”فينبغي أن نقصد لكل مطلوب ما يجب... ولا نطلب في العلم الإلٓهي حسًا”.
(رسائل الكندي الفلسفية، حققها وأخرجها مع مقدمة تحليلية لكل منها وتصدير واف عن الكندي وفلسفته: محمد أبو ريدة، مطبعة الاعتماد بمصر ١٣٦٩ه، ج١، ص١١٢)
هذا من نماذج المقابلة بين العلم الطبيعي والعلم الإٓلهي في الذهنية المثالية: محسوس/معقول.
(رسائل الكندي الفلسفية، حققها وأخرجها مع مقدمة تحليلية لكل منها وتصدير واف عن الكندي وفلسفته: محمد أبو ريدة، مطبعة الاعتماد بمصر ١٣٦٩ه، ج١، ص١١٢)
هذا من نماذج المقابلة بين العلم الطبيعي والعلم الإٓلهي في الذهنية المثالية: محسوس/معقول.
"الزمان إنما هو عدد الحركة، أعني أنه مدة تعدُّها الحركة، فإن كانت حركة كان زمان، وإن لم تكن حركة لم يكن زمان".
(رسائل الكندي الفلسفية، حققها وأخرجها مع مقدمة تحليلية لكل منها وتصدير واف عن الكندي وفلسفته: محمد أبو ريدة، مطبعة الاعتماد بمصر ١٣٦٩ه، ج١، ص١١٧)
(رسائل الكندي الفلسفية، حققها وأخرجها مع مقدمة تحليلية لكل منها وتصدير واف عن الكندي وفلسفته: محمد أبو ريدة، مطبعة الاعتماد بمصر ١٣٦٩ه، ج١، ص١١٧)
كل ما كان فى القرآن من قوله: "وما أدراك" فقد أدراه، وما كان من قوله: "وما يدريك" فلم يدره.
– معاني القرآن للفراء لأبي زكريا الفراء.
– معاني القرآن للفراء لأبي زكريا الفراء.
❤1
التعليم النظامي، وإقحام المفاهيم المخالفة (١)
رأيت الكثير من الامتعاض حول بعض النصوص والمواد في الأنظمة التعليمية في بعض الدول العربية، لكن لنحاول تفكيك الواقع قليلًا، حتى لا نحكم بجرة قلم على ما لا نتصوره تصورًا كاملًا.
ابتداء، حين بحث القضايا الفكرية، أو أي قضية متعلقة بالشريعة، لتسلم النتائج؛ على الباحث أن يخلع عقدتي (خوف/هجوم)، فما أورثه كثير من الإسلاميين من بؤس نظري ناتج عن "الخوف" أعدوا له عدة المستقبل؛ وهي الهجوم على ما تورطوا في تكوينه، من قراءة عرجاء للواقع، مع تلفيق حلول لا تحل إشكال الواقع! وخذ على سبيل المثال قضية إقحام مواد مخالفة للعقيدة في مقاييس التعليم في مختلف المستويات، فإن التعامل الشهير تجاه ذي القضية لا تشم فيه رائحة الواقعية، فضلا عن تقديم حلول مبنية عن علم، فضلا عن تقديم أجوبة على الإيرادات!
التعليم العالمي أو العربي مجردًا عن النظر إليه بمعيار شرعي، يعبر عن كارثة ليست بالهينة، وقد كان علم الاجتماع يوجه نقدًا دقيقا لنظم التعليم التي تسبح في فلك الرأسمالية، كذلك التحليل الذي يوضح أن "اللامبالاة تجاه عمل معين هو أمر يناسب المجتمع الذي ينتقل فيه الأفراد بسهولة من نوع معيَّن من العمل إلى نوع آخر، والذي يكون فيه هذا العمل عرضيا للأفراد ومن ثم غير ذي أهمية لهم.
وهكذا، ففي نظام مثل هذا، فإن الوسائل التي يراد من خلالها الوصول إلى هذه الأهداف صارت موحدة، بذلك يبدو العمل ليس من حيث فئاته ولكن من حيث واقع ذاته، مجرد وسيلة لإنتاج الثروة بشكل عام" (١)
فالنظم الرأسمالية، في شقها التعليمي التربوي، لا تنفك عن وأد الروح العلمية في الدارس، ولهذا تتوحد كافة فروع التعليم أيًا كانت المادة المقدمة، لتكوِّن لدى المتعلم "مرحلة شرطية" لمجرد إنتاج مال/وظيفة، وفقط!
فـ "إن العمل المنزوع الحيوية، الذي يراه العمال باعتباره محض آلية لتأمين وجودهم نفسه، هو الوسيلة التي يضمن فيها رأس المال نموه" (٢)
وذلك يكون بـ "جعل العمال غير مبالين بالعمل ذاته... يمكن للناس الآن إنتاج الوجبات على خطوط الانتاج، من دون أن تكون لهم معرفة بالطبخ في البيت، إعطاء تعليمات على الهاتف للعملاء، رغم أنهم هم أنفسهم لا يفهمونها، وبيع كتب أو صحف هم أصلا لا يقرأونها" (٣)
هذه المنظومة لا تستهدف المتعلم فحسب، بل هي أيضا تساهم في انحطاط المعلِّم، بحيث يتحول من "معلم حقيقي" إلى "معلم لغاية إنتاج ثروة فقط"، وقد تنبه لورنس بيتر وريموند هال لعملية التدجين التي يلاقيها المعلم في سبيل الرأسمال، فـ "المؤسسات التدريسية التي تقوم المدارس فيها بفصل المدرسين الذين يضربون صفحا عن الجداول ولا يعرفون شيئا عن موضوع المقرر الدراسي، هي على المنوال ذاته، سوف تقوم أيضا بفصل المدرّس المتمرد التي يغير من بروتوكولات التدريس بعمق بحيث يوصل التلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم إلى مستوى يعادل ذاك الخاص بأفضل التلاميذ في المدرسة، وبنفس الطريقة سوف تقوم المدارس كذلك بفصل المدرس الذي يساعد طلبته على إنجاز عمل سنتين أو ثلاث خلال سنة واحدة فقط" (٤)
وهذا النمط هو ما يطلق عليه هانز ماجنوس بتوليد "الأمي الثانوي" فالنظام يتخوَّف من جعل المدرّس أمام "مشكلة" التعامل مع "متعلمين" غطوا المقرر الدراسي سلفا، فنحن أمام مشكلة تكوين أفراد "مكونين من معارف عملية، من دون أن تقودهم معارفهم هذه إلى المساءلة عما تستند إليه هذه المعارف من ركائز إيديولوجية" (٥)
فالإشكالية التي تُطرح، هي أننا أمام جزء من التعليم يبث فكرة مخالفة، فإن هذا مجرد جزء من التعليم الذي هو جزء من الواقع! فجزء آخر منه يقول: إن التعليم مجرد وسيلة لتحصيل وظيفة، ولا يقدم المعلومات ولا الركائز ولا العقل النقدي ولا تحفيز البواعث النفسية التي تبني الكفاءة في المتعلم، فضلًا عن جعل النظرية تطبيقًا. وجزء آخر يقول: النظام اليوم تركيبته مبنية على جعل "المال" مشروطا بتوظيف، وجعل التوظيف مشروطًا بشهادة، وجعل الشهادة مشروطة بتعليم. مع ما يلاقيه الأب من وطأة رأسمالية تكرس الفقر الذي لا يسمح بانتشار ثقافة المدارس الخاصة، فإن هذه أيضا جزئية ضخمة من الإشكال.
(١) Karl Marx, A Contribution to the critique of Economy, p13.
(٢) نظام التفاهة، آلان دونو، ترجمة وتعليق مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، بيروت– لبنان، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص٧٢.
(٣) المرجع السابق، آلان دونو، ص٧٢.
(٤) Laurence J. Peter and ramond hull, the peter principale: why Things Always Go worng, p45.
(٥) نظام التفاهة، مرجع سابقا، ص٧٦.
رأيت الكثير من الامتعاض حول بعض النصوص والمواد في الأنظمة التعليمية في بعض الدول العربية، لكن لنحاول تفكيك الواقع قليلًا، حتى لا نحكم بجرة قلم على ما لا نتصوره تصورًا كاملًا.
ابتداء، حين بحث القضايا الفكرية، أو أي قضية متعلقة بالشريعة، لتسلم النتائج؛ على الباحث أن يخلع عقدتي (خوف/هجوم)، فما أورثه كثير من الإسلاميين من بؤس نظري ناتج عن "الخوف" أعدوا له عدة المستقبل؛ وهي الهجوم على ما تورطوا في تكوينه، من قراءة عرجاء للواقع، مع تلفيق حلول لا تحل إشكال الواقع! وخذ على سبيل المثال قضية إقحام مواد مخالفة للعقيدة في مقاييس التعليم في مختلف المستويات، فإن التعامل الشهير تجاه ذي القضية لا تشم فيه رائحة الواقعية، فضلا عن تقديم حلول مبنية عن علم، فضلا عن تقديم أجوبة على الإيرادات!
التعليم العالمي أو العربي مجردًا عن النظر إليه بمعيار شرعي، يعبر عن كارثة ليست بالهينة، وقد كان علم الاجتماع يوجه نقدًا دقيقا لنظم التعليم التي تسبح في فلك الرأسمالية، كذلك التحليل الذي يوضح أن "اللامبالاة تجاه عمل معين هو أمر يناسب المجتمع الذي ينتقل فيه الأفراد بسهولة من نوع معيَّن من العمل إلى نوع آخر، والذي يكون فيه هذا العمل عرضيا للأفراد ومن ثم غير ذي أهمية لهم.
وهكذا، ففي نظام مثل هذا، فإن الوسائل التي يراد من خلالها الوصول إلى هذه الأهداف صارت موحدة، بذلك يبدو العمل ليس من حيث فئاته ولكن من حيث واقع ذاته، مجرد وسيلة لإنتاج الثروة بشكل عام" (١)
فالنظم الرأسمالية، في شقها التعليمي التربوي، لا تنفك عن وأد الروح العلمية في الدارس، ولهذا تتوحد كافة فروع التعليم أيًا كانت المادة المقدمة، لتكوِّن لدى المتعلم "مرحلة شرطية" لمجرد إنتاج مال/وظيفة، وفقط!
فـ "إن العمل المنزوع الحيوية، الذي يراه العمال باعتباره محض آلية لتأمين وجودهم نفسه، هو الوسيلة التي يضمن فيها رأس المال نموه" (٢)
وذلك يكون بـ "جعل العمال غير مبالين بالعمل ذاته... يمكن للناس الآن إنتاج الوجبات على خطوط الانتاج، من دون أن تكون لهم معرفة بالطبخ في البيت، إعطاء تعليمات على الهاتف للعملاء، رغم أنهم هم أنفسهم لا يفهمونها، وبيع كتب أو صحف هم أصلا لا يقرأونها" (٣)
هذه المنظومة لا تستهدف المتعلم فحسب، بل هي أيضا تساهم في انحطاط المعلِّم، بحيث يتحول من "معلم حقيقي" إلى "معلم لغاية إنتاج ثروة فقط"، وقد تنبه لورنس بيتر وريموند هال لعملية التدجين التي يلاقيها المعلم في سبيل الرأسمال، فـ "المؤسسات التدريسية التي تقوم المدارس فيها بفصل المدرسين الذين يضربون صفحا عن الجداول ولا يعرفون شيئا عن موضوع المقرر الدراسي، هي على المنوال ذاته، سوف تقوم أيضا بفصل المدرّس المتمرد التي يغير من بروتوكولات التدريس بعمق بحيث يوصل التلاميذ الذين يعانون من صعوبات التعلم إلى مستوى يعادل ذاك الخاص بأفضل التلاميذ في المدرسة، وبنفس الطريقة سوف تقوم المدارس كذلك بفصل المدرس الذي يساعد طلبته على إنجاز عمل سنتين أو ثلاث خلال سنة واحدة فقط" (٤)
وهذا النمط هو ما يطلق عليه هانز ماجنوس بتوليد "الأمي الثانوي" فالنظام يتخوَّف من جعل المدرّس أمام "مشكلة" التعامل مع "متعلمين" غطوا المقرر الدراسي سلفا، فنحن أمام مشكلة تكوين أفراد "مكونين من معارف عملية، من دون أن تقودهم معارفهم هذه إلى المساءلة عما تستند إليه هذه المعارف من ركائز إيديولوجية" (٥)
فالإشكالية التي تُطرح، هي أننا أمام جزء من التعليم يبث فكرة مخالفة، فإن هذا مجرد جزء من التعليم الذي هو جزء من الواقع! فجزء آخر منه يقول: إن التعليم مجرد وسيلة لتحصيل وظيفة، ولا يقدم المعلومات ولا الركائز ولا العقل النقدي ولا تحفيز البواعث النفسية التي تبني الكفاءة في المتعلم، فضلًا عن جعل النظرية تطبيقًا. وجزء آخر يقول: النظام اليوم تركيبته مبنية على جعل "المال" مشروطا بتوظيف، وجعل التوظيف مشروطًا بشهادة، وجعل الشهادة مشروطة بتعليم. مع ما يلاقيه الأب من وطأة رأسمالية تكرس الفقر الذي لا يسمح بانتشار ثقافة المدارس الخاصة، فإن هذه أيضا جزئية ضخمة من الإشكال.
(١) Karl Marx, A Contribution to the critique of Economy, p13.
(٢) نظام التفاهة، آلان دونو، ترجمة وتعليق مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، بيروت– لبنان، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص٧٢.
(٣) المرجع السابق، آلان دونو، ص٧٢.
(٤) Laurence J. Peter and ramond hull, the peter principale: why Things Always Go worng, p45.
(٥) نظام التفاهة، مرجع سابقا، ص٧٦.
👍3
التعليم النظامي، وإقحام المفاهيم المخالفة (٢)
كان لابن تيمية كلمة مهمة في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يقول:
”إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا، أو يتركوهما جميعا: لم يجز أن يُؤمروا بمعروف ولا أن يُنهوا عن منكر.
بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات.
وإن كان المنكر أغلب نهي عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف؛ ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله.
وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.
فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا“ (١)
أنظر جيدًا في الذهنية التي يتعامل بها ابن تيمية في التفريق بين جهة العين، وبين جهة النوع، وقارنها مع كثير من الأحكام! فهل وقع البحث في المنكر الذي انطوت عليه المقررات الدراسية ومقارنته بما ليس منكرًا، فأيهما أغلب؟ كثير من المقاييس تدرس علوم لا مجال لإقحام المنكر عقديًا فيها، كالفيزياء، العلوم الطبيعية، الكيمياء، التاريخ، الجغرافيا، ونحو ذلك، ومع ما سبق في المقال الأول من أن النمط الدراسي في ذي الأنظمة لا يصدّر معرفة بقدر ما يصدّر ما دونها، فإن عصر التحصيل المعرفي في المدارس قد باد، فالدراسة غايتها الوحيدة هي النجاح لتحصيل ثروة، وقد كنا ندرس الشريعة في المدرسة والمتوسط، ونأخذ فيها العلامة الكاملة، لكننا لا نصلي ولا نطبق حرفًا من الدرس، هذا ما ترسّخه المنظومة أصلا! فلا ينبغي التعامل مع القضية بصورة مثالية جدًا على أن كل معرفة تطرح في المؤسسات إنما سبيلها التلقي الذي يؤثر في عقيدة الدارس مطلقا!، فضلا عن التعامل مع الواقع بعقلية أصولية، فهل أمنت الفتنة العقدية أم هي محتملة فقط؟ وما مدى اعتبار هذا فيما عمت به البلوى؟
فهذا المنكر الذي يتم تقديمه في المدارس التعليمية وهو قليل مقارنة بما ليس منكرًا، هل الموقف الصحيح منه ترك كل المدرسة مع ما سيترتب عن ذلك من منكر له تبعات ليس أكثرنا قادرًا على تحمل مسؤوليتها، أم الحرص على نقده وبيان الغلط فيه للدارس الذي نخاف عليه كالابن مثلًا، هل تكوين وعي ووعي نقدي لهذه المادة أولى، أم وأد الوعي النقدي مع فتح الباب أمام منكرات لا تحصى كثرة أولى؟! مع أن كل من يكتب بضرورة إخراج الأبناء من مدارس التعليم لعلة إقحام بعض المواد العقدية الباطلة؛ هو عينه تخرّج من مدارس كهذه، وقد أجزم بعدم تشكّل وعي مخالف له انطلاقا من المدرسة البتة، بل كل من يدرس يدرس لأجل النتيجة في آخر الفصل، فالواقعية يجب أن تطرح، لا التصورات المثالية فحسب.
ثم هل هنالك دراسة جدوى، أم أن الحكم بالمنع غير مدروس العاقبة؟ من يمنع بناء على الموروث من ذهنية كثير من الإسلاميين؛ هل تعي أنك تحكم الآن؟ لا يوجد قاعدة فقهية واحدة، ولا دلالة على دراسة جادة للواقع؛ منكره ومعروفه ومباحه، ولا تعامل بعقلية أصولية مسافة متر. ومع ذلك يتم التعامل بالرأي المحض بناء على غضب تجاه خمس نصوص من بين ١٠٠٠ نص! هذه الذهنية هي ذهنية "المفكر الإسلامي" الذي يحكم بناء على تحليله الخاص بأدواته الفكرية الخاصة وانفعالاته، أما الحكم الشرعي أو التحليل الصحيح للواقع فليس هذا سبيله.
(١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية، ص ١٣.
كان لابن تيمية كلمة مهمة في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يقول:
”إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعا، أو يتركوهما جميعا: لم يجز أن يُؤمروا بمعروف ولا أن يُنهوا عن منكر.
بل ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات.
وإن كان المنكر أغلب نهي عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف؛ ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله.
وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.
فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا“ (١)
أنظر جيدًا في الذهنية التي يتعامل بها ابن تيمية في التفريق بين جهة العين، وبين جهة النوع، وقارنها مع كثير من الأحكام! فهل وقع البحث في المنكر الذي انطوت عليه المقررات الدراسية ومقارنته بما ليس منكرًا، فأيهما أغلب؟ كثير من المقاييس تدرس علوم لا مجال لإقحام المنكر عقديًا فيها، كالفيزياء، العلوم الطبيعية، الكيمياء، التاريخ، الجغرافيا، ونحو ذلك، ومع ما سبق في المقال الأول من أن النمط الدراسي في ذي الأنظمة لا يصدّر معرفة بقدر ما يصدّر ما دونها، فإن عصر التحصيل المعرفي في المدارس قد باد، فالدراسة غايتها الوحيدة هي النجاح لتحصيل ثروة، وقد كنا ندرس الشريعة في المدرسة والمتوسط، ونأخذ فيها العلامة الكاملة، لكننا لا نصلي ولا نطبق حرفًا من الدرس، هذا ما ترسّخه المنظومة أصلا! فلا ينبغي التعامل مع القضية بصورة مثالية جدًا على أن كل معرفة تطرح في المؤسسات إنما سبيلها التلقي الذي يؤثر في عقيدة الدارس مطلقا!، فضلا عن التعامل مع الواقع بعقلية أصولية، فهل أمنت الفتنة العقدية أم هي محتملة فقط؟ وما مدى اعتبار هذا فيما عمت به البلوى؟
فهذا المنكر الذي يتم تقديمه في المدارس التعليمية وهو قليل مقارنة بما ليس منكرًا، هل الموقف الصحيح منه ترك كل المدرسة مع ما سيترتب عن ذلك من منكر له تبعات ليس أكثرنا قادرًا على تحمل مسؤوليتها، أم الحرص على نقده وبيان الغلط فيه للدارس الذي نخاف عليه كالابن مثلًا، هل تكوين وعي ووعي نقدي لهذه المادة أولى، أم وأد الوعي النقدي مع فتح الباب أمام منكرات لا تحصى كثرة أولى؟! مع أن كل من يكتب بضرورة إخراج الأبناء من مدارس التعليم لعلة إقحام بعض المواد العقدية الباطلة؛ هو عينه تخرّج من مدارس كهذه، وقد أجزم بعدم تشكّل وعي مخالف له انطلاقا من المدرسة البتة، بل كل من يدرس يدرس لأجل النتيجة في آخر الفصل، فالواقعية يجب أن تطرح، لا التصورات المثالية فحسب.
ثم هل هنالك دراسة جدوى، أم أن الحكم بالمنع غير مدروس العاقبة؟ من يمنع بناء على الموروث من ذهنية كثير من الإسلاميين؛ هل تعي أنك تحكم الآن؟ لا يوجد قاعدة فقهية واحدة، ولا دلالة على دراسة جادة للواقع؛ منكره ومعروفه ومباحه، ولا تعامل بعقلية أصولية مسافة متر. ومع ذلك يتم التعامل بالرأي المحض بناء على غضب تجاه خمس نصوص من بين ١٠٠٠ نص! هذه الذهنية هي ذهنية "المفكر الإسلامي" الذي يحكم بناء على تحليله الخاص بأدواته الفكرية الخاصة وانفعالاته، أما الحكم الشرعي أو التحليل الصحيح للواقع فليس هذا سبيله.
(١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن تيمية، ص ١٣.
❤2👍1
سئل الكندي عن العقل، فكتب رسالة كان في مقدمتها بسطه فيها إنما هو "على رأي المحمودين من قدماء اليونانيين، ومن أحمدهم: أرسطالس، ومعلمه فلاطن الحكيم".
(رسائل الكندي الفلسفية، حققها وأخرجها مع مقدمة تحليلية لكل منها وتصدير واف عن الكندي وفلسفته: محمد أبو ريدة، مطبعة الاعتماد بمصر ١٣٦٩ه، ج١، ص ٣٥٣)
لكن أبو ريدة حريص دومًا على جعل الكندي فيلسوفا حصريًا، وهذا لا تسعفه نصوص الكندي التي تصرح بنسخ فلسفة أرسطو ولصقها!
(رسائل الكندي الفلسفية، حققها وأخرجها مع مقدمة تحليلية لكل منها وتصدير واف عن الكندي وفلسفته: محمد أبو ريدة، مطبعة الاعتماد بمصر ١٣٦٩ه، ج١، ص ٣٥٣)
لكن أبو ريدة حريص دومًا على جعل الكندي فيلسوفا حصريًا، وهذا لا تسعفه نصوص الكندي التي تصرح بنسخ فلسفة أرسطو ولصقها!
كلما رأيت دعوات ”التعايش العقدي“ ارتسمت في ذهني مقولة المهلهل ”سلام بلا خيول؟ أي ذل!“
Forwarded from يوسف سمرين
هناك العديد من الكلمات المنتشرة والسائدة التي ليست نابعة من اللسان العربي بقدر ما هي من رواسب الفلسفة والكلام، وقد يرددها حتى من لم يعرفوا الفلسفة أو من لهم موقف رافض لها، مثال ذلك: فعلًا، بدل حقًا، فتجد من يقول: هل ذهبت فعلًا؟ هل توجد هناك بناية فعلًا؟
وهذا تابع لاصطلاحات الأرسطية، المفرقة بين الوجود بالقوة، والوجود الفعلي.
أو استعمال: طبعًا، بمعنى أكيد، وهو تابع للحتمية الطبيعية، هل ذهبت إلى العمل اليوم؟ طبعًا، أي حتمًا لكن تم ذكر الطبع على أنه حتمي، وهكذا.
وهذا تابع لاصطلاحات الأرسطية، المفرقة بين الوجود بالقوة، والوجود الفعلي.
أو استعمال: طبعًا، بمعنى أكيد، وهو تابع للحتمية الطبيعية، هل ذهبت إلى العمل اليوم؟ طبعًا، أي حتمًا لكن تم ذكر الطبع على أنه حتمي، وهكذا.
"فكل ما سبق يوضح بجلاء خصوصية المفكرين الإسلاميين الفطاحل: فهم أطباء وليسوا رجال دين، ذوو نزعة طبيعية وليسوا بفقهاء".
(ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي، إرنست بلوخ، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، نقله من الألمانية إلى العربية محمد التركي ٢٠١٢م، ص٦٠)
ابن رشد الحفيد: العما بعيونك ي إرنست.
(ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي، إرنست بلوخ، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، نقله من الألمانية إلى العربية محمد التركي ٢٠١٢م، ص٦٠)
ابن رشد الحفيد: العما بعيونك ي إرنست.
باسم بشينية
Photo
حول إرنست بلوخ واليسار الأرسطي (١)
كتاب ”ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي“ لإرنست بلوخ، واحد من أتفه الكتب التي بحثت شيئا من قضايا التراث الفلسفي العربي، ولو قام على تأليفه كاتب عربي، لرأينا تشنيعا لا حد له.
فكرة الكتاب كانت غاية في السخف، بداية من عنوانه، يتصور إرنست أنه مثلما كان هيجل مثاليًا، فقد انقسم تلاميذه بعد وفاته قسمين؛ قسم يساري يمثله مثل لودفيج فيورباخ، وفيما بعد يتطور مع ماركس وأنجلز كتطويرهم للديالكتيك، وقسم يميني بقي محافظا على الميول المثالية والمطلق؛ فكذلك أرسطو، فقد كان فيلسوفا مثاليًا، وبما أنه قد مات وترك إرثًا فلسفيا فقد انقسم مريدوه قسمين: قسم يساري مادي مثله ابن سينا وابن رشد والفلاسفة العرب، وقسم يميني مثالي مثلته الكنيسة.
وذي فكرة غاية في الركاكة، قائمة على التأمل والبحث عن أسلاف لذوي النزعات التنويرية من المعاصرين، لا أنه بحث قائم عن تحليل دقيق.
أستغربُ ابتداء من اعتبار ”بلوخ أن المفكرين العرب الإسلاميين قد أنقذوا النور اليوناني وساهموا كذلك في تطويره" (١) فالأرسطية التي صارت مسخرة من وجهة نظر العلم الطبيعي، أو حتى في جوانبها الميتافيزيقية المثالية، أو المنطقية، ما المرجو من إحياء فروعها العربية؟
والكاتب ركيك، يتعامل بلغة براغماتية، لا بلغة علمية، خذ مثلا قوله عن ابن سينا وابن رشد ”فهم أطباء وليسوا رجال دين، ذوو نزعة طبيعية وليسوا بفقهاء” (٢) ثم تراه بعد عشر صفحات يستدل بكتب ابن رشد، لكن لا يفطن لرسوخ قدمه في الفقه المالكي، وهو مؤلف كتاب ”بداية المجتهد ونهاية المقتصد“، فكل هذا التدليس غايته السطحية؛ جعل الاشتغال بالفقه والعلوم الشرعية مناقضا لتعلم الطب والفلسفة، هذا وابن رشد كاد يقول بنبوة أرسطو! فكيف بما لا يحصى كثرة من الأطباء كابن النفيس الذي كان شديد الوطأة على الأرسطية؟ كيف بالفيلسوف هبة الله ابن ملكا الذي نقد المنطق وميتافيزيقا أرسطو، والقول بقدم الأفلاك؟.
ثم يريد إرنست بلوخ أن يجعل إنكار ابن سينا لمعاد الأجسام مبنيًا على رؤيا علمية طبيعانية، فيقول ”لدى المدرسيين العرب... يرجَّح العلم على الفقه حتى في شرحهم لسور القرآن مثلما ينص على ذلك كتاب المعاد حيث ينفي ابن سينا في شرحه للسورة ٣٦ حشر الأجسام يوم القيامة" (٣) لكن لا يقدم الاستدلال العلمي السينوي، لأن ابن سينا يبني نفي معاد الأجسام على مقدمة مثالية؛ وهي أن عالم الغيب معقول، ولا يصح اختلاط الجسم المحسوس بالمثالي المعقول، وذي هي عين الأرسطية، بداية من العقول المفارقة والعقل الفعال وأن المحرك الذي لا يتحرك إنما هو عقل يعقل ذاته فقط، وصولا للقول بأن العقل جوهر، لا عرض. فلا علاقة للبواعث العلمية الطبيعانية بالمسألة أصلا. بل ابن سينا كان يتسق مع الأرسطية التي بدأت قائلة أن ”العالم المرئي: لا يمكن أن يكون تدبيره إلا بعالم لا يرى"(٤) فالنفس أو الروح التي تنتمي أصالة لعالم المثل الذي لا يرى، لا يتسق على مذهب المثاليين أن ينحشر الجسم المرئي معها عند المعاد.
"فابن سينا لكونه أكثر اتساقا مع المثالية، فقد جعل البعث ذا طبيعة مثالية خالصة عبر عنه بالبعث الروحاني" (٤)
كتاب ”ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي“ لإرنست بلوخ، واحد من أتفه الكتب التي بحثت شيئا من قضايا التراث الفلسفي العربي، ولو قام على تأليفه كاتب عربي، لرأينا تشنيعا لا حد له.
فكرة الكتاب كانت غاية في السخف، بداية من عنوانه، يتصور إرنست أنه مثلما كان هيجل مثاليًا، فقد انقسم تلاميذه بعد وفاته قسمين؛ قسم يساري يمثله مثل لودفيج فيورباخ، وفيما بعد يتطور مع ماركس وأنجلز كتطويرهم للديالكتيك، وقسم يميني بقي محافظا على الميول المثالية والمطلق؛ فكذلك أرسطو، فقد كان فيلسوفا مثاليًا، وبما أنه قد مات وترك إرثًا فلسفيا فقد انقسم مريدوه قسمين: قسم يساري مادي مثله ابن سينا وابن رشد والفلاسفة العرب، وقسم يميني مثالي مثلته الكنيسة.
وذي فكرة غاية في الركاكة، قائمة على التأمل والبحث عن أسلاف لذوي النزعات التنويرية من المعاصرين، لا أنه بحث قائم عن تحليل دقيق.
أستغربُ ابتداء من اعتبار ”بلوخ أن المفكرين العرب الإسلاميين قد أنقذوا النور اليوناني وساهموا كذلك في تطويره" (١) فالأرسطية التي صارت مسخرة من وجهة نظر العلم الطبيعي، أو حتى في جوانبها الميتافيزيقية المثالية، أو المنطقية، ما المرجو من إحياء فروعها العربية؟
والكاتب ركيك، يتعامل بلغة براغماتية، لا بلغة علمية، خذ مثلا قوله عن ابن سينا وابن رشد ”فهم أطباء وليسوا رجال دين، ذوو نزعة طبيعية وليسوا بفقهاء” (٢) ثم تراه بعد عشر صفحات يستدل بكتب ابن رشد، لكن لا يفطن لرسوخ قدمه في الفقه المالكي، وهو مؤلف كتاب ”بداية المجتهد ونهاية المقتصد“، فكل هذا التدليس غايته السطحية؛ جعل الاشتغال بالفقه والعلوم الشرعية مناقضا لتعلم الطب والفلسفة، هذا وابن رشد كاد يقول بنبوة أرسطو! فكيف بما لا يحصى كثرة من الأطباء كابن النفيس الذي كان شديد الوطأة على الأرسطية؟ كيف بالفيلسوف هبة الله ابن ملكا الذي نقد المنطق وميتافيزيقا أرسطو، والقول بقدم الأفلاك؟.
ثم يريد إرنست بلوخ أن يجعل إنكار ابن سينا لمعاد الأجسام مبنيًا على رؤيا علمية طبيعانية، فيقول ”لدى المدرسيين العرب... يرجَّح العلم على الفقه حتى في شرحهم لسور القرآن مثلما ينص على ذلك كتاب المعاد حيث ينفي ابن سينا في شرحه للسورة ٣٦ حشر الأجسام يوم القيامة" (٣) لكن لا يقدم الاستدلال العلمي السينوي، لأن ابن سينا يبني نفي معاد الأجسام على مقدمة مثالية؛ وهي أن عالم الغيب معقول، ولا يصح اختلاط الجسم المحسوس بالمثالي المعقول، وذي هي عين الأرسطية، بداية من العقول المفارقة والعقل الفعال وأن المحرك الذي لا يتحرك إنما هو عقل يعقل ذاته فقط، وصولا للقول بأن العقل جوهر، لا عرض. فلا علاقة للبواعث العلمية الطبيعانية بالمسألة أصلا. بل ابن سينا كان يتسق مع الأرسطية التي بدأت قائلة أن ”العالم المرئي: لا يمكن أن يكون تدبيره إلا بعالم لا يرى"(٤) فالنفس أو الروح التي تنتمي أصالة لعالم المثل الذي لا يرى، لا يتسق على مذهب المثاليين أن ينحشر الجسم المرئي معها عند المعاد.
"فابن سينا لكونه أكثر اتساقا مع المثالية، فقد جعل البعث ذا طبيعة مثالية خالصة عبر عنه بالبعث الروحاني" (٤)
باسم بشينية
Photo
حول إرنست بلوخ واليسار الأرسطي (٢)
ثم يرى إرنست، أن "الصوفية لم تكن معادية للسنة فحسب بل كانت أيضا معادية للحكمة"(٥) فهو يجعل الغزالي الممثل الحصري للصوفية، ويغفل عن التصوف الفلسفي الذي بني أصالة على ما في كتب الغزالي كالمشكاة والجواهر والإحياء؛ لتعاد صياغته في قالب أدبي لدى ابن عربي وابن سبعين، فتتجلى الأرسطية في صورتها الحلولية في مسألة الهيولى والصورة، فيذهب ابن سبعين إلى أن الرب مادة والخلق صورة، ويذهب ابن عربي إلى أن الخلق مادة والرب صورة، فيقول الأول بحلول الخلق في الرب، ويقول الثاني بحلول الرب في الخلق، وذي بحوث متقدمة، ليست بالغامضة على ابن تيمية الذي فصّلها في بغية المرتاد، لكن إرنست يتعامل مع المباحث بنفسية أستاذية متعالية، خالية عن النقد الذاتي والتدقيق في المباحث، وكأنه صحفي.
ومن ذلك تحويره لكلام ابن الطفيل، أن ابن الطفيل في رواية حي بن يقضان نقل عن الفلسفة المشرقية لابن سينا نقلا "جاء فيه بتصريح العبارة أن الحق لم يتضمنه النص الديني القرآني فحسب! بل نجده أيضا في الفلسفة الأرسطية"(٦)
فهذا من الكذب، فإني قرأت رسالة ابن الطفيل، ولم أجد فيها مجازفة صريحة كهذه، فأقصى ما تجد فيها أن ابن الطفيل يعتبر الفيلسوف الذي أدرك بعقله، خير من النبي الذي أدرك بالوحي.
يقول إرنست بلوخ أن "ابن سينا يمثل... بداية بروز النزعة المادية"(٧) فذي مزحة ثقيلة من صحفي أجنبي عن البحث الفلسفي، وصدق ما قاله مترجم الكتاب من أن بلوخ "لم يكن مستشرقا حاذقا للغة العربية ولا متخصصا في العلوم والحضارات الشرقية" (٨) فإن ابن سينا في نظر المادية الماركسية كان قد "انحرف عن بعض المشاكل الأرسطية نحو الأفلاطونية الجديدة، وهو فيلسوف مثالي، وفي فلسفته تنحط المثالية إلى درك التصوف الإشراقي"(٩)، فليس ماديًا، ولم يعبر عن نوازع مادية، بل كان فيلسوفا مثاليًا.
المراجع:
(١) ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي، إرنست بلوخ، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، نقله من الألمانية إلى العربية محمد التركي ٢٠١٢م، ص٥-٦.
(٢) المرجع السابق، ص٦٠.
(٣) المرجع السابق، ص٦٠.
(٤) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، يوسف سمرين، ص٥٨.
(٥) مقولة الكندي، من كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب، دراسة وتحقيق عبد الأمير الأعسم، الهيئة المصرية للكتب، القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٨٩م، فصل: رسالة الحدود للكندي، ص١٩٨.
(٦) إرنست بلوخ، مرجع سبق ذكره، ص٦٧.
(٧) المرجع السابق، ص٧٢.
(٨) المرجع السابق، ص٧٤.
(٩) المرجع السابق، ص٤٠.
(١٠) الموسوعة الفلسفية، بإشراف روزنتال ويودين، دار الطليعة، ص٨، بواسطة يوسف سمرين: القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، ص٥٩.
ثم يرى إرنست، أن "الصوفية لم تكن معادية للسنة فحسب بل كانت أيضا معادية للحكمة"(٥) فهو يجعل الغزالي الممثل الحصري للصوفية، ويغفل عن التصوف الفلسفي الذي بني أصالة على ما في كتب الغزالي كالمشكاة والجواهر والإحياء؛ لتعاد صياغته في قالب أدبي لدى ابن عربي وابن سبعين، فتتجلى الأرسطية في صورتها الحلولية في مسألة الهيولى والصورة، فيذهب ابن سبعين إلى أن الرب مادة والخلق صورة، ويذهب ابن عربي إلى أن الخلق مادة والرب صورة، فيقول الأول بحلول الخلق في الرب، ويقول الثاني بحلول الرب في الخلق، وذي بحوث متقدمة، ليست بالغامضة على ابن تيمية الذي فصّلها في بغية المرتاد، لكن إرنست يتعامل مع المباحث بنفسية أستاذية متعالية، خالية عن النقد الذاتي والتدقيق في المباحث، وكأنه صحفي.
ومن ذلك تحويره لكلام ابن الطفيل، أن ابن الطفيل في رواية حي بن يقضان نقل عن الفلسفة المشرقية لابن سينا نقلا "جاء فيه بتصريح العبارة أن الحق لم يتضمنه النص الديني القرآني فحسب! بل نجده أيضا في الفلسفة الأرسطية"(٦)
فهذا من الكذب، فإني قرأت رسالة ابن الطفيل، ولم أجد فيها مجازفة صريحة كهذه، فأقصى ما تجد فيها أن ابن الطفيل يعتبر الفيلسوف الذي أدرك بعقله، خير من النبي الذي أدرك بالوحي.
يقول إرنست بلوخ أن "ابن سينا يمثل... بداية بروز النزعة المادية"(٧) فذي مزحة ثقيلة من صحفي أجنبي عن البحث الفلسفي، وصدق ما قاله مترجم الكتاب من أن بلوخ "لم يكن مستشرقا حاذقا للغة العربية ولا متخصصا في العلوم والحضارات الشرقية" (٨) فإن ابن سينا في نظر المادية الماركسية كان قد "انحرف عن بعض المشاكل الأرسطية نحو الأفلاطونية الجديدة، وهو فيلسوف مثالي، وفي فلسفته تنحط المثالية إلى درك التصوف الإشراقي"(٩)، فليس ماديًا، ولم يعبر عن نوازع مادية، بل كان فيلسوفا مثاليًا.
المراجع:
(١) ابن سينا واليسار الأرسطوطاليسي، إرنست بلوخ، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، نقله من الألمانية إلى العربية محمد التركي ٢٠١٢م، ص٥-٦.
(٢) المرجع السابق، ص٦٠.
(٣) المرجع السابق، ص٦٠.
(٤) القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، يوسف سمرين، ص٥٨.
(٥) مقولة الكندي، من كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب، دراسة وتحقيق عبد الأمير الأعسم، الهيئة المصرية للكتب، القاهرة، الطبعة الثانية ١٩٨٩م، فصل: رسالة الحدود للكندي، ص١٩٨.
(٦) إرنست بلوخ، مرجع سبق ذكره، ص٦٧.
(٧) المرجع السابق، ص٧٢.
(٨) المرجع السابق، ص٧٤.
(٩) المرجع السابق، ص٤٠.
(١٠) الموسوعة الفلسفية، بإشراف روزنتال ويودين، دار الطليعة، ص٨، بواسطة يوسف سمرين: القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، ص٥٩.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
المشهد الذي يتكرر دائمًا:
–السائل: ما كان يقول الملحد قبل أن يسلم على يديك؟
– الأشعري: كان يقول: لا إله داخل العالم ولا خارجه.
–السائل: وماذا صار يقول بعد أن أسلم على يديك؟
– الأشعري: الله لا داخل العالم ولا خارجه. 😃
–السائل: ما كان يقول الملحد قبل أن يسلم على يديك؟
– الأشعري: كان يقول: لا إله داخل العالم ولا خارجه.
–السائل: وماذا صار يقول بعد أن أسلم على يديك؟
– الأشعري: الله لا داخل العالم ولا خارجه. 😃
لا يوجد من يقول أن الملحد والأشعري سواء، بل لا عاقل يقول بذلك.
لكن المقولات الكلاسيكية في ذي النواحي لم تعد مقنعة بالمرة، كي تتكلم يجب أن تكون مطّردًا، ذا بحث شامل، يستوعب القضايا بما يسمى بـ "النظرية"، التي لا تغفل جليلًا كما لا تغفل تفصيلًا.
الأشعرية ليست عقيدة أصيلة، بل هي عقيدة خنثى، والكثير من مقالاتها خصوصا المتأخرة بنيت على فلسفة من كان يعبد نصف إله مع بعض كواكب، مع التصريح بنفس المقالات أحيانًا، والقول بإمامة أصحابها كأرسطو وأفلاطن أحيانًا أخرى، فذي النقطة إن قيل أن الأشعري الذي صار داخل دائرة الإسلام يُكست عن أشعريته لأنه لم يبق ملحدًا، أو لنتكلم في الإلحاد ولا نتكلم في الأشعرية، فهذا بؤس منهجي يقتل البحث العلمي النقدي، فكيف إذا تبيّن أن صناديد الإلحاد ومؤسسيه كان السبب الأصيل في إلحادهم؛ تلك المقالات اللاهوتية التي تتقاطع فيما لا يحصى كثرة مع المقالات الأشعرية ونحوها!
فهنا أنت أمام عقائد؛ لو ارتقى العقل العربي لمرحلة التنقية من الشوائب المثالية لصارت سببًا مباشرًا في الإلحاد. والتجربة البشرية موجودة أمامنَا!
تخيل كما قيل: أن تكون نافيًا للطبائع، عابدًا للمجرّد، معتقدًا بالمحرك الذي لا يتحرك والميتافيزيقا الأرسطية، قائلا بإمامة أرسطو وأفلاطن، لا بحث أخلاقي لك؛ حيث تنفي التحسين والتقبيح العقليين، لا طبائع للأشياء الطبيعية فضلا عن الإرادة الإنسانية فعلم الطبيعة من جهة؛ علم كفر، كما أن الله يجبر الإنسان ولا يخلق فعله بواسطة إرادة مؤثرة، أين ستثبت ذي العقائد أمام العلوم السياسية حيث تقول بالجبر ونفي الشيء في ذاته، أمام علم الطبيعة حيث نفي الطبائع، نفي السببية، بل أمام العلوم القانونية؛ فلا أثر يحدثه مؤثر، بل وقع القتل باقتران أداة القتل بالمقتول.
على أي شيء سترافع أمام العالم اليوم؟ وأي إلحاد ستقنعه باعتقاد ميتافيزيقا أرسطو، وباقي لوازم القرون الوسطى؟.
ثم يقال ”أن يكون أشعريًا، خير له من أن يلحد“، جميل وشاعري، لكن البحث لا عاطفة فيه! الصواب: لو عممت الأشعرية بدل اللاهوت المسيحي في أوروبا لرأيت نفس المشهد.
من وجهة نظر فلسفية، هي خطوات بطيئة نحو الإلحاد. وقد كان هيوم يقول عن المفوض؛ ”ملحد لا يدري أنه ملحد“، كما كان يقول نيتشه وغيره ”مات الإله“، يعنون به المحرك الثابت الإله الأرسطوطاليسي.
لكن المقولات الكلاسيكية في ذي النواحي لم تعد مقنعة بالمرة، كي تتكلم يجب أن تكون مطّردًا، ذا بحث شامل، يستوعب القضايا بما يسمى بـ "النظرية"، التي لا تغفل جليلًا كما لا تغفل تفصيلًا.
الأشعرية ليست عقيدة أصيلة، بل هي عقيدة خنثى، والكثير من مقالاتها خصوصا المتأخرة بنيت على فلسفة من كان يعبد نصف إله مع بعض كواكب، مع التصريح بنفس المقالات أحيانًا، والقول بإمامة أصحابها كأرسطو وأفلاطن أحيانًا أخرى، فذي النقطة إن قيل أن الأشعري الذي صار داخل دائرة الإسلام يُكست عن أشعريته لأنه لم يبق ملحدًا، أو لنتكلم في الإلحاد ولا نتكلم في الأشعرية، فهذا بؤس منهجي يقتل البحث العلمي النقدي، فكيف إذا تبيّن أن صناديد الإلحاد ومؤسسيه كان السبب الأصيل في إلحادهم؛ تلك المقالات اللاهوتية التي تتقاطع فيما لا يحصى كثرة مع المقالات الأشعرية ونحوها!
فهنا أنت أمام عقائد؛ لو ارتقى العقل العربي لمرحلة التنقية من الشوائب المثالية لصارت سببًا مباشرًا في الإلحاد. والتجربة البشرية موجودة أمامنَا!
تخيل كما قيل: أن تكون نافيًا للطبائع، عابدًا للمجرّد، معتقدًا بالمحرك الذي لا يتحرك والميتافيزيقا الأرسطية، قائلا بإمامة أرسطو وأفلاطن، لا بحث أخلاقي لك؛ حيث تنفي التحسين والتقبيح العقليين، لا طبائع للأشياء الطبيعية فضلا عن الإرادة الإنسانية فعلم الطبيعة من جهة؛ علم كفر، كما أن الله يجبر الإنسان ولا يخلق فعله بواسطة إرادة مؤثرة، أين ستثبت ذي العقائد أمام العلوم السياسية حيث تقول بالجبر ونفي الشيء في ذاته، أمام علم الطبيعة حيث نفي الطبائع، نفي السببية، بل أمام العلوم القانونية؛ فلا أثر يحدثه مؤثر، بل وقع القتل باقتران أداة القتل بالمقتول.
على أي شيء سترافع أمام العالم اليوم؟ وأي إلحاد ستقنعه باعتقاد ميتافيزيقا أرسطو، وباقي لوازم القرون الوسطى؟.
ثم يقال ”أن يكون أشعريًا، خير له من أن يلحد“، جميل وشاعري، لكن البحث لا عاطفة فيه! الصواب: لو عممت الأشعرية بدل اللاهوت المسيحي في أوروبا لرأيت نفس المشهد.
من وجهة نظر فلسفية، هي خطوات بطيئة نحو الإلحاد. وقد كان هيوم يقول عن المفوض؛ ”ملحد لا يدري أنه ملحد“، كما كان يقول نيتشه وغيره ”مات الإله“، يعنون به المحرك الثابت الإله الأرسطوطاليسي.
بالنسبة لعشّاق المراجع، إذا كتبت نقلا وألحوا عن مصدر الكلام ومرجعه (وأحيانا بإضافة علامتي استفهام، أو علامة استفهام وعلامة تعجّب) فاعلم أن ذكرك للمرجع محض حبة مسكّن لا أكثر، لن يعودوا لمعاينة الأصل، ولن يطلعوا على الكتاب جملة.
ولا جماعة ”أريد منهجية“، مع أن المنهجيات في ملتقى أهل الحديث وغيره لا تحصى في مختلف العلوم، لكن هؤلاء يؤكدون لأنفسهم حرصهم على منهجية عدد كبير من الناس ليقارنوا بينها، البعض أقول له ”ابدأ بهذا الكتاب“، فيقلي لأ، أريد قائمة من ثلاثين كتاب.
كي يشعر بالهيبة، لكنه لا يقرأ منها كتابا واحدًا.
كي يشعر بالهيبة، لكنه لا يقرأ منها كتابا واحدًا.
أما الصنف القاتل، فهو الذي يطلب مؤلفات شخص ما، فترسل له عشرين كتابا من مؤلفاته، ثم تخبره أن العنوان الوحيد الباقي ليس متوفرًا على النت، فيقيم الدنيا ولا يقعدها! وينظر لكل المتوفر نظرة استحقار أمام غير المتوفر، ولا يقرأ منها كتابا حتى يأتي غير المتوفر، فإن توفر الكتاب بعد جهد طويل، رماه صاحبنا إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، وألحقه العشرين الآخرين، وصنف ”الرابط من فضلك“ قريب من هذا، غايته حفظ الكتاب في الجهاز ليطمئن، وفقط.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
"قلما ترانا نخلف عقبة من البلاء إلا صرنا في أخرى"
(الأدب الصغير، ابن المقفع، تحقيق: احمد زكي باشا، الطبعة الأولى، ص٧٣)
هذا الاقتباس مرة على مرة أعود لقراءته والتمعن فيه، وكأني أجدد الحِس بألفتي بذلك العهد الطويل بيني وبين تلك العقبات التي إن لم تحل شككت في أمري!
(الأدب الصغير، ابن المقفع، تحقيق: احمد زكي باشا، الطبعة الأولى، ص٧٣)
هذا الاقتباس مرة على مرة أعود لقراءته والتمعن فيه، وكأني أجدد الحِس بألفتي بذلك العهد الطويل بيني وبين تلك العقبات التي إن لم تحل شككت في أمري!
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
ناقش الفكرة، لا تمارس الشخصنة (١)
تحت مسمى خلق العبد لفعله كانت المعتزلة ترى أن الفعل منفصل أسبابه الخارجية، فهي ”بنفيها خلق الله لأفعال العباد جعلت أفعال العباد ناشئة من الإنسان نفسه“ (١) وقد كان ابن تيمية متنبهًا لافتقار ذي المقالة لركائز فلسفية رصينة، فـ ”الفاعل المختار كالإنسان فإن حركته الحاصلة باختياره لا تحصل إلا بقوة من أعضائه... وليس هو الفاعل لأعضائه ولا لقواها، فهو محتاج في فعله إلى أسباب خارجة عن قدرته“ (٢)
إن ابن تيمية حين يوجه هذا النقد لمقالة خلق العبد لفعله، يشرح أن فعل الإنسان لا يصح عقلا أن يُنظَر له بواسطة التقطيع المثالي حيث لا تفاعل بين الأسباب الخارجية لإنتاج الفعل. بل يقال في الفعل: لم يحصل إلا بأسباب خارجية، خارجة عن قدرة العبد أصلا. ولا يقدح تقرير أن الفعل هو نتاج تفاعل العبد مع الخارج في نسبة الفعل للعبد ولا في توجيه المدح أو الذم له لأجل فعله أيا كان. فإن المعتزلة وقعت في ”مشكلة الثنائية بين الفعل اللامادي، والجسد المادي“ (٣)
عندما تقدم نقدًا لشخص، غالبا ما تصعد مقولة ”ناقش الفكرة ولا تتطرق لشخص القائل“ إلى مستوى المسلَّمات، بل صارت في النقاشات عبارة عن مبدأ أخلاقي لا ينبغي تجاوزه وإلا وصف النقد بالتحامل. فإلى أي مدى يمكن تصويب ذي العقلية فلسفيا؟
هذه المقولة تريد الإلزام بنقاش فكر مجرد عن مفكر، نقاش الفكرة بمعزل عن المادة المفكرة، قائلة أن الأفكار لا يتدخل الدماغ المادي في تشكيلها.
لقد كان ابن تيمية يدرك أن ”الدماغ هو مبدأ الفكر والنظر“ (٤) فإن الدماغ هو منتِجُ الأفكار، ونوعية الأفكار التي ينتجها الدماغ متعلقة بوقائع خارجة عنه فإن ”الحقائق الخارجية مستغنية عنَّا، لا تكون تابعة لتصوُّراتنا، بل تصوُّراتنا تابعة لها“ (٥)
فلا يقال بانعزال الأفكار عن الحقائق الخارجية أو المؤثرات الواقعية كنوعية الطعام، الأصحاب، البيئة الخارجية كالمجتمع والأسرة، ما يتعاطى المفكر... إلخ. بل كل ذلك عبارة عن أسباب ساهمت في تشكيل الأفكار لأنها هي ما يتعامل معه الدماغ المفكر ويتعاطاه تصورًا وفكرا ونظرًا.
فعلى أي أساس فلسفي ترتكز مقالة ”ناقش الفكرة فقط ولا تتعرض للشخص“؟ إنها تظهر كما كبيرا من الصبيانية الفلسفية في كل نقاش. إن دراسة الأفكار لا بد أن تتطرق حسب الحاجة إلى دراسة المؤثرات التي يكون دماغ المفكر تابعا لها، فعلى سبيل المثال؛ شخص حياته الشخصية لا تخلو من تتبع الشهوات، لا ينبغي التطرق لنقد فكرته اللبرالية بمعزل عن السبب الخارجي الذي ساهم في تبنيه لها. وإنكار هذا محض مكابرة، فالأفكار في الغالب متوجهة نحو تغيير شخصيات الناس، فأولى بالمفكر ومتبني الفكرة أن تكون حياته الشخصية مساهمة في تشكيل تلك الفكرة. فكون واضع الحد –ليصوِّر القضية– لم يضعه إلا بعد تصوره للقضية الخارجية من غير حد ذهني أول مرة، فإن واضع الفكرة لأجل تغيير الوقائع الشخصية لم يضع فكرته إلا انطلاقا مما ساهم في تشكيلها في الخارج من غير فكرة ذهنية أول مرة. وهذا الخارج المشكل للفكرة ابتداء هو ما يسمى بالمسائل الشخصية، أو الشخصنة. فلا يوجد تبرير فلسفي يقف في صف المتبجحين بتحامل من يقحم المسائل الشخصية والوقائع المؤثرة في تكوين الأفكار خلال نقده لتلك الأفكار.
لا أعرف أي مدرسة نقدية، كانت تنادي بعدم التعرض لشخص المفكر، فإن كان تعريف الجرح الذي يدرسه طلاب علم الجرح والتعديل أنه ”وصفُ الراوي بما يقتضي ردَّ روايته، أو تليينه، أو تضعيفه“ (٦)
فإن وصف الراوي بالكذب أو الفسق أو إتيان خوارم المروءة هو مما يقتضي رد العلم الذي يدعيه بفكره. فلا تجد في التراث من نادى قائلا ”يجب وضع التجريح لشخص المحدِّث جانبًا والعكوف على مجرد نقاش فكرته كالمتن الذي يرويه”. فلا يقول هذا عاقل. فمثل ابن نواس قد كان ”عالما فقيها عارفا بالأحكام والفتيا، بصيرا بالاختلاف، صاحب حفظٍ ونظرٍ ومعرفةٍ بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه."(٧) لكن لم يطلب الشافعي على يديه العلم بسبب فسقه. فلا يوجد فصل بين الفكرة وشخصية المفكر.
أيضًا فإن المعتزلة قد كان فيهم أبو عقار، وقد كان يقول ”إن مباشرة الرجل للرجل فيما دون الفرج من الفخذين وغيرهما حلال“ (٨) فمثل هذا يُستثمر في مقاله ربط حالته الشخصية بما لا يسعه أن يخالفه من مذهبه. فإن قرر تحريم الإتيان فإن هذا كبيرة، فإن أتاه حكم على نفسه بالمنزلة بين المنزلتين، فكي يبرر إتيانَه الرجال يصطنع فكرة تحليل الإتيان بين الفخذين.
تحت مسمى خلق العبد لفعله كانت المعتزلة ترى أن الفعل منفصل أسبابه الخارجية، فهي ”بنفيها خلق الله لأفعال العباد جعلت أفعال العباد ناشئة من الإنسان نفسه“ (١) وقد كان ابن تيمية متنبهًا لافتقار ذي المقالة لركائز فلسفية رصينة، فـ ”الفاعل المختار كالإنسان فإن حركته الحاصلة باختياره لا تحصل إلا بقوة من أعضائه... وليس هو الفاعل لأعضائه ولا لقواها، فهو محتاج في فعله إلى أسباب خارجة عن قدرته“ (٢)
إن ابن تيمية حين يوجه هذا النقد لمقالة خلق العبد لفعله، يشرح أن فعل الإنسان لا يصح عقلا أن يُنظَر له بواسطة التقطيع المثالي حيث لا تفاعل بين الأسباب الخارجية لإنتاج الفعل. بل يقال في الفعل: لم يحصل إلا بأسباب خارجية، خارجة عن قدرة العبد أصلا. ولا يقدح تقرير أن الفعل هو نتاج تفاعل العبد مع الخارج في نسبة الفعل للعبد ولا في توجيه المدح أو الذم له لأجل فعله أيا كان. فإن المعتزلة وقعت في ”مشكلة الثنائية بين الفعل اللامادي، والجسد المادي“ (٣)
عندما تقدم نقدًا لشخص، غالبا ما تصعد مقولة ”ناقش الفكرة ولا تتطرق لشخص القائل“ إلى مستوى المسلَّمات، بل صارت في النقاشات عبارة عن مبدأ أخلاقي لا ينبغي تجاوزه وإلا وصف النقد بالتحامل. فإلى أي مدى يمكن تصويب ذي العقلية فلسفيا؟
هذه المقولة تريد الإلزام بنقاش فكر مجرد عن مفكر، نقاش الفكرة بمعزل عن المادة المفكرة، قائلة أن الأفكار لا يتدخل الدماغ المادي في تشكيلها.
لقد كان ابن تيمية يدرك أن ”الدماغ هو مبدأ الفكر والنظر“ (٤) فإن الدماغ هو منتِجُ الأفكار، ونوعية الأفكار التي ينتجها الدماغ متعلقة بوقائع خارجة عنه فإن ”الحقائق الخارجية مستغنية عنَّا، لا تكون تابعة لتصوُّراتنا، بل تصوُّراتنا تابعة لها“ (٥)
فلا يقال بانعزال الأفكار عن الحقائق الخارجية أو المؤثرات الواقعية كنوعية الطعام، الأصحاب، البيئة الخارجية كالمجتمع والأسرة، ما يتعاطى المفكر... إلخ. بل كل ذلك عبارة عن أسباب ساهمت في تشكيل الأفكار لأنها هي ما يتعامل معه الدماغ المفكر ويتعاطاه تصورًا وفكرا ونظرًا.
فعلى أي أساس فلسفي ترتكز مقالة ”ناقش الفكرة فقط ولا تتعرض للشخص“؟ إنها تظهر كما كبيرا من الصبيانية الفلسفية في كل نقاش. إن دراسة الأفكار لا بد أن تتطرق حسب الحاجة إلى دراسة المؤثرات التي يكون دماغ المفكر تابعا لها، فعلى سبيل المثال؛ شخص حياته الشخصية لا تخلو من تتبع الشهوات، لا ينبغي التطرق لنقد فكرته اللبرالية بمعزل عن السبب الخارجي الذي ساهم في تبنيه لها. وإنكار هذا محض مكابرة، فالأفكار في الغالب متوجهة نحو تغيير شخصيات الناس، فأولى بالمفكر ومتبني الفكرة أن تكون حياته الشخصية مساهمة في تشكيل تلك الفكرة. فكون واضع الحد –ليصوِّر القضية– لم يضعه إلا بعد تصوره للقضية الخارجية من غير حد ذهني أول مرة، فإن واضع الفكرة لأجل تغيير الوقائع الشخصية لم يضع فكرته إلا انطلاقا مما ساهم في تشكيلها في الخارج من غير فكرة ذهنية أول مرة. وهذا الخارج المشكل للفكرة ابتداء هو ما يسمى بالمسائل الشخصية، أو الشخصنة. فلا يوجد تبرير فلسفي يقف في صف المتبجحين بتحامل من يقحم المسائل الشخصية والوقائع المؤثرة في تكوين الأفكار خلال نقده لتلك الأفكار.
لا أعرف أي مدرسة نقدية، كانت تنادي بعدم التعرض لشخص المفكر، فإن كان تعريف الجرح الذي يدرسه طلاب علم الجرح والتعديل أنه ”وصفُ الراوي بما يقتضي ردَّ روايته، أو تليينه، أو تضعيفه“ (٦)
فإن وصف الراوي بالكذب أو الفسق أو إتيان خوارم المروءة هو مما يقتضي رد العلم الذي يدعيه بفكره. فلا تجد في التراث من نادى قائلا ”يجب وضع التجريح لشخص المحدِّث جانبًا والعكوف على مجرد نقاش فكرته كالمتن الذي يرويه”. فلا يقول هذا عاقل. فمثل ابن نواس قد كان ”عالما فقيها عارفا بالأحكام والفتيا، بصيرا بالاختلاف، صاحب حفظٍ ونظرٍ ومعرفةٍ بطرق الحديث، يعرف محكم القرآن ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه."(٧) لكن لم يطلب الشافعي على يديه العلم بسبب فسقه. فلا يوجد فصل بين الفكرة وشخصية المفكر.
أيضًا فإن المعتزلة قد كان فيهم أبو عقار، وقد كان يقول ”إن مباشرة الرجل للرجل فيما دون الفرج من الفخذين وغيرهما حلال“ (٨) فمثل هذا يُستثمر في مقاله ربط حالته الشخصية بما لا يسعه أن يخالفه من مذهبه. فإن قرر تحريم الإتيان فإن هذا كبيرة، فإن أتاه حكم على نفسه بالمنزلة بين المنزلتين، فكي يبرر إتيانَه الرجال يصطنع فكرة تحليل الإتيان بين الفخذين.