بـ "النظرية"، التي لا تغفل جليلًا كما لا تغفل تفصيلًا.
الأشعرية ليست عقيدة أصيلة، بل هي عقيدة خنثى، والكثير من مقالاتها خصوصا المتأخرة بنيت على فلسفة من كان يعبد نصف إله مع بعض كواكب، مع التصريح بنفس المقالات أحيانًا، والقول بإمامة أصحابها كأرسطو وأفلاطن أحيانًا أخرى، فذي النقطة إن قيل أن الأشعري الذي صار داخل دائرة الإسلام يُكست عن أشعريته لأنه لم يبق ملحدًا، أو لنتكلم في الإلحاد ولا نتكلم في الأشعرية، فهذا بؤس منهجي يقتل البحث العلمي النقدي، فكيف إذا تبيّن أن صناديد الإلحاد ومؤسسيه كان السبب الأصيل في إلحادهم؛ تلك المقالات اللاهوتية التي تتقاطع فيما لا يحصى كثرة مع المقالات الأشعرية ونحوها!
فهنا أنت أمام عقائد؛ لو ارتقى العقل العربي لمرحلة التنقية من الشوائب المثالية لصارت سببًا مباشرًا في الإلحاد. والتجربة البشرية موجودة أمامنَا!
تخيل كما قيل: أن تكون نافيًا للطبائع، عابدًا للمجرّد، معتقدًا بالمحرك الذي لا يتحرك والميتافيزيقا الأرسطية، قائلا بإمامة أرسطو وأفلاطن، لا بحث أخلاقي لك؛ حيث تنفي التحسين والتقبيح العقليين، لا طبائع للأشياء الطبيعية فضلا عن الإرادة الإنسانية فعلم الطبيعة من جهة؛ علم كفر، كما أن الله يجبر الإنسان ولا يخلق فعله بواسطة إرادة مؤثرة، أين ستثبت ذي العقائد أمام العلوم السياسية حيث تقول بالجبر ونفي الشيء في ذاته، أمام علم الطبيعة حيث نفي الطبائع، نفي السببية، بل أمام العلوم القانونية؛ فلا أثر يحدثه مؤثر، بل وقع القتل باقتران أداة القتل بالمقتول.
على أي شيء سترافع أمام العالم اليوم؟ وأي إلحاد ستقنعه باعتقاد ميتافيزيقا أرسطو، وباقي لوازم القرون الوسطى؟.
ثم يقال ”أن يكون أشعريًا، خير له من أن يلحد“، جميل وشاعري، لكن البحث لا عاطفة فيه! الصواب: لو عممت الأشعرية بدل اللاهوت المسيحي في أوروبا لرأيت نفس المشهد.
من وجهة نظر فلسفية، هي خطوات بطيئة نحو الإلحاد. وقد كان هيوم يقول عن المفوض؛ ”ملحد لا يدري أنه ملحد“، كما كان يقول نيتشه وغيره ”مات الإله“، يعنون به المحرك الثابت الإله الأرسطوطاليسي.
لكن المقولات الكلاسيكية في ذي النواحي لم تعد مقنعة بالمرة، كي تتكلم يجب أن تكون مطّردًا، ذا بحث شامل، يستوعب القضايا بما يسمى بـ "النظرية"، التي لا تغفل جليلًا كما لا تغفل تفصيلًا.
الأشعرية ليست عقيدة أصيلة، بل هي عقيدة خنثى، والكثير من مقالاتها خصوصا المتأخرة بنيت على فلسفة من كان يعبد نصف إله مع بعض كواكب، مع التصريح بنفس المقالات أحيانًا، والقول بإمامة أصحابها كأرسطو وأفلاطن أحيانًا أخرى، فذي النقطة إن قيل أن الأشعري الذي صار داخل دائرة الإسلام يُكست عن أشعريته لأنه لم يبق ملحدًا، أو لنتكلم في الإلحاد ولا نتكلم في الأشعرية، فهذا بؤس منهجي يقتل البحث العلمي النقدي، فكيف إذا تبيّن أن صناديد الإلحاد ومؤسسيه كان السبب الأصيل في إلحادهم؛ تلك المقالات اللاهوتية التي تتقاطع فيما لا يحصى كثرة مع المقالات الأشعرية ونحوها!
فهنا أنت أمام عقائد؛ لو ارتقى العقل العربي لمرحلة التنقية من الشوائب المثالية لصارت سببًا مباشرًا في الإلحاد. والتجربة البشرية موجودة أمامنَا!
تخيل كما قيل: أن تكون نافيًا للطبائع، عابدًا للمجرّد، معتقدًا بالمحرك الذي لا يتحرك والميتافيزيقا الأرسطية، قائلا بإمامة أرسطو وأفلاطن، لا بحث أخلاقي لك؛ حيث تنفي التحسين والتقبيح العقليين، لا طبائع للأشياء الطبيعية فضلا عن الإرادة الإنسانية فعلم الطبيعة من جهة؛ علم كفر، كما أن الله يجبر الإنسان ولا يخلق فعله بواسطة إرادة مؤثرة، أين ستثبت ذي العقائد أمام العلوم السياسية حيث تقول بالجبر ونفي الشيء في ذاته، أمام علم الطبيعة حيث نفي الطبائع، نفي السببية، بل أمام العلوم القانونية؛ فلا أثر يحدثه مؤثر، بل وقع القتل باقتران أداة القتل بالمقتول.
على أي شيء سترافع أمام العالم اليوم؟ وأي إلحاد ستقنعه باعتقاد ميتافيزيقا أرسطو، وباقي لوازم القرون الوسطى؟.
ثم يقال ”أن يكون أشعريًا، خير له من أن يلحد“، جميل وشاعري، لكن البحث لا عاطفة فيه! الصواب: لو عممت الأشعرية بدل اللاهوت المسيحي في أوروبا لرأيت نفس المشهد.
من وجهة نظر فلسفية، هي خطوات بطيئة نحو الإلحاد. وقد كان هيوم يقول عن المفوض؛ ”ملحد لا يدري أنه ملحد“، كما كان يقول نيتشه وغيره ”مات الإله“، يعنون به المحرك الثابت الإله الأرسطوطاليسي.
بالنسبة لعشّاق المراجع، إذا كتبت نقلا وألحوا عن مصدر الكلام ومرجعه (وأحيانا بإضافة علامتي استفهام، أو علامة استفهام وعلامة تعجّب) فاعلم أن ذكرك للمرجع محض حبة مسكّن لا أكثر، لن يعودوا لمعاينة الأصل، ولن يطلعوا على الكتاب جملة.
ولا جماعة ”أريد منهجية“، مع أن المنهجيات في ملتقى أهل الحديث وغيره لا تحصى في مختلف العلوم، لكن هؤلاء يؤكدون لأنفسهم حرصهم على منهجية عدد كبير من الناس ليقارنوا بينها، البعض أقول له ”ابدأ بهذا الكتاب“، فيقلي لأ، أريد قائمة من ثلاثين كتاب.
كي يشعر بالهيبة، لكنه لا يقرأ منها كتابا واحدًا.
كي يشعر بالهيبة، لكنه لا يقرأ منها كتابا واحدًا.
أما الصنف القاتل، فهو الذي يطلب مؤلفات شخص ما، فترسل له عشرين كتابا من مؤلفاته، ثم تخبره أن العنوان الوحيد الباقي ليس متوفرًا على النت، فيقيم الدنيا ولا يقعدها! وينظر لكل المتوفر نظرة استحقار أمام غير المتوفر، ولا يقرأ منها كتابا حتى يأتي غير المتوفر، فإن توفر الكتاب بعد جهد طويل، رماه صاحبنا إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، وألحقه العشرين الآخرين، وصنف ”الرابط من فضلك“ قريب من هذا، غايته حفظ الكتاب في الجهاز ليطمئن، وفقط.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
"قلما ترانا نخلف عقبة من البلاء إلا صرنا في أخرى"
(الأدب الصغير، ابن المقفع، تحقيق: احمد زكي باشا، الطبعة الأولى، ص٧٣)
هذا الاقتباس مرة على مرة أعود لقراءته والتمعن فيه، وكأني أجدد الحِس بألفتي بذلك العهد الطويل بيني وبين تلك العقبات التي إن لم تحل شككت في أمري!
(الأدب الصغير، ابن المقفع، تحقيق: احمد زكي باشا، الطبعة الأولى، ص٧٣)
هذا الاقتباس مرة على مرة أعود لقراءته والتمعن فيه، وكأني أجدد الحِس بألفتي بذلك العهد الطويل بيني وبين تلك العقبات التي إن لم تحل شككت في أمري!
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
ناقش الفكرة، لا تمارس الشخصنة (١)
تحت مسمى خلق العبد لفعله كانت المعتزلة ترى أن الفعل منفصل أسبابه الخارجية، فهي ”بنفيها خلق الله لأفعال العباد جعلت أفعال العباد ناشئة من الإنسان نفسه“ (١) وقد كان ابن تيمية متنبهًا لافتقار ذي المقالة لركائز فلسفية رصينة، فـ ”الفاعل المختار كالإنسان فإن حركته الحاصلة باختياره لا تحصل إلا بقوة من أعضائه... وليس هو الفاعل لأعضائه ولا لقواها، فهو محتاج في فعله إلى أسباب خارجة عن قدرته“ (٢)
إن ابن تيمية حين يوجه هذا النقد لمقالة خلق العبد لفعله، يشرح أن فعل الإنسان لا يصح عقلا أن يُنظَر له بواسطة التقطيع المثالي حيث لا تفاعل بين الأسباب الخارجية لإنتاج الفعل. بل يقال في الفعل: لم يحصل إلا بأسباب خارجية، خارجة عن قدرة العبد أصلا. ولا يقدح تقرير أن الفعل هو نتاج تفاعل العبد مع الخارج في نسبة الفعل للعبد ولا في توجيه المدح أو الذم له لأجل فعله أيا كان. فإن المعتزلة وقعت في ”مشكلة الثنائية بين الفعل اللامادي، والجسد المادي“ (٣)
عندما تقدم نقدًا لشخص، غالبا ما تصعد مقولة ”ناقش الفكرة ولا تتطرق لشخص القائل“ إلى مستوى المسلَّمات، بل صارت في النقاشات عبارة عن مبدأ أخلاقي لا ينبغي تجاوزه وإلا وصف النقد بالتحامل. فإلى أي مدى يمكن تصويب ذي العقلية فلسفيا؟
هذه المقولة تريد الإلزام بنقاش فكر مجرد عن مفكر، نقاش الفكرة بمعزل عن المادة المفكرة، قائلة أن الأفكار لا يتدخل الدماغ المادي في تشكيلها.
لقد كان ابن تيمية يدرك أن ”الدماغ هو مبدأ الفكر والنظر“ (٤) فإن الدماغ هو منتِجُ الأفكار، ونوعية الأفكار التي ينتجها الدماغ متعلقة بوقائع خارجة عنه فإن ”الحقائق الخارجية مستغنية عنَّا، لا تكون تابعة لتصوُّراتنا، بل تصوُّراتنا تابعة لها“ (٥)
فلا يقال بانعزال الأفكار عن الحقائق الخارجية أو المؤثرات الواقعية كنوعية الطعام، الأصحاب، البيئة الخارجية كالمجتمع والأسرة، ما يتعاطى المفكر... إلخ. بل كل ذلك عبارة عن أسباب ساهمت في تشكيل الأفكار لأنها هي ما يتعامل معه الدماغ المفكر ويتعاطاه تصورًا وفكرا ونظرًا.
فعلى أي أساس فلسفي ترتكز مقالة ”ناقش الفكرة فقط ولا تتعرض للشخص“؟ إنها تظهر كما كبيرا من الصبيانية الفلسفية في كل نقاش. إن دراسة الأفكار لا بد أن تتطرق حسب الحاجة إلى دراسة المؤثرات التي يكون دماغ المفكر تابعا لها، فعلى سبيل المثال؛ شخص حياته الشخصية لا تخلو من تتبع الشهوات، لا ينبغي التطرق لنقد فكرته اللبرالية بمعزل عن السبب الخارجي الذي ساهم في تبنيه لها. وإنكار هذا محض مكابرة، فالأفكار في الغالب متوجهة نحو تغيير شخصيات الناس، فأولى بالمفكر ومتبني الفكرة أن تكون حياته الشخصية مساهمة في تشكيل تلك الفكرة. فكون واضع الحد –ليصوِّر القضية– لم يضعه إلا بعد تصوره للقضية الخارجية من غير حد ذهني أول مرة، فإن واضع الفكرة لأجل تغيير الوقائع الشخصية لم يضع فكرته إلا انطلاقا مما ساهم في تشكيلها في الخارج من غير فكرة ذهنية أول مرة. وهذا الخارج المشكل للفكرة ابتداء هو ما يسمى بالمسائل الشخصية، أو الشخصنة. فلا يوجد تبرير فلسفي يقف في صف المتبجحين بتحامل من يقحم المسائل الشخصية والوقائع المؤثرة في تكوين الأفكار خلال نقده لتلك الأفكار.
لا أعرف أي مدرسة نقدية، كانت تنادي بعدم التعرض لشخص المفكر، فإن كان تعريف الجرح الذي يدرسه طلاب علم الجرح والتعديل أنه ”وصفُ الراوي بما يقتضي ردَّ روايته، أو تليينه، أو تضعيفه“ (٦)
فإن وصف الراوي بالكذب أو الفسق أو إتيان خوارم المروءة هو مما يقتضي رد العلم الذي يدعيه بفكره. فلا تجد في التراث من نادى قائلا ”يجب وضع التجريح لشخص المحدِّث جانبًا والعكوف على مجرد نقاش فكرته كالمتن الذي يرويه”. فلا يقول هذا عاقل. فمثل ابن نواس قد كان ”عالما فقيها عارفا بالأحكام والفتيا، بصيرا بالاختلاف، صاحب حفظٍ ونظرٍ ومعرفةٍ بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه."(٧) لكن لم يطلب الشافعي على يديه العلم بسبب فسقه. فلا يوجد فصل بين الفكرة وشخصية المفكر.
أيضًا فإن المعتزلة قد كان فيهم أبو عقار، وقد كان يقول ”إن مباشرة الرجل للرجل فيما دون الفرج من الفخذين وغيرهما حلال“ (٨) فمثل هذا يُستثمر في مقاله ربط حالته الشخصية بما لا يسعه أن يخالفه من مذهبه. فإن قرر تحريم الإتيان فإن هذا كبيرة، فإن أتاه حكم على نفسه بالمنزلة بين المنزلتين، فكي يبرر إتيانَه الرجال يصطنع فكرة تحليل الإتيان بين الفخذين.
تحت مسمى خلق العبد لفعله كانت المعتزلة ترى أن الفعل منفصل أسبابه الخارجية، فهي ”بنفيها خلق الله لأفعال العباد جعلت أفعال العباد ناشئة من الإنسان نفسه“ (١) وقد كان ابن تيمية متنبهًا لافتقار ذي المقالة لركائز فلسفية رصينة، فـ ”الفاعل المختار كالإنسان فإن حركته الحاصلة باختياره لا تحصل إلا بقوة من أعضائه... وليس هو الفاعل لأعضائه ولا لقواها، فهو محتاج في فعله إلى أسباب خارجة عن قدرته“ (٢)
إن ابن تيمية حين يوجه هذا النقد لمقالة خلق العبد لفعله، يشرح أن فعل الإنسان لا يصح عقلا أن يُنظَر له بواسطة التقطيع المثالي حيث لا تفاعل بين الأسباب الخارجية لإنتاج الفعل. بل يقال في الفعل: لم يحصل إلا بأسباب خارجية، خارجة عن قدرة العبد أصلا. ولا يقدح تقرير أن الفعل هو نتاج تفاعل العبد مع الخارج في نسبة الفعل للعبد ولا في توجيه المدح أو الذم له لأجل فعله أيا كان. فإن المعتزلة وقعت في ”مشكلة الثنائية بين الفعل اللامادي، والجسد المادي“ (٣)
عندما تقدم نقدًا لشخص، غالبا ما تصعد مقولة ”ناقش الفكرة ولا تتطرق لشخص القائل“ إلى مستوى المسلَّمات، بل صارت في النقاشات عبارة عن مبدأ أخلاقي لا ينبغي تجاوزه وإلا وصف النقد بالتحامل. فإلى أي مدى يمكن تصويب ذي العقلية فلسفيا؟
هذه المقولة تريد الإلزام بنقاش فكر مجرد عن مفكر، نقاش الفكرة بمعزل عن المادة المفكرة، قائلة أن الأفكار لا يتدخل الدماغ المادي في تشكيلها.
لقد كان ابن تيمية يدرك أن ”الدماغ هو مبدأ الفكر والنظر“ (٤) فإن الدماغ هو منتِجُ الأفكار، ونوعية الأفكار التي ينتجها الدماغ متعلقة بوقائع خارجة عنه فإن ”الحقائق الخارجية مستغنية عنَّا، لا تكون تابعة لتصوُّراتنا، بل تصوُّراتنا تابعة لها“ (٥)
فلا يقال بانعزال الأفكار عن الحقائق الخارجية أو المؤثرات الواقعية كنوعية الطعام، الأصحاب، البيئة الخارجية كالمجتمع والأسرة، ما يتعاطى المفكر... إلخ. بل كل ذلك عبارة عن أسباب ساهمت في تشكيل الأفكار لأنها هي ما يتعامل معه الدماغ المفكر ويتعاطاه تصورًا وفكرا ونظرًا.
فعلى أي أساس فلسفي ترتكز مقالة ”ناقش الفكرة فقط ولا تتعرض للشخص“؟ إنها تظهر كما كبيرا من الصبيانية الفلسفية في كل نقاش. إن دراسة الأفكار لا بد أن تتطرق حسب الحاجة إلى دراسة المؤثرات التي يكون دماغ المفكر تابعا لها، فعلى سبيل المثال؛ شخص حياته الشخصية لا تخلو من تتبع الشهوات، لا ينبغي التطرق لنقد فكرته اللبرالية بمعزل عن السبب الخارجي الذي ساهم في تبنيه لها. وإنكار هذا محض مكابرة، فالأفكار في الغالب متوجهة نحو تغيير شخصيات الناس، فأولى بالمفكر ومتبني الفكرة أن تكون حياته الشخصية مساهمة في تشكيل تلك الفكرة. فكون واضع الحد –ليصوِّر القضية– لم يضعه إلا بعد تصوره للقضية الخارجية من غير حد ذهني أول مرة، فإن واضع الفكرة لأجل تغيير الوقائع الشخصية لم يضع فكرته إلا انطلاقا مما ساهم في تشكيلها في الخارج من غير فكرة ذهنية أول مرة. وهذا الخارج المشكل للفكرة ابتداء هو ما يسمى بالمسائل الشخصية، أو الشخصنة. فلا يوجد تبرير فلسفي يقف في صف المتبجحين بتحامل من يقحم المسائل الشخصية والوقائع المؤثرة في تكوين الأفكار خلال نقده لتلك الأفكار.
لا أعرف أي مدرسة نقدية، كانت تنادي بعدم التعرض لشخص المفكر، فإن كان تعريف الجرح الذي يدرسه طلاب علم الجرح والتعديل أنه ”وصفُ الراوي بما يقتضي ردَّ روايته، أو تليينه، أو تضعيفه“ (٦)
فإن وصف الراوي بالكذب أو الفسق أو إتيان خوارم المروءة هو مما يقتضي رد العلم الذي يدعيه بفكره. فلا تجد في التراث من نادى قائلا ”يجب وضع التجريح لشخص المحدِّث جانبًا والعكوف على مجرد نقاش فكرته كالمتن الذي يرويه”. فلا يقول هذا عاقل. فمثل ابن نواس قد كان ”عالما فقيها عارفا بالأحكام والفتيا، بصيرا بالاختلاف، صاحب حفظٍ ونظرٍ ومعرفةٍ بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه."(٧) لكن لم يطلب الشافعي على يديه العلم بسبب فسقه. فلا يوجد فصل بين الفكرة وشخصية المفكر.
أيضًا فإن المعتزلة قد كان فيهم أبو عقار، وقد كان يقول ”إن مباشرة الرجل للرجل فيما دون الفرج من الفخذين وغيرهما حلال“ (٨) فمثل هذا يُستثمر في مقاله ربط حالته الشخصية بما لا يسعه أن يخالفه من مذهبه. فإن قرر تحريم الإتيان فإن هذا كبيرة، فإن أتاه حكم على نفسه بالمنزلة بين المنزلتين، فكي يبرر إتيانَه الرجال يصطنع فكرة تحليل الإتيان بين الفخذين.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
ناقش الفكرة، لا تمارس الشخصنة (٢)
ثم إنك لو نظرت في انتقادات الفلاسفة، لا تجد استنكارًا لموضوع الشخصنة، ولو ذهبت لنيتشه الذي يتمسح به العقلاني المفكر، ستجد ما هو أبلغ. فحيث يقول غوستاف فولبير: ”لا يمكن أن نفكر أو نكتب إلا جالسين“ يرد عليه نيتشه قائلا: ”تمكنت منك أيها العدمي! أن تكون ذا مؤخرة ثقيلة فتلك بامتياز خطيئة في حق العقل، وحدها الأفكار التي تأتينا ونحن ماشون لها قيمة ما“ (٩)
حتى أن الماركسية كانت تؤكد على فكرة ما يسمى بالوعي البرجوازي، أي رفض الأفكار الماركسية لدى البرجوازيين لسبب خارجي وهو منع الثورات الإشتراكية لاستمرار ثروات عائلات المفكرين البرجوازيين، فهنا تدلك الماركسية على أن رفض الفكرة لا يكون دومًا منطلقه عقدي أو فلسفي. بل قد يتعلق بما هو شخصي بعيدًا عن المنطلق الفكري. فهي أيضا تبحث في الدوافع الشخصية لأفكار معارضيها.
بعيدًا عن أفكار نقدية تتطرق لشخص المفكر في سطر وسطرين. في الوسط الفلسفي تجد مؤلفات فلسفية بالغة الأهمية صُنِّفَت خصيصا في نقد شخص المفكر الفيلسوف.
ومثال ذلك كتاب المثقفون لبول جونسون، ترجمة طلعت الشايب.
تعرض فيه بول جونسون لكل من: جان جاك روسو، برتولد بريشت، كارل ماركس، إرنست همنغواي، هنريك إبسن، برتراند رسل، ليو تولستوي، جان بول سارتر، شلي. وكان قد عاصر بعضهم، وتطرق في الكتاب إلى كشف التناقض بين أفكارهم وحياتهم الشخصية.
مستندا إلى اعترافاتهم ومذكرات القريبين منهم: زوجاتهم، عشيقاتهم، أبنائهم، رفقائهم. ليدلل على أن أصحاب الأفكار العظيمة التي أثرت في مسيرة القرن العشرين كله وأحدثت تحولات مهمة في المسيرة الإنسانية، ليسوا سوى أفاقين وانتهازيين وكذابين وشهوانيين ومرتزقة. ناقضوا أفكارهم، ومارسوا ضدها إلى حد ابتذالها.
فهذا المؤلف نقد موجه لشخص المفكر، لا تجد في الاعتراض تلك الكلمات الصبيانية ”ناقش الفكرة التي جاء بها الفيلسوف ولا يجوز في ميزان النقد أن تتطرق لشخصيته“.
المراجع:
(١) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٤٢.
(٢) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج٩، ص٣٤٠. بواسطة كتاب القراءة الماركسية للتراث الإسلامي. ص٤٢.
(٣) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، يوسف سمرين، مرجع سابق، ص٤٢.
(٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٩، ص٣٠٣
(٥) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، الطعبة الأولى: ٢٠٠٥م، ص٧١.
(٦) ضوابط الجرح والتعديل؛ للدكتور عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم العبداللطيف ص٢١.
(٧) طبقات الشعراء.
(٨) البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، أبو الفضل السكسكي الحنبلي، تحقيق بسام علي سلامة، مكتبة المنار، الطبعة الثانية ١٩٩٦م، ١٤١٧هجري، ص٥٩.
(٩) أفول الأصنام، فريدريك نيتشه، ترجمة حسان بورقية، محمد الناجي، دار أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، ص١٤.
ثم إنك لو نظرت في انتقادات الفلاسفة، لا تجد استنكارًا لموضوع الشخصنة، ولو ذهبت لنيتشه الذي يتمسح به العقلاني المفكر، ستجد ما هو أبلغ. فحيث يقول غوستاف فولبير: ”لا يمكن أن نفكر أو نكتب إلا جالسين“ يرد عليه نيتشه قائلا: ”تمكنت منك أيها العدمي! أن تكون ذا مؤخرة ثقيلة فتلك بامتياز خطيئة في حق العقل، وحدها الأفكار التي تأتينا ونحن ماشون لها قيمة ما“ (٩)
حتى أن الماركسية كانت تؤكد على فكرة ما يسمى بالوعي البرجوازي، أي رفض الأفكار الماركسية لدى البرجوازيين لسبب خارجي وهو منع الثورات الإشتراكية لاستمرار ثروات عائلات المفكرين البرجوازيين، فهنا تدلك الماركسية على أن رفض الفكرة لا يكون دومًا منطلقه عقدي أو فلسفي. بل قد يتعلق بما هو شخصي بعيدًا عن المنطلق الفكري. فهي أيضا تبحث في الدوافع الشخصية لأفكار معارضيها.
بعيدًا عن أفكار نقدية تتطرق لشخص المفكر في سطر وسطرين. في الوسط الفلسفي تجد مؤلفات فلسفية بالغة الأهمية صُنِّفَت خصيصا في نقد شخص المفكر الفيلسوف.
ومثال ذلك كتاب المثقفون لبول جونسون، ترجمة طلعت الشايب.
تعرض فيه بول جونسون لكل من: جان جاك روسو، برتولد بريشت، كارل ماركس، إرنست همنغواي، هنريك إبسن، برتراند رسل، ليو تولستوي، جان بول سارتر، شلي. وكان قد عاصر بعضهم، وتطرق في الكتاب إلى كشف التناقض بين أفكارهم وحياتهم الشخصية.
مستندا إلى اعترافاتهم ومذكرات القريبين منهم: زوجاتهم، عشيقاتهم، أبنائهم، رفقائهم. ليدلل على أن أصحاب الأفكار العظيمة التي أثرت في مسيرة القرن العشرين كله وأحدثت تحولات مهمة في المسيرة الإنسانية، ليسوا سوى أفاقين وانتهازيين وكذابين وشهوانيين ومرتزقة. ناقضوا أفكارهم، ومارسوا ضدها إلى حد ابتذالها.
فهذا المؤلف نقد موجه لشخص المفكر، لا تجد في الاعتراض تلك الكلمات الصبيانية ”ناقش الفكرة التي جاء بها الفيلسوف ولا يجوز في ميزان النقد أن تتطرق لشخصيته“.
المراجع:
(١) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٤٢.
(٢) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج٩، ص٣٤٠. بواسطة كتاب القراءة الماركسية للتراث الإسلامي. ص٤٢.
(٣) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، يوسف سمرين، مرجع سابق، ص٤٢.
(٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية، ج٩، ص٣٠٣
(٥) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، الطعبة الأولى: ٢٠٠٥م، ص٧١.
(٦) ضوابط الجرح والتعديل؛ للدكتور عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم العبداللطيف ص٢١.
(٧) طبقات الشعراء.
(٨) البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان، أبو الفضل السكسكي الحنبلي، تحقيق بسام علي سلامة، مكتبة المنار، الطبعة الثانية ١٩٩٦م، ١٤١٧هجري، ص٥٩.
(٩) أفول الأصنام، فريدريك نيتشه، ترجمة حسان بورقية، محمد الناجي، دار أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، ص١٤.
👍1
Forwarded from يوسف سمرين
أنت علماني! أو متطرف؟
أحد الأغلاط الكبرى على صعيد محاكمة الأفكار تلك التي تنبه إليها ابن تيمية، في موازناته ومحاكماته لأفكار عصره، ويتمثل الغلط في إقامة النفي والإثبات على مصطلحات حادثة فيها حيز من التعميم والإجمال أحيانًا، مثل مصطلح الجسم، الحيز، الحشوية، ونحوها حتى صارت تلك الاصطلاحات معيارًا للتحاكم.
ولو عمم النفي لنفى حقًا ملازمًا لباطل، ولو عمم الإثبات لأثبت باطلًا إلى جانب الحق، ولذا رأى أن يستفصل عن المعنى، لا الدوران حول دكتاتورية الاصطلاح، وفي هذا العصر تتكاثر القواعد والمصطلحات التي فيها الإشكالية نفسها.
على سبيل المثال يأتي من يقول: العلمانية الغاية فيها تبرر الوسيلة كما قال ميكافيلي، وليس الإسلام هكذا! وهذا التعميم فيه غلط فهناك العديد من الأحكام الفقهية جازت تبعًا لوسيلتها، كجواز النظر للخطبة، وأكل الميتة لغاية إنقاذ الحياة عند الضرورة، وجواز النطق بالكفر عند الإكراه لإنقاذ النفس، فيجري تفتيت المقالة تبعًا لقواعد وأحكام فقهية، لا التعامل معها على أنها معيار للنفي والإثبات.
وأذكر ذلك الذي سمع كلمة أحمد بن حنبل حين قال: يغزى مع الأنكى، لا الصالح في نفسه الضعيف في الغزو، فأنكرها، وذلك لأنه بنى تصوراته لا على التأصيل الفقهي نفسه، بل على ثنائية نفي أو إثبات المصطلح كنفي العلمانية وحسب أن هذا منها.
وتجد الامتحان على سبيل المثال بمسائل يحسبها الواحد من هؤلاء مفصلية في الفروق، بين الإسلام وغيره، ويحسبها لغير الإسلام، على أنها قد تكون من صميم الإسلام، وينكرها لأنها رأى جماعة مغالية قالت بها، أو خصمًا سياسيًا رددها.
بهذه الطريقة تجد من يقول ننفي تاريخية النص، ويضرب بهذا التعميم ضرورة معرفة أسباب النزول، وإثبات الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، ويصور الآيات جميعًا متعالية عن الظرف، خشية أنه لو أثبت تاريخيتها لأدى ذلك إلى انقطاع دلالاتها، عند زمن معين، والتفصيل في المحاكمة ضروري هنا، وإلا لن يخرج الباحث بنتائج جادة.
فالدوران مع المصطلح نفيًا وإثباتًا كثيرًا ما يوقع خلافًا لو حررت المعاني المقصودة لظهر الاتفاق كما قيل: أكثر خلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وتفتيت المباحث لفهمها مسلك الباحثين عن الحق، حيث إن المقصود بالمصطلحات معانيها، لا أصواتها، وهذا لا تجده في الأسماء الشرعية، التي في القرآن والسنة، كمسلم ومؤمن، ومنافق ونحوها فهي منضبطة.
أحد الأغلاط الكبرى على صعيد محاكمة الأفكار تلك التي تنبه إليها ابن تيمية، في موازناته ومحاكماته لأفكار عصره، ويتمثل الغلط في إقامة النفي والإثبات على مصطلحات حادثة فيها حيز من التعميم والإجمال أحيانًا، مثل مصطلح الجسم، الحيز، الحشوية، ونحوها حتى صارت تلك الاصطلاحات معيارًا للتحاكم.
ولو عمم النفي لنفى حقًا ملازمًا لباطل، ولو عمم الإثبات لأثبت باطلًا إلى جانب الحق، ولذا رأى أن يستفصل عن المعنى، لا الدوران حول دكتاتورية الاصطلاح، وفي هذا العصر تتكاثر القواعد والمصطلحات التي فيها الإشكالية نفسها.
على سبيل المثال يأتي من يقول: العلمانية الغاية فيها تبرر الوسيلة كما قال ميكافيلي، وليس الإسلام هكذا! وهذا التعميم فيه غلط فهناك العديد من الأحكام الفقهية جازت تبعًا لوسيلتها، كجواز النظر للخطبة، وأكل الميتة لغاية إنقاذ الحياة عند الضرورة، وجواز النطق بالكفر عند الإكراه لإنقاذ النفس، فيجري تفتيت المقالة تبعًا لقواعد وأحكام فقهية، لا التعامل معها على أنها معيار للنفي والإثبات.
وأذكر ذلك الذي سمع كلمة أحمد بن حنبل حين قال: يغزى مع الأنكى، لا الصالح في نفسه الضعيف في الغزو، فأنكرها، وذلك لأنه بنى تصوراته لا على التأصيل الفقهي نفسه، بل على ثنائية نفي أو إثبات المصطلح كنفي العلمانية وحسب أن هذا منها.
وتجد الامتحان على سبيل المثال بمسائل يحسبها الواحد من هؤلاء مفصلية في الفروق، بين الإسلام وغيره، ويحسبها لغير الإسلام، على أنها قد تكون من صميم الإسلام، وينكرها لأنها رأى جماعة مغالية قالت بها، أو خصمًا سياسيًا رددها.
بهذه الطريقة تجد من يقول ننفي تاريخية النص، ويضرب بهذا التعميم ضرورة معرفة أسباب النزول، وإثبات الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، ويصور الآيات جميعًا متعالية عن الظرف، خشية أنه لو أثبت تاريخيتها لأدى ذلك إلى انقطاع دلالاتها، عند زمن معين، والتفصيل في المحاكمة ضروري هنا، وإلا لن يخرج الباحث بنتائج جادة.
فالدوران مع المصطلح نفيًا وإثباتًا كثيرًا ما يوقع خلافًا لو حررت المعاني المقصودة لظهر الاتفاق كما قيل: أكثر خلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وتفتيت المباحث لفهمها مسلك الباحثين عن الحق، حيث إن المقصود بالمصطلحات معانيها، لا أصواتها، وهذا لا تجده في الأسماء الشرعية، التي في القرآن والسنة، كمسلم ومؤمن، ومنافق ونحوها فهي منضبطة.
❤1
Forwarded from يوسف سمرين
فنّ التسويق
في الأخلاقيات الرأسمالية، للركون إلى مبدأ الربح، هناك قاعدة مطردة: اترك الخلاف، لا تختلف مع الزبون، لا يهمك دينه، أو وطنه، فالمهم هو نقوده، أن يشتري، كذلك الأمر مع مديرك، إذ ينبغي ألا يهمك إلا أن تترقى في سلّمك الوظيفي، والخلاف لا يساعد على هذا.
إنما الشأن في زيادة زبائن الشركة، وإبهارهم بفنون الدعاية والتسويق، عرض خاص: خصم، احصل على الثاني مجانًا ونحو ذلك.
العديد من المتحدثين باسم الإسلام، يعملون اليوم بالمنطق نفسه: ابتعد عن الخلاف! ومخاطبة جميع العاملين في الجانب الإسلامي، كمخاطبة العاملين في فروع شركة: لنتفق على بيع السلعة، ولنترك الخلاف، كأن الدين لم ينزل (ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه).
مع فنون في الدعاية: خصم: تأويل أو إنكار ما لا يرغب به الزبون، عروض مجانية: كالتسامح مع ما يرغب فيه الزبون، سواء في الأحكام، أو شخصيات يحترمها: الترحم على بعضهم ما دام ذلك مريحًا للزبون.
تتنافس الشركات أي واحدة تقدم عرضًا أكبر من غيرها، في ظل التناحر والتنافس لجمع الزبائن، ويضحي هذا الملقي، على يوتيوب مثلًا: يوتيوبر، كغيره، فحسب! يرى تقييمه بكمية المشاهدات، وعدد المشتركين، والأرباح الشهرية، لا أكثر من ذلك، فالأرقام هي المعيار: حينها يجد أي تقييم آخر غريبًا عليه.
في الأخلاقيات الرأسمالية، للركون إلى مبدأ الربح، هناك قاعدة مطردة: اترك الخلاف، لا تختلف مع الزبون، لا يهمك دينه، أو وطنه، فالمهم هو نقوده، أن يشتري، كذلك الأمر مع مديرك، إذ ينبغي ألا يهمك إلا أن تترقى في سلّمك الوظيفي، والخلاف لا يساعد على هذا.
إنما الشأن في زيادة زبائن الشركة، وإبهارهم بفنون الدعاية والتسويق، عرض خاص: خصم، احصل على الثاني مجانًا ونحو ذلك.
العديد من المتحدثين باسم الإسلام، يعملون اليوم بالمنطق نفسه: ابتعد عن الخلاف! ومخاطبة جميع العاملين في الجانب الإسلامي، كمخاطبة العاملين في فروع شركة: لنتفق على بيع السلعة، ولنترك الخلاف، كأن الدين لم ينزل (ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه).
مع فنون في الدعاية: خصم: تأويل أو إنكار ما لا يرغب به الزبون، عروض مجانية: كالتسامح مع ما يرغب فيه الزبون، سواء في الأحكام، أو شخصيات يحترمها: الترحم على بعضهم ما دام ذلك مريحًا للزبون.
تتنافس الشركات أي واحدة تقدم عرضًا أكبر من غيرها، في ظل التناحر والتنافس لجمع الزبائن، ويضحي هذا الملقي، على يوتيوب مثلًا: يوتيوبر، كغيره، فحسب! يرى تقييمه بكمية المشاهدات، وعدد المشتركين، والأرباح الشهرية، لا أكثر من ذلك، فالأرقام هي المعيار: حينها يجد أي تقييم آخر غريبًا عليه.
البعض يصدّق أنه الميزان الذي ستؤطّر البحوث والعلوم وفقًا للدائرة التي يرسمُها بريشته الطوباوية المنكسرة، لا يتصور بحوثا في النظريات، ولوازم المقالات، وحدّة الصراع بين مدرسة وأخرى، تلك الحدّة التي لا يلتفت لها أي من المدرستين، بقدر اهتمامهما بالسّبك الفكري، وبناء ترسانة نظرية فعّالة لتأخذ مكانها مزاحمةً كبرى المدارس الفلسفية بتفرّعاتها، مبطلةً غيرها من المدارس بالنّقد ونقد النّقد.
وفي حين تأخذ كل مدرسة طريقها نحو الحصرية بالتأليف من طرف أبنائها في نصرتها وإبطال نقيضها، يخرج لك ”الميزان المُطفّف“، صاحب الخطاب الأجوف، السوبرمان الكرتوني الذي لا يستوعب لا هذا ولا ذاك، ولا لوازم هذا ولا ذاك، لتتجسّد فيه الحكمة القائلة: ”من جهل شيئا عاداه“.
وفي حين تأخذ كل مدرسة طريقها نحو الحصرية بالتأليف من طرف أبنائها في نصرتها وإبطال نقيضها، يخرج لك ”الميزان المُطفّف“، صاحب الخطاب الأجوف، السوبرمان الكرتوني الذي لا يستوعب لا هذا ولا ذاك، ولا لوازم هذا ولا ذاك، لتتجسّد فيه الحكمة القائلة: ”من جهل شيئا عاداه“.
Forwarded from باسم بشينية
"كلام أبي حامد [الغزالي] ينفع المتفلسف، ويصير أحسن، فإن المتفلسف يسلم به إسلام الفلاسفة، والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة"
(النبوات، ابن تيمية، تحقيق: الطويان، أضواء السلف، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ه، ج١، ص١٥٩)
(النبوات، ابن تيمية، تحقيق: الطويان، أضواء السلف، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ه، ج١، ص١٥٩)
باسم بشينية
"كلام أبي حامد [الغزالي] ينفع المتفلسف، ويصير أحسن، فإن المتفلسف يسلم به إسلام الفلاسفة، والمؤمن يصير به إيمانه مثل إيمان الفلاسفة" (النبوات، ابن تيمية، تحقيق: الطويان، أضواء السلف، الطبعة الأولى: ١٤٢٠ه، ج١، ص١٥٩)
المدارس العقدية الخاطئة، قد تنفع في اعتناق الملحد لإسلام خاطئ، لكنّ المؤمن يصير بها إيمانه مختلطا بكثير من الباطل.
أصحاب السكوت عن الخلاف، لا يفرقون بين المقامين، أولئك القائلين ”دعه يؤديهم لإسلام خاطئ خير لهم من عدم الإسلام“. لكنّ هؤلاء لا يخافون على صاحب ”الإيمان الصحيح“ أن يتحولّ إيمانه لإيمان الخاطئين.
أصحاب السكوت عن الخلاف، لا يفرقون بين المقامين، أولئك القائلين ”دعه يؤديهم لإسلام خاطئ خير لهم من عدم الإسلام“. لكنّ هؤلاء لا يخافون على صاحب ”الإيمان الصحيح“ أن يتحولّ إيمانه لإيمان الخاطئين.
❤1