باسم بشينية
7.75K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
ابن عربي الذي كان حلوليًا ملحدًا، يقول فيه الذهبي: "إنه يجوز أن يكون من أولياء الله الذين اجتذبهم الحق إلى جانبه عند الموت".
– ميزان الاعتدال، ج٣، ص٦٥٩.

فهذا يدلك على أن الذهبي لم يكن بالمعنى الدقيق منتسبا لمدرسة ابن تيمية الذي ألف في ابن عربي كتابا يحمل عنوان "الرد على أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد"، ولا تعمق له في المعقول والفلسفة.
المسألة ليست حادثة!

الذهبي كان يقول: "إني مخالف له في مسائل أصلية وفرعية"
(ثلاث تراجم نفيسة من كتاب ذيل تاريخ الإسلام للذهبي، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، ص٢٦.)

والذهبي حين نقدِه لابن تيمية في كتاب زغل العلم، كان ابن القيم يرد عليه في النونية قائلا:

رامي البريء بدائه ومُــــــصابه
فعل المباهت أوقح الحيـــــوان

كمعيّرٍ للنــــــــاس [بالزغل] الذي
هو ضربه فاعجب لذي البهـــتان

فالأمر محض شرح للوقائع، والنقولات تنطق بقدم الخلاف.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
حول مسألة «اختلاف وجهات النظر/الشيء في ذاته» بين مادية ابن تيمية وفلادمير لينين، ومثالية هيوم وإمانويل كانط (١)

مقولة «لكل منا وجهة نظره/احترم وجهة نظري» واحدة من المقولات التي لا تسمعها عند صاحب الحق، بل صاحب الحق دائما ما يرى أن الحق واحد، وأن الحق حق سواء نظر الناظر إليه أم لم ينظر، وبالتالي فلا دخل لوجهة نظره في القضية.

وإنما تجدها على الدوام متداولة على لسان ذلك اللاأدري الشاك في الحقيقة، والذي يترجم شكه كوجهة نظر، قائلا "لا أدري أكلامك حق أم كلامي، فلتعتقد صحة كلامك، ولأعتقد صحة كلامي، ما دمت لا أدري أيهما الحق" ولكن ترى اللاأدري يبسط ذلك معممًا عليك اللاأدرية، فأنت أيضا في نظره لا تعلم الحقيقة المطلقة! لا تعلم حقيقة الشيء في ذاته، ولكنك تعلم الشيء لذاتك فقط!

كانت الفلسفة المثالية على الدوام مثارا لمثل هذه المقولات على سبيل الاتساق، فلما كان جماعة من أهل الكلام يقولون ”أن الدليل على الله هو الله وحده، وسبيل العقل عندهم سبيل العاقل في حاجته إلى الدليل، لأنه محدث والمحدث لا يدل إلا على مثله [...] وأن العقل عاجز، والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله“ (١) اتساقا منهم مع أصولهم الأفلاطونية، ونفيا لقدرة العقل على إقامة الدليل على وجود الله، كان إيمانويل كانط المثالي ينظّر لاحقا بذات الفلسفة قائلا أنه ”من المستحيل على العقل النظري البرهنة على وجود الله بطريقة عقلية نظرية“(٢) وكان هذا الجزم الكانطي بعدم قدرة العقل على إقامة دليل على وجود الله، اتساقا من ذات القائل مع تأكيده المثالي ”على عدم قدرة العقل على الوصول إلى معرفة الشيء في ذاته أو الحقيقة المطلقة“(٣). أي أن الحقائق الموضوعية، أو الأشياء خارج الفكر، لا يمكن أن نعرفها بالعقل أو بالحس كما هي هي منفصلة عنا، وبالتالي فلا إمكانية للوصول إلى الحقائق المطلقة.

والمثاليون يفرقون بين مستويين من الواقع، فالأول هو: الشيء كما نراه/الشيء لذاتنا ”وهو الشيء الذي يوجد في وعينا على شكل صورة، وتكون ذاتية وليست سوى مظهر“(٤) والثاني هو: الشيء كما لو رأيناه أو لم نراه/الشيء في ذاته/الشيء مستقلا عن ذواتنا ”وهو الشيء خارج شعورنا، ويكون واقعيا، مؤلفا للواقع“ (٥) وهذا النوع من الإدراك في الفلسفة المثالية لا يقع، إذ الشيء في ذاته مثاليًا ”غير قابل للمعرفة“(٦). بل فقط يوجد ”الشيء لذاتنا“ أي رؤية ذواتنا للأشياء، فكل ما نقول أنه موجود فهو موجود في ذواتنا، ولا وجود حقيقي للأشياء يمكن معرفته بغير أن نقحم تلك الأنا.

وهنا يمكن أن ترى تأثير المثالية على نزعة الإنسانية من جانب تضخيم الأنا، فلا وجود لحقائق ثابتة في الخارج بمعزل عن الأنا، يمكن معرفتها، وإنما تُقحَم الأنا ووجهات النظر الذاتية للأشياء على أنها من أصول المعرفة، فتكون وجهة النظر بعيدًا عن حقيقة الشيء بمعزل عن تلك الوجهة؛ حجة في ذاتها، فلا يكون ”حد العلم على الحقيقة [هو] أنه اعتقاد الشيء على ما هو به“ وإنما يكون حده ”اعتقاد الشيء على ما تراه الأنا“ لأنه ليس في مقدورنا معرفته على ما هو به أصلا، وإنما يكون حده ”اعتقاد الشيء على ما تراه الأنا“! ليضحى كلُّ من لم يُعجَب بحقيقة حول موضوع معين يبسط عدم إعجابه متخفيًا بستار وجهة نظره، دفعا للتشنيع عن حقيقة موقفه أنه لم يُعجَب بهذا الحق، أو لم يكوِّن حوله معرفة كاملة، وفي حين يجب البحث عن الحقيقة، يصير أكثر من لا يُعجَب بها باحثًا عن وجهات نظر على مزاجه، موافقة لذاتِه هو، لا للشيء في ذاته! إنه تضخيم للأنا والذات والنزعة الإنسانية على حساب الحقيقة.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
حول مسألة «اختلاف وجهات النظر/الشيء في ذاته» بين مادية ابن تيمية وفلادمير لينين، ومثالية هيوم وإمانويل كانط (٢)

وذي المسألة نجد لها أبعادًا في نظرية المعرفة عند جزئية المعارف القبلية، فالمثاليون يرون أن الحكم على الموضوع إنما يكون انطلاقا من الذات/الأنا/الشعور، وبالتالي فإن الشيء لا يمكن أن نعرفه كما هو منفصلا عن شعورنا، بل كل قائل لحكم عن شيء؛ إنما يقول حكمه انطلاقا من شعوره/ من ذاته. وبالتالي فلا يكون إدراك شيء موجودًا إلا والشعور/الفكر هو من صنع وجوده، فالشعور سابق عن الشيء المُدرَك، وبالتالي؛ فلا معرفة لحقيقة الأشياء من دون شعور سابق، وهنا نرى المثالية تتسق مع القول بمعارف قبلية ”فكر/شعور قبل الحس“، وتبني على ذلك إنكار معرفة الأشياء كما هي على الحقيقة من غير ذاتية أو شعور سابق. إذًا فلا حقيقة مطلقة عن الشيء، وإنما فقط علم بظواهر الأشياء.

وفي هذا نجد المثالية الديكارتية تقول «أنا أفكر، إذًا أنا موجود» فالفكر والشعور هنا، هما ما أُدرِك بهما الوجود، لا أن الوجود هو ما يشكِّل الفكر والشعور، وما دام الفكر هو المكوِّن لحقيقة الوجود، فاختلاف الأفكار يؤدي لاختلاف المدركات، ويؤدي لاختلاف الحكم على الأشياء الموضوعية/الأشياء في ذاتها! وهذا يتسق مع الصرح المثالي القائل بعدم إمكانية معرفة حقيقة الشيء في ذاته.

وما كان يقوله المثالي هيوم من أن روحنا لا تدرك سوى صورة الأشياء (٧) فليس إنكارا للوجود المستقل للمادة/الشيء، بل يزعم هيوم بوجود مادة مستقلة عن ذواتنا خلافا لمثالية باركلي، لكن ذي المادة لا يمكن معرفة حقيقتها المستقلة عن فكرنا وشعورنا، وذلك لأننا لا نعرف عنها إلا الصور النسبية، فالمنضدة تصغر في نظرنا كلما ابتعدنا عنها، رغم أنها مستقلة عنا، إذًا فالمنضدة لا يمكن معرفة حقيقتها، وإنما معرفة ظاهرها لا غير. (٨)

وبالتالي فلا يمكن أن نحدد لأنفسنا موقفا في قضية إثبات وجود موضوعي لله مثلا، ويبقى النقاش طويلا بين المثبت والنافي حول الأشياء في ذاتها، هل كل شيء يشترط في وجوده أن يقبل الحس أم لا؟/ هل الأشياء موجودة وجودا عينيًا، أم أن وجودها في الخارج مطلق كلي؟، فيطول النقاش بين المثبت والنافي، فالمثبت يعطي حججا عن قابلية الحس للباري، والنافي يعطي حججا عن عدم قابليته للحس، لكن لن يقول أي منهما ما هي الحقيقة التي يجب أن تُعتقد، هل كل موجود يكون قبوله الحس شرطا في وجوده أم لا؟ فيستحيل أن نقول ما هي الأشياء في ذاتها!، لماذا؟ لأننا لن نعرف حقيقة الأشياء في ذاتها، لأن كلا منا سجين وجهة نظره (٩) وكل منا يدرك ظواهر الأشياء فقط، فلا سؤال إذًا عن حقائقها منفصلة عن فكرنا. [سيأتي ذكر مثال من مقالات الإسلاميين الشكّاك، مرجع ١٤]
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
حول مسألة «اختلاف وجهات النظر/الشيء في ذاته» بين مادية ابن تيمية وفلادمير لينين، ومثالية هيوم وإمانويل كانط (٣)

وهنا نجد أن ابن تيمية ينظّر مناقضا للنسق المثالي عن حقائق الأشياء، فمثالثة هيوم القائلة بأن وجود المادة يكون مستقلا عن ذواتنا لكن ذلك الوجود تابع لذواتنا لا أن ذواتنا تابعة له، يناقضها ابن تيمية بقوله أن: ”الحقائق الخارجية مستغنية عنّا، لا تكون تابعة لتصوُّراتنا، بل تصوُّراتنا تابعة لها“ (١٠) ”فإن حقائق الموجودات ثابتة في نفسها سواء اعتقدها الناس أو لم يعتقدوها وسواء اتفقت عقائدهم فيها أو اختلفت وإذا اختلف الناس فيها على قولين متناقضين لم يكن كل مجتهد مصيبا” (١٩).

فعند ابن تيمية: يعلم العقل حقيقة الشيء في ذاته، وهو الذي يعبر عنه بقوله ”الشيء على ما هو به“. فــ ”حد العلم على الحقيقة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئا على ما هو به ولم يتخالجه شك فيه فهو عالم به، وسواء كان عن ضرورة حسٍ، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال“ (١١)

ومن زاوية أخرى فإن عدم معرفة الشيء في ذاته دوما ما يكون مبررا للظلم الواقع لأن الظلم لا يمكن أن يعرف في ذاته، وما تراه أنت ظلما أراه أنا عدلًا، وكما أن رؤيتك للظلم عبارة عن وجهة نظر ذاتية، فيمكن أن تكون رؤيةٌ مناقضة وجهة نظر ذاتية أيضًا، فأنت لا تعرف حقيقة الظلم في ذاته! فلا يوجد موقف يعتبر هو الحق المطلق في القضية، وفي هذا يقول لينين: ”أن العامل الذي يأكل السجق والذي يتقاضى ٥ فرنكات في اليوم، يعرف جيدا جدا أن رب عمله ينهبه وأنه يأكل لحم الخنزير وأن رب العمل سارق، وأن السجق لذيذ الطعم ومغذ للجسم، لا شيء من هذا القبيل، يقول السفسطائي البرجوازي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط: رأي العامل في هذا الصدد هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن أن رب العمل محسن إليه وأن السجق مصنوع من جلد مفروم، لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته“(١٢) ففلسفة عدم معرفة الشيء في ذاته أحق أم باطل، أعلى هذا الأساس أم على نقيضه، دوما ما تكون مبررة للنظم الرأسمالية.

وكما كان يقول جورج بولتزير أن هؤلاء المثاليين يزعمون أنهم على الحياد في كل شيء (١٣) فقد كان ”الشكاك أيضا يصححون كل اعتقاد ويزعمون أن كل من اعتقد شيئا فهو على دين صحيح“ (١٤) فعدم امكانية معرفة الشيء في ذاته، تنسحب أيضا على العقائد، فلا ندري أي العقائد حق، وبالتالي فكلها صحيحة لذات المعتقِد. فكلٌّ وما يرى، وكل ووجهة نظره الذاتية.

ومن ثم امتد هذا المذهب المثالي اللاأدري إلى أن برز مذهب المصوِّبَة، وهم القائلون بأن ”كل مجتهد مصيب في فروع الشريعة”(٢٠) فلم ”يجعلوا لله في الأحكام حكما معينا، حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في كل شخص ما أدى إليه اجتهاده” (١٥)
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
حول مسألة «اختلاف وجهات النظر/الشيء في ذاته» بين مادية ابن تيمية وفلادمير لينين، ومثالية هيوم وإمانويل كانط (٤)

لكن عند ابن تيمية مع أن الشيء يعرف في ذاته كما يقول فلاسفة المادية، فإن اختلاف وجهات النظر في حقيقة الشيء، أو الحكم، لا تغطي كون الصواب في القضية واحد، ومن ثم فالمختلفون في وجهات النظر لا عبرة لاختلافهم، وإنما العبرة بصاحب الحق لا غير، فإن ”عُني بالمصيبِ: العالمُ بحكم الله في نفسِ الأمر، فالمصيب ليس إلا واحدا فإن الحق في نفس الأمر واحد“ (١٦)

ولاتساق كل من ابن تيمية وفلادمير لينين مع ماديَّتهما، ترى تطابقًا في جعل القول المثالي اللاأدري المنكر للعلم بالشيء في ذاته محض سفسطة:

– لينين: ”يقول السفسطائي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط أن رأي الشخص في مسألة هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن نقيضه لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته“ (١٧)

وقول لينين هنا هو عين ما كان يقوله ابن تيمية عن ذات المذهب السفسطائي المنكر لحقيقة الشيء في ذاته، والمنكر لاستطاعة الشخصِ معرفةَ الشيء في ذاته، إذ يقول:

– ابن تيمية: ”حُكي عن بعض السفسطائية أنه [...] لم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد. وهذا القول على إطلاقه وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل، وإنما هو من جنس ما يحكى أن السفسطائية أنكروا الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة“. (١٨)

----------------------------------

– المراجع:

١) كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف، أبو بكر بن اسحق الكلاباذي، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص٣٧.
٢) إيمانويل كانت، بدوي عبد الرحمن، ص٣٢٨.
٣) عن كانط بواسطة: فصول، المجلد ٧٠، ص٦٨.
٤) المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بولتزير، ص٨٩
٥) المرجع السابق نفسه، ص٨٩.
٦) ملحق موسوعة المعرفة، عبد الرحمن بدوي، ص٢٠٠
٧) نقلا عن لينين: المادية والمذهب النقدي التجريبي، ص٢٢.
٨) جورج بولتزير، مرجع سبق ذكره، ص٨٩.
٩) المثال إعادة صياغة لمثال جورج بولتزير، المرجع السابق نفسه، ٩٠.
١٠) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، الطعبة الأولى: ٢٠٠٥م، ص٧١.
١١) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج٧، ص٤١٦.
١٢) المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤.
١٣) جورج بولتزير، مرجع سبق ذكره، ص٩٠
١٤) أنظر: المرجع في تاريخ علم الكلام، زابيته شميتكه، ترجمة أسامة شفيع السيد، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى ٢٠١٨م، ص٢٢١.
١٥) الاستقامة، أحمد عبد الحليم ابن تيمية، ضبط نصه وخرجه: حين أبو الخير، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى ٢٠١٣م، ص٣٩.
١٦) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، ج٦، ص٢٨.
١٧) أنظر: المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤.
١٨) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج١٩، ١٣٧
١٩) المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين للبصري، ج٢، ص٣٧١.
٢٠) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج١٩، ص١٣٨.
"وإذا كان الغلط شبرًا، صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا".

(بغية المرتاد، ابن تيمية، تحقيق موسى الدويش، مكتبة العلوم و الحكم، الطبعة الثانية ٢٠٠١، ٤٥١)
ابن عربي كان يصرح بامتناع الرؤية على أصول المثاليين سواء من الجهمية أو المشائين، وابن تيمية في بغية المرتاد كان أحرص على بيان هذا ونقد أصوله المثالية، فنقده مبني على إرجاع التفريع الأدبي لأصله الفلسفي.
الرؤية لدى ابن عربي لا تتعلق بالذات أو الوجه، فالإله عنده مجرد مطلق لا تعيُّن له، وإنما الذي يُرى هو التجلي في صور المخلوقات، أو تجلي المخلوقات في صورته كما يقول ابن سبعين.

وعلى هذا، فأي حديث عن الرؤية لدى هؤلاء الاتحادية، لا حقيقة له على أصول أهل الحديث؛ من الرؤية الحسية بالعين، بل يجري على مستوى الرؤية في أعيان المخلوقات.

وخلاف ذلك من الرؤية الحسية كرؤية الوجه مثلا، أو رؤية ذاته في الدنيا كما يقول بعض الصوفية الجاهلين لحقائق كلام الأنبياء، أو كما يقول القرامطة، فإن ذلك ممتنع لدى ابن عربي.

وقد كان يقول في الفصوص بعد حديثه عن تجلي الحق في صور المخلوقات: "فلا تطمع ولا تتعب نفسك في أن تترقى في أعلى من هذه الدرج، فما هو ثَمَّ أصلا".

وهذا تصريح بامتناع الرؤية الحسية، وأصله القول بمطلقية وجوده.
باسم بشينية
ابن عربي كان يصرح بامتناع الرؤية على أصول المثاليين سواء من الجهمية أو المشائين، وابن تيمية في بغية المرتاد كان أحرص على بيان هذا ونقد أصوله المثالية، فنقده مبني على إرجاع التفريع الأدبي لأصله الفلسفي. الرؤية لدى ابن عربي لا تتعلق بالذات أو الوجه، فالإله…
الله عند "الاتحادية... هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يُرى ولا اسم له، ويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الأسمى لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يُرى في كل شيء ويتجلى في كل موجود لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون: يرى هو في الأشياء، وهو تجليه في الصور".

(بغية المرتاد، ابن تيمية، تحقيق موسى الدويش، مكتبة العلوم و الحكم، الطبعة الثانية ٢٠٠١، ص٤٧٣)
من أنفس كتب ابن تيمية رحمه الله، ولمن أراد أن يحاجج بعلمه الذي حواه هذا الكتاب، عليه أن يطلع على تفاصيل الكتاب في قراءة أولى، ثم يقرأ نقديًا ما رد عليه ابن تيمية، وذلك يكون بـ:

– دراسة مذهب القرامطة مثل كتب الفضائح التي تعرضت لهم.
– استيعاب فلسفة ابن سينا في العقل الفعال، والمادة والصورة والهيولى.
– قراءة رسائل إخوان الصفا، وهي من أهم مراجع ابن تيمية في معرفة مذهب القرامطة.
– قراءة مشكاة الأنوار للغزالي.
– قراءة جواهر القرآن للغزالي.
– قراءة فيصل التفرقة للغزالي.
– قراءة قراءة خلع النعلين لابن قسي.
– قراءة رسائل ابن سبعين.
– قراءة الفتوحات المكية، وفصوص الحكم لابن عربي.
– الاطلاع على التفسيرات المتأثرة بتفسيرات القرامطة مثلما حوى تفسير السلمي، وتفسير ابن عجيبة، وبعض تفاسير القشيري.

ثم إعادة قراءة بغية المرتاد مرة أخرى، مع التنبه لكون ابن تيمية لا يذكر صاحب مقالة أو مقالة إلا وهو يريد أن يربط بينها وبين موضوع الكتاب، ولذا كان حريصا على قراءة ابن عربي في سياق الفلسفة الملهمة للكل في تلك الفترة؛ أعني الفلسفة المثالية.
كوماينو فيلسوف الحومة!

جدال الملحدين والعلمانيين ليس محببا لدي، ولست معجبا بهمة كثير من الشباب من الإسلاميين في هذا الشأن، خصوصا في أطروحاتهم، ونوعية نقوداتهم، وهذه حالة عامة على كل حال.

لكن الذي لاحظته شخصيا؛ البارحة مثلا دخلت على روم لإسلاميين يناقشون علماني، وكان له أتباع كثر على كلوب هاوس حوالي ٦٠٠٠ متابع، ويعتبر كمنظّر علماني في كلوب هاوس، فاسمعت له، ثم حاولت أن أجعل الحوار ثنائيا بيني وبينه.

الفكرة التي كان يدندن حولها، هي فكرة العلمانية بصورة تكاد تكون مهضومة في خطابه، فيقول بإيجاب تطبيق العلمانية، وأن العلمانية تكفل كافة الحقوق، وتقف على مسافة واحدة من الجميع وهكذا، لكن تركيزه كان حول المعاني. تمام!

سألت؛ أي أنماط العلمانية الذي تتكلم عنه بالضبط؟ لا جواب! إذن لأجيب؛ أنت محض ناقل لنمط واحد؛ وهو النمط الرأسمالي من العلمانية، وفلسفيا ينازعك العلماني الشيوعي! وللشيوعيين مؤلفات فلسفية ومجلدات لا تنتهي في العلوم السياسية، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، وكلهم يطرحون علمانية تناقض ما تريد الدفاع عنه!
فهل يمكن أن تجادل من منظور علمانيتك؟ ولأطرح عليك ما ينازعك فيه الماركسيين كمثال عن معارض لاديني لكنه من داخل المنظومة العلمانية. ولنرى مدى لوذعيتك وتوصلك بالعقل لعلمانية ذات نمط رأسمالي، دون علمانية ذات نمط ماركسي. بمعنى؛ ما الحجاج الفلسفي الذي ستقدمه إن تعارضت في الوسط علمانية رأسمالية، مع علمانية شيوعية؟ أم أنك لا تدري أن انجرارك خلف نمط مدعوم عبر الدول الكبرى، وعبر الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، وعبر الإعلام، والميديا، فقط لأنك مقلد لما هو غالب من أنماط العلمانية، من دون إعمال عقل أيهما أحق أن يتبع؟
وكانت مداخلتي ترتكز حول؛ إمكانية تقديمك لحجاج فلسفي لما ينازع فيه الماركسيون هؤلاء الرأسماليين من أفكار، هي أيضا في سياق الدولة الحديثة. لنرى هل أنت علماني حقا! أم فضلة ألقتها الدول الكبرى، بحيث لو كان ذي الدول شيوعية لكنت شيوعيا، ولو كانت إسلامية لكنت إسلاميا، لا لشيء إلا لكونها قد مارست عليك الأدلجة، ولم تسمح هشاشتك المعرفية لأن تنازعها في شبر!، وجُعلت تتصور أنك توصلت لذي الأفكار بالتنوير الخالص.

كان أول جواب يعبر عن erreur بالنسبة لي، هو أن يحاول تجهيلي قائلا أن العلمانية لا علاقة لها بالرأسمالية ولا الشيوعية، هذا الجواب، هو جواب من شخص علماني يدعي البحث الفكري والنظري! أحلته على جملة مؤلفات، أو أن يكتب في جوجل "علمانية رأسمالية" ثم يبحث في خانة الكتب كم عدد الصفحات التي قرنت بينهما، فالأمر بديهي لدى المثقفين!.
ينتقل الحوار لمستوى آخر، "أنت تمارس التعالم"، كيف؟ "تحاول إبراز عضلاتك المعرفية"، ثم ينكّت بمقولة هائلة بقيت وصمت في جبينه "أنا لما كنت أدرس فلسفة، كنت أقول لهم قال الفيلسوف كوماينو، وهذا كوماينو هو أحد جيراني". يريد أن يدلل على أنه يخدع الأساتذة ويقنعهم بأنه ينطق بالحكمة، وبما أن الأستاذ لن يعتد بحكمة هذا العلماني الصغير حينها، فإن صاحبنا سيخدع الأستاذ بتلفيق فلسفته إلى شخصية وهمية اسمها كومانيو، فيلسوف الحومة.
ضحكت كثيرا، ومع أن هذا يدل على جهله بالفلسفة، لا على غزير علمه، فجأة انتقل الحوار من وصفِ المسلم بالرجعية والجهل بالعلوم والحداثة، إلى مستوى؛ "أنت تريد أن تظهر لنا مدى علمك بالفلسفة، لكن نحن مكاننا الواقع"
فجأة، يصبح العلماني بعقلية الإسلاميين الحركيين؛ لا يفتي قاعد لمجاهد! ذكرت له قول فلادمير لينين "لا يوجد دولة بدون نظرية دولة" فالشغل السياسي الحقيقي يبدأ على مستوى التنظير، لا الحركة البهلوانية تحت مسمى الواقع. كذلك لدى الفقهاء لا يجوز الإفتاء إلا بعلم! فضلا عن الإقبال والإحجام، لا تُقدِم على شيء حتى تعلم حكمه. فكيف تقدم الحركة السياسية على البحث الفلسفي؟ كينز كما يقول ماكس سيكسوين يبني نظريته على الحدس الأفلاطوني، ماركس يبني المادية الجدلية على مادية إيبيقور، ثم فيورباخ، لينين يبني على ماركس، آدم سميث يبني على المثالية، فعن أي واقع تحكي وأنت تعبر عن خواء نظري؟!

إن خرج من الروم، ظهر بمظهر الهارب أمام متابعيه، وإن بقي واصل الغرق، هذا والكلام فيما يتمسحون به يوميا، الفلسفة والفكر الحر!.

الخلاصة، لا يوجد أي جواب، ولا أي فكرة متماسكة، ولا أي معرفة بما ينادي به، فقط القيام بالتهريج، والنزق، والقفز، والكلام المجمل، المطلق، ثم يقابلك قائلا: تريد إبراز معرفتك، نعم! هو إذلال معرفي، ودرس تعليمي، وليست مناظرة!.

الفكرة أن هؤلاء لا يستحقون إفناء العمر في مطاردتهم من روم إلى روم، من منشور إلى منشور، نصف ساعة توضع فيها اليد على الجرح، ترى أمامك ذلك العلماني اللوذعي صاحب النظارة والهدوء الذي يرمي لكشف جهالات المسلمين، قد تحول إلى قرد يقفز هنا وهناك ويصرخ ويسفه.

الشغل الحقيقي، كمسلم! هو البحث عن وسط هادئ والعكوف على طلب العلم والمعرفة، غير ذلك من مجاراة كل أحمق؛ فهو محض إهدار للعمر فيما لا نفع فيه.
"الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة".

(رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا، القسم الرياضي، مركز النشر: مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى ١٤٠٥م، ج١، ص٦)

ابن تيمية لم ينخدع لا بديكتاتورية المصطلحات التي مارسها المتكلمون؛ كلفظ المعقول، بل أبان أن "الشُّبه التي يُقال لها براهين عقلية، فقد تكلّمنا عنها بالاستقصاء حتى تبيّن أنها من القول الهُراء" (١)

ولا انخدع بديكتاتورية المصطلحات التي مارسها المتفلسفة كلفظ الفلسفة، بل أبان أن "الفلسفة الصحيحة المبنية على المعقولات المحضة توجب عليهم تصديق الرسل فيما أخبرت به" (٢)

فكل من يدعي احتكار الفلسفة، فهو على التحقيق محض منبهر أمام الفلسفة الوافدة، فليس له حق إثبات الفلسفة بإطلاق لنفسه، وليس له حق نفيها عن غيره، بل "لا يمكن إثبات الفلسفة أو نفيها إذ ليس للفلاسفة مذهب معين ينصرونه ولا قول يتفقون عليه في الإلهيات و المعاد و النبوات ولا في الطبيعيات و الرياضيات بل ولا في كثير من المنطق"(٣)

فإن تعددت الفلسفات! بطل القول بأن الحل في الفلسفة، وإنما الصواب؛ ادعاء الحل في فلسفة معينة، وإن أجرينا البحث التاريخي، اتضح أن ما يلوكه القرامطة من لفظ الجواهر النورانية التي هي الأرباب، والعقول المتعالية، فهو من "هو كلام اليونانيين وأمثالهم من المشركين فأنهم يصرحون في كتبهم بتسمية هذه المجردات التي يقولون أنها الملائكة أربابا وآلهة ويقولون هي الأرباب الصغرى والآلهة الصغرى وهؤلاء المتفلسفة الصابئة يعبدون الملائكة والكواكب" (٤)

فدعوى التطهير بالفلسفة، هي على التحقيق إدعاء تطهير بالفلسفة اليونانية المثالية، سواء في شقها الأفلاطوني، أو في شقها الأرسطي.

فإن كانت ذي الفلسفات بمعزل عن أذهان مقتبسيها؛ لا تخلو من غلط وجهالات، كإثبات المجردات والكليات والمطلق في الخارج، والقول بأن التعليم هو إخراج ما بالقوة إلى ما بالفعل ونحوه، فعلى أي وجه يجري الجزم بضرورة إعمالها في تطهير الشريعة من كلام المتوهمين؟ أولى بصاحب عقلية كهذه أن يركن على جنب ليجري تطهير الشريعة مما يروم إعماله فيها.

فليست فلسفة! بل هي فلسفة يونانية، فلسفة أرسطية، ولم تكن صحيحة، ولا مبنية على معقولات محضة، ولم تؤد لتصديق الأنبياء فيما أخبروا به.


(١) التسعينية، ابن تيمية، ج١، ص٢٢٠.
(٢) منهاج السنة، ابن تيمية، ج١، ص٣٦٥.
(٣) منهاج السنة، ابن تيمية، ج١، ص١٧٥.
(٤) بغية المرتاد، لابن تيمية، ص٣٧٦.
مرة على مرة تعلو صيحات هنا وهناك، تخال القوم يستفزونك للطمِ القفا، ثم تتذكر مقولة شوبنهاور لعين التشاؤم، فتيأس!.

"من بين كل مئة شخص، يوجدُ بالكاد شخصٌ واحد يستحقُ أن نجادله، أما بالنسبة للآخرين، فلنتركهم يقولون ما يُريدون، لأن من حق الناس أن يهذوا." –شوبنهاور.
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
نقد_بعض_نتاج_مركز_باحثات–_باسم_بشينية.pdf
748.8 KB
نقد بعض نتاج مركز باحثات لدراسة المرأة– كتابَي مفهوم النسوية لأمل الخريِّف، الإتجاه النسوي المعاصر لسامية العنزي أنموذجًا.
لا تجد لدى المتمسحات بالشريعة من المتأسلمات انتهاج دلالة القرآن عند كلامهن في الفرق بين جنس الرجال وبين جنس النساء، كما في قوله ﴿لا يسخر قوم من قوم ولا نساء من نساء﴾ وقول الملائكة في مريم ﴿طهرك واصطفاك على نساء العالمين﴾ وقوله ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ ونحو ذلك مما يدل على التفريق بين الجنسين، فلا تسمى النساء بالقوم، وليس في العادة أن تسخر النساء من القوم الذين هم الرجال أهل القوامة، فلكل جنسه وعلى ذلك يترتب النهي، ولم يقارن مريم بالرجال والنساء وإنما قارنها بجنسها؛ نساء العالمين، وأكد على أنه ليس الذكر كالأنثى؛ فليس للمرأة أن تكون خادمة في المسجد الذي يرده من ليس من جنسها. وغير هذا كثير.
الفكرة هي أن الاعتراضات التي تلوكها النسوية المتأسلمة تصل إلى الاعتراض على الله لخلقه جنسين –الذكور والإناث/الرجال والنساء– فهذا اعتراض مستقر في أذهانهن، وهو ما يترتب عليه الاعتراض على التفريق بين الجنسين، ثم محاولة نفي الفوارق بجعل الرجل معيارًا للكمال ثم السعي نحو تحصيل ذلك الكمال. فآخر المشوار يعيد لأوله؛ يردن البشرية جنسًا واحدًا، حلقة مفرغة!

ألا ترين أن الأسلم شرعا وعقلا أن تقول المرأة: الله خلق جنسين، لا جنسا واحدًا، وبينهما فوارق كما في كلامه وكلام رسوله، لألتزم بما خوطب به جنسي، ولأجتهد في الامتثال لذلك، وأن أقارن نفسي بآحاد جنسي كما قارن الله مريم بآحاد جنسها، جنسي ملزم شرعًا أن يمكث أياما لا يصلي، فالتي تصلي كل الشهر إلا تلك الأيام أكمل من التي تصلي نصف الشهر فقط، لكن الجنس الذي ألزمه الشرع بصلاة كل الشهر أكمل صلاةً من صلاة جنسي، إذ لا علة فيه توجب شرعا ألا يصلي أيامًا من الشهر، وما لي ولهذا الجنس لأقارن نفسي به؟ أأنا منه؟. السؤال الأهم: هل ألزمني الشرع أن أقارن نفسي به؟ لا! بل قال ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ فكيف بمجاوزة التمني المنهي عنه إلى القول بعدم التفضيل مطلقًا تحريفًا للكتاب –لا الوقوف عند الاقرار به مع تمني تحصيل المنهي عنه!– فأي إيمان وأي إسلام وأي ”تأسلم“ يتحدثن عنه؟

كثير من النساء لتشوه فطرتهن تحسب الذي قيل هنا مجرد نصب عداوة مع المرأة، لكن التقيّات يدركن جيدا أنه سعي في نجاة رقاب من جرفهن سيل التحريف من الوعيد.

”من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان“ –درء التعارض لابن تيمية، ج١، ص١٨٧.
👍5
النساء عموما، تقيّات أم مفتونَات، مفطورات على قاعدة لا تتغير؛ إن انكشف لهن منكَ تملُّقٌ أو تزلّف، أو رضوان منك بأن يُطوّقنَ حبائلهن على عنقكَ، حتى لو استملحت إحداهن ذلك، وانتشت هنا وهناك بحِسّ التأثير وبسط نفوذِ الرقّة لإذابة الصلابة، واستمالةِ أصحاب النزوَات؛ فإن باطنهن يستقذِرُكَ، لا تراك لا رجلًا، ولا مؤهَلًا للظفر بها، تُميلُكَ بما تستملح وكلما تحركتَ واصلت الغرق، متى سال لعابُك سالَ قدرُك.
👏3
"آلا دونو أستاذ الفلسفة في جامعة كيبيك الكندية وهو أكاديمي ناشط معروف بالتصدي للرأسمالية المتوحشة ومحاربتها على عدة جبهات.
كانت مساعيه هذه موجعة للأطراف التي حاربها، حتى أنه لوحق قضائيا من قِبَل بعض أقطاب صناعة التعدين عام ٢٠٠٧، وذلك بعد أن أصدر كتابا في العام نفسه بعنوان مثير وهو: كندا السوداء: النهب والإفساد والإجرام في إفريقيا".

(نظام التفاهة، آلان دونو، ترجمة وتعليق مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، بيروت– لبنان، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص١٣، المترجم)
Forwarded from باسم بشينية (باسم)
«كن أنت نفسك، أثبت ذاتك، كن أنت ولا تكن غيرك....إلخ»
هذا النوع من المقولات، هو عين التناسق مع الفردانية التي أرادت المدارس البرجوازية تثبيتَها. ثم صارت هي عينها؛ الروح التي يتبناها كل من أعجب برأسمالية الإقتصاد/الثقافة/المجتمع.

كان أهم مؤلَف في الفلسفة الفردانية، يذكره بوخفسكي في كتابه «الفرد والمجتمع» هو كتاب لماكس شتيرنر، عنوانه «الأوحَد وملكيته/الذاتي وعالمه» تختلف ترجمات العنوان، لكنها تصب في ذات المعنى.

أول جملة بدأ بها ماكس كتابه هي قوله: ”من يريد أن يكون إنسانًا حقًا لا يحتاج كيانُه لأي نفوذ“ –الأوحد وملكيته، ماكس شتيرنر، ص٥.

بمعنى: من يريد أن يحقق نفسه وذاته، فإنه لا يحتاج لعلاقات إجتماعية لأجل تنفيذ ذلك التحقيق.

خلال هذا يمكن أن تفسر ذلك المعنى الذي تنطوي عليه العبارة الأم في الفلسفة الفردية «كن أنت نفسك»

أن يكون الإنسان ذاته، بالمعنى الحرفي «أن يكون نفسه» فإن ذلك يعني أولا: أن يتحرر من الجماعة، فمن أنت نفسك؟ إنك الأهواء، والرغبات، والغرائز، إنك اللا مجتمع، اللا تقاليد، اللا أعراف. فأي سلوك للفرد داخل المنظومة الفردانية يُعتزُّ بأنه غير خاضع –بل لا صلة له– بالجماعة، ولا بمعاييرها. وعندما يقوم الشخص بإلحاق الضرر بنفسه، فإنه حسب الفردانية: يمارس ذاته، إنه يمارس نفسه، يكون هو نفسه، لا علاقة للمجتمع به. ”إنه حر، حرية مطلقة“.
فما دامت –كما يقول بوخفسكي– ذاتك ونفسك هي المعيار، وهي ما يجب أن يتحقق، لا القيمة الأخلاقية المجتمعية، فإن ذلك يعني أن تفعل ما يحلو لك، فأنت غير خاضع للقيم الإجتماعية، ولا للنقد، ولا لحكم الجماعة، ومن ثم ”فعندما تصبح الإرادة الفردية هي القانون الأسمى للأخلاق، فإن الروابط الاجتماعية تتفكك من جراء ذلك، بل وتنحط الجماعة ذاتها“. –الفرد والجماعة، بوخفسكي. ص٢٨.

هنا يمكن أن ترد كثير من تلك الدورات، والكتب، والعبارات، التي تدخل في مسمى التحفيز والتنمية البشرية، والتي تتمركز حول الذات انطلاقا من قولهم «كن أنت نفسك» إلى أصلها.

”إن الإنسان لم يخلق خلق من يعيش وحده ويتم له البقاء بنفسه“ –ابن مسكويه.
👍3
"ما هو جوهر كفاءة الشخص التافه؟ إنه القدرة على التعرف على شخص تافه آخر، معا، يدعم التافهون بعضهم بعضا فيرفع كل منهم الآخر".

(نظام التفاهة، آلان دونو، ترجمة وتعليق مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، بيروت– لبنان، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص٧٠)
"فأن يظن المرء نفسه حرًا libre ضمن نظام مثل هكذا [نظام التفاهة]، لا يعني في حقيقتِه إلا فعاليَّة هذا النِّظام".

(نظام التفاهة، آلان دونو، ترجمة وتعليق مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر، بيروت– لبنان، الطبعة الأولى ٢٠٢٠م، ص٧١)