لطمُ القفا (٢)
تتوسع الأرسطية، وتستلهم طائفة من الناسِ جاؤوا في المرتبة الثانية بعد المتفلسفة، إنهم أهل الكلام. وقد أتوا قائلين؛ نحن أحق منكم بأرسطو! سنقول بأن الإله لا في مكان، ولا يوصف بالزمان، فلا أين ولا متى ولن يوصف إلا بالسلب والنفيِ، فلا فوق ولا تحت، ولا على العرش استوى. فَتَثبُتُ المقالات ويقع الإلزام، فكيف السبيل والشرع على نقيض ما نقول؟
الحاجة أم الاختراع! كان ابن سينا أسبق في الاتساء بطريقة الإسكندر مع آيات الصفات، وقوله أساسًا شنيع فهو ينسبُ الكذبَ للشارِع! فما الحل الذي يسمحُ لرجل الكلام بالجمع بين الدين الأرسطي وبين الشريعة من غير تصريح بكذِب الشارعِ لمصلحة الجمهور؟
وهل ابن سينا فقط توقف عليه استحداث قانونٍ لآيات الصفات! نافسناه في الأرسطية، وها نحن ننافسه في قانون يبرر لنا إتخاذها عقيدةً.
إنه ”قانون التأويل”، أحرصُ على إتخاذ الأرسطية دينًا وأسلمُ من شناعة تكذيب الأنبياء كما قننت السيناوية، فكيف الشروع في العمل؟
يبدأ الأمر مع الجويني قائلا أن آيات الصفات إن خالفت العقل –وهو بدون لف ودوران: عقلُ أرسطو– فالواجب تأويلُها حتى تتفق معه، ويتبعه الغزالي من بعدُ قائلا: أن برهان العقل لا يجوز تكذيبُه بحال –وهو العقل الأرسطي طبعًا– وإن قدَّمنَا النقل المعارِضَ لهذا العقل الأرسطي لكُنا قد أبطلنا النقل لأن العقل دال على النقل. نلاحظ أن القانون في تطور!
يمر القانون على أكثرِ من معمَلٍ كلاميٍّ، فيشير إليه الجويني إشارة في الإرشاد، ثم يكتب فيه الغزالي رسالة ”قانون التأويل“ في ثلاثين صفحة، ثم يطوره تلميذه ابن العربي في كتابِ ”قانون التأويل“ الذي يقع في ٧٠٠ صفحة، حتى يلخصه صاحب الزبدة، الفخر الرازي قائلا:
”أذا قامت الدلائل العقلية –أذكِّرُكم بأنها ليست سوى دلائل أرسطو- على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية –أذكركم بأن هذه النقلية كان الأرسطي ابن سينا صريحا في قوله أنها كذب لأجل المصلحة يُخاطب بها الجمهور فقط- يُشعِرُ ظاهرها بخلاف ذلك... لم يبق إلا أن نقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة.
ونقطع بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال فيها: إنها غير صحيحة، أو إن كانت صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل“ –تأسيس التقديس للرازي، ص٢١٧.
إذًا، قانون التأويل هذا، وظيفته في الخِتام تبريرُ اعتقادِ صحة هذه الفلسفة الأرسطية الدخيلة، لكن لما قال ابن سينا أن قانونه يقوم على كذبِ الشارِع لأجل الجمهور، وعلى أن الحكماء ليسوا من جمهور. قال المتكلمة أن قانونهم لا يقوم على تكذيب الشارع، وإنما على تأويل كلامِه –وهو تحريف على استحياء– وهو خطاب لازم لكل الجمهور.
كانت وظيفة قانون التأويل الكلامي في هذه الموضوعات هو تطبيق الأرسطية التي طبقها ابن سينا، لكن وفق تبرير خجول، لقد القانون الكلامي في معاملة النصوص خجولًا في التصريح بما تشجع له ابن سينا. فلما كان ابن سينا يصرح بأن الشريعة تكذب وتبث الباطل لأجل أن يؤمن بها الجمهور وأن الحق في خلافها، إنه لدى أرسطو، كان القانون الكلامي يقول أن الشريعة حق ولم تكذب، لكن يجب لي أعناق نصوصها لتطابق ديانَة أرسطو.
إن القانون التأويلي، كان يعبر عن سلاح فلسفي يُطرح لدى من لم يتمكن من تجاوز الأرسطية وإبطالها، كان يمثل ورقة سحرية رابحة، لقد كان كل نص شرعي يعارض الأرسطية الدخيلة، يُتعامل معه على المستوى السينوي –نسبة لابن سينا– بأنه كذب لمصلحة، بعبارة صريحة لا التواءَ فيها، لكن على مستوى القانون الكلامي في الطرح الأشعري، كان يُتعامل مع هذا النص (السمع/النقل) بطريقة خجولة، تحت مسمى التأويل، فتُقحَمُ مسالُك تلفيقية بغية الإلتزام. تصل إلى قول الرسول ﴿ينزل ربنا﴾ فيُقال فيه أنه يعني ”تنزل رحمة ربنا“، وتصل إلى قوله ﴿لما خلقتُ بيدي﴾ فيُقال فيه أنه يعني ”لما خلقت بقوتي“. وهكذا كان يُتعامل مع النص وفق قانون مُبتدع للتأويل. أما الشريعة فلم تكن بحاجة لقانون أجنبي عنها كي تُفهم، بل كانت تُفهم وفق لغة العرب، وفق السياق، وفق الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تتوسع الأرسطية، وتستلهم طائفة من الناسِ جاؤوا في المرتبة الثانية بعد المتفلسفة، إنهم أهل الكلام. وقد أتوا قائلين؛ نحن أحق منكم بأرسطو! سنقول بأن الإله لا في مكان، ولا يوصف بالزمان، فلا أين ولا متى ولن يوصف إلا بالسلب والنفيِ، فلا فوق ولا تحت، ولا على العرش استوى. فَتَثبُتُ المقالات ويقع الإلزام، فكيف السبيل والشرع على نقيض ما نقول؟
الحاجة أم الاختراع! كان ابن سينا أسبق في الاتساء بطريقة الإسكندر مع آيات الصفات، وقوله أساسًا شنيع فهو ينسبُ الكذبَ للشارِع! فما الحل الذي يسمحُ لرجل الكلام بالجمع بين الدين الأرسطي وبين الشريعة من غير تصريح بكذِب الشارعِ لمصلحة الجمهور؟
وهل ابن سينا فقط توقف عليه استحداث قانونٍ لآيات الصفات! نافسناه في الأرسطية، وها نحن ننافسه في قانون يبرر لنا إتخاذها عقيدةً.
إنه ”قانون التأويل”، أحرصُ على إتخاذ الأرسطية دينًا وأسلمُ من شناعة تكذيب الأنبياء كما قننت السيناوية، فكيف الشروع في العمل؟
يبدأ الأمر مع الجويني قائلا أن آيات الصفات إن خالفت العقل –وهو بدون لف ودوران: عقلُ أرسطو– فالواجب تأويلُها حتى تتفق معه، ويتبعه الغزالي من بعدُ قائلا: أن برهان العقل لا يجوز تكذيبُه بحال –وهو العقل الأرسطي طبعًا– وإن قدَّمنَا النقل المعارِضَ لهذا العقل الأرسطي لكُنا قد أبطلنا النقل لأن العقل دال على النقل. نلاحظ أن القانون في تطور!
يمر القانون على أكثرِ من معمَلٍ كلاميٍّ، فيشير إليه الجويني إشارة في الإرشاد، ثم يكتب فيه الغزالي رسالة ”قانون التأويل“ في ثلاثين صفحة، ثم يطوره تلميذه ابن العربي في كتابِ ”قانون التأويل“ الذي يقع في ٧٠٠ صفحة، حتى يلخصه صاحب الزبدة، الفخر الرازي قائلا:
”أذا قامت الدلائل العقلية –أذكِّرُكم بأنها ليست سوى دلائل أرسطو- على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية –أذكركم بأن هذه النقلية كان الأرسطي ابن سينا صريحا في قوله أنها كذب لأجل المصلحة يُخاطب بها الجمهور فقط- يُشعِرُ ظاهرها بخلاف ذلك... لم يبق إلا أن نقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة.
ونقطع بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال فيها: إنها غير صحيحة، أو إن كانت صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل“ –تأسيس التقديس للرازي، ص٢١٧.
إذًا، قانون التأويل هذا، وظيفته في الخِتام تبريرُ اعتقادِ صحة هذه الفلسفة الأرسطية الدخيلة، لكن لما قال ابن سينا أن قانونه يقوم على كذبِ الشارِع لأجل الجمهور، وعلى أن الحكماء ليسوا من جمهور. قال المتكلمة أن قانونهم لا يقوم على تكذيب الشارع، وإنما على تأويل كلامِه –وهو تحريف على استحياء– وهو خطاب لازم لكل الجمهور.
كانت وظيفة قانون التأويل الكلامي في هذه الموضوعات هو تطبيق الأرسطية التي طبقها ابن سينا، لكن وفق تبرير خجول، لقد القانون الكلامي في معاملة النصوص خجولًا في التصريح بما تشجع له ابن سينا. فلما كان ابن سينا يصرح بأن الشريعة تكذب وتبث الباطل لأجل أن يؤمن بها الجمهور وأن الحق في خلافها، إنه لدى أرسطو، كان القانون الكلامي يقول أن الشريعة حق ولم تكذب، لكن يجب لي أعناق نصوصها لتطابق ديانَة أرسطو.
إن القانون التأويلي، كان يعبر عن سلاح فلسفي يُطرح لدى من لم يتمكن من تجاوز الأرسطية وإبطالها، كان يمثل ورقة سحرية رابحة، لقد كان كل نص شرعي يعارض الأرسطية الدخيلة، يُتعامل معه على المستوى السينوي –نسبة لابن سينا– بأنه كذب لمصلحة، بعبارة صريحة لا التواءَ فيها، لكن على مستوى القانون الكلامي في الطرح الأشعري، كان يُتعامل مع هذا النص (السمع/النقل) بطريقة خجولة، تحت مسمى التأويل، فتُقحَمُ مسالُك تلفيقية بغية الإلتزام. تصل إلى قول الرسول ﴿ينزل ربنا﴾ فيُقال فيه أنه يعني ”تنزل رحمة ربنا“، وتصل إلى قوله ﴿لما خلقتُ بيدي﴾ فيُقال فيه أنه يعني ”لما خلقت بقوتي“. وهكذا كان يُتعامل مع النص وفق قانون مُبتدع للتأويل. أما الشريعة فلم تكن بحاجة لقانون أجنبي عنها كي تُفهم، بل كانت تُفهم وفق لغة العرب، وفق السياق، وفق الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لطم القفا (٣)
إن أي فهم معاصر ومحدثٍ للشريعة، لم يكن واقعا قبل أن تدخلنا فلسفة أجنبية نادت به من بعيد، لا بد أن نركز فيه على ثلاث أسس:
١. دراسة هذه الفلسفة جيدًا.
٢. دراسة هذا الفهم المعاصر الذي تأثر بهذه الفلسفة الأجنبية.
٣. دراسة القانون التأويلي الذي يؤدي لهذا الفهم، أو لهذا التفسير للنص.
ولا بد في هذا من الاستفادة من تراثِنا؛ مثل الاستفادة من ابن تيمية في نقده لجِنس استحداث قانون مُبتَدع للتأويل. (١)
بهذه المنهجية تتضح جيدًا معالم تلك الرقعة التي ينادي إليها أي حداثي، تدرك جيدًا أن هنالك فلسفة تؤثر، وهنالك فردٌ شذَّ عن الجماعة فتأثر، وهنالك إرادة لتطبيق هذا القدر من التأثر، والأهم: هنالك قانون سيعمل عليه هذا الفرد في تأويل النص ليطابق تأثره الفاسد بتلك الفلسفة الدخيلة.
وقبل أن نمارِس النقد التصادُمي، لا بد من تشريح هذا القانون التأويلي المُحدَث، ومع نقد صارم لاستحداث قوانين تأويلية عمومًا، يأتي النقض مرتبًا؛ لهذه الفلسفة الأجنبية ولهذا القانون الذي يَتم استعماله ولهذا الفهم الذي هو ثمرة هذا القانون أساسا. غير ذلك فلن تقطع دابرًا ولن تكسر شوكةً.
الفلسفة النسوية فلسفة دخيلة، هي أشبه بالفلسفة الأرسطية في هذا، تأتي هذه الفلسفة بمقالات معينة، هنالك مسلمون تستلهمهم هذه الفلسفة وتأخذ بلبِّ عقولهم إعجابًا، فماذا يحدث؟
ينقسم هؤلاء المتأثرون بها إلى قسمين:
١. قسم يقارب منهج ابن سينا في أن الشارِعَ قال الباطِل، صراحةً، فيقولون مثلًا كما تقول رجاء بن سلامة أن آيات القوامة والتفضيل تبني نظرية عامة لسلطة الرجل على المرأة وتؤدي لعزل المرأة عن الحياة السياسية. ورجاء سلامة كنسوية تعتبر أن هذا الذي انطوى عليه الشرع باطلٌ من جنس الكذب، فلا يوجد تفضيل ولا زيادة سلطة للرجل في الحقيقة في نظرها. وهذا مسلك صريح في تبني الفلسفة الدخيلة والإقرار بأن الإسلام يناقضُها.
٢. القسم الثاني، يسلك قانونًا تأويليًا للنص لكن كيف ذلك؟ تشرب أصحاب المسلك الثاني بالفلسفة النسوية –أيًا كان مستواها لا يهم–، لكن الشريعة حقا تناقض هذه الفلسفة، ولا مجال لسلوك الطريقة الأولى باعتقاد أن الشريعة باطلة في هذا الجانب وأن الحق في الفلسفة الجديدة هذه فهذا كفر! فكيف سيفكر هذا القسم الثاني؟
كالتالي: النسوية تقول بأنه من الباطل جعل جنس الرجال أفضلَ من جنس النساء، والشرع يقول ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض﴾! لن أصادم الشريعة كما فعلت رجاء سلامة، لكنني سأستحدث قانونا تأويليًا أحافظ به على الوازع النسوي، وعلى تلفيق النسوية على الشريعة، فأقول أن الآية تعني: ”بما فضل الله بعض الرجال على بعض النساء، وبما فضل بعض النساء على بعض الرجال“.
حرفيًا ما الذي حصل؟ لقد حافظ الجميع على نسويته، لكن الأول سلك مسلكا يقول ببطلان الشرع وأنه كذب لصالح جمهور الرجال لأجل تثبيت سلطتهم.
والثاني سلك مسلكا يقول بأن التأويل يتفق مع هذا العقل –العقل النسوي كما سابقا العقل الأرسطي– وفق قانون مستحدث، يخالف قانون الفقهاء والمفسرين! حيث يوضع فهم منظومة الفقه والتفسير في الخطاب النسوي موضع ”الحشوية“ في الخطاب الكلامي، وعوض التصريح بأن هذا ”تأويل مستحدث“ يوضع مصطلح آخر وهو ”التجديد“. لكنه وفق قانون تأويلي ”عصري“ يخدم المنظومة النسوية، وظيفته الأساسية؛ تهميش القانون الشرعي الذي يتمثل في ”قواعد التفسير، اللغة، وأصول الفقه..إلخ“ بما انطوى عليه من فهم عربي شرطه العلم بالنحو والصرف والبلاغة والإعراب والشّعر الجاهلي ونحو ذلك.
لا تنتظر مني نقدًا فلسفيًا للقانون التأويلي الحداثي، فليس موضعه مقال يُكتب على عجالة هنا تحت عنوان ”لطم القفا“، والمراجع التي تشرحه وأُلِّفَت لأجله متوفرة أساسا، وسيأتي التفرغ لها بعد اكتمال البناء النظري المتكامل، سواء في الشريعة عقيدة وفقها وغير ذلك، أو في الفلسفة، بشقيها المعرفي والوجودي، أو في الإقتصاد، الأخلاق، السياسة...إلخ.
لكني هنا أقدّم طريقة ”التشريح“، كيف يجب أن تقرأ المعطيات، وفي أي خانة تضع هذا الخطاب وذاك، أقدم تصورا متكاملًا لكارثية الوضع إن أغفلنا ما قلته في النقطة (١) أعلاه في تطوير النقد لظاهرة استحداث قوانين تأويلية على مستويات عدة.
إن أي فهم معاصر ومحدثٍ للشريعة، لم يكن واقعا قبل أن تدخلنا فلسفة أجنبية نادت به من بعيد، لا بد أن نركز فيه على ثلاث أسس:
١. دراسة هذه الفلسفة جيدًا.
٢. دراسة هذا الفهم المعاصر الذي تأثر بهذه الفلسفة الأجنبية.
٣. دراسة القانون التأويلي الذي يؤدي لهذا الفهم، أو لهذا التفسير للنص.
ولا بد في هذا من الاستفادة من تراثِنا؛ مثل الاستفادة من ابن تيمية في نقده لجِنس استحداث قانون مُبتَدع للتأويل. (١)
بهذه المنهجية تتضح جيدًا معالم تلك الرقعة التي ينادي إليها أي حداثي، تدرك جيدًا أن هنالك فلسفة تؤثر، وهنالك فردٌ شذَّ عن الجماعة فتأثر، وهنالك إرادة لتطبيق هذا القدر من التأثر، والأهم: هنالك قانون سيعمل عليه هذا الفرد في تأويل النص ليطابق تأثره الفاسد بتلك الفلسفة الدخيلة.
وقبل أن نمارِس النقد التصادُمي، لا بد من تشريح هذا القانون التأويلي المُحدَث، ومع نقد صارم لاستحداث قوانين تأويلية عمومًا، يأتي النقض مرتبًا؛ لهذه الفلسفة الأجنبية ولهذا القانون الذي يَتم استعماله ولهذا الفهم الذي هو ثمرة هذا القانون أساسا. غير ذلك فلن تقطع دابرًا ولن تكسر شوكةً.
الفلسفة النسوية فلسفة دخيلة، هي أشبه بالفلسفة الأرسطية في هذا، تأتي هذه الفلسفة بمقالات معينة، هنالك مسلمون تستلهمهم هذه الفلسفة وتأخذ بلبِّ عقولهم إعجابًا، فماذا يحدث؟
ينقسم هؤلاء المتأثرون بها إلى قسمين:
١. قسم يقارب منهج ابن سينا في أن الشارِعَ قال الباطِل، صراحةً، فيقولون مثلًا كما تقول رجاء بن سلامة أن آيات القوامة والتفضيل تبني نظرية عامة لسلطة الرجل على المرأة وتؤدي لعزل المرأة عن الحياة السياسية. ورجاء سلامة كنسوية تعتبر أن هذا الذي انطوى عليه الشرع باطلٌ من جنس الكذب، فلا يوجد تفضيل ولا زيادة سلطة للرجل في الحقيقة في نظرها. وهذا مسلك صريح في تبني الفلسفة الدخيلة والإقرار بأن الإسلام يناقضُها.
٢. القسم الثاني، يسلك قانونًا تأويليًا للنص لكن كيف ذلك؟ تشرب أصحاب المسلك الثاني بالفلسفة النسوية –أيًا كان مستواها لا يهم–، لكن الشريعة حقا تناقض هذه الفلسفة، ولا مجال لسلوك الطريقة الأولى باعتقاد أن الشريعة باطلة في هذا الجانب وأن الحق في الفلسفة الجديدة هذه فهذا كفر! فكيف سيفكر هذا القسم الثاني؟
كالتالي: النسوية تقول بأنه من الباطل جعل جنس الرجال أفضلَ من جنس النساء، والشرع يقول ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض﴾! لن أصادم الشريعة كما فعلت رجاء سلامة، لكنني سأستحدث قانونا تأويليًا أحافظ به على الوازع النسوي، وعلى تلفيق النسوية على الشريعة، فأقول أن الآية تعني: ”بما فضل الله بعض الرجال على بعض النساء، وبما فضل بعض النساء على بعض الرجال“.
حرفيًا ما الذي حصل؟ لقد حافظ الجميع على نسويته، لكن الأول سلك مسلكا يقول ببطلان الشرع وأنه كذب لصالح جمهور الرجال لأجل تثبيت سلطتهم.
والثاني سلك مسلكا يقول بأن التأويل يتفق مع هذا العقل –العقل النسوي كما سابقا العقل الأرسطي– وفق قانون مستحدث، يخالف قانون الفقهاء والمفسرين! حيث يوضع فهم منظومة الفقه والتفسير في الخطاب النسوي موضع ”الحشوية“ في الخطاب الكلامي، وعوض التصريح بأن هذا ”تأويل مستحدث“ يوضع مصطلح آخر وهو ”التجديد“. لكنه وفق قانون تأويلي ”عصري“ يخدم المنظومة النسوية، وظيفته الأساسية؛ تهميش القانون الشرعي الذي يتمثل في ”قواعد التفسير، اللغة، وأصول الفقه..إلخ“ بما انطوى عليه من فهم عربي شرطه العلم بالنحو والصرف والبلاغة والإعراب والشّعر الجاهلي ونحو ذلك.
لا تنتظر مني نقدًا فلسفيًا للقانون التأويلي الحداثي، فليس موضعه مقال يُكتب على عجالة هنا تحت عنوان ”لطم القفا“، والمراجع التي تشرحه وأُلِّفَت لأجله متوفرة أساسا، وسيأتي التفرغ لها بعد اكتمال البناء النظري المتكامل، سواء في الشريعة عقيدة وفقها وغير ذلك، أو في الفلسفة، بشقيها المعرفي والوجودي، أو في الإقتصاد، الأخلاق، السياسة...إلخ.
لكني هنا أقدّم طريقة ”التشريح“، كيف يجب أن تقرأ المعطيات، وفي أي خانة تضع هذا الخطاب وذاك، أقدم تصورا متكاملًا لكارثية الوضع إن أغفلنا ما قلته في النقطة (١) أعلاه في تطوير النقد لظاهرة استحداث قوانين تأويلية على مستويات عدة.
لطم القفا (٤)
بالنسبة للنقد التصادمي فهو سهل، ثمرته الأساسية تكمن في تَنبِيه التقيَّات التي تنخدع بشيء من القول النسوي التأويلي غير مدركة لغايته وأسسه ومصدره وسبب القول به، لكن هذا النقد سيفقد قوته مع الوقت، فالبدعة أول ما يقال فيها: هي بدعة محدثة باطلة لأنها لم تأت في الشرع، لكن مع تقدم أصحابها في التنظير والبناء، سيقال لمن كان يكتفي بأنها باطلة: ”لا تدري، لعل في كلامهم جانب من الحق!” وفي الغد سيقال: ”الآن توصلت إلى الفهم الصحيح للدين”
لماذا؟ لأن هذه البدعة تعمل –ولا بد– وفق قانون تأويلي، ليست ساذجة تتبجح كالمتسكِّعات بأن تفضيل الرجل لا معنى له، ثم تكتفي، لا!
بل عملها فلسفي تنظيري يجنح نحو التأسيس النظري لمنظومة متكاملة (٢) أي نحو إقامة شبهة محكمة، نحو الإتساق، وعلى مجالات! فضلا عن كارثية القانون التأويلي وخطورته، فهي تستميل أيضًا بالروايات! تستميل بأنها صاحبة فلسفة اقتصادية، فلسفة في الأسرة، فلسفة في علم الاجتماع، فلسفة في القانون، فلسفة في البيولوجيا! هي تلعب على وتر التنظير والبحث العلمي، أيضا تستميل عبر الإعلام، عبر ”الفن“ والتمثيل، عبر المسرح، عبر السوشيال ميديا، كما كانت عبر الجرائد سابقًا. وستصير هي من تطبق المقولة ”لا ترد على المسلم الأصيل، كي لا يشتهر“ لأن الغلبة الجماهيرية صارت لها، صارت ترى نفسها أصلًا، وأنت هو الضلامي الدخيل الذي سيشوِّه الإسلام.
وهكذا تُستَغل جملة المغفلات، مثلما كان الأشعرية أصحاب القانون التأويلي يلعنون ويكفرون المتفلسفة، رغم أن الكل يشرب من عين واحدة ويعمل على نشر فلسفة واحدة.
فترَى النسويةَ الإسلامية المغفَّلة قد تلعن النسوية الراديكالية أو الملحدة، رغم أن الكل في النهاية يخدم ”طرحًا، نظريةً، فلسفةً، ديانةً، حقيقة“ واحدة، وأساسا يشربُ الكل من إناء واحد، وهكذا تُخطَفُ الساذجات ومن فتحن على أنفسهن باب كل شيء تحت عبارة مشهورة ترددها الفتاة العبقريّة بكل حماقة ”أُطالعُ للجميع وآخذ الصواب وأترك الخطأ“ وتُسحب نحو تلك الرقعة النسوية ولا يهم أي درجة تديّن نسوي هي عليه، فالغاية أنها تأثرت، لكنها في النهاية تخدم تلك المنظومة الشاملة التي ذكرتها في النقطة (٢) من هذا المقال.
الطرح الجديد لامع وبرّاق، ستبدأ المتأثرة سريعة الانخداع بجمع مغفّلات ساذجات كحالتها الأولى، سريعا ما يتجلى أمامك المثل القائل ”كل دجاجة أصبحت رأسًا لفرقة“. ويصدقن أن لخطابهن أساس شرعي وامتداد أصيل، أيضًا يصدقن بأن لهن أهلية الكلام في العلم، ويحاججن بأن أنصاف المشايخ يهبون لهن شرعية الكلام بهذا ويسمحون به، وهكذا تتشكل أمامك امرأة نصف المثقفة، الثقفة. إنها امرأة معدومة العقل، لا ناقصته. فتصير الآية ﴿بما فضل بعضهم على بعض﴾ التي فيها إجماع بين كل المفسرين أنها تعني "جنس الرجال أفضل من جنس النساء/الرجل أفضل من المرأة" بلا عكس. تعني عبر التأويل النسوي "بعض الرجال أفضل من بعض النساء، وبعض النساء أفضل من بعض الرجال". ويتكرر هذا لدى المُتابعاتِ (متابعات الدجاجة التي صارت رأسًا لهن) ويُحتفى بالخطاب الجديد ويُصفَّق له.
بالنسبة للنقد التصادمي فهو سهل، ثمرته الأساسية تكمن في تَنبِيه التقيَّات التي تنخدع بشيء من القول النسوي التأويلي غير مدركة لغايته وأسسه ومصدره وسبب القول به، لكن هذا النقد سيفقد قوته مع الوقت، فالبدعة أول ما يقال فيها: هي بدعة محدثة باطلة لأنها لم تأت في الشرع، لكن مع تقدم أصحابها في التنظير والبناء، سيقال لمن كان يكتفي بأنها باطلة: ”لا تدري، لعل في كلامهم جانب من الحق!” وفي الغد سيقال: ”الآن توصلت إلى الفهم الصحيح للدين”
لماذا؟ لأن هذه البدعة تعمل –ولا بد– وفق قانون تأويلي، ليست ساذجة تتبجح كالمتسكِّعات بأن تفضيل الرجل لا معنى له، ثم تكتفي، لا!
بل عملها فلسفي تنظيري يجنح نحو التأسيس النظري لمنظومة متكاملة (٢) أي نحو إقامة شبهة محكمة، نحو الإتساق، وعلى مجالات! فضلا عن كارثية القانون التأويلي وخطورته، فهي تستميل أيضًا بالروايات! تستميل بأنها صاحبة فلسفة اقتصادية، فلسفة في الأسرة، فلسفة في علم الاجتماع، فلسفة في القانون، فلسفة في البيولوجيا! هي تلعب على وتر التنظير والبحث العلمي، أيضا تستميل عبر الإعلام، عبر ”الفن“ والتمثيل، عبر المسرح، عبر السوشيال ميديا، كما كانت عبر الجرائد سابقًا. وستصير هي من تطبق المقولة ”لا ترد على المسلم الأصيل، كي لا يشتهر“ لأن الغلبة الجماهيرية صارت لها، صارت ترى نفسها أصلًا، وأنت هو الضلامي الدخيل الذي سيشوِّه الإسلام.
وهكذا تُستَغل جملة المغفلات، مثلما كان الأشعرية أصحاب القانون التأويلي يلعنون ويكفرون المتفلسفة، رغم أن الكل يشرب من عين واحدة ويعمل على نشر فلسفة واحدة.
فترَى النسويةَ الإسلامية المغفَّلة قد تلعن النسوية الراديكالية أو الملحدة، رغم أن الكل في النهاية يخدم ”طرحًا، نظريةً، فلسفةً، ديانةً، حقيقة“ واحدة، وأساسا يشربُ الكل من إناء واحد، وهكذا تُخطَفُ الساذجات ومن فتحن على أنفسهن باب كل شيء تحت عبارة مشهورة ترددها الفتاة العبقريّة بكل حماقة ”أُطالعُ للجميع وآخذ الصواب وأترك الخطأ“ وتُسحب نحو تلك الرقعة النسوية ولا يهم أي درجة تديّن نسوي هي عليه، فالغاية أنها تأثرت، لكنها في النهاية تخدم تلك المنظومة الشاملة التي ذكرتها في النقطة (٢) من هذا المقال.
الطرح الجديد لامع وبرّاق، ستبدأ المتأثرة سريعة الانخداع بجمع مغفّلات ساذجات كحالتها الأولى، سريعا ما يتجلى أمامك المثل القائل ”كل دجاجة أصبحت رأسًا لفرقة“. ويصدقن أن لخطابهن أساس شرعي وامتداد أصيل، أيضًا يصدقن بأن لهن أهلية الكلام في العلم، ويحاججن بأن أنصاف المشايخ يهبون لهن شرعية الكلام بهذا ويسمحون به، وهكذا تتشكل أمامك امرأة نصف المثقفة، الثقفة. إنها امرأة معدومة العقل، لا ناقصته. فتصير الآية ﴿بما فضل بعضهم على بعض﴾ التي فيها إجماع بين كل المفسرين أنها تعني "جنس الرجال أفضل من جنس النساء/الرجل أفضل من المرأة" بلا عكس. تعني عبر التأويل النسوي "بعض الرجال أفضل من بعض النساء، وبعض النساء أفضل من بعض الرجال". ويتكرر هذا لدى المُتابعاتِ (متابعات الدجاجة التي صارت رأسًا لهن) ويُحتفى بالخطاب الجديد ويُصفَّق له.
لطمُ القفا (٥)
يقول المخالف: ﴿فضل الله بعضهم على بعض﴾ أي فضل الله بعض الرجال على بعض النساء وفضل بعض النساء على بعض الرجال.
وفق أي ”قواعد تفسير“ يقال أن هذا هو المراد من كلام الله؟ وفق أي لغة؟ أم أن هذا تأويل تعين سلوكه لتحقق تعارض ظواهر النصوص الشرعية مع قواطِع العقل النسوي؟ مع العلم بأن التأويل لغير موجب من ”داخل المنظومة“ –أي من غير آية أخرى تخصص العام، أو تقيّد المطلق، ونحو ذلك– هو محض تحريف، فالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى، كما أن التحريف قد يكون تحريفًا للفظ، أو تحريفا للمعنى، أو تحريفا للفظ والمعنى.
ولكنّا سنُعمِل القانون الحق في تفسير النص وفق ما يسمى بالتأصيل إعمالًا لدلالة السياق، والنحو، وقواعد التفسير، وسبب النزول، والإلزام للمخالف. حتى نُظهرَ مراد الآية، ومن ثم نرى ما يترتب على أقصى إلزامات التأويل النسوي من إخلال بالشريعة. ونرى أي القولين خيالات متوهمين، وأيهما شريعة محضة متكاملة لا غبار عليها.
يقول الباري ﴿ٱلرجال قو ٰمون على ٱلنساء بما فضل ٱلله بعضهم علىٰ بعض وبما أنفقوا من أمو ٰلهم﴾. هذه الآية قد درست تفسيرها في كل التفاسير المطبوعة، ومنها:
تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، تفسير البغوي، تفسير القرطبي، فتح البيان للقنوجي، فتح القدير للشوكاني، تفسير ابن جزي، تفسير ابن الجوزي، تفسير الماوردي، تفسير الآلوسي، تفسير الرازي، نظم الدرر للبقاعي، تفسير الجلالين، جامع البيان للإيجي، تفسير البيضاوي، تفسير النسفي، الوجيز للواحدي، تفسير ابن أبي زمنين، التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، المحرر الوجيز لابن عطية، البحر المحيط لأبي حيان، تفسير السمعاني، تفسير مكي بن أبي طالب، محاسن التأويل للقاسمي، تفسير الثعالِبي، تفسير السمرقندي، تفسير الثعلَبي، البسيط للواحدي، تفسير أبي السعود أفندي، الكشّاف للزمخشري، الدر المنثور للسيوطي، تفسير ابن أبي حاتم، تفسير ابن عادل.
والكل مُجمِعٌ متفقٌ على أن المعنى إنما هو ”جنس الرجال أفضل من جنس النساء/الرجل أفضل من المرأة“ مع إبطال المعنى القائل ”بما فضل بعض الرجال على النساء، وبعض النساء على الرجال“. لكن نريد أن نرى البيان.
يقول تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ (رقم ٣٤) من سورة النساء، والآية كلام مستأنف سيق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالا، فالسابِقُ من الآيات في السورة جاء فيه ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ كما في الآية (رقم ١١).
فكأنه قيل: كيف استحق الرجال ما استحقوا مما لم تشاركهم فيه النساء، فقال: ﴿الرجال قوامون﴾ إلخ. قال ابن عادل ”وجه النظم: أن النساء لما تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث؛ بين في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث لأن الرجال قوامون على النساء”
عُلمَ أنه مما لا معنى له أن يقال: الرجال لهم زيادة في الميراث لأنهم قوامون بسبب ”تفضيل بعضهم على بعض النساء وتفضيل بعض النساء على بعض الرجال“، فإن الزيادة في الميراث لكل الرجال لا لبعضهم، ولا تصير النساء بتفضيلها على بعض الرجال أزيد ميراثًا ولا أقوَم. فحشر التأويل النسوي يبطل بلاغة القرآن وينسب له الركاكة ويخرم السياق حيثُ يُعدِمُ التناسُبَ والتسلسل. وقد أدرك صاحب النسوية المعاديَة للنص تناسقُ القرآن، فحيث يُبطِلُ تفضيل الرجال على النساء يتسِقُ مع صنيعه فيُعادي التكاملَ كله، فيُبطل التفضيل ويبطل ما ترتب عنه من قِوامة الرجال على النساء، ثم يبطل ما ترتب على التفضيل والقِوامة؛ فينادي بإبطال زيادة الرجال في الميراث. وهذا لازم لمن يُبطِلُ تفضيل جنس الرجال على جنس النساء بلا عكس. وإن فر منه، لزمنه زيادة بعض النساء –التي يرى أنها أفضل من بعض الرجال– في الميراث على هؤلاء الرجال الأقل فضلًا بمفهوم الآية بزعمهم.
وقوله ﴿قوَّامون﴾ جاء بصيغة المبالغة، لتدلَّ على أصالتهم في هذا الأمر، وهو جمع قوَّام وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب، فما يلي من الآية مداره حول سبب ”قِوامة الرجال“ وعلتها، ويشهد له سياق الآية التي قبلها حيث قال ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ وسبب نزولها كما قال مجاهد: ”قالت أم سلمة: يا رسول الله، إن الرجال يغزون ولا نغزو، ولهم ضعف ما لنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا، وأخذنا من الميراث مثلما أخذوا؟ فنزلت هذه الآية“.
فكان المعنى: لا تتمنى النساء ما فضل الله به الرجال عليهن من الزيادة في الميراث والغزو. فلو قيل أن المعنى ”لا تتمنى النساء ما فضل الله به الرجال عليهن، ولا يتمنى الرجال ما فضل الله به النساء عليهم“. كان هذا المعنى غير مناسب لسبب نزول الآية، فليس في سبب النزول قول الرجال ”النساء أفضل فلو كنا نساء فكان لنا ما لهن“، وإنما فيه السؤال عن أفضلية الرجال على النساء ولو كنا رجالا لكان لنا ما لهم. فجاء الجواب بالنهي عن تمني بلوغ تلك الأفضلية.
يقول المخالف: ﴿فضل الله بعضهم على بعض﴾ أي فضل الله بعض الرجال على بعض النساء وفضل بعض النساء على بعض الرجال.
وفق أي ”قواعد تفسير“ يقال أن هذا هو المراد من كلام الله؟ وفق أي لغة؟ أم أن هذا تأويل تعين سلوكه لتحقق تعارض ظواهر النصوص الشرعية مع قواطِع العقل النسوي؟ مع العلم بأن التأويل لغير موجب من ”داخل المنظومة“ –أي من غير آية أخرى تخصص العام، أو تقيّد المطلق، ونحو ذلك– هو محض تحريف، فالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى، كما أن التحريف قد يكون تحريفًا للفظ، أو تحريفا للمعنى، أو تحريفا للفظ والمعنى.
ولكنّا سنُعمِل القانون الحق في تفسير النص وفق ما يسمى بالتأصيل إعمالًا لدلالة السياق، والنحو، وقواعد التفسير، وسبب النزول، والإلزام للمخالف. حتى نُظهرَ مراد الآية، ومن ثم نرى ما يترتب على أقصى إلزامات التأويل النسوي من إخلال بالشريعة. ونرى أي القولين خيالات متوهمين، وأيهما شريعة محضة متكاملة لا غبار عليها.
يقول الباري ﴿ٱلرجال قو ٰمون على ٱلنساء بما فضل ٱلله بعضهم علىٰ بعض وبما أنفقوا من أمو ٰلهم﴾. هذه الآية قد درست تفسيرها في كل التفاسير المطبوعة، ومنها:
تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، تفسير البغوي، تفسير القرطبي، فتح البيان للقنوجي، فتح القدير للشوكاني، تفسير ابن جزي، تفسير ابن الجوزي، تفسير الماوردي، تفسير الآلوسي، تفسير الرازي، نظم الدرر للبقاعي، تفسير الجلالين، جامع البيان للإيجي، تفسير البيضاوي، تفسير النسفي، الوجيز للواحدي، تفسير ابن أبي زمنين، التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، المحرر الوجيز لابن عطية، البحر المحيط لأبي حيان، تفسير السمعاني، تفسير مكي بن أبي طالب، محاسن التأويل للقاسمي، تفسير الثعالِبي، تفسير السمرقندي، تفسير الثعلَبي، البسيط للواحدي، تفسير أبي السعود أفندي، الكشّاف للزمخشري، الدر المنثور للسيوطي، تفسير ابن أبي حاتم، تفسير ابن عادل.
والكل مُجمِعٌ متفقٌ على أن المعنى إنما هو ”جنس الرجال أفضل من جنس النساء/الرجل أفضل من المرأة“ مع إبطال المعنى القائل ”بما فضل بعض الرجال على النساء، وبعض النساء على الرجال“. لكن نريد أن نرى البيان.
يقول تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ (رقم ٣٤) من سورة النساء، والآية كلام مستأنف سيق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالا، فالسابِقُ من الآيات في السورة جاء فيه ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ كما في الآية (رقم ١١).
فكأنه قيل: كيف استحق الرجال ما استحقوا مما لم تشاركهم فيه النساء، فقال: ﴿الرجال قوامون﴾ إلخ. قال ابن عادل ”وجه النظم: أن النساء لما تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث؛ بين في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث لأن الرجال قوامون على النساء”
عُلمَ أنه مما لا معنى له أن يقال: الرجال لهم زيادة في الميراث لأنهم قوامون بسبب ”تفضيل بعضهم على بعض النساء وتفضيل بعض النساء على بعض الرجال“، فإن الزيادة في الميراث لكل الرجال لا لبعضهم، ولا تصير النساء بتفضيلها على بعض الرجال أزيد ميراثًا ولا أقوَم. فحشر التأويل النسوي يبطل بلاغة القرآن وينسب له الركاكة ويخرم السياق حيثُ يُعدِمُ التناسُبَ والتسلسل. وقد أدرك صاحب النسوية المعاديَة للنص تناسقُ القرآن، فحيث يُبطِلُ تفضيل الرجال على النساء يتسِقُ مع صنيعه فيُعادي التكاملَ كله، فيُبطل التفضيل ويبطل ما ترتب عنه من قِوامة الرجال على النساء، ثم يبطل ما ترتب على التفضيل والقِوامة؛ فينادي بإبطال زيادة الرجال في الميراث. وهذا لازم لمن يُبطِلُ تفضيل جنس الرجال على جنس النساء بلا عكس. وإن فر منه، لزمنه زيادة بعض النساء –التي يرى أنها أفضل من بعض الرجال– في الميراث على هؤلاء الرجال الأقل فضلًا بمفهوم الآية بزعمهم.
وقوله ﴿قوَّامون﴾ جاء بصيغة المبالغة، لتدلَّ على أصالتهم في هذا الأمر، وهو جمع قوَّام وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب، فما يلي من الآية مداره حول سبب ”قِوامة الرجال“ وعلتها، ويشهد له سياق الآية التي قبلها حيث قال ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ وسبب نزولها كما قال مجاهد: ”قالت أم سلمة: يا رسول الله، إن الرجال يغزون ولا نغزو، ولهم ضعف ما لنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا، وأخذنا من الميراث مثلما أخذوا؟ فنزلت هذه الآية“.
فكان المعنى: لا تتمنى النساء ما فضل الله به الرجال عليهن من الزيادة في الميراث والغزو. فلو قيل أن المعنى ”لا تتمنى النساء ما فضل الله به الرجال عليهن، ولا يتمنى الرجال ما فضل الله به النساء عليهم“. كان هذا المعنى غير مناسب لسبب نزول الآية، فليس في سبب النزول قول الرجال ”النساء أفضل فلو كنا نساء فكان لنا ما لهن“، وإنما فيه السؤال عن أفضلية الرجال على النساء ولو كنا رجالا لكان لنا ما لهم. فجاء الجواب بالنهي عن تمني بلوغ تلك الأفضلية.
لطمُ القفا (٦)
فليس في السياق وسبب النزول تدليل إلا على أفضلية جنس الرجال على جنس النساء. ومن يُشغِّبُ في موضوع الأفضلية من غير تطرق للتشغيب في موضوع الزيادة في الميراث فهو متناقض يعبث.
يقول ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض﴾. قوله ﴿بما﴾ يتجاوزه القانون التأويلي التوفيقي الذي تستعمله النسوية المتأسلمة ولا يجد له حلًا، كما كان قوله تعالى ﴿وكلم اللهُ موسى تكليمًا﴾ مقلقا لجهم بن صفوان لأنه قول يعارض صراحة مذهبه في خلق القرآن، فقال أن المعنى: ”بما كلم اللهَ موسى تكليمًا“ فنصب المرفوع ليجعل موسى فاعلًا للكلام، لا الله. ولم ينتبه لقوله ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسٰلٰتي وبكلامي﴾!
فالباءُ في قوله ﴿بما﴾ سببية متعلقة بـ"قوامون"، و﴿ما﴾ مصدرية، والضمير البارز لكلا الفريقين تغليبا، أي: قوامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن أو ملتبسين بتفضيله تعالى عليهن.
وضمير الجمع لكلا الفريقين ﴿بعضهم على بعض﴾ تغليبا، أي: قوامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن، أو مستحقين ذلك بسبب التفضيل، أو متلبسين بالتفضيل، وعدل عن الضمير، فلم يقل سبحانه: بما فضلهم الله عليهن، للإشعار بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه بالكلية، فالمراد بالبعض في قوله تعالى: فضل الله بعضهم هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف الثاني في قوله: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ فإن الضميرين للرجال.
فالسياق يقول: للرجال زيادة في الميراث، لأنهم القوامون على النساء، وهم قوامون على النساء لسببين، تدل على ذلك الباء السببية في قوله: ﴿بما فضل﴾ والباء السببية التي تليها ﴿بما أنفقوا﴾، أي: الرجال قوامون على النساء، بسبب تفضيل الرجال على النساء. فناسب (البعض) الأول الرجالَ، وناسب (البعض) الثاني النساء. ولم يقل ”الرجال قوامون على النساء بما فضل الله الرجال على النساء“ فإن ذلك حشو وليس من البلاغة في شيء.
وليس القرآن يدل على جعل النساء والرجال جنسًا واحدًا فيما يتعلق بالأمور التفضيلية والمعاشية والعرفية ونحو ذلك. بل يدل على التفريق بين الجنسين في هذا، فيقول ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهذا عام لكل المؤمنين رجالا ونساء، ثم يقول: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ ثم قال ﴿ولا نساء من نساء﴾ ففرَّق بين الجنسين، فلا يقال للنساء ﴿قوم﴾ لأن القوم هم الرجال، وفرَّق بين القوم وبين النساء فقال ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ ثم قال ﴿ولا نساء من نساء﴾ فدل على أن النساء تقارن بالنساء في هذا، فأُلزِمَت جنسها، فالبعض الأول في آية القوامة هم ”بعض الناس“؛ أي الرجال وهم جنس. والبعض الثاني هم ”باقي الناس عند حذف البعض الأول“ وهم النساء، وهم جنس آخر. وليس من مسلك القرآن مخاطبة الجنسين في مثل هذا على أنهم جنس واحد فيكون بعض الرجال أفضل من بعض النساء والبعض الآخر من النساء أفضل من البعض الآخر من الرجال.
حتى أن مريم لما خاطبتها الملائكة قالت: ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ فقارنها بالنساء ولم يذكر الرجال، لأنهم جنس مختلف، فمن الخطأ أن يُقارن بغيره. فلا يقال: بعض الرجال أفضل من بعض جنسنا، وبعض جنسنا أفضل من بعض الرجال مقارنةً! فليس هذا منهج الكتاب. والتفضيل أساسا تفضيل جنس على جنس.
وأسباب القوامة في الآية سببان.
١. سبب وهبي وهبه الله لجنس الرجال. وهو جعلهم أفضل من النساء بالعقل، والحزم، والرأي، والقوة، ونوع العواطف المؤهلة للقوامة، والغزو، وكمال الصوم، والصلاة، والنبوة، والخلافة، والإمامة، والأذان، والخطبة، والجماعة، والجمعة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وتضعيف الميراث، والتعصيب فيه، وملك النكاح، والطلاق. وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى، والعمائم.
٢. سبب كسبي، وهو التكليف، أي هو ما يكتسبه الرجل ويُكلَّفُ بتحصيله؛ كالنفقة والكسوة والمهر ونحو ذلك. وفيه دليل على وجوب النفقة. وفيه اتساق في جعل الميراث أزيد.
فالرأي بأن الآية تقول أن بعض النساء أفضل من بعض الرجال، يلزمُه أن يكون هذا البعض النسائيُّ هو المُنفِقُ، ويلزم من القول أن الآية تعني أن "بعض النساء أفضل من بعض الرجال" أن تكون هذه النساء أكمل دينًا وعقلًا من هذا البعض المفضول من الرجال، فتصلي الشهر كاملًا، وتصوم الشهر كاملًا، وتصيرَ شهادتها بشهادة الرجل. في حين أن البعض المفضول من النساء، والذي كان بعض الرجال أفضل منه، تمكث أياما لا تصلي ولا تصوم لأنها ليست بأفضل دينًا وعقلا من هذا البعض من الرجال. خلافًا للتي هي أفضل!.
فليس في السياق وسبب النزول تدليل إلا على أفضلية جنس الرجال على جنس النساء. ومن يُشغِّبُ في موضوع الأفضلية من غير تطرق للتشغيب في موضوع الزيادة في الميراث فهو متناقض يعبث.
يقول ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض﴾. قوله ﴿بما﴾ يتجاوزه القانون التأويلي التوفيقي الذي تستعمله النسوية المتأسلمة ولا يجد له حلًا، كما كان قوله تعالى ﴿وكلم اللهُ موسى تكليمًا﴾ مقلقا لجهم بن صفوان لأنه قول يعارض صراحة مذهبه في خلق القرآن، فقال أن المعنى: ”بما كلم اللهَ موسى تكليمًا“ فنصب المرفوع ليجعل موسى فاعلًا للكلام، لا الله. ولم ينتبه لقوله ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسٰلٰتي وبكلامي﴾!
فالباءُ في قوله ﴿بما﴾ سببية متعلقة بـ"قوامون"، و﴿ما﴾ مصدرية، والضمير البارز لكلا الفريقين تغليبا، أي: قوامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن أو ملتبسين بتفضيله تعالى عليهن.
وضمير الجمع لكلا الفريقين ﴿بعضهم على بعض﴾ تغليبا، أي: قوامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن، أو مستحقين ذلك بسبب التفضيل، أو متلبسين بالتفضيل، وعدل عن الضمير، فلم يقل سبحانه: بما فضلهم الله عليهن، للإشعار بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه بالكلية، فالمراد بالبعض في قوله تعالى: فضل الله بعضهم هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف الثاني في قوله: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ فإن الضميرين للرجال.
فالسياق يقول: للرجال زيادة في الميراث، لأنهم القوامون على النساء، وهم قوامون على النساء لسببين، تدل على ذلك الباء السببية في قوله: ﴿بما فضل﴾ والباء السببية التي تليها ﴿بما أنفقوا﴾، أي: الرجال قوامون على النساء، بسبب تفضيل الرجال على النساء. فناسب (البعض) الأول الرجالَ، وناسب (البعض) الثاني النساء. ولم يقل ”الرجال قوامون على النساء بما فضل الله الرجال على النساء“ فإن ذلك حشو وليس من البلاغة في شيء.
وليس القرآن يدل على جعل النساء والرجال جنسًا واحدًا فيما يتعلق بالأمور التفضيلية والمعاشية والعرفية ونحو ذلك. بل يدل على التفريق بين الجنسين في هذا، فيقول ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهذا عام لكل المؤمنين رجالا ونساء، ثم يقول: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ ثم قال ﴿ولا نساء من نساء﴾ ففرَّق بين الجنسين، فلا يقال للنساء ﴿قوم﴾ لأن القوم هم الرجال، وفرَّق بين القوم وبين النساء فقال ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ ثم قال ﴿ولا نساء من نساء﴾ فدل على أن النساء تقارن بالنساء في هذا، فأُلزِمَت جنسها، فالبعض الأول في آية القوامة هم ”بعض الناس“؛ أي الرجال وهم جنس. والبعض الثاني هم ”باقي الناس عند حذف البعض الأول“ وهم النساء، وهم جنس آخر. وليس من مسلك القرآن مخاطبة الجنسين في مثل هذا على أنهم جنس واحد فيكون بعض الرجال أفضل من بعض النساء والبعض الآخر من النساء أفضل من البعض الآخر من الرجال.
حتى أن مريم لما خاطبتها الملائكة قالت: ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ فقارنها بالنساء ولم يذكر الرجال، لأنهم جنس مختلف، فمن الخطأ أن يُقارن بغيره. فلا يقال: بعض الرجال أفضل من بعض جنسنا، وبعض جنسنا أفضل من بعض الرجال مقارنةً! فليس هذا منهج الكتاب. والتفضيل أساسا تفضيل جنس على جنس.
وأسباب القوامة في الآية سببان.
١. سبب وهبي وهبه الله لجنس الرجال. وهو جعلهم أفضل من النساء بالعقل، والحزم، والرأي، والقوة، ونوع العواطف المؤهلة للقوامة، والغزو، وكمال الصوم، والصلاة، والنبوة، والخلافة، والإمامة، والأذان، والخطبة، والجماعة، والجمعة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وتضعيف الميراث، والتعصيب فيه، وملك النكاح، والطلاق. وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى، والعمائم.
٢. سبب كسبي، وهو التكليف، أي هو ما يكتسبه الرجل ويُكلَّفُ بتحصيله؛ كالنفقة والكسوة والمهر ونحو ذلك. وفيه دليل على وجوب النفقة. وفيه اتساق في جعل الميراث أزيد.
فالرأي بأن الآية تقول أن بعض النساء أفضل من بعض الرجال، يلزمُه أن يكون هذا البعض النسائيُّ هو المُنفِقُ، ويلزم من القول أن الآية تعني أن "بعض النساء أفضل من بعض الرجال" أن تكون هذه النساء أكمل دينًا وعقلًا من هذا البعض المفضول من الرجال، فتصلي الشهر كاملًا، وتصوم الشهر كاملًا، وتصيرَ شهادتها بشهادة الرجل. في حين أن البعض المفضول من النساء، والذي كان بعض الرجال أفضل منه، تمكث أياما لا تصلي ولا تصوم لأنها ليست بأفضل دينًا وعقلا من هذا البعض من الرجال. خلافًا للتي هي أفضل!.
لطم القفا (٧)
القوم يحسبون أن الكلام في القرآن أمر سهل في متناول الجميع، المهرطقِ والغبي والساذج والمشحون بالأدبيات النسوية والشبهات والتوهم والشكوك.
إن صرف المعنى المتبادر باستنطاق السياق، عبر التأويل، ليس سوى ممارسة خجولة ”للتحريف“، فالقرآن لا يطلق على اللفظ فحسب، وإنما يطلق على اللفظ والمعنى، كما أن التلاوة هي تلاوة اللفظ والمعنى، فدعوى صرف اللفظ عن المعنى الذي يدل عليه السياق بغير موجب يقتضيه من ”داخل المنظومة“، أي من استعمال آية أخرى تُخصص أو تقيِّد مثلًا، بل يُعتمد التأويل لأجل تثبيت القواطع العقلية النسوية –إن صح التعبير– هي دعوى تحريفية ستعود على القرآن بالإبطال. لا تتسامحوا معها، وحذروا منها العوام.
أما مسألة ”أهلية الكلام في القرآن بلا علم“ سواء أصاب المتكلم أم لم يصب، مبحوثة في كتب ”قواعد التفسير“، ولتُراجع كتب مساعد الطيار كمدخل. لكن من أراد أن يتحدى ليتأكد أنه فاقد للأهلية حقا، أعرضُ عليه قراءة البرهان للزركشي، يقول في مطلع المجلد الأول:
”التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج معرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ“
خذ مثلًا في النحو إطلالة على شرح ابن يعيش على المفصل، يقع في عشر مجلدات، وفي أصول الفقه شرح الكوكب المنير، أو الواضح لابن عقيل، البحر المحيط للزركشي، تبصرة الحكام لابن فرحون، الفصول في الأصول للجصاص.
هكذا لتتصور قليلا معنى الأهلية لدى أهل العلم سواء كانوا فقهاء أو مفسرين، لتعرف ما الذي أهَّلهم للتكلم في التفسير، ولتدرك مدى سخافة القول بأن هذا ”فهمُ عقل بشري للقرآن“ ظانًا أنك ما دمت بشرًا لديه عقل كيفما اتفق فجائز لك تتجول بين أقدامهم.
القوم يحسبون أن الكلام في القرآن أمر سهل في متناول الجميع، المهرطقِ والغبي والساذج والمشحون بالأدبيات النسوية والشبهات والتوهم والشكوك.
إن صرف المعنى المتبادر باستنطاق السياق، عبر التأويل، ليس سوى ممارسة خجولة ”للتحريف“، فالقرآن لا يطلق على اللفظ فحسب، وإنما يطلق على اللفظ والمعنى، كما أن التلاوة هي تلاوة اللفظ والمعنى، فدعوى صرف اللفظ عن المعنى الذي يدل عليه السياق بغير موجب يقتضيه من ”داخل المنظومة“، أي من استعمال آية أخرى تُخصص أو تقيِّد مثلًا، بل يُعتمد التأويل لأجل تثبيت القواطع العقلية النسوية –إن صح التعبير– هي دعوى تحريفية ستعود على القرآن بالإبطال. لا تتسامحوا معها، وحذروا منها العوام.
أما مسألة ”أهلية الكلام في القرآن بلا علم“ سواء أصاب المتكلم أم لم يصب، مبحوثة في كتب ”قواعد التفسير“، ولتُراجع كتب مساعد الطيار كمدخل. لكن من أراد أن يتحدى ليتأكد أنه فاقد للأهلية حقا، أعرضُ عليه قراءة البرهان للزركشي، يقول في مطلع المجلد الأول:
”التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج معرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ“
خذ مثلًا في النحو إطلالة على شرح ابن يعيش على المفصل، يقع في عشر مجلدات، وفي أصول الفقه شرح الكوكب المنير، أو الواضح لابن عقيل، البحر المحيط للزركشي، تبصرة الحكام لابن فرحون، الفصول في الأصول للجصاص.
هكذا لتتصور قليلا معنى الأهلية لدى أهل العلم سواء كانوا فقهاء أو مفسرين، لتعرف ما الذي أهَّلهم للتكلم في التفسير، ولتدرك مدى سخافة القول بأن هذا ”فهمُ عقل بشري للقرآن“ ظانًا أنك ما دمت بشرًا لديه عقل كيفما اتفق فجائز لك تتجول بين أقدامهم.
”ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابِه من الكلام ويخدعون جُهَّال الناس بما يُلبِّسون عليهم”.
الإمام أحمد، عن أهل العلم ضد من تأول القرآن على غير تأويله.
الإمام أحمد، عن أهل العلم ضد من تأول القرآن على غير تأويله.
باسم بشينية
بحق الناس اليوم تجادل في آية التفضيل. ووقع الكشف على أن المعنى ”فضل بعض الرجال على بعض النساء، وفضل بعض النساء على بعض الرجال“. 😃 عدل أيوة، نحن نحب العدل.. يُخيلون لي كصِبية يلعبون العُشَّة، ويطبخون التراب بماءِ البِرَك، على أنه إعدادُ المرقِ والكسكس. عناء!…
لطم القفا - باسم بشينية.pdf
1.3 MB
نقد التأويل النسوي القائل بأن آية تفضيل جنس الرجال على جنس النساء تعني: "تفضيل بعض الرجال على بعض النساء وبعض النساء على بعض الرجال".
Forwarded from يوسف سمرين
هيوم... في أن تكون ملحدًا دون أن تدري/محاولة تقريب.
هيوم فيلسوف يتميز بعياراته الرشيقة، السهلة ليس مثل كانط من بعده، في عصره كان من الصعب الحديث المباشر في نقد الدين، فكان الفلاسفة يلجأون إلى طريقة المحاورات، يضع أكثر من شخصية تتنافس في الموضوع، مع ميله لواحد منها.
وكانت محاوراته ملهمة لكانط، وكان سؤاله ما معنى أن تؤمن بالله، يسأل هيوم عن طبيعة هذا الإله، هل يمكن للإنسان المؤمن أن يحدد ما هي طبيعة الإله الذي يؤمن به، هنا تجيب إحدى الشخصيات: لا يمكن هذا عن طريق العقل لأن الله فوق قدراتنا العقلية إنما نؤمن بما ورد له من أسماء دون أن نتطفل بعقولنا وراء ذلك.
لكن هيوم لا يرتضي هذا، ليتساءل وهذه الأسماء هل هي مجرد ألفاظ أم لها معاني؟ إن كانت مجرد ألفاظ فلا فائدة منها: أنت يمكنك أن تطلق ما تشاء من الألفاظ على العدم مثلًا ولا يجعله هذا موجودًا.
أما المعاني فنحن لا ندرك أي معنى إلا ما هو موجود في عالمنا، خذ مثالًا: النار، أنت لا يمكن أن تفهم معناها إلا بما تعرفه من نيران هذا العالم، فلو قيل لك نار لا تشبه أدنى شبه أي نار ماذا ستكون: مجرد لفظ فارغ من أي معنى، بل يصح وقتها أن تقول هي ليست نارًا ويكون هذا صحيحًا.
إن هذا القسم من الذين يسلمون بوجود إله دون أن يحددوا طبيعته، ويطلقون عليه أسماء وصفات مع قولهم إنه لا يمكن تصوره ولا تخيله، ولا يشبه حتى تلك المعاني المعهودة من الأسماء كونها محصورة في العالم المادي، يسميهم هيوم: ملحدون من غير وعي منهم!
ما معنى أن تثبت شيئًا لا تعرف طبيعته، وأي كلام عنه سيكون فارغًا لعدم تطابق ما تقوله عليه، هو على هذا الزعم شيء مختلف عن كل الأشياء بحيث لا يمكن أن تصفه بأي وصف يطلق على الأشياء، أي هو خارج المنطق، ولذا ماذا يمكن للملحد أن يقول غير هذا: أنه لا يمكن الحديث عن الإله بأي لغة، ولا إثباته بأي عقل.
لذا يرى هيوم ضرورة انحصار العقل في البحث في العالم المادي، أما تلك الأبحاث التي تسمى بالإلهيات فهي مضيعة للوقت حتى إنه يقترح بحرق أي كتاب يتحدث فيها كونها مضرة بالعقول، وتجعلها تبحث فيما ليس من طاقتها ولا قدرتها، والحل الأمثل بنظره هو اللا أدرية، بعد تحييد العقل عن البحث فيها.
هيوم فيلسوف يتميز بعياراته الرشيقة، السهلة ليس مثل كانط من بعده، في عصره كان من الصعب الحديث المباشر في نقد الدين، فكان الفلاسفة يلجأون إلى طريقة المحاورات، يضع أكثر من شخصية تتنافس في الموضوع، مع ميله لواحد منها.
وكانت محاوراته ملهمة لكانط، وكان سؤاله ما معنى أن تؤمن بالله، يسأل هيوم عن طبيعة هذا الإله، هل يمكن للإنسان المؤمن أن يحدد ما هي طبيعة الإله الذي يؤمن به، هنا تجيب إحدى الشخصيات: لا يمكن هذا عن طريق العقل لأن الله فوق قدراتنا العقلية إنما نؤمن بما ورد له من أسماء دون أن نتطفل بعقولنا وراء ذلك.
لكن هيوم لا يرتضي هذا، ليتساءل وهذه الأسماء هل هي مجرد ألفاظ أم لها معاني؟ إن كانت مجرد ألفاظ فلا فائدة منها: أنت يمكنك أن تطلق ما تشاء من الألفاظ على العدم مثلًا ولا يجعله هذا موجودًا.
أما المعاني فنحن لا ندرك أي معنى إلا ما هو موجود في عالمنا، خذ مثالًا: النار، أنت لا يمكن أن تفهم معناها إلا بما تعرفه من نيران هذا العالم، فلو قيل لك نار لا تشبه أدنى شبه أي نار ماذا ستكون: مجرد لفظ فارغ من أي معنى، بل يصح وقتها أن تقول هي ليست نارًا ويكون هذا صحيحًا.
إن هذا القسم من الذين يسلمون بوجود إله دون أن يحددوا طبيعته، ويطلقون عليه أسماء وصفات مع قولهم إنه لا يمكن تصوره ولا تخيله، ولا يشبه حتى تلك المعاني المعهودة من الأسماء كونها محصورة في العالم المادي، يسميهم هيوم: ملحدون من غير وعي منهم!
ما معنى أن تثبت شيئًا لا تعرف طبيعته، وأي كلام عنه سيكون فارغًا لعدم تطابق ما تقوله عليه، هو على هذا الزعم شيء مختلف عن كل الأشياء بحيث لا يمكن أن تصفه بأي وصف يطلق على الأشياء، أي هو خارج المنطق، ولذا ماذا يمكن للملحد أن يقول غير هذا: أنه لا يمكن الحديث عن الإله بأي لغة، ولا إثباته بأي عقل.
لذا يرى هيوم ضرورة انحصار العقل في البحث في العالم المادي، أما تلك الأبحاث التي تسمى بالإلهيات فهي مضيعة للوقت حتى إنه يقترح بحرق أي كتاب يتحدث فيها كونها مضرة بالعقول، وتجعلها تبحث فيما ليس من طاقتها ولا قدرتها، والحل الأمثل بنظره هو اللا أدرية، بعد تحييد العقل عن البحث فيها.
يوسف سمرين
هيوم... في أن تكون ملحدًا دون أن تدري/محاولة تقريب. هيوم فيلسوف يتميز بعياراته الرشيقة، السهلة ليس مثل كانط من بعده، في عصره كان من الصعب الحديث المباشر في نقد الدين، فكان الفلاسفة يلجأون إلى طريقة المحاورات، يضع أكثر من شخصية تتنافس في الموضوع، مع ميله لواحد…
اللطيف أن الذين يصفهم هيوم بقوله ”ملحدون من غير وعي منهم“، وهم الذين يصفهم ابن تيمية بأنهم ”يعبدون العدم“، من أكثر من يتبجح بالرد على الملحد الذي يعي أنه ملحد.
ما رأيكم غدًا أقوم ببث مباشر على القناة حول نوعية الخطاب الإلحادي ”العربي“ ومدى منهجيته، وطبيعة الخطاب الراد عليه؟
Final Results
92%
نعم.
8%
لا، مسألة غير مهمة.
بعد ربع ساعة يبدأ البث إن شاء الله، بالنسبة لمن لم يسمع بثا سباقا عبر تلغرام فكي يتمكن من السماع لا بد من تحديث التطبيق.