باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
حول معاداة الماركسية للدين ..

لا تجد كتابا يتطرق لنقد الماركسية دون أن يورد هذه الجملة وهي أن الماركسية تعادي الدين، ومن منظور أنها تكن نظرة عداء للدين هذا صحيح بيد أنه لا يجب تجاهله في نفس الوقت، بل من اللازم النظر إلى هذا العداء في مساره وتأثيره الاجتماعي.
فهؤلاء نظروا من جهة واحدة، الجهة العاطفة لمفردة الدين، وتجاهلوا النظرة الصاعدة ما بين الأديان نفسها وما بين الدين ذاته ومذاهبه تلك النظرة العدائية لما بينهم البين.
فلا يمكن تجاوز النظرة العدائية لما بين هذه الأديان وبين فرقها ومذاهبها لننظر مباشرة في عداء الماركسية لها، فعداء الماركسية لهذه الأديان لم يخرج من فلسفة عداء هذه الأديان لبعضها سواء على صعيد منطق اللاهوت أو التطبيقات الاجتماعية لأفكار هذه الأديان.

فهي لم تهاجم الأديان من محض ادعاءات، بل قامت بدراسات تأصيلية على اليهودية والمسيحية ومجمل الدراسات الدينية وبناء على الخصام العقدي العقدي داخل الدين نفسه، وعلى ضوء ذلك وضعوا نقدهم.

من الأخطاء النقدية التي قوبلت بها الماركسية، أن خصومها من المتدينين تعاملوا بنظرة مجملة لمفردة الدين نفسها فعمموها على مجمل المعتقدات الدينية ووضعوها في كفة واحدة، وهذا الأمر فيه ما فيه من الخطأ ويخفي تحته سيلا عارما من التناقض.
وعند وجود نقد ماركسي، من المهم جدا أن ينطلق الناقد الداحض للماركسية بناءا على دراسة أصول معتقده وفهمها والانطلاق مدافعا عنها، لا أن ينصب نفسه محاميا لكل ما هو ديني.
وهذا لم يمنع بعض نقاد الماركسية من انطلاق من أصول لإثباتها دحضا للفكر الماركسي كما فعل الصدر والطباطبائي والبوطي وغيرهم، ولكنهم وقعوا في فخين رئيسيين هما مجمل ما انتقدته الماركسية على المثالية نفسها.
فعند انتشار المنطق الأرسطي تسبب في بناء بدايات المدرسة الواقعية، وهي تقوم فلسفتها على قسمة العالم لعالم محسوس وعالم آخر غير محسوس، وإشكال هذه النظرة في كيفية الربط السببي بين ما هو محسوس وبين ما هو غير محسوس؟!
وفي فلك الواقعية سقط الصدر والطباطبائي وقبلهما ابن رشد والجهمية أيضا.
فكونهم يسلمون بعالم واقعي يعرف بالحس ولا يمكن معرفته بما سوى ذلك، لا يعني أنهم برهنوا على قضية الواقعية، كما لا يعني أن المادية تنحصر في هذه القضية فحسب، بل أيضا كيف يمكن سحب محسوس لا يعرف إلا بالحس إلى عالم غير محسوس تماما ولا يتعرف عليه؟!
وهذا لا يعني أن بعض هؤلاء لم يتطرقوا له أو يتفطنوا له، فتجد ابن رشد في ((الكشف عن مناهج الأدلة)) خلق دور الوسيط المحسوس وهو أن تخلق الصفات أو يخلق الله هذه الصفات في مخلوقات تقوم بدور الربط بين ماهو محسوس وبين اللا محسوس وهو في حقيقة الأمر محض تكلف وتصرف.
بل يزداد الأمر ليجعل هذا العالم اللا محسوس غير قابل للمعرفة مهما فعل دور الوسطاء كخلق الصفات أو خلق القرآن وهكذا.
هذا الأمر دحض من قبل بعض المدارس السلفية الإسلامية لهذا السبب تحديدا وهو ما انطلق منه عثمان بن سعيد الدارمي في مقدمة رده على بشر المريسي.
فإذا كنا نجد هذا العداء والنقد ضمن المنظومة الدينية نفسها، فمن غير الممكن وضعها في كفة واحدة عند مهاجمة الماركسية.
كما أن الماركسية أخطأت أيضا في جعل الأديان في كفة واحدة، لكن هذا يختلف باختلاف الظروف، فالماركسية خلال استقصائها لم تصل إلى ما تم التوصل له من خلال الإسلاميين في نقدهم لبعضهم البعض وذلك أن جل هذه المصنفات طبعت بعد الماركسية، وماركسيو اليوم ضعفاء فلسفيا لدراسة هذه المصنفات والتعامل معها نقديا من وجهة نظر المادية الجدلية.

فهد فاتك
في الجاهلية كان العربي يستقوي بفارس والروم والحبشة لبسط نفوذه على قومه، والآن العربي يعيد تاريخ أجداده.

فهد فاتك
قد يسأل: ما يُقصد بعلمنة العمل التطوعي؟

لنتفق أولا أن مصطلح الإنسانية ليس متعارفا عليه بمدلول ثابت في الفلسفة، ابن سينا مثلا كما في الإشارات يتعرض للمصطلح قائلا:

"الإنسانية فإنها في نفسها حقيقة ما، وماهية، ليس أنها موجودة في الأعيان، أو موجودة في الأذهان مقوما لها، بل مضافا إليها، ولو كان مقوما لها لاستحال أن يتمثل معناها في النفس خاليا عما هو جزؤها المقوم لها"(١)

هذا يعني أنها "هي المعنى الكلي المجرد الدال على ما تتقوم به ماهية الإنسان"(٢)

وابن تيمية لما تعرض لمسألة تركيب الإنسان من جوهرين: الحيوانية، والناطقية، تعرض لمسألة كون الإنسانية معنى كلي مجرد، ولم يتلق هذا المفهوم الأرسطي قبولا عنده، فأوضح أن المنهج الواقعي لا يتفق مع هكذا طرح، وقال:

"قولنا: هذه الانسانية مثل هذه، ليس المراد أن إنسانية زَيد الموجودة في الخارج هي بعينها إنسانية عَمر الموجودة في الخارج، فإن هذا مكابرة للحس لا يقوله عاقل فإن إنسانية كل إنسان صفة قائمة به وصفة الموصوف لا تقوم بغيره".(٣)

فأعرب عن كون الإنسانية كمطلق ليس لها وجود في الخارج وليست واقعية، بل في الخارج تجد أناسا، ولكل واحد منهم إنسانية تخصه تباين إنسانية الآخر. وعليه ليس صحيحا أن يجمع على مجموعة قيم ويقال فيها أنها قيم إنسانية بحيث تضع تصديق مسبق لمقدمة اتفاق جميع الناس على أن هذه القيمة مركوزة في نفوسهم وأنها خيرٌ يجب السعي له، فمن الخير في الإسلام أن يُرجم الزاني المحصن، وتقطع يد السارق، أما في الخطاب الإنسانوي تجد أن هذا الحد ليس بخير في منظورهم، بل السعي تجاه هذه الحدود يكون في منحى التعطيل لها. وعليه يتسرب المفهوم بوعي أو بغير وعي لبعض المسلمين فيقول أحدهم "إنسانيتي لا تسمح لي بالفرح بقطع يد السارق"، ونحو ذلك.

في المعاجم الفلسفية، وحتى في الكتابات التي اهتمت بالإنسانوية، ترى طرحا يدل على التلازم بين كون الشخص داعي للإنسانوية وبين كونه علمانيا، حتى ظهر مصطلح الإنسانية العلمانية، في معجم مصطفى حسيبة، يعرف الإنسانية العلمانية قائلا:

"الإنسانية العلمانية، هي فلسفة إنسانية تعلي من شأن العقل والأخلاق والعدالة، لكنها ترفض التقاليد والطقوس الدينية كوسيلة لضمان صلاح الإنسان وجودة الحياة الإجتماعية، درج هذا المصطلح في القرن العشرين ليشير بوضوح على الفارق عن الإنسانية الدينية".(٤)

إذا، هي ترفض كون التقاليد و[الطقوس] الدينية وسيلتان لضمان صلاح الإنسان وجودة حياته الإجتماعية.

ضمان صلاح الإنسان وجودة حياته الإجتماعية التي يكون فيها ترسيخ لذي القيم، لا بد أن يكون فيها جملة مقالات تذاع كبيان للمبدأ والغاية في فعل الأصلح "العمل التطوعي"، إن العمل التطوعي المتأثر بهذه القيم وهذه الفلسفة التي تجعل مبادئها مباينة للدين وما في معناه، يضع لنفسه الدافع والغاية بحيث لو نقبت بين طياته هل الدافع ديني؟ أو عقلي [التحسين العقلي]؟ سيقال لك لا. وهل الغاية هي تحصيل الثواب الأخروي؟ سيقال لك لا؟

إن الذي يجعل من عمله التطوعي استجابة طبيعية للذات الإنسانية، اتساقا مع مبادئ الإنسانوية العلمانية، ولا يرى في عمله استجابة لأمر الشرع، وأن الفعل حسن عقلا لكن الغاية منه شرعية وهي تحصيل ثواب الباري، فهذا لا بد أنه خادم جيد لمظومات تعمل على تكريس مفهوم العلمانية ومظاهرها في المجتمعات، إنه فصل للعمل التطوعي عن الدين من حيث الدافع، ومن حيث الغاية.

فيقال: ها هي الإنسانية قد جمعتنا، والإنسانية تجمعنا قبل الدين، كن إنسانيا ثم تدين، الإنسانية لكل الناس...
____
(١) الإشارات لابن سينا، ص٨.
(٢) المعجم الفلسفي لجميل صلبيا، ص١٥٨.
(٣) توحيد الفلاسفة، ابن تيمية، ص٢٠، بتصرف يسير.
(٤) المعجم الفلسفي لمصطفى حسيبة، ص١٠٦.
في المنطق الأرسطي دوما ما تجد ذلك الخلل في مبحث الحد، ذلك الخلل الذي هدّهُ ابن تيمية هدا عنيفا، ولم يتفطن له جهابذة المناطقة.

عند دراسة كتاب "مقدمة في علم المنطق الصوري لنايف بن نهار" تجد تقرير الصناعة المنطقية: "نصل إلى التصورات من خلال التعاريف"(ص٦١)

ابن تيمية يقلب الصورة، ويقول لهم: أول من وضع التعريف كيف تصوّره؟ بذا ينهدم مبحث الحد في كون التعريف مصدر التصور، فإن التصور يأتي قبل التعريف. والتعريف (الحد) يفيد مجرد التمييز لا التصور.

قال ابن تيمية في درء التعارض، ج٣، ص٣٢٠:

"وإن قيل إن المطلوب بالحد أن مجرد الحد يوجب أن المستمع له يتصور حقيقة المحدود التي لم يتصورها إلا بلفظ الحاد، وأنه يتصورها بمجرد قول الحاد، كما يظنه من يظنه من الناس بعض أهل المنطق وغيرهم فهذا خطأ".
ابن حزم vs الجويني:

الجويني: "كل من نظر فأدرك حدوث العالم، انحدر عنه إلى ما يليه فعلم وجود الصانع، وصفاته... فهو العالم، ومن عداه ممن يترقى عن الشبهات إلى قبول قوله عليه السلام، فهو مقلد تحقيقا"(١)

ابن حزم: "وإنما التقليد أخذ المرء قول من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يأمرنا الله عز وجل باتباعه قط ولا يأخذ قوله"(٢)
__
(١) البرهان للجويني، ص٨٨٨.
(٢) الفصل لابن حزم، ج٤، ص٦٨.
1
من طرق التعريف في المنطق الأرسطي: "التعريف بالشرح ويعني استعمال عدة ألفاظ لإيضاح المعرف".

(مقدمة في علم المنطق، نايف بن نهار، مؤسسة وعي للدراسات والأبحاث، قطر، الطبعة الثانية ٢٠١٦، ص٦٨)

هذه الطريقة الأرسطية في التعريف، عارضها ابن تيمية في غير موضع من كتبه، فقال أنكم تقولون: المعرفة تبدأ بالتعريف، فإذا عرفتم شيئا بألفاظ فإن تلك الألفاظ أيضا يجب أن تقوموا بتعريفها، وهكذا يقع تسلسل...
1
"الإنسانوية المنظمة الحديثة بدأت في أذهان مؤسسيها كلا شيءٍ أكثَر أو أقلَّ من دين بلا إله".

جريج إيبشتاين.
"يشير معنى الإنسانية إلى تصور عام للحياة السياسية والاقتصادية والأخلاقية، والمبدأ الذي يؤسسها هو الاعتقاد في خلاص الإنسان بواسطة القوى الإنسانية، ويتعارض هذا مع الاعتقاد بكيفية صارمة مع المسيحية إذ كانت تدل على أن خلاص الإنسان إنما يتوقف فقط على حقوق الله، وقوة الإيمان".

أندريه لالاند.
كثير ممن كان تتبجح قائلا: يا أخي لماذا الاهتمام بالفلسفة والمذاهب الفلسفية؟ هذه كلها زبالات العقول وتؤدي إلى الزندقة وفساد العقيدة!!!

رأيت نفس الأشخاص يقعون في حضن الإنسانوية رغم أنهم أشد تعظيما لعقيدة أهل السنة في الظاهر، ولما قال الإنسانويُّ "بدين الحب آمنا" لم يدركوا المعنى، وراحوا يقسمون أنفسهم: هذا يوافق على المقالة الفاسدة نكاية بالإخوان، وهذا لا يتفق نكاية بالإمارات. وتُرِك ما يناقض العقائد جانبا.
أصلا العقيدة عند أكثر هؤلاء محصورة في الأصول الثلاثة والقواعد الأربعة، لكن في مواجهة دين قال فيه لالاند أنه "يدعو إلى خلاص الإنسان بواسطة الإنسانية، ويتعارض مع القول بأن خلاص الإنسان إنما يتوقف فقط على حقوق الله وقوة الإيمان". هنا يقال: سوقنا معروفة، وأصلا الفلسفة زندقة!!

يابني انتم وين، وممارسة العقيدة وين!
أفق يا إبريق الحمق أنه لا عبرة بالأخوة الإنسانية، بل لا معنى لها من غير رابط واقعي، كالدين، أو الدم، أو الوطن الواحد، ولكن لا ندري أمُشَيَّخُ الأزهر يعي انسياقه في تعزيز ثقة الإنسانويين بنجاح دينهم الجديد، أم لا يعي ذلك، وقد صارت الأخوة الإنسانية أشرف مطلب لدى أهل الزندقة. ووضعت جانبا أخوة الدين وصارت ثانوية، وربما أهملت كليا.

قال إبراهيم بن الرماح:

"المذهب الإنساني:
هو الطريقة التي استحسنها قوم من المنتسبين إلى الإسلام فصاروا يعرّفون أنفسهم بهذا الوصف، مسملحين له، ومتجاهلين التسمية الشريفة التي جاء بها الكتاب العزيز ﴿هو سماكم المسلمين﴾، ومستثقلين هذا الاعتزاء النبيل الذي صار يسبب لهم المتاعب".

ولا تغتر بمن يقول لك: ربما لمُشَيَّخ الأزهر تبرير شرعي لهذا، لا، بل هؤلاء عند ذي المواقف يختزلون الإسلام في المشتركات الإنسانية فحسب. والولاء والبراء عندهم، كآيات التعدد عند بعض النساء.
قال العلامة عمر بن مظفر الشافعي المشهور بابن الورديّ: (وتركت التعصب والحميّة، وحضرت مجالس ابن تيمية، فإذا هو بيت القصيدة، وأول الخريدة، علماء زمانه فلك هو قطبه، وجسم هو قلبه، يزيد عليهم زيادة الشمس على البدر، والبحر على القطر).

محمد ياسين
1
"فرفض الإنسانية، يتحقق برفع شعار الإنسانية العابرة، الذي ينظر إليه أنه مرحلة أخيرة، وختامية للإنسانية، ويهدف إلى تضليل الطبيعة البشرية ذاتها التي تمثل الجسد غير الكامل والوعي الضعيف.
هذا يعني القضاء الذاتي على الإنسانية، إذا أعلن أن حق الإنسان، يكمن في أن يظل الإنسان قابلا للتعديل حتى لا يعود إنسانا".

(دكتاتورية المستنيرين.. روح الإنسانوية العابرة وأهدافه، أولغا تشيتفيريكوفا، ترجمة: باسم الزعبي، الآن ناشرون وموزعون، ص٨-٩)
"يتلخص مدخل الإنسانوية العابرة الردكالي الجديد في فهم الإنسان على أنه ذاته ينظر إليه فقط على أنه مرحلة انتقالية على طريق ما بعد الإنسان، الكائن الذي سوف يمتلك ذكاء خارقا، وسيكون حرا من الأمراض، وسيتوصل إلى الخلود والشباب والحيوية الدائمين.

بمعنى أنه سيتحول كاملا إلى مخلوق اصطناعي".

(دكتاتورية المستنيرين.. روح الإنسانوية العابرة وأهدافه، أولغا تشيتفيريكوفا، ترجمة: باسم الزعبي، الآن ناشرون وموزعون، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص٩)
"الحضارة تعد محاولة ضخمة لملء غياب الله، في الحضارة يحاول الناس نسيان الله أو تغييره: أسره في قيود حديدية، الاستسلام للأعباء الأرضية والقوة التي يصعب اختراقها، أو استبداله باحتفاليات الفن، أو بالتعزية بالموسيقى المضجرة".

(دكتاتورية المستنيرين.. روح الإنسانوية العابرة وأهدافه، أولغا تشيتفيريكوفا، ترجمة: باسم الزعبي، الآن ناشرون وموزعون، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص٢٦)

لوسكي في اللاهوت الدوغمائي: برج بابل هو اختراق غاصب في الحضارة التي تخلو من الله، وهي تعبير عن رغبة البشر الأرضيين الجامحة للسيطرة على السماء.
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان (١)

لنتفق أولا أن مصطلح الإنسانية ليس متعارفا عليه بمدلول ثابت في الفلسفة، ابن سينا مثلا كما في الإشارات يتعرض للمصطلح قائلا:

"الإنسانية فإنها في نفسها حقيقة ما، وماهية، ليس أنها موجودة في الأعيان، أو موجودة في الأذهان مقوما لها، بل مضافا إليها، ولو كان مقوما لها لاستحال أن يتمثل معناها في النفس خاليا عما هو جزؤها المقوم لها"

هذا يعني أنها "هي المعنى الكلي المجرد الدال على ما تتقوم به ماهية الإنسان"

وابن تيمية لما تعرض لمسألة تركيب الإنسان من جوهرين: الحيوانية، والناطقية، تعرض لمسألة كون الإنسانية معنى كلي مجرد، ولم يتلق هذا المفهوم الأرسطي قبولا عنده، فأوضح أن المنهج الواقعي لا يتفق مع هكذا طرح، وقال:

"قولنا: هذه الانسانية مثل هذه، ليس المراد أن إنسانية زَيد الموجودة في الخارج هي بعينها إنسانية عَمر الموجودة في الخارج، فإن هذا مكابرة للحس لا يقوله عاقل فإن إنسانية كل إنسان صفة قائمة به وصفة الموصوف لا تقوم بغيره".

فأعرب عن كون الإنسانية كمطلق ليس لها وجود في الخارج وليست واقعية، بل في الخارج تجد أناسا، ولكل واحد منهم إنسانية تخصه تباين إنسانية الآخر. وعليه ليس صحيحا أن يُجمع على مجموعة قيم تُحصَر وفق تفلسف مبني على عقليات غير مرتبة ليست من قبيل التحسين العقلي، ويقال فيها أنها قيم إنسانية بحيث تضع تصديق مسبق لمقدمة اتفاق جميع الناس على أن هذه القيمة مركوزة في نفوسهم، وأنها خيرٌ يجب السعي له، فمن الخير في الإسلام أن يُرجم الزاني المحصن، وتقطع يد السارق، أما في الخطاب الإنسانوي تجد أن هذا الحد ليس بخير في منظورهم، بل السعي تجاه هذه الحدود يكون في منحى التعطيل لها. وعليه يتسرب المفهوم بوعي أو بغير وعي لبعض المسلمين فيقول أحدهم "إنسانيتي لا تسمح لي بالفرح بقطع يد السارق"، ولذا ترى كما يذكر ابراهيم الرماح عدولا عن العزة بالإسلام في تكريم بني آدم بالإسلام، إلى العزة بدين الإنسانوية ويقال نحن أناس قبل أن نكون مسلمين، ويتناسى أصحاب ذي الأقوال من الإسلاميين قوله تعالى (هو سماكم المسلمين)

في المعاجم الفلسفية، وحتى في الكتابات التي اهتمت بالإنسانوية، ترى طرحا يدل على التلازم بين كون الشخص داعي للإنسانوية وبين كونه علمانيا، حتى ظهر مصطلح الإنسانية العلمانية، تجد في المعجم الفلسفي لمصطفى حسيبة، تعريفا للانسانية العلمانية قائلا:

"الانسانية العلمانية، هي فلسفة إنسانية تعلي من شأن العقل والأخلاق والعدالة، لكنها ترفض التقاليد والطقوس الدينية كوسيلة لضمان صلاح الإنسان وجودة الحياة الإجتماعية، درج هذا المصطلح في القرن العشرين ليشير بوضوح على الفارق عن الإنسانية الدينية".

إذا، هي ترفض كون التقاليد و[الطقوس] الدينية وسيلتان لضمان صلاح الإنسان وجودة حياته الإجتماعية.

ضمان صلاح الإنسان وجودة حياته الإجتماعية التي يكون فيها ترسيخ لذي القيم، لا بد أن يكون فيها جملة مقالات تذاع كبيان للمبدأ والغاية في فعل الأصلح، مثلا في سياق "العمل التطوعي"، إن العمل التطوعي الخيِّر المتأثر بهذه القيم التي تجعل مبادئها مباينة للدين وما في معناه، يضع لنفسه الدافع والغاية بحيث لو نقبت بين طياته هل الدافع ديني؟ أو عقلي [التحسين العقلي]؟ سيقال لك لا، المشترك الإنساني. وهل الغاية هي تحصيل الثواب الأخروي؟ سيقال لك لا، استجابة طبيعية للذات الإنسانية.

قد يقول البعض أن الإنسانوية جذابة بفعل تحسينها عقلا، فهي تسعى حقا لتكريم الإنسان ورفع شأنِه، نعم، لكن هل تكريم الإنسان شيء خارج عن دائرة النقاش؟

يتبع
حول الإنسانوية، وتأليه الإنسان (٢)

تكريم الإنسان في الفلسفة الإنسانوية يهمل ما نقلته من كلام ابن تيمية سابقا، في أن إنسانية عمر جزئيا أي واقعيا مباينة لانسانية زيد، والتفضيل من جنس التكريم، فلكي ألغي تفضيل المسلم على الكافر علي أولا أن ألغي هذا التقسيم، وهنا يبرز تبرير الإنسانويين في إلغاء التقسيم الذي قيل فيه أنه من جنس خطاب الكراهية، فعندما يكون الناس قد جاؤوا بفعل الخالق، فالخالق يفرض عليهم شرعا، ومن لم يتبعه فهو كافر به، وعليه: من اتبعه صار مفضَّلا عند الخالق ومن اتبع شرعه على من لم يتبع. فتخرج هنا مسألة "ما هي النظرية التي من شأنها جمع كل الناس من غير تفريق بينهم إلى مؤمن وكافر، أي إلغاء مسألة الولاء والبراء؟

تخرج هنا نظرية التطور كملاذ أوحد للإنسانوية في أن كل الناس سواسية ولا ينبغي بوجه أن يكون هذا أفضل من هذا، لكن نرى في الفكر الغربي ما يسمى بالتمركز حول الذات، فما الذي جعلهم يحيدون عن القول بسواسية كل الناس في التفضيل والتكريم وإعلاء الشأن؟ جيء بموضوع التفاوت الطبيعي بين الأعراق، وهو نفس ما برر به جون ستيوارت مل توافق الليبرالية مع الحملات الاستعمارية، قائلا بأن الدول المتخلفة، والتي لا تتمتع بوعي كبير، فالحق للدول العظمى أن تقودها.

إذا موضوع تكريم الإنسان، لم يعد خاضعا لتصور متفق دوما، فليس دافع التكريم المطلق تحسينا عقليا، أو تحسينا شرعيا، لا، بل هو هنا اتساق مع الداروينية، فلكل الناس الأصل المشترك، وبذا وقع إقصاء التوجه الديني، ومعلوم أن الباري لما كرم بني آدم، قال أيضا (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فوَضعت الإنسانوية التقسيم جانبا (تقي/غير تقي) = (مؤمن/ كافر) اتساقا مع وضع القول بأن التكريم يتحاكم للتساوي في الأصل المشترك، لا للدين أصلا.

يتبع