إن العقلاء لا يَعنُون بالبدهيات ما هو لازمٌ لحقيقةِ العقل جزمًا، بل ما هو غالبٌ عليه بعد الخُلوص من غَمَراتِ الصِّغَر. ولا يكاد يَعْرَى عنه أحد بعد ذلك.
أمَّا أنه بمجرّد تَحقُّقِ العقل في الصبيّ في أول دفعةٍ يكون عالما بأن الواحد نصف الاثنين، من غير مباشرة، ولا مخالطة، ولا معاناة شيء من المقدمات العقلية أو غيرها البتة فلا يقوله أحد.
–القرافي.
أمَّا أنه بمجرّد تَحقُّقِ العقل في الصبيّ في أول دفعةٍ يكون عالما بأن الواحد نصف الاثنين، من غير مباشرة، ولا مخالطة، ولا معاناة شيء من المقدمات العقلية أو غيرها البتة فلا يقوله أحد.
–القرافي.
من مخلّفات المراهقة أن يتم التمثيل ببعض القضايا الشرعية وفق ثقافة الميمز، إنه سلوك يدل على استخفافٍ بأعظم الكلام، واتخاذ القول الثقيل مطية للتّفَكُّه.
قال الباري: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾. قال الفراء: ”ثقيل ليس بخفيفِ السفساف لأنه كلام ربنا“ – معاني القرآن، ج٣، ص١٩٧.
قال الباري: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾. قال الفراء: ”ثقيل ليس بخفيفِ السفساف لأنه كلام ربنا“ – معاني القرآن، ج٣، ص١٩٧.
❤2
كان أحد الأفاضل قد سألني النصيحة في سفره الأول مغتربا عن الأهل لطلب العلم في غير بلدتِه. فكان ما ذكَّرت به نفسي وإياه وما أرجو عموم نفعه أن قلت:
”الصلاة في وقتها والأذكار في وقتها، وغض البصر، وقلة الكلام، وقلة النوم، وقلة الأكل، وكثرة الاستغفار، واتقاء مواقع الشبهات، واتقاء الشهرة، واختر صاحبا صالحا، ولا تخالط، ولا تعط سرّك، ولا تُكثِر من إحسان الناس إليك فإن إحسان الناس للكريم استعباد.
لا تترك ورد القرآن، واقتن الجمع بين الصحيحين للإشبيلي، وأقرأ منه عشر أحاديث كل يوم فإنك تعيش بها بين الرسول وصحبه.
ولا تترك شيئا ثمينا في الغرفة وتخرج، ولا تُري من لا تثق فيه ما هو ثمين لديك، واحرص على ألا يُكشَف حدُّ سقفِك للغريب، واصبر على العلم، واصبر على الطاعة، واصبر عن المعصية، واصبر على البلاء إن حلّ لا قدّر الله، ولا تكن شديدا فتُسكر، ولا تكن لَينا فتُعصر، وعليك بالسنة، فإنها سفينة النجاة، وتواصل مع الأهل واستأنس بهم، وتذكر أن الغربة هي غربة الروح لا البدن، فإن استقرت روحك ولم تستوحش حيث لم تفرّط في جنب الله؛ فلست بغريب غربة تضرك، وأحذرك من داء العشق وصحبة النساء أشد تحذير“.
”الصلاة في وقتها والأذكار في وقتها، وغض البصر، وقلة الكلام، وقلة النوم، وقلة الأكل، وكثرة الاستغفار، واتقاء مواقع الشبهات، واتقاء الشهرة، واختر صاحبا صالحا، ولا تخالط، ولا تعط سرّك، ولا تُكثِر من إحسان الناس إليك فإن إحسان الناس للكريم استعباد.
لا تترك ورد القرآن، واقتن الجمع بين الصحيحين للإشبيلي، وأقرأ منه عشر أحاديث كل يوم فإنك تعيش بها بين الرسول وصحبه.
ولا تترك شيئا ثمينا في الغرفة وتخرج، ولا تُري من لا تثق فيه ما هو ثمين لديك، واحرص على ألا يُكشَف حدُّ سقفِك للغريب، واصبر على العلم، واصبر على الطاعة، واصبر عن المعصية، واصبر على البلاء إن حلّ لا قدّر الله، ولا تكن شديدا فتُسكر، ولا تكن لَينا فتُعصر، وعليك بالسنة، فإنها سفينة النجاة، وتواصل مع الأهل واستأنس بهم، وتذكر أن الغربة هي غربة الروح لا البدن، فإن استقرت روحك ولم تستوحش حيث لم تفرّط في جنب الله؛ فلست بغريب غربة تضرك، وأحذرك من داء العشق وصحبة النساء أشد تحذير“.
❤3
من الأفغاني تنتقل إلى محمد عبده ثم إلى فريد وجدي؛ فيأتي مؤلَفه "المدنية والإسلام". الذي قال فيه ألبرت حوراني أنه من المؤلفات التي "يذوب فيها الإسلام في الفكر الحديث"!
(الفكر العربي في عصر النهضة، ألبرت حوراني، ترجمه إلى العربية كريم عزقول، ١٧٩٨ه، ١٩٣٩م، ص٢٠٠)
(الفكر العربي في عصر النهضة، ألبرت حوراني، ترجمه إلى العربية كريم عزقول، ١٧٩٨ه، ١٩٣٩م، ص٢٠٠)
عموما أزعم أني وُفقت في تشريح عقلية المفكر الإسلامي خصوصًا الأفغاني وطبقته، لكن الإشكالية التي بقيت متحيرًا فيها هي أن الأفغاني يعتبر الأساس الصلب الذي يصح أن يكون عنصرًا لكل من بعده من تنويريي العرب، وحقا هذا الذي حدث في مؤلفات تلاميذ أركون. وهذا لا غبار عليه فالأفغاني لم يكن إسلاميًا بالمرة! لكن كيف جُعلَ رائد النهضة الإسلامية لدى من جعل نفسه في مقدمة الهجوم ضد الفكر الغربي!.
من خلال قراءتي، أجزم أن الأفغاني كان حريصا على ألا تكون له قراءتان –إسلامية/حداثية–، بل قراءة واحدة، متمثلة في المدنية، التجديد على نسق مارتن لوثر –الشبيه بالتجديد الشحروري إلى حد ما، لأقرب الصورة فقط–، التماهي مع التطور، مع جعل الإسلام عائقا أمام جنة الأرض...إلخ.
من خلال قراءتي، أجزم أن الأفغاني كان حريصا على ألا تكون له قراءتان –إسلامية/حداثية–، بل قراءة واحدة، متمثلة في المدنية، التجديد على نسق مارتن لوثر –الشبيه بالتجديد الشحروري إلى حد ما، لأقرب الصورة فقط–، التماهي مع التطور، مع جعل الإسلام عائقا أمام جنة الأرض...إلخ.
ابتداء، سأقول أن محمد رشيد رضا كان السبب الأول في توجيه قراءة ثانية إسلامية متكلّفة للأفغاني، وهذا هو التفسير الوحيد أساسا. ولم يكن محمد رشيد رضا أمينًا بهذا.
هنالك ذهنية مستقرة في الفكر الإسلامي، تعمل على كافة المستويات، إذا رأينا الحركات العلمية وما دخل في مسمى العلم الطبيعي/التجريبي قد تقدمت، وبدأ تحريكها لمواجهة الإسلام، يسارع المفكر في أسلمة المعطى التجريبي مباشرة، قد نتعقّل هذا، فليس لدى الإسلاميين علم تجريبي أساسا.
لكن انتهاج نفس الذهنية على مستوى علم الاجتماع هو الذي يجعلك تستغرب! أوروبا توصلت بالعلم التجريبي لكذا نظرية؛ يقول الأفغاني وعبده وفريد وجدي وكل من خلفهما؛ الإسلام يقر كل ذلك. من جهة أخرى؛ أوروبا وصلت لآحاد ذي المدنية، أيضا يقيس الإسلامي ذاته بمقياس أوروبي، فيقال "توصلت أوروبا لذي الحداثة بعلم الاجتماع"، هنا تصدر لك مؤلفات لعبده وفريد وجدي وغيرهم تحمل عنوان "الإسلام والمدنية". فيقرر عبده حيلة تبعث على السخرية؛ أن الإسلام "الصحيح" يعني إسلام مارتن لوثر؛ لا يعارض اليقينيات الحداثية التي وصلت لها أوروبا. أما وجدي فيرى أن "كل قانون أوروبي، فهو عين ما يتفق معه الإسلام"، بهذا النمط كان يتم الدفاع عن الإسلام، أو لنقل بصراحة؛ الدفاع على الدولة الحديثة المدنية.
نفس من يغطي ما تعلق بالمرأة في الوسط الإسلامي لغاية عدم التعارض مع هذا "المجتمع الحديث" الذي نشأ بواسطة علم الاجتماع الحداثي؛ هو في النهاية منساق مع ذهنية الأفغاني ومن تفرع عنه.
لكن انتهاج نفس الذهنية على مستوى علم الاجتماع هو الذي يجعلك تستغرب! أوروبا توصلت بالعلم التجريبي لكذا نظرية؛ يقول الأفغاني وعبده وفريد وجدي وكل من خلفهما؛ الإسلام يقر كل ذلك. من جهة أخرى؛ أوروبا وصلت لآحاد ذي المدنية، أيضا يقيس الإسلامي ذاته بمقياس أوروبي، فيقال "توصلت أوروبا لذي الحداثة بعلم الاجتماع"، هنا تصدر لك مؤلفات لعبده وفريد وجدي وغيرهم تحمل عنوان "الإسلام والمدنية". فيقرر عبده حيلة تبعث على السخرية؛ أن الإسلام "الصحيح" يعني إسلام مارتن لوثر؛ لا يعارض اليقينيات الحداثية التي وصلت لها أوروبا. أما وجدي فيرى أن "كل قانون أوروبي، فهو عين ما يتفق معه الإسلام"، بهذا النمط كان يتم الدفاع عن الإسلام، أو لنقل بصراحة؛ الدفاع على الدولة الحديثة المدنية.
نفس من يغطي ما تعلق بالمرأة في الوسط الإسلامي لغاية عدم التعارض مع هذا "المجتمع الحديث" الذي نشأ بواسطة علم الاجتماع الحداثي؛ هو في النهاية منساق مع ذهنية الأفغاني ومن تفرع عنه.
فكرة أن الإسلام حتمًا سيطابق ما توصل له العقل الحداثي، مصدرها المعاصر لنقل أنه الأفغاني ثم عبده، مع أنها فكرة متقدمة إلى حد كبير؛ مع استحداث قانون التأويل لدى ابن سينا والغزالي والرازي وإخوان الصفا ونحوهم، ليطابق الإسلام ما توصل له العقل الأرسطي. فليس هنالك حصرية "تجديدية" في التشدقات المعاصرة بالقطيعة مع التراث.
لكن الفكرة المعاصرة، لقيت شيوعا كأصل، مع اختلاف في التفريع، يذكرني ذلك بفكرة شحرور إلى حد كبير.
شحرور بنفس ذهنية الأفغاني وعبده وفريد وجدي يرى أن الإسلام معارض للدولة الحداثية التي بذي الصورة، وبما أن الحداثة تعبر عن ضروريات عقلية مثل الرياضيات، فإن الإسلام لا يمكن تجاوزه، وبالتالي يجب تلفيق نظرية تمكّن الإسلامي من التماهي مع الحداثة من دون أن يُقال: هذا خطأ!
يخرج شحرور بقصة "الإنسان فيه روح، وهذه الروح هي جزء من ذات الإله" وبالتالي "الإنسان يحمل في ذاته بوادر النيابة الإلهية"، النتيجة؟ للإنسان حق التشريع –التشريع الحداثي دومًا!–، وهو بهذا لا يعتبر مخالفا للإسلام، بل هو عبارة عن إله مصغّر له حق التصرف كآلهة في الأرض يشرّع بكل أريحية ليمارس المدنية، وبالتالي فالإسلام يمكن جعله دينا حداثيا مدنيا أوروبيا بامتياز. في هذه السياقات يجب أن نقرأ ذهنية الأفغاني ومحمد عبده.
لكن الفكرة المعاصرة، لقيت شيوعا كأصل، مع اختلاف في التفريع، يذكرني ذلك بفكرة شحرور إلى حد كبير.
شحرور بنفس ذهنية الأفغاني وعبده وفريد وجدي يرى أن الإسلام معارض للدولة الحداثية التي بذي الصورة، وبما أن الحداثة تعبر عن ضروريات عقلية مثل الرياضيات، فإن الإسلام لا يمكن تجاوزه، وبالتالي يجب تلفيق نظرية تمكّن الإسلامي من التماهي مع الحداثة من دون أن يُقال: هذا خطأ!
يخرج شحرور بقصة "الإنسان فيه روح، وهذه الروح هي جزء من ذات الإله" وبالتالي "الإنسان يحمل في ذاته بوادر النيابة الإلهية"، النتيجة؟ للإنسان حق التشريع –التشريع الحداثي دومًا!–، وهو بهذا لا يعتبر مخالفا للإسلام، بل هو عبارة عن إله مصغّر له حق التصرف كآلهة في الأرض يشرّع بكل أريحية ليمارس المدنية، وبالتالي فالإسلام يمكن جعله دينا حداثيا مدنيا أوروبيا بامتياز. في هذه السياقات يجب أن نقرأ ذهنية الأفغاني ومحمد عبده.
باسم بشينية
فكرة أن الإسلام حتمًا سيطابق ما توصل له العقل الحداثي، مصدرها المعاصر لنقل أنه الأفغاني ثم عبده، مع أنها فكرة متقدمة إلى حد كبير؛ مع استحداث قانون التأويل لدى ابن سينا والغزالي والرازي وإخوان الصفا ونحوهم، ليطابق الإسلام ما توصل له العقل الأرسطي. فليس هنالك…
صورة من كتاب بؤس التلفيق لسمرين.
كثيرا ما تقع فجوة في نقاش موضوع التوسل والاستغاثة ونحوه، بين السلفي وبين الأشعري الصوفي، أغلب ما رأيت من نقاشات؛ يصل إلى أن يقول بعض السلفيين: هل هذا الولي ينفع ويضر؟ فيقول الأشعري: قطعا لا. فيجيب السلفي: إذًا أنت تتفق معي إلى هذا الحد.
الحقيقة أن هذا وفاق صوري لا غير، الأشعري لما ينفي نفع الولي؛ فذلك مبني على أصل نفي الطبائع والأسباب، لا على تجريد التوحيد وفق التأصيل السّلفي.
فالنفع الحاصل بالاستغاثة أشعريًا؛ يقع عند دعاء الولي لا به. كما أن الإحراق يقع عند اقتران النار بالحطب لا بها.
وهنا كثيرا ما يسلّم السلفي بالأصل الأشعري؛ أنه لا شيء يؤثر في شيء إلا الله وحده، نفيًا للطبائع. وهذا خطأ.
أما قول الأشعرية: لا يكون المستغيث مشركًا إلا إذا اعتقد استقلال الولي بالأثر، فهذا ليس مبنيًا على قواعد أهل السنة، وإنما هو مبني على نفي الطبائع أيضا، فالشرك هنا؛ هو شرك إثبات الطبع والأثر الذي يخصونه بالرب، وهذا لا يخص مقالة الاستغاثة، بل لو قلت أن النار فيها قوة تؤثر بحيث تُحرِق؛ فإن ذلك أيضا شرك لدى الأشعرية، وعلى هذا ينبني القول بشرك من يقول بأثر الولي.
فإن قال باستقلال الولي وقع في الشرك صريحا، وإن قال بعدم تأثيره بناء على نفي الطبائع؛ وقع في الجبر.
فعلى كل حال؛ ليس في المشوار قاعدة سلفيّة واحدة.
الحقيقة أن هذا وفاق صوري لا غير، الأشعري لما ينفي نفع الولي؛ فذلك مبني على أصل نفي الطبائع والأسباب، لا على تجريد التوحيد وفق التأصيل السّلفي.
فالنفع الحاصل بالاستغاثة أشعريًا؛ يقع عند دعاء الولي لا به. كما أن الإحراق يقع عند اقتران النار بالحطب لا بها.
وهنا كثيرا ما يسلّم السلفي بالأصل الأشعري؛ أنه لا شيء يؤثر في شيء إلا الله وحده، نفيًا للطبائع. وهذا خطأ.
أما قول الأشعرية: لا يكون المستغيث مشركًا إلا إذا اعتقد استقلال الولي بالأثر، فهذا ليس مبنيًا على قواعد أهل السنة، وإنما هو مبني على نفي الطبائع أيضا، فالشرك هنا؛ هو شرك إثبات الطبع والأثر الذي يخصونه بالرب، وهذا لا يخص مقالة الاستغاثة، بل لو قلت أن النار فيها قوة تؤثر بحيث تُحرِق؛ فإن ذلك أيضا شرك لدى الأشعرية، وعلى هذا ينبني القول بشرك من يقول بأثر الولي.
فإن قال باستقلال الولي وقع في الشرك صريحا، وإن قال بعدم تأثيره بناء على نفي الطبائع؛ وقع في الجبر.
فعلى كل حال؛ ليس في المشوار قاعدة سلفيّة واحدة.
👍1
تخيل كيف كانوا يتصوَّرون المستجدات:
"قد تغيرت الظروف والأحوال في هذا العصر، إن الاعتراضات التي شغلت العقول وحلقات الدرس قديما قد فقدت أهميتها وقيمتها، وانقرضت الفِرق التي كانت تثيرها وتتشبث بها، وأصبح العكوف على دراستها وتفهمها إضاعة للوقت وجهادا في غير عدو، وقد نشأ عالم جديد وتجددت حاجاته، وقد أثار أعداء الإسلام وخصومه أسئلة جديدة في هذا العصر لم تكن تخطر على بال، وذلك في ضوء الفلسفة الجديدة ولا يمكن إشباع الرد عليه والاقتناع العلمي بالاعتماد على الفلسفة القديمة فقط، وإن زعم زاعم" –مكاتب محمدية، مجموع رسائل الشيخ محمد علي المونكيري.
(الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، أبو الحسن الندوي، دار القلم– الكويت، الطبعة الرابعة 1983م، ص67)
"قد تغيرت الظروف والأحوال في هذا العصر، إن الاعتراضات التي شغلت العقول وحلقات الدرس قديما قد فقدت أهميتها وقيمتها، وانقرضت الفِرق التي كانت تثيرها وتتشبث بها، وأصبح العكوف على دراستها وتفهمها إضاعة للوقت وجهادا في غير عدو، وقد نشأ عالم جديد وتجددت حاجاته، وقد أثار أعداء الإسلام وخصومه أسئلة جديدة في هذا العصر لم تكن تخطر على بال، وذلك في ضوء الفلسفة الجديدة ولا يمكن إشباع الرد عليه والاقتناع العلمي بالاعتماد على الفلسفة القديمة فقط، وإن زعم زاعم" –مكاتب محمدية، مجموع رسائل الشيخ محمد علي المونكيري.
(الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية، أبو الحسن الندوي، دار القلم– الكويت، الطبعة الرابعة 1983م، ص67)
القطيعة في ذهنية المفكر دوما ما تراها حاضرة، نعم، لا بد من تفعيل الموروث في نقد المستحدث كي لا يقع جمود، لكن القول بـ "فقدان قيمة القديم، وانقراض الفرق ومقالاتها" ليقال بقطع الحديث عنها لمجرد وجود "حداثة"، هذا يعني انتحارًا فلسفيا.
من سيتمكن اليوم من تأسيس ترسانة فلسفية أو كلامية من دون أن يبني على لبنة موروثة؟ لقد كان ماركس يبني على مادية إيبيقور، وكانت اليد الخفية لآدم سمث مستندة لمثالية أفلاطون، وكان كينز يبني على الحدس الأفلاطوني تقليدًا نظريته في المعرفة التي ستنعكس في نظرية الاقتصادية فيما بعد.
يأتي المفكر الإسلامي، ليقول بأن عين المقالة الفلانية، لكونها قديمة ولا يوجد من يذكر صورتها اليوم، يجب أن يتم تجاوزها، بل دراسة ذاك محض إضاعة للوقت.
هذا يدلك على مستوى النضج في فترة كان فيها ماركس ونيتشه وفيورباخ وهيجل وغيرهم يؤسسون نظرياتهم الفلسفية.
من سيتمكن اليوم من تأسيس ترسانة فلسفية أو كلامية من دون أن يبني على لبنة موروثة؟ لقد كان ماركس يبني على مادية إيبيقور، وكانت اليد الخفية لآدم سمث مستندة لمثالية أفلاطون، وكان كينز يبني على الحدس الأفلاطوني تقليدًا نظريته في المعرفة التي ستنعكس في نظرية الاقتصادية فيما بعد.
يأتي المفكر الإسلامي، ليقول بأن عين المقالة الفلانية، لكونها قديمة ولا يوجد من يذكر صورتها اليوم، يجب أن يتم تجاوزها، بل دراسة ذاك محض إضاعة للوقت.
هذا يدلك على مستوى النضج في فترة كان فيها ماركس ونيتشه وفيورباخ وهيجل وغيرهم يؤسسون نظرياتهم الفلسفية.
باسم بشينية
تخيل كيف كانوا يتصوَّرون المستجدات: "قد تغيرت الظروف والأحوال في هذا العصر، إن الاعتراضات التي شغلت العقول وحلقات الدرس قديما قد فقدت أهميتها وقيمتها، وانقرضت الفِرق التي كانت تثيرها وتتشبث بها، وأصبح العكوف على دراستها وتفهمها إضاعة للوقت وجهادا في غير عدو،…
كمثال بسيط، جوزيف فان أس، كان يدرك أن اللبرالية في العالم المسلم، لا محل لها من غير وضع تأصيل متعلق بالموروث، إنه الموروث الإعتزالي، وقد جرى لفان أس تَعَرُّقٌ شديد وهو يحاول تخليصَ المعتزلة من محنة الإمام أحمد. كيلا يقال؛ كيف تكون المعتزلة لبرالية وهي لا تسمح بحرية المعتقد.
السلاح الأشعري الذي أكله الصدأ:
–هل تثبت اليد؟!
–هل تثبت الساق؟!
–هل تثبت حوادث لا أول لها؟!.
–هل تثبت اليد؟!
–هل تثبت الساق؟!
–هل تثبت حوادث لا أول لها؟!.
ذي الأيام تعلموا كلمتين جديدتين:
–هل الله محسوس؟!
–هل الله يتحرك؟!
:)
–هل الله محسوس؟!
–هل الله يتحرك؟!
:)
«لن نؤمن بإله بمواصفات الأديان القديمة!» (١)
هكذا يتم إعلان التمرد على الإسلام في كثير من الأوساط "الملحدة"، وكثيرا ما تأتي ذي الأحجية للتدليل على أنه لم تكن هنالك حصرية إسلامية في موضوع الصفات بل وقع اقتباس من الديانات المتقدمة؛ والتي "كانت تتصور إلها بصفات يتصف بها البشر".
طبعًا إلحاد "زوج دورو" دوما ما يحب مداعبة العبثية، بلا بحث، ولا تأريخ، ولا تدقيق، ولا اطلاع طفيف على النظريات "الإلحادية"، بل دومًا ما ترى أمامك ملحدًا؛ صِفتُهُ: رجلٌ يحمل بين كتِفَيه حذاءً بدل رأس. فلنرى مدى صحة ذي الأحجيات.
لعل أقدم ما يمكن أن نبدأ منه من مقالات حفظت حول اللاهوت وتفي بالغرض، هي المقالات اليونانية، ولنأخذ على سبيل المثال أرباب الفلسفة ممن سيطرت عقائدهم اللاهوتية بصورة محكمة على من بعدهُم، أعني بالخصوص؛ أرسطو، الذي "كان له تأثير كبير على تصورات الفلاسفة حتى نهاية العصور الوسطى؛ أي خلال عشرين قرنًا" بتعبير جورج بولتزير.
لقد كانت الأرسطية، التي لم تحفظ منها إلا الميول المثالية، وكذلك المثالية الأفلاطونية، والأفلاطونية المحدثة، تُعتبَر الممثل الرسمي عن ديانة ما قبل المسيح بقرون، إلى ما بعد العصور الوسطى عند شيوعها بعد حركات الترجمة، إنها الفلسفات التي نشأت على يد رجال كانوا يقولون بتعدد الآلهة، بل حتى بوجود نصف إله!، وحيث أن الآلهة متعددة؛ لقد كان لكل ما لا تفسير له من وجهة نظر علم الطبيعة؛ يُجعَل إله باسمه؛ فإله الرعد، وإله الشمس وإله الريح وهلم جرّا، لكن! المحرك الأول لكل ما يتحرك، بأي صفات كان؟
في هذا المنعطف؛ يخبرك أرسطو أن الإله: محرك لا يتحرك، في حين أن إله الإسلام؛ ينزل ويجيء ويأتي ويتكلم بحرف وصوت، وعليه ينبني أن العرب –كما يؤكد الدارمي– تقول: أمارة ما بين الحي والميت الحركة، كمقولة فلسفية مسلَّمة لدى كل مسلم؛ تقارع مقالة الأرسطية، فالحركة التي هي من صفات الإله –عز وجل– عند المسلمين، ليست صفةً لإله الديانات "القديمة" على الإسلام، فضلا عن أن تكون صفة لحيّ. فهذه واحدة.
أرسطو، يؤسس علم "ما بعد الطبيعة" الذي يفترق عن "علم الطبيعة" في أخص صفات المشاهدات من الموجودَات؛ وهو الحس، فإن كان الحِس صفة لازمة كي نُقرَّ بوجودِ بشر، فإن الإله لدى أرسطو يتصف بـ "ما بعد الحِس"، فإنه لا يُرى ولا يُسمَع، بل إنه معقول كالذهن، كُليٌّ، فإن كان من يعبدُه المسلمون قد كلم موسى تكليما بحرف وصوت، وسمعه موسى، ويَرَاه المُؤمنون كما يرون القمر، وينظرون إلى وجهه بأعينهم، أفيشمله قول اليوناني "لاهوت ما بعد الطبيعة"؟ لقد قال ابن تيمية: لم يفرّق الأنبياء بين عالم الغيب وعالم الشهادة بأن الأول معقول والثاني محسوس. فكلاهما محسوس، والغيب ما غاب عن الحس لا ما امتنع الحس به، وقد أتحفنَا رحمه الله إذ قال:
"وأما علم ما بعد الطبيعة وإن كانوا يعظمونه، ويقولون هو الفلسفة الأولى وهو العلم الكلي الناظر في الوجود ولواحقه، ويسميه المتأخرون: العلم الإلاهي، وزعم المعلم الأول لهم أرسطوا أنه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم. فالحق فيه من المسائل قليل و غالبه علم بأحكام ذهنية لا الحقائق خارجية". –نقض المنطق.
فهذا عالم ما بعد الطبيعة، يقول بمعقولية وذهنية ومطلقية الإله، وهذا الإسلام يقول بتعيّن الإله، وأن وجوده حقيقي خارج الذهن. فهذه ثانية.
هكذا يتم إعلان التمرد على الإسلام في كثير من الأوساط "الملحدة"، وكثيرا ما تأتي ذي الأحجية للتدليل على أنه لم تكن هنالك حصرية إسلامية في موضوع الصفات بل وقع اقتباس من الديانات المتقدمة؛ والتي "كانت تتصور إلها بصفات يتصف بها البشر".
طبعًا إلحاد "زوج دورو" دوما ما يحب مداعبة العبثية، بلا بحث، ولا تأريخ، ولا تدقيق، ولا اطلاع طفيف على النظريات "الإلحادية"، بل دومًا ما ترى أمامك ملحدًا؛ صِفتُهُ: رجلٌ يحمل بين كتِفَيه حذاءً بدل رأس. فلنرى مدى صحة ذي الأحجيات.
لعل أقدم ما يمكن أن نبدأ منه من مقالات حفظت حول اللاهوت وتفي بالغرض، هي المقالات اليونانية، ولنأخذ على سبيل المثال أرباب الفلسفة ممن سيطرت عقائدهم اللاهوتية بصورة محكمة على من بعدهُم، أعني بالخصوص؛ أرسطو، الذي "كان له تأثير كبير على تصورات الفلاسفة حتى نهاية العصور الوسطى؛ أي خلال عشرين قرنًا" بتعبير جورج بولتزير.
لقد كانت الأرسطية، التي لم تحفظ منها إلا الميول المثالية، وكذلك المثالية الأفلاطونية، والأفلاطونية المحدثة، تُعتبَر الممثل الرسمي عن ديانة ما قبل المسيح بقرون، إلى ما بعد العصور الوسطى عند شيوعها بعد حركات الترجمة، إنها الفلسفات التي نشأت على يد رجال كانوا يقولون بتعدد الآلهة، بل حتى بوجود نصف إله!، وحيث أن الآلهة متعددة؛ لقد كان لكل ما لا تفسير له من وجهة نظر علم الطبيعة؛ يُجعَل إله باسمه؛ فإله الرعد، وإله الشمس وإله الريح وهلم جرّا، لكن! المحرك الأول لكل ما يتحرك، بأي صفات كان؟
في هذا المنعطف؛ يخبرك أرسطو أن الإله: محرك لا يتحرك، في حين أن إله الإسلام؛ ينزل ويجيء ويأتي ويتكلم بحرف وصوت، وعليه ينبني أن العرب –كما يؤكد الدارمي– تقول: أمارة ما بين الحي والميت الحركة، كمقولة فلسفية مسلَّمة لدى كل مسلم؛ تقارع مقالة الأرسطية، فالحركة التي هي من صفات الإله –عز وجل– عند المسلمين، ليست صفةً لإله الديانات "القديمة" على الإسلام، فضلا عن أن تكون صفة لحيّ. فهذه واحدة.
أرسطو، يؤسس علم "ما بعد الطبيعة" الذي يفترق عن "علم الطبيعة" في أخص صفات المشاهدات من الموجودَات؛ وهو الحس، فإن كان الحِس صفة لازمة كي نُقرَّ بوجودِ بشر، فإن الإله لدى أرسطو يتصف بـ "ما بعد الحِس"، فإنه لا يُرى ولا يُسمَع، بل إنه معقول كالذهن، كُليٌّ، فإن كان من يعبدُه المسلمون قد كلم موسى تكليما بحرف وصوت، وسمعه موسى، ويَرَاه المُؤمنون كما يرون القمر، وينظرون إلى وجهه بأعينهم، أفيشمله قول اليوناني "لاهوت ما بعد الطبيعة"؟ لقد قال ابن تيمية: لم يفرّق الأنبياء بين عالم الغيب وعالم الشهادة بأن الأول معقول والثاني محسوس. فكلاهما محسوس، والغيب ما غاب عن الحس لا ما امتنع الحس به، وقد أتحفنَا رحمه الله إذ قال:
"وأما علم ما بعد الطبيعة وإن كانوا يعظمونه، ويقولون هو الفلسفة الأولى وهو العلم الكلي الناظر في الوجود ولواحقه، ويسميه المتأخرون: العلم الإلاهي، وزعم المعلم الأول لهم أرسطوا أنه غاية فلسفتهم ونهاية حكمتهم. فالحق فيه من المسائل قليل و غالبه علم بأحكام ذهنية لا الحقائق خارجية". –نقض المنطق.
فهذا عالم ما بعد الطبيعة، يقول بمعقولية وذهنية ومطلقية الإله، وهذا الإسلام يقول بتعيّن الإله، وأن وجوده حقيقي خارج الذهن. فهذه ثانية.
«لن نؤمن بإله بمواصفات الأديان القديمة!» (٢)
إن الأفلاطونية، التي تقول بعالم المثل، وأن الإله مثال، ذهن، فكرة، وجوده غير محسوس ولا متعيّن، ولا يوصف بأين ولا كيف ولا متى، يدرك ابن سينا أن الإسلام لا حل لجعله يتفق معها، فلا التأويل صالح ولا التحريف، وإنما؛ آيات أصول الدين في الحقيقة تعارض الأفلاطونية والأرسطية جميعا في الأصل والفرع، فيرى ابن سينا أن يقول بكذب الإله لمصلحة الجمهور من المسلمين؛ فقال لهم أنه ذو صفات عينية حقيقية كي يؤمنوا، لأن الذهن البشري لا يؤمن بإله عبارة عن شيء مجرد عن كل صفة؛ فهذا عدم. فهذا الشاهد يتضح من مقالات المشّائين، الأفلاطونيين العرب، أن صفات الإله في الإسلام كثبوت الأين (في السماء/على العرش/حيث) والمتى (قبل/بعد/ثم) والكيف (يدان، وجه، عينان) بما يسمى بظواهر النصوص؛ يناقض صريحا ديانة أفلاطون وأرسطو ممن كانوا أهل ديانات قديمة، فإن الإله عندهم "مجرد" عن كل صفة. فهذه ثالثة.
والرابعة التي تثبت استبدال المعترض رأسه بحذاء عتيق. أن تلك الأرسطية التي سيطرت على لاهوت القرون الوسطى، والتي كانت قديمة إلى حد التأريخ لها بثلاث قرون قبل المسيح، والتي عبرت عن مثالية محضة، حيث تصف الإله والغيب بما ينطبق على الأذهان، فيوصف بالسلوب، بل يوصف بثبوت أصلا، وإنما هو مجرد، ولا يتحرك، بل هو بتعبير من كان ماديًا ملحدًا (أعني روجيه جارودي) محض شيء ميت، ولا يوصف بصفة عينية، ولا يمكن أن يُحَسَّ بِه، ولا أن يُرى. بل حتى علمه؛ إما أنه علم بالكليات، أو علم أزلي فقط، أو أنه يعلم نفسه فقط. كانت هي السبب الرئيس الذي صرّح صناديد الإلحاد بأن إلحادهم كان إلحادًا بهذا الإله الذي بهذه الصفات فحسب! ولقد كان نيتشه يقول: «من قال إن الله روح، فقد خطا الخطوة العظمى نحو الجحود»، يعني الإلحاد. ومن ثم فقولة «مات الإله»؛ متعلقة بإله أرسطو، الذي مثّله توما لاكويني، يقول صادق العظم –مادي، ملحد–: ”وإذا تتبعنا سياق هذا التفكير اتضح لنا أن نيتشه أعلن موت هذا الإله بالذات، ولم يعلن موت إله غيره“ [نقد الفكر الديني، صادق جلال العظم، ص١٨٩].
«مات الإله» أي إله؟ يقول الإلحاد: ”إن الإله الأرسطوطاليسي المحرك الثابت الرب البارد قد مات” [البديل، روجيه جارودي، ص٣٩]. لماذا قالها؟ لأنه محرك لا يتحرك. نعود إلى الدارمي: أمارة ما بين الحي والميت الحركة. فما فائدة عبادة ميت؟ ثم إن مقالات أهل السنة [الإسلام الصحيح] تقول بمعاني الحركة. فلأجل أي مقالات نشأ إلحاد جارودي؟ الإسلام، أم تلك الديانات القديمة...
أمّا عن مفصّل مقالات كل ملحد من صناديد الإلحاد الفلسفي، فكلها تخبر بأن الإلحاد؛ نتيجة لذلك التصور الأرسطي البدائي المثالي، الذي تمثّل في المسيحية بعد أن احتكّت بالسينوية والرشدية والجهمية، يقول سلافوي جيجيك ”أدّعي أن السبيل الوحيد الحقيقي كي تكون ملحدًا، هو المرور عبر المسيحية“ [دليل المنحرفين إلى الإيديولوجية، بواسطة القراءة الماركسية لسمرين].
فتمهّل وأنت تنظر في إلحاديّة فيورباخ، ماركس، أنجلز، لينين، بليخانوف، هولباخ...إلخ. أنها لم تنادي بالإلحاد إلا أمام مقالات "لاهوت بتصورات بدائية" تلك التصورات التي كانت مثالية تجريدية، ولم يكن قط لدى صناديد الإلحاد اعتراض على إله متعين موصوف بصفات حقيقية يُحس ويَتحرك ويُسمع ونحوه.
فإن كانت ذي تهمة كلامية، فهي معرّة عليهم، كقول الصاوي الأشعري ”الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر“ فإن هذا هو الفتح لباب الإلحاد أصلا، ومثل الذي يتصور التشبيه؛ يُناقَش في القدر المشترك والقدر الفارق. وغرضنا الإبانة على تهافُت تهمة الاقتباس من الأديان القديمة التي سببت الإلحاد، والتي تُساق معها فرية ”إله بصفات بشرية“. فإن ثبوت القدر الفارق ينفي التماثل. وإنما طرأ الإلحاد عند صناديده بسبب نفي القدر المشترك للقول بالتجريد، وليس هنالك من يدعي صفات بشرية أو يطالب بها أصلا.
"والدين الوحيد الذي يدرسه فيورباخ دراسة معمقة هو المسيحية، الدين العالمي للغرب الذي يقول بإله؛ هو نتاج حركة طويلة من التجريد". –لأنجلز، الذي قال أن ماركس نقد الدين وفق رؤية فيورباخ.
إن الأفلاطونية، التي تقول بعالم المثل، وأن الإله مثال، ذهن، فكرة، وجوده غير محسوس ولا متعيّن، ولا يوصف بأين ولا كيف ولا متى، يدرك ابن سينا أن الإسلام لا حل لجعله يتفق معها، فلا التأويل صالح ولا التحريف، وإنما؛ آيات أصول الدين في الحقيقة تعارض الأفلاطونية والأرسطية جميعا في الأصل والفرع، فيرى ابن سينا أن يقول بكذب الإله لمصلحة الجمهور من المسلمين؛ فقال لهم أنه ذو صفات عينية حقيقية كي يؤمنوا، لأن الذهن البشري لا يؤمن بإله عبارة عن شيء مجرد عن كل صفة؛ فهذا عدم. فهذا الشاهد يتضح من مقالات المشّائين، الأفلاطونيين العرب، أن صفات الإله في الإسلام كثبوت الأين (في السماء/على العرش/حيث) والمتى (قبل/بعد/ثم) والكيف (يدان، وجه، عينان) بما يسمى بظواهر النصوص؛ يناقض صريحا ديانة أفلاطون وأرسطو ممن كانوا أهل ديانات قديمة، فإن الإله عندهم "مجرد" عن كل صفة. فهذه ثالثة.
والرابعة التي تثبت استبدال المعترض رأسه بحذاء عتيق. أن تلك الأرسطية التي سيطرت على لاهوت القرون الوسطى، والتي كانت قديمة إلى حد التأريخ لها بثلاث قرون قبل المسيح، والتي عبرت عن مثالية محضة، حيث تصف الإله والغيب بما ينطبق على الأذهان، فيوصف بالسلوب، بل يوصف بثبوت أصلا، وإنما هو مجرد، ولا يتحرك، بل هو بتعبير من كان ماديًا ملحدًا (أعني روجيه جارودي) محض شيء ميت، ولا يوصف بصفة عينية، ولا يمكن أن يُحَسَّ بِه، ولا أن يُرى. بل حتى علمه؛ إما أنه علم بالكليات، أو علم أزلي فقط، أو أنه يعلم نفسه فقط. كانت هي السبب الرئيس الذي صرّح صناديد الإلحاد بأن إلحادهم كان إلحادًا بهذا الإله الذي بهذه الصفات فحسب! ولقد كان نيتشه يقول: «من قال إن الله روح، فقد خطا الخطوة العظمى نحو الجحود»، يعني الإلحاد. ومن ثم فقولة «مات الإله»؛ متعلقة بإله أرسطو، الذي مثّله توما لاكويني، يقول صادق العظم –مادي، ملحد–: ”وإذا تتبعنا سياق هذا التفكير اتضح لنا أن نيتشه أعلن موت هذا الإله بالذات، ولم يعلن موت إله غيره“ [نقد الفكر الديني، صادق جلال العظم، ص١٨٩].
«مات الإله» أي إله؟ يقول الإلحاد: ”إن الإله الأرسطوطاليسي المحرك الثابت الرب البارد قد مات” [البديل، روجيه جارودي، ص٣٩]. لماذا قالها؟ لأنه محرك لا يتحرك. نعود إلى الدارمي: أمارة ما بين الحي والميت الحركة. فما فائدة عبادة ميت؟ ثم إن مقالات أهل السنة [الإسلام الصحيح] تقول بمعاني الحركة. فلأجل أي مقالات نشأ إلحاد جارودي؟ الإسلام، أم تلك الديانات القديمة...
أمّا عن مفصّل مقالات كل ملحد من صناديد الإلحاد الفلسفي، فكلها تخبر بأن الإلحاد؛ نتيجة لذلك التصور الأرسطي البدائي المثالي، الذي تمثّل في المسيحية بعد أن احتكّت بالسينوية والرشدية والجهمية، يقول سلافوي جيجيك ”أدّعي أن السبيل الوحيد الحقيقي كي تكون ملحدًا، هو المرور عبر المسيحية“ [دليل المنحرفين إلى الإيديولوجية، بواسطة القراءة الماركسية لسمرين].
فتمهّل وأنت تنظر في إلحاديّة فيورباخ، ماركس، أنجلز، لينين، بليخانوف، هولباخ...إلخ. أنها لم تنادي بالإلحاد إلا أمام مقالات "لاهوت بتصورات بدائية" تلك التصورات التي كانت مثالية تجريدية، ولم يكن قط لدى صناديد الإلحاد اعتراض على إله متعين موصوف بصفات حقيقية يُحس ويَتحرك ويُسمع ونحوه.
فإن كانت ذي تهمة كلامية، فهي معرّة عليهم، كقول الصاوي الأشعري ”الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر“ فإن هذا هو الفتح لباب الإلحاد أصلا، ومثل الذي يتصور التشبيه؛ يُناقَش في القدر المشترك والقدر الفارق. وغرضنا الإبانة على تهافُت تهمة الاقتباس من الأديان القديمة التي سببت الإلحاد، والتي تُساق معها فرية ”إله بصفات بشرية“. فإن ثبوت القدر الفارق ينفي التماثل. وإنما طرأ الإلحاد عند صناديده بسبب نفي القدر المشترك للقول بالتجريد، وليس هنالك من يدعي صفات بشرية أو يطالب بها أصلا.
"والدين الوحيد الذي يدرسه فيورباخ دراسة معمقة هو المسيحية، الدين العالمي للغرب الذي يقول بإله؛ هو نتاج حركة طويلة من التجريد". –لأنجلز، الذي قال أن ماركس نقد الدين وفق رؤية فيورباخ.
"وأما ما يقولونه في العلوم الطبيعية والرياضية فقد يكون صواب المتفلسفة أكثر من صواب من يرد عليهم من أهل الكلام، فإن أكثر أهل الكلام في هذه الأمور بلا علم ولا عقل ولا شرع".
–ابن تيمية.
–ابن تيمية.
"في يوم القيامة تحشر جميع أجسام البشر وتوزن الأعمال بالميزان وعبور السراط، والذهاب إلى الجنة والنار وغيرها.
إن طريقة إثبات هذه الأمور هي أن تعد كل هذه الأمور من الممكن أن ولأن المشرع عليه السلام أكدها لهذا فهي يقينية".
(علم الكلام الجديد، شبلي النعماني الهندي، ترجمة جلال السعد الحفناوي، مراجعة: السباعي محمد السباعي، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2012م، ص88)
هذا من أغلوطات الكلام، الاستدلال على الامكان الخارجي بالامكان الذهني.
إن طريقة إثبات هذه الأمور هي أن تعد كل هذه الأمور من الممكن أن ولأن المشرع عليه السلام أكدها لهذا فهي يقينية".
(علم الكلام الجديد، شبلي النعماني الهندي، ترجمة جلال السعد الحفناوي، مراجعة: السباعي محمد السباعي، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2012م، ص88)
هذا من أغلوطات الكلام، الاستدلال على الامكان الخارجي بالامكان الذهني.