باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
"فرفض الإنسانية، يتحقق برفع شعار الإنسانية العابرة، الذي ينظر إليه أنه مرحلة أخيرة، وختامية للإنسانية، ويهدف إلى تضليل الطبيعة البشرية ذاتها التي تمثل الجسد غير الكامل والوعي الضعيف.
هذا يعني القضاء الذاتي على الإنسانية، إذا أعلن أن حق الإنسان، يكمن في أن يظل الإنسان قابلا للتعديل حتى لا يعود إنسانا".

(دكتاتورية المستنيرين.. روح الإنسانوية العابرة وأهدافه، أولغا تشيتفيريكوفا، ترجمة: باسم الزعبي، الآن ناشرون وموزعون، ص٨-٩)
"يتلخص مدخل الإنسانوية العابرة الردكالي الجديد في فهم الإنسان على أنه ذاته ينظر إليه فقط على أنه مرحلة انتقالية على طريق ما بعد الإنسان، الكائن الذي سوف يمتلك ذكاء خارقا، وسيكون حرا من الأمراض، وسيتوصل إلى الخلود والشباب والحيوية الدائمين.

بمعنى أنه سيتحول كاملا إلى مخلوق اصطناعي".

(دكتاتورية المستنيرين.. روح الإنسانوية العابرة وأهدافه، أولغا تشيتفيريكوفا، ترجمة: باسم الزعبي، الآن ناشرون وموزعون، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص٩)
"الحضارة تعد محاولة ضخمة لملء غياب الله، في الحضارة يحاول الناس نسيان الله أو تغييره: أسره في قيود حديدية، الاستسلام للأعباء الأرضية والقوة التي يصعب اختراقها، أو استبداله باحتفاليات الفن، أو بالتعزية بالموسيقى المضجرة".

(دكتاتورية المستنيرين.. روح الإنسانوية العابرة وأهدافه، أولغا تشيتفيريكوفا، ترجمة: باسم الزعبي، الآن ناشرون وموزعون، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص٢٦)

لوسكي في اللاهوت الدوغمائي: برج بابل هو اختراق غاصب في الحضارة التي تخلو من الله، وهي تعبير عن رغبة البشر الأرضيين الجامحة للسيطرة على السماء.
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان (١)

لنتفق أولا أن مصطلح الإنسانية ليس متعارفا عليه بمدلول ثابت في الفلسفة، ابن سينا مثلا كما في الإشارات يتعرض للمصطلح قائلا:

"الإنسانية فإنها في نفسها حقيقة ما، وماهية، ليس أنها موجودة في الأعيان، أو موجودة في الأذهان مقوما لها، بل مضافا إليها، ولو كان مقوما لها لاستحال أن يتمثل معناها في النفس خاليا عما هو جزؤها المقوم لها"

هذا يعني أنها "هي المعنى الكلي المجرد الدال على ما تتقوم به ماهية الإنسان"

وابن تيمية لما تعرض لمسألة تركيب الإنسان من جوهرين: الحيوانية، والناطقية، تعرض لمسألة كون الإنسانية معنى كلي مجرد، ولم يتلق هذا المفهوم الأرسطي قبولا عنده، فأوضح أن المنهج الواقعي لا يتفق مع هكذا طرح، وقال:

"قولنا: هذه الانسانية مثل هذه، ليس المراد أن إنسانية زَيد الموجودة في الخارج هي بعينها إنسانية عَمر الموجودة في الخارج، فإن هذا مكابرة للحس لا يقوله عاقل فإن إنسانية كل إنسان صفة قائمة به وصفة الموصوف لا تقوم بغيره".

فأعرب عن كون الإنسانية كمطلق ليس لها وجود في الخارج وليست واقعية، بل في الخارج تجد أناسا، ولكل واحد منهم إنسانية تخصه تباين إنسانية الآخر. وعليه ليس صحيحا أن يُجمع على مجموعة قيم تُحصَر وفق تفلسف مبني على عقليات غير مرتبة ليست من قبيل التحسين العقلي، ويقال فيها أنها قيم إنسانية بحيث تضع تصديق مسبق لمقدمة اتفاق جميع الناس على أن هذه القيمة مركوزة في نفوسهم، وأنها خيرٌ يجب السعي له، فمن الخير في الإسلام أن يُرجم الزاني المحصن، وتقطع يد السارق، أما في الخطاب الإنسانوي تجد أن هذا الحد ليس بخير في منظورهم، بل السعي تجاه هذه الحدود يكون في منحى التعطيل لها. وعليه يتسرب المفهوم بوعي أو بغير وعي لبعض المسلمين فيقول أحدهم "إنسانيتي لا تسمح لي بالفرح بقطع يد السارق"، ولذا ترى كما يذكر ابراهيم الرماح عدولا عن العزة بالإسلام في تكريم بني آدم بالإسلام، إلى العزة بدين الإنسانوية ويقال نحن أناس قبل أن نكون مسلمين، ويتناسى أصحاب ذي الأقوال من الإسلاميين قوله تعالى (هو سماكم المسلمين)

في المعاجم الفلسفية، وحتى في الكتابات التي اهتمت بالإنسانوية، ترى طرحا يدل على التلازم بين كون الشخص داعي للإنسانوية وبين كونه علمانيا، حتى ظهر مصطلح الإنسانية العلمانية، تجد في المعجم الفلسفي لمصطفى حسيبة، تعريفا للانسانية العلمانية قائلا:

"الانسانية العلمانية، هي فلسفة إنسانية تعلي من شأن العقل والأخلاق والعدالة، لكنها ترفض التقاليد والطقوس الدينية كوسيلة لضمان صلاح الإنسان وجودة الحياة الإجتماعية، درج هذا المصطلح في القرن العشرين ليشير بوضوح على الفارق عن الإنسانية الدينية".

إذا، هي ترفض كون التقاليد و[الطقوس] الدينية وسيلتان لضمان صلاح الإنسان وجودة حياته الإجتماعية.

ضمان صلاح الإنسان وجودة حياته الإجتماعية التي يكون فيها ترسيخ لذي القيم، لا بد أن يكون فيها جملة مقالات تذاع كبيان للمبدأ والغاية في فعل الأصلح، مثلا في سياق "العمل التطوعي"، إن العمل التطوعي الخيِّر المتأثر بهذه القيم التي تجعل مبادئها مباينة للدين وما في معناه، يضع لنفسه الدافع والغاية بحيث لو نقبت بين طياته هل الدافع ديني؟ أو عقلي [التحسين العقلي]؟ سيقال لك لا، المشترك الإنساني. وهل الغاية هي تحصيل الثواب الأخروي؟ سيقال لك لا، استجابة طبيعية للذات الإنسانية.

قد يقول البعض أن الإنسانوية جذابة بفعل تحسينها عقلا، فهي تسعى حقا لتكريم الإنسان ورفع شأنِه، نعم، لكن هل تكريم الإنسان شيء خارج عن دائرة النقاش؟

يتبع
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان (٢)

تكريم الإنسان في الفلسفة الإنسانوية يهمل ما نقلته من كلام ابن تيمية سابقا، في أن إنسانية عمر جزئيا أي واقعيا مباينة لانسانية زيد، والتفضيل من جنس التكريم، فلكي ألغي تفضيل المسلم على الكافر علي أولا أن ألغي هذا التقسيم، وهنا يبرز تبرير الإنسانويين في إلغاء التقسيم الذي قيل فيه أنه من جنس خطاب الكراهية، فعندما يكون الناس قد جاؤوا بفعل الخالق، فالخالق يفرض عليهم شرعا، ومن لم يتبعه فهو كافر به، وعليه: من اتبعه صار مفضَّلا عند الخالق ومن اتبع شرعه على من لم يتبع. فتخرج هنا مسألة "ما هي النظرية التي من شأنها جمع كل الناس من غير تفريق بينهم إلى مؤمن وكافر، أي إلغاء مسألة الولاء والبراء؟

تخرج هنا نظرية التطور كملاذ أوحد للإنسانوية في أن كل الناس سواسية ولا ينبغي بوجه أن يكون هذا أفضل من هذا، لكن نرى في الفكر الغربي ما يسمى بالتمركز حول الذات، فما الذي جعلهم يحيدون عن القول بسواسية كل الناس في التفضيل والتكريم وإعلاء الشأن؟ جيء بموضوع التفاوت الطبيعي بين الأعراق، وهو نفس ما برر به جون ستيوارت مل توافق الليبرالية مع الحملات الاستعمارية، قائلا بأن الدول المتخلفة، والتي لا تتمتع بوعي كبير، فالحق للدول العظمى أن تقودها.

إذا موضوع تكريم الإنسان، لم يعد خاضعا لتصور متفق دوما، فليس دافع التكريم المطلق تحسينا عقليا، أو تحسينا شرعيا، لا، بل هو هنا اتساق مع الداروينية، فلكل الناس الأصل المشترك، وبذا وقع إقصاء التوجه الديني، ومعلوم أن الباري لما كرم بني آدم، قال أيضا (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فوَضعت الإنسانوية التقسيم جانبا (تقي/غير تقي) = (مؤمن/ كافر) اتساقا مع وضع القول بأن التكريم يتحاكم للتساوي في الأصل المشترك، لا للدين أصلا.

يتبع
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان (٣)

فيما سبق رأينا التباين بين مفهوم تكريم الدين للإنسان، وبين مفهوم تكريم الإنسانوية له، لكن قد يقع السؤال: ما قال المؤلفون في تعريف الإنسانوية؟ فلننقل ما قيل في ذلك.

رائف بارتون بري في كتاب: إنسانية الإنسان، يقول: ليس هنالك تعريف دقيق للمذهب الإنساني. لكن لنعرِف أن التصور للمذهب الإنسانوي ثابت في الأذهان، ويمكن تصور ذلك من خلال استيعاب ذي المصطلحات: الإنسانية، الإنسانوية، الإنسية، النزعة الإنسانية، المذهب للإنساني، الدين الإنساني، الهيومانية، لذلك قال ابراهيم الرماح أن هذه المصطلحات كثيرا ما تستعمل ترادفيا لتأدية معنى واحد، وإن كان البعض بفرق بينها، والمراد بهذه العائلة من المصطلحات في الجملة رفع قيمة الإنسان وتأليهه أحيانا، وجعله في مركز الكون.

والإنسانوية، لفظ يستعمل أيضا ما يرادفه: الإنسية، فيقول قائل لماذا لا يقال: الإنسانية؟ ليس هذا تباينا في المفاهيم وإنما جاء لفظ الإنسانوية كدلالة على المبالغة والغلو في الإنسانية، وعليه تكون الإنسانية كجزء من المعنى لا يعني أنها تخالفه.

لالاند في معجمه الفلسفي، يتعرض لتعريف الإنسانية بمعناها الفلسفي، قائلا: "يشير معنى الإنسانية إلى تصور عام للخياة السياسية والاقتصادية والأخلاقية، والمبدأ الذي يؤسسها هو الاعتقاد في خلاص الإنسان بواسطة القوى الإنسانية، ويتعارض هذا مع الاعتقاد بكيفية صارمة مع المسيحية، إذا كانت تدل على أن خلاص الإنسان إنما يتوقف فقط على حقوق الله، وقوة الإيمان". (الموسوعة، ص٥٦٨)

ووالتر ليبمان يتعرض للمصلطح قائلا: الإنسانوية مذهب يعيش الناس في ضله معتقدين أن الواجب هو أن يجعل الإنسان إرادته مطابقة لا لإرادة الله، بل لأفضل معرفة لشروط السعادة البشرية.

عبد الرزاق بلعقروز في كتابه "قوة القداسة: تصدع الدنيوية واستعادة الديني لدوره" يوضح أهم مبدأ تتعلق به الإنسانوية، قائلا أنها تعني "التعلق بالحياة الدنيا وحدها، والانفصال عن أية دلالة أخروية".

يتبع.
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان. (٤)

ابراهيم الرماح يضيف لما ذكره بلعقروز من مبادئ الإنسانوية ما يلي: التعويل على العقل وحده والانفصال عن توجيه الوحي.

وفي هذا ترى تلك النزعات التي برزت في مقالات بعض الإسلاميين، كمنهج يحصر التعويل على العقل وحده من غير خضوع لتوجيه الوحي، ومن تلك المقالات القول بأفضلية الناظر في إثبات الباري على مجرد المطمئن بالوحي وخبر الرسول، بل ينساق في هذا تحكيم العقل على النقل أيضا.

بل يفرض الإلزام نفسه على من قال بمطلقية تقديم العقل على النقل على أن يكون خادما لأصول الطرح الإنسانوي، ومثل ذلك إلزام بعض أصحابنا خدمة الطرح المعتزلي للطرح العلماني، ففصل الدين عن الدولة، يعني فصل الشرع عن فعل الإنسان للدولة، وهنا ترى خدمة الإعتزال للمشروع العلماني، ففصل الدين عن الدولة، يخدمه -فلسفيا- القول بفصل خلق الله لفعل العبد، ومن فعل العبد تأسيس الدولة.

المقالات التي تقول بالتقديم المطلق للعقل على النقل، وكحاكم عليه، وأن التعارض بينهما يوجب تقديم العقل على النقل مطلقا، فإن ذي المقالة تخدم إعلاء شأن الذات الإنسانية المحتوية على العقل، على الذات الإلهية، وهنا يبرز معنى الإنسانوية بشيء من التفصيل، ولنقل مثلما عبر هنري لوفابر في كتابه "هذه هي الماركسية" أن الإنسانية في حقيقتها جاءت في مقابل الإلهية، كنهاية لإخضاع الإله للعقل الإنساني.

مذهب المعتزلة، في مسألة خلق العبد لفعله وأن الباري لا يخلق أفعال العباد، تمهيد لا يضر في الطرح الإنسانوي، فالإنسان وفق هذا له استقلال تام في تخليق أفعاله، بل هي صادرة عن ذاته من حيث الخلق، لا عن رب يخلقها، فوقع تغليب للجانب الإنساني عن الجانب الإلهي، ولذا نجد اتساقا بين المعتزلة وبين أصول الإنسانوية: على أنها اعتقاد دال على أن فعل الإنسان واقع بواسطة القوى الإنسانية، لا بواسطة الإله.

فيما سبق طرحنا موضوع التساوي المطلق بين الناس في الطرح الإنسانوي، وإذا بحثنا في مقالات المعتزلة نجد اتساقا لمثل هذا، وقد ذكر غير واحد من الباحثين أن من بين ما يميز الجانب الإنساني في البناء الفكري للمعتزلة، تناولهم قضية المساواة والمفاضلة كقضية إنسانية وأخلاقية عظيمة.
ومن نماذج التأثر بالنزعة الإنسانية في المذهب الإعتزالي انعكاس التنظير الكلامي في أقوال فقهائهم أمثال أبي بكر الأصم، وابن علية كالقول بأن دية المرأة تساوي دية الرجل، مخالفين في ذلك كل المذاهب الفقهية.

يتبع
حول الإنساوية، وتأليه الإنسان (٥)

أولغا تشيتفيريوكوفا في كتابها الصادر حديثا في أفريل ٢٠٢٠ تتعرض لمسألة تحويل المخلوق بحيث تحدث تجربة الصنع، أو التعديل عليه، فيكون الإنسان قابلا للتعديل حتى لا يعود إنسانا فيخرج عن إنسانيته، ثم تربط بين مفرزات الغنوصية والفكر الغربي الحالي فتقول:

"بالرغم من أن الغنوصية قد هُزِمَت، إلا أن أفكارها ورموزها لم تختلف عن الفكر الغربي وبقيت آثارها حاضرة في بدع المانوية... التي تتحول في النهاية إلى حركات سرية فئوية تمارس الخيمياء وتسعى لإيصال الإنسان إلى الوعي الإلهي عن طريق العمليات الخيميائية في تحويل الأشياء"

ابن تيمية في مواجهة الكيمياء التي من شأنِها البرهنة على التطابق بين المخلوق والمصنوعة عبر التحويل، يظهر ذكاء الرجل وتماسك طرحه في أن النزعة التحويلية للأشياء المصنوعة لتطابق المخلوقات غير ناجعة، بل من شأنها إنتاج المصنوع الذي يشبه من وجوه فقط، فالمعدن الذي يقع تحويله للذهب، يفقد جوهره كمعدن أصلي، ويفقد جوهر الذهب، فلا يكون إلا شبيها من بعض الوجوه.

وتمركز طرح ابن تيمية على أنه من غير الممكن أن يطابق المخلوق المصنوع، ابن تيمية في تعرضه لمسألة الكيمياء، نرى أنها كانت تستعمل فيما سبق لتحويل المعدن الرخيص إلى ذهب وفضة، ليطابق بهذا ذلك المعدن المصنوع المعدَنَ المخلوق: الذهب.

فقال: "وكذلك المعادن كالذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص، لا يستطيع بنو آدم أن يصنعوا مثل ما يخلقه الله، وإنما غايتهم أن يشبهوا من بعض الوجوه، فيصفرون وينقلون مع اختلاف الحقائق".

فكذلك الإنسانوية العابرة، فإنها لا تنتج إنسانا كما قالت أولغا "يمتلك الذكاء خارقا، وسيكون حرا من الأمراض، وسيتوصل إلى الخلود والشباب والحيوية الدائمين" بل تنتجه شبيها من بعض الوجوه، لكن متنصلا عن إنسانيته، إلى مرحلة ما بعد الإنسانية، مع تباين في الحقائق الجوهرية، بين الإنسان المخلوق، والإنسان المُعَدَّل، أو المصنوع.

وحري بحوادث مثل كورونا، أن تكشف اللثام عن فراغ يد الإنسانوية في تشكيل الإنسان المُعَدَّل والخالد، الأمر الذي أفرغ يده حتى على اكتشاف دواء يضمن له الحرية المطلقة من المرض.

يتبع
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان (٦)

نرى أن من كتب حول الإنسانوية، وأصولها الفلسفية، يدرج دوما موضوع تأليه الإنسان، وأن هذه هي الغاية القصوى عند الإنسانويين، لكن قلما نرى استحضارا لمقالة "التشبه بالإله قدر الطاقة".

ابن تيمية في غير موضع من كتبه الفلسفية، يحكي حول هذا المقال، لكن لو ركزنا على طرحه، لرأينا أن التشبه بالإله قدر الطاقة، هو قول يوناني، تسرب عبر حركات الترجمة للإسلاميين، ممن وسموا بالمشائين تبعا لأرسطو وأصحابه.

أولغا، في كتابها ديكتاتورية المستنيرين، ذكرت أن مارسيليو فيتشينو، كان يؤكد مرارا "أن الإنسان لا يريد من هو أعلى منه، ولا ما هو مساو له، ولا يسمح أن يوجد فوقه أي شيء، بل يسعى للسيطرة على كل مكان... وأن يشبه الله في كل مكان".

عبارة أن الإنسان يريد أن يشبه الله في كل مكان، في أصلها هي عبارة يونيانية، لا أن أصلها مارسيليو فيتشينو.

الفيلسوف أبو البركات هبة الله ابن ملكا، في كتابه المعتبر من الحكمة الإلهية، يذكر عن قدماء المشائين قولا في الإليهات، فيقول:

"يظهر من المتداول في كلام القدماء أن المراد بلفظ إله، هي معنى إضافي بالقياس إلى من هو إله له".

ابن تيمية في كتاب الصفدية، يشير إلى أن لفظ الإله عندهم، لا يحمل معنى الإله عند العرب، بل قد يكون الإله فيهم معلم ويكون المتأله هو المتعلم، وعليه يقع التشبه بالإله قدر الطاقة حتى يصل إلى التشبه بالإله الأعظم. ولذلك قالوا: الفلسفة هي التشبه بالإله قدر الطاقة.

قال ابن تيمية: وهذا الذي حكاه عنهم مطابق لما حكاه سائر الناس عنهم أن الفلسفة عندهم هي التشبه بالإله على قدر الطاقة.
وذكر لله معنى آخر وهو الفاعل الذي لا يرى وله سلطان وجعل الملائكة هي الآلهة بهذا التفسير وبين أن العلم الإلهي يتكلمون فيه على جنس الآلهة ثم على صفات الإله الأكبر الذي هو إله الآلهة فالإلهية عند القوم أمر مشترك بين الله وبين الملائكة وبين المعلمين ومن نقتدي به.

إلى أن قال في الفارق بين لفظ الإله عند مشركي العرب، وبين لفظه عند المشائين:

"وهذا الشرك شر من شرك مشركي العرب فإن أولئك وإن أشركوا بالوسائط وقالوا هم شفعاؤنا عند الله وقالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى فلم يكن التأله عندهم بمعنى التشبه والإقتداء بل بمعنى العبادة والذل والمحبة.

وهؤلاء (أي المشائين) مع عظيم شركهم بالله بمخلوقاته جعلوا التأله هو التشبه بالإله لا أنه يحب ويعبد ويدعى ويسأل ولهذا لم تكن الآلهة مختصة بالله عندهم لأن التشبه مبناه على أن الأدنى يتشبه بالذي فوقه والذي فوقه يتشبه بمن فوقه حتى ينتهي إلى الغاية ولهذا سموه إله الآلهة".

فيظهر أن مقالة تأليه الإنسان تشبها بالإله، ترجع في جذورها إلى الأرسطية، ولو كان الأمر مشتركا بينها وبين فلسفات أخرى إلا أن عقيدة القدماء من الفلاسفة كانت تنطوي على القيم التي برزت الآن في الطرح الإنسانوي.

ومن ذلك قول لوك فيري في كتابه الإنسان المؤله: لم نفتأ نشاهد تأليها للإنسان بطيئا ومحتوما.

يتبع
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان. (٦)

ابن تيمية له كتاب صدر حديثا وهو قاعدة في أن كل دليل عقلي يحتج به مبتدع ففيه دليل على بطلان قوله.

في هذا الكتاب يذكر مذاهب أساطين المقالات التي تأثر به المبتدعة من الإسلاميين، ويقارن بينها، ويذكر قول أرسطو بقدم الفلك، وقول ابن سينا بإيجاب الله للفلك، ثم يذكر قول القدرية في أن الرب لا يخلق فعل العبد، ويقارنه بقول المجوس في أن الرب لم يخلق فعل الشيطان، على قول منهم في قدم إبليس بقدم الباري سبحانه، ثم يتطرق لقول الحرنانيين بأزلية النفس وتأثير ذلك في المقالات التي قالت بتأليه الإنسان.

فيقول: "وأما الحرنانيون وإن كانوا يقولون بحدوث الأفلاك، فإنهم يقولون بأن النفس قديمة أزلية مستغنية عن الرب، ويقولون أيضا بقدم المادة والدهر والخلاء... فهؤلاء يجعلون النفوس البشرية شركاء لله آلهة من دونه، كما جعل أولئك الجن شركاء لله... فظهر تأثير ذلك في أن كثيرا من البشر ادعوا الإلهية وادعيت لهم، وهو دعوى إلهية النفس".

ومصر كانت تأوي بقراط وكثير من الفلاسفة والسحرة، ولذا لا يستغرب تأثر فرعون مدعي الإلهية بمقالهم.

وإن يكن النشاط الإنسانوي المعاصر لا يتقاطع كثيرا مع الطرحين الحرناني والمشائي في إثبات الرب، إلا أن مسألة تأليه الإنسان، ومساعي الإنسانوية الحديثة كانت تقول بها مذاهب شتى، وقد كان لابن تيمية فضل التصدي لها في مختلف مؤلفاته، الأمر الذي غفل عنه الغافل عن إدراك النسق الفلسفي لابن تيمية، وتم استبعاد بناء صرح فلسفي مبني على معقولات محضة في مواجهة ما نستقبل من فلسفات كفرية، حتى أضحى البناء في رد مذاهب الإلحاد مبنيا عند أكثر أصحابنا السلفيين على التراث المسيحي. ولو قام مجتهد في الطلب، كامل في القريحة وانتصب لفهم وتعقّل كلام ابن تيمية في ضوء ما نعاصر اليوم، لوجد فيه توجيها وخيرا كثيرا، والله المستعان.

هذه المقالات، كتبتها على عجالة، من غير مراجعة لأكثر المراجع التي بنيت عليها ما أكتب، ولم أتطرق لكل ما يتعلق بالإنسانوية، وليس بسط ذلك محتملا في جملة منشورات، وإن يكن فهي أفكار كانت حبيسة الذهن فنقلتها لإخواني، لعلي أنفع بها غيري أو ينفعني غيري بنقدها.
حول أصول الدين وفروع الدين.

قرأت قبل فترة في كتاب صلاح كنتوش العدني الموسوم بأخطاء الأصوليين في العقيدة، تقديم يحيى الحجوري، وكان في الكتاب فصل: (في تقسيم الدين إلى أصول وفروع)

جاء فيه المؤلف بنقل كلام مشهور لابن تيمية من مجموع الفتاوى (ج١٩، ص٢٠٧، ٢١٢) وخلص بتوجيه كلام الشيخ لإنكار مطلق للتقسيم.

ثم وقع له أن ابن تيمية يثبت المصطلح في كلامه ويقول به، حتى أن له رسالة موسومة برسالة في أصول الدين، فكان للإعتذار من كنتوش لابن تيمية بقوله:

"قد يقول قائل هذا شيخ الإسلام يعبر بهذا الاصطلاح وكذا ابن القيم وكثير من علماء السنه

والجواب: نعم رأيناهم يعبرون بذلك ولكن هذا لاجل أن هذا التعبير قد انتشر بين الناس وصار معروفا فشيخ الإسلام يستعمله لأنه من جمله الألفاظ التي استخدمها الناس كالعرض والجوهر ونحو ذلك".

ونحن نقول: الأولى الإعراض عن ذلك، فنعبر عن كتب الفقه والمعاملات فنقول كتب الفقه ولا نقول كتب الفروع ونعبر عن التوحيد والعقيده فنقول كتب العقيده ولا نقول كتب أصول الدين، والله المستعان"(ص٢٥)

ثم نقل كلاما للعثيمين من كتابه الأصول من علم الأصول ليعضد به فهمه، قال العثيمين "أنكر ابن تيمية أن تقسيم أحكام الإسلام إلى أصل وفرع" (الأصول من علم الأصول، ابن العثيميين، ص٢٣)، وهذا هو القول الذي كنت أراه صوابا في السابق.

والصحيح، أن كنتوش لم يحرر المسألة تحريرا دقيقا، لا في سبب التقسيم أصلا، ولا في سبب استعمال ابن تيمية للتقسيم، وحتى قول الشيخ العثيمين لإنكار ابن تيمية للتقسيم، ليس بصحيح.

وتحريرها على ما ظهر لي:

أن أصل التقسيم جاء من الأشاعرة، بحد أن الفروع أحكام عملية، وأن الأصول مقالات خبرية علمية، واشتهر هذا القول. فالأشاعرة ممن يخرج الأعمال عن مسمى الإيمان، فكان هذا الحد متسقا مع أن المخالف في الأعمال لا يكفر، بخلاف المخالف في المقالات الخبرية العلمية فإنه يكفر.

فالمسألة مبنية على مسمى الإيمان، لذا فكل من له حد للإيمان فإنه يتسق معه في تقسيمه للدين أصولا وفروعا، فإذا كان قول المرجئة "الإيمان هو التصديق بالخبر" وأن الأعمال ليست منه، فإنهم يسمون التصديق أو المسائل العلمية بأصول الدين، وما ليس من الإيمان يسمونه بفروع الدين.

وإذا كان أهل السنة، يقولون أن الإيمان "هو تصديق وقول وعمل" فإنهم يجعلون من العلم والعمل -الذي ثبت في الشرع أن مخالفه يكفر- من أصول الدين، كمن يجحد وجوب الصلاة، أو حتى من لا يصلي على قول، فهذا من المسائل العملية التي يكفر مخالفها، ويتقرر أن لهذا الأصل فروع لا يكفر مخالفه، كالتنازع في السدل والقبض مثلا، فهذا من الفروع.

وفي المسائل العلمية الخبرية، كذلك -عند أهل السنة- منها ما هو أصل وما هو فرع، فمن الأصول الإيمان بصفات الله، وبالرؤية، وأن مخالف هذا آثم، ومن فروع هذا المثال: هل رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أم لا؟ فهذا لا يأثم المتنازعون فيه.

بما سبق، تقرر أن الأصول والفروع تكون في الأمور الخبرية العلمية، وفي الأمور العملية، خلافا للمتكلمين، وهذا ما قرره ابن تيمية، وبه تبين خطأ القول بإنكاره للتقسيم مطلقا.

قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى، ج٦، ص٥٦):

"الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين العلمي والعملي مسائل أصول، والدقيق [من الصنفين] مسائل فروع.

فالعلم بالواجبات كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة، كالعلم بأن الله على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر"
القراءة لكتاباتك القديمة تفيدك لتعرف هل أنت على ذات المستوى أم تحسنت، أم تراجعت.
2
يعقوب ابن داوود:
"عقول الرجال تحت أسنة أقلامهم"
2
ابن عقيل الحنبلي:
"الحد خلاصة لا تحتمل الحشو".
2
إن كان فرعون قد كثر ذكره في القرآن لعظم دعواه، فقال "أنا ربكم الأعلى".
فإن الإنسانوية، تجدد دعواه، تجديدا منظما، وموسعا لا يختص به فرعون دون فرعون، بل تأليه للإنسانية جميها، لتخرج عن إنسانيتها، إلى ما بعد الإنسانية، وهو قول لوك فيري: لم نفتأ نشاهد تأليها للإنسان، بطيئا ومحتوما.
عندما نرى الإنسانوية، كفلسفة من شأنها تسليط الضوء على مركزية الإنسان، وصولا إلى تأليهه، يقول أمثلهم: أن الخطاب الديني يقوم على مبدأ "سِوانا"، تمجيد الذات، وتسفيل الآخر، وأن هذا ضعف في الوعي الإنسانوي لدينا، إنه قد يخاطب أصحاب القوميات، لكن لا تستطيع أن تفرض علينا تقبيح الولاء للمؤمن، والبراءة من غيره، بحجة مشاركة الآخر لي في الإنسانية، بحيث تضع الإسلام عرضة لقبول أن الإنسان قيمة عليا في الوجود، وأن النداء الإنساني يفرض علينا ألا نبرأ من إنسان مخالف في العقيدة، فقط لمجرد الشراكة في الإنسانية. الأمر الذي يستحق أن يصاح لأجله "يا ويلاه" ليس محاولة الإلزام من الآخر بأن نقبل بدينه الإنسانوي، ثم نتلوَ مقرراته قائلا "هو سماكم الإنسانويين"

لا، بل ما يضير، أن ترى متصدرا، يحكي باسم الإسلام، ويؤاخي من هب ودب، وحجته في ذلك: "المشترك الإنساني" متناسيا أن الإسلام لا يلقي أي اعتبار لهذا المشترك من حيث الولاء والبراء، ولم يأت في كتاب الله "هو سماكم الإنسانيين" وإنما التسمية التي جاءت في القرآن تثبت الولاء والبراء، وتثبت أعلى وأشرف مشترك لأجله يجب أن يوالي ويعادي الناس (هو سماكم المسلمين).
نحن والآخرون، ضدا لنحن الإنسانوية.

عليك عزيزي الإنسان ألا تُسقِط الإنتماء، ألا تسمح لأي كان أن يسقط قولك: "نحن، والآخرون"، إن الإنتماء إلى مجموعة من الناس -لا كلهم- غريزةٌ لا أتنازل عنها لمجرد الشراكة في الإنسانية، بل الشراكة في الإنسانية، هي التي تفرض علي أن يكون هؤلاء الناس هم "نحن" والمخالفون لِ "نحن" هم "الآخرون".
فنحن نتميز عن بعضنا، لأننا أناس مختلفون، عرب، عجم، مسلمين، نصارى، آل فلان...
لا أننا نتميز عن جنس الحيوان، والنبات، والجن، فنقول بأن رابطنا الأوحد هو الإنسانية، وفي حين أنتمي إلى الإنسانية، هل حقا أنا أميز نفسي؟ عمن؟ عن الحيوان؟ الجن؟ النبات؟. لا، بل أنا أدخل مرحلة ما بعد الإنسان، إلى اللا إنسان.

فما معنى أن يكون كل البشر عربا؟ يعني لا يوجد هنالك إمكانية لأن أكون أنا عربيا والآخر تركيا، والآخر هنديا، بمعنى لا أهمية حقيقية لعروبتي، فالكل عرب، بل لا يوجد حتى إمكانية الدفاع عنها، والنشر لتاريخها وهكذا... والحال أن الكل عرب، فأين الإنتماء؟ أنا سأنتمي لكل الناس، لأن كل الناس صاروا عربا، هنا أدخل مرحلة ما بعد العروبة، إلى اللا عروبة، فالعروبة في الحقيقة لم تعد تعبر عن انتماء حقيقي أجد في نفسي الحاجة إليه أمام الناس، إلا مقابل أجناس أخرى كالحيوان وكذا، فما دام كل البشر عربا! فلا يوجد أي معنى لإنتمائي للعروبة. أصل الأمر أني افترضت العروبة مثالا لمشترك إنساني، يشترك فيه كل الناس، لكن المشتركات لا تكون حجة في الإنتماء، بل الناس تنتمي على أساس ما يميزها مع مجموعة لا ما يجمعها مع كل الناس، فالعربي عربي لوجود أعجمي، والمسلم مسلم ينتمي للإسلام، لوجود دين مغاير "آخر" لا يشترك معه في العقائد، وكذلك فريقي يربح فأفرح له لأنه فريق الوطن الذي أنتمي إليه، وفريقك يخسر فأفرح لخسارته، لأنه فريق لوطن لا أنتمي إليه، أترى؟ نحن، والآخرون
منشور طويل قليلا، فأصبروا على أخيكم.

المتكلمون في أصول التفسير يجعلون من علامة السور المدنية أن الخطاب يكون فيها موجها للمؤمنين بخلاف الآيات المكية، لأن أكثر من يخاطب بها من ليس بمؤمن، يعني أن السور المكية يكون الخطاب والنداء فيها موجها لجميع الناس كقوله "يا أيها الناس".

الإنسانية، في القرآن لم تخاطب خطابا يتقاطع مع الخطاب الإنسانوي المعاصر، بحيث يكون المشترك الإنساني لوحده دلالة على أن الناس يجب أن ينتموا للإنسانية، لكونها أوسع قاسم مشترك بين كل الناس.
لا، بل الإنسانية هي الشرط الذي متى توفر وجب أن يخاطب صاحبه بالإنتماء للإسلام، فيكون الإسلام أعلى وأشرف قاسم مشترك بين الناس الذين يدخلون فيه، يوالى أصحابه، ويعادى أعداؤه. وإذا دخل الناس في الإسلام، صار الخطاب فيهم بقوله "يا أيها الذين آمنوا".

الإنسانية في الخطاب القرآني، لم تأت من حيث الإقرار على اتحاد الناس ما دامت الإنسانية جامعة لهم، بل جاء في الكتاب خطاب الناس أجمع بأن ينتموا للإسلام، لا أن يقع تذكير لهم بأنهم أناس ويجب أن يحافظوا على انتمائهم للانسانية. فالانسانية شيء متوفر في كل البشر، وليست محل انتماء حقيقي إلا مقابل أجناس ليست إنسانية مثل الحيوان والنبات، وأعلى وأشرف جامع ينتمي إليه الناس حقيقة هو الإسلام، فليس في الكتاب مناقشة لحجية انتماء الناس للإنسانية مقابل الإسلام أصلا، لأن الناس لا بد لهم من توفر الإنتماء مقابل باقي الناس، لا مقابل فاقد الإنسانية.

ولذلك يأتي خطاب الله للناس في القرآن على وجه الحث والأمر بالإسلام والإيمان والعبادة والتقوى وما في معناهم، كقوله تعالى:

(يا أيها الناس أعبدوا ربكم)
(يا أيها الناس أتقوا ربكم)
(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم)
(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم)
(يا أيها الناس قد جاءتكم موعضة من ربكم)
(قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم)
(قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين)
(قل يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث) الآيات.

فالإنسانية، شرط في مخاطبة الناس بأن ينتموا، ويدخلوا في الإسلام، وعليه من لم يكن مسلما، تعقّلنا دخوله في غير الإسلام مما يميزه عن المسلمين، وعن غيرهم من الناس وأن يكون ومن على دينه مجموعة أناس ينتمون لهذا الدين ويتميزون به عن غيرهم، ولم يكن متعقّلا أن ينتمي إنسان إلى بما يميزه عن الجماد والحيوان والنبات فقط، فتقول له من أي قوم أنت فيقول لك "من قوم الناس" فهذا غير معقول، ستقول له أعلم أنك لست "من قوم الحيوان".
فأنت بحاجة عقليا لمعرفة انتماء هذا الشخص مقابل باقي الناس، لأن الإنسانية وجدت هكذا جماعات متميزة عن بعضها لغويا، عرقيا، دينيا... فالناس لا بد لهم من أعراق ولغات وأوطان تميزهم عن بعضهم، ولم يكن المشترك الإنساني حجة في المحبة والبغض، بل هو درجة تسمح لنا أن ننتمي بعد تحققها إلى انتماء حقيقي يضيف لنا التميز، والشعور، ولو في أبسط الأمور، كفوز فريقنا في كرة القدم، أنا لا أحتاج تبريرا لعدم حزني على خسارة فريقك، فأنا أنتمي لفريقي، وهذا وحده ما يسمح لي بأن أفرح وأحزن وأشعر، فإن قبلت برفع المشترك الإنساني لدرجة عليا كما يقول الإنسانوي، فسأفرح بخسارة فريقي وربح فريقك لأنني أنتمي لفريقك في الإنسانية!! بربكم أهذا شيء يمكن تقبله في العقل؟ كلا، إن الإنتماء للانسانية، لا يضيف لي أي شعور حقيقي أسعى للظفر به، لأنه انتماء أتميز به عن أجناس لا إنسانية كما قلت سابقا: "الحيوان، النبات، الجن، الحجر...".
بيد أن انتمائي للإسلام، يجعلني أفرح بانتصاره، وهنا أتذكر مقولة صفحة "حس سليم"، أسمي الفتح الإسلامي بالفتح وأحسّنه لأنه فتحنا نحن "المسلمون"، وأسمي الحملات الصليبية بالاستعمار وأقبّحها، لأني لست صليبيا. لأنه يوجد نحن، ويوجد آخرون. لا يوجد نحن أناس تتوفر فينا الإنسانية فحسب، لأننا لا نكتفي بها في الانتماء، لأنها لا تعني شيئا إلا مقابل اللا إنسان، فنحن نسمى أناسا مسلمين، مقابل الأناس الصليبيين، لا يمكن أن تبرهن لي على نفي التمايز، والتخالف، فضلا عن عجزك على البرهنة على ثبوت معنى مقبول عقلا للانتماء لجنس الناس، وأن هذا كفيل بتحصيل الشعور، وسد دافع الإنتماء.