باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
حول النقد، قضايا المرأة، كتاب غاوجي، أحمد السيد، أبو جعفر الخليفي (١)

على قدر ما رأيت من نقد لأشخاص وكتب، ما رأيت ردود أفعال كالتي تصدر عن أحمد السيد. أحمد السيد في الحقيقة مشكلته ليست مع تقديم النقد له. بل مشكلته هي عدم مراعاة دَلالِه ونفسيته ومكانته لدى متابعيه ومتابعاته، وهذه مشكلة خاصة به في الحقيقة، عليه أن يعالجها بعيدًا عن استحداث موضوعات جديدة يفر بها من النقد، كتركيزه حول نوايا النقّاد وشروط النقد وأن من نقدوه أصحاب مسألة واحدة، ونحو هذا من الكلام الفارغ.

أحمد السيد في الحقيقة، أول نقد سجلته تجاهه هو نقدي لكتابه ”سابغات“ سنة ٢٠١٩ في مسألة متعلقة بالفلسفة، ولم يُسمع صوته حينها لأن النقد ما قرأه أصلا سوى العشرات. ثم لما صدر له مقطع يحكي فيه عن ثغور النساء، ما أردت أن أكتب شيء وأنشغل به، لأنه في نظري كلام عام –ككلامه في أكثر كتبه– تدرك فحواه الخاطئة لكن لطغيان عموميته لا تجد تضييق هدف على عبارة لتنقدها. ثم شاركت المقطع بعض القنوات التي أعرف أنها لا تتفق مع فحواه، فخمنت أنه لا بد من نقده، فكتبت حينها، وجاء بنتيجة وتراجع بعض من شاركه، وانتهى الأمر. وكانت عمومية طرح أحمد السيد تشكل مهربا من النقد تارة، وتجعل خطابة فضفاض يرضي ظاهرًا بعض المتناقضين.

بعدها بفترة، أحمد يعزم على إلقاء سلسلة تأصيل قضايا المرأة، قبل شروعه في السلسلة رأيت عناوين المحاور، فأدركت أن هذا الرجل لن ينتج فكرا ولا تحريكا للواقع السيء جدا على المرأة، خصوصا الواقع القريب منه، بل سيعيد إحياء النّفس الحركي واستثارة آمال النسوية الناعمة التي تزعم العلم وطلب العلم، لا غير.

شرعَ السيد في السلسلة، ورأيت المقاطع، ورأيت أن كمية الخطأ العلمي والمنهجي الذي فيها يستحق كتابة نقد، فالرجل يأتي ويقول هذا تأصيل لقضايا المرأة، لكنه على عادة الحركيين لا يجعل الخطاب فقهيا ولا مستندًا الفقه كعلم يؤصل ويحرر القضايا والمسائل، بل يستند –وهو ما يروق لغالبية النساء– على القصص، وبعض ما جاء في السيرة والتاريخ، وشيء من الاستثناءات، وهكذا.

والسلسلة لم تكن تأصيلا وبحث حلول لقضايا المرأة المعاصرة بالمرة، بل كان يريد أن يلقي خطابا للمرأة التي تدعي طلب العلم، والخطاب كان يصلح تطابقا للمرأة البرجوازية، وذي العقلية التي وجهت طرحا كهذا لها محيط ومعطيات واقعية وجهل بالأبعاد الاقتصادية (مع ادعاء الفكر وحل الإشكاليات) ساهمت في تشكيلها. فكان الخطاب –مع تجاوز المآخذ الفقهية، والمنهجية– فج لدرجة كبيرة عند النظر بمعيار فكري/اقتصادي/مجتمعي، فمن حيث الطرح؛ لا ينافس السيد الخطاب النسوي ليجعل حلول المرأة المضطهدة في بيئته الخليجية إسلامية لا نسوية، بل جاء الخطاب بصورة منفصلة عن الواقع لحد بعيد، ومسائل واقعية تشكل خطر على المرأة مثل الفقر والاستغلال لا تدخل في حيز اهتمامته في سلسلته بالمرة، وسيأتي لاحقا بيان هذا ما دام الأخ لا يزال يريد اللعب على وتر ”الهجوم على المصلحين“.

إذًا، سمعت شيئا من السلسلة، وقدمت النقد على الموضوعات التي تكلم فيها، باسمي وفي قناتي تحت عنوان ”نقد أحمد السيد“ وعموما انتشر النقد، أحمد السيد يغلب على ظني أنه ما قرأ شيء مما كُتب، ولا يهم حقيقةً، لأن النقد أساسا ليس لأجله –ومصيب في هذا لأنه صار يصر على لعب دور الشيخ الفاضل مقابل قطاع الطرق– وإنما النقد كان موجه لتلك التقيات التي انخدعت بهذه البهرجة، والحمد لله تنبه الكثير، وذي هي ثمرة الجهد. وكان في تلك الفترة كثير من الفتيات –ذوات الفضائل الذكورية– يتكلمن بكلام خشن وينتحلن شخصيات رجالية كي يدافعن عن السيد، بل احداهن أخذت تسبني سبا قبيحا، وما رددت، ناقصات عقل فوق النقص الجبلّي، ليأخذن راحتهن، خرج أيضا أحد سكّان الفضاء وقال بالحرف: ”لا ينقد أحمد السيد إلا ضال مضل“، معلش، ضحكنا على المقطع حتى شبعنا ضحكا، وواصلت النقد حتى كتبت ”ما بعد الفقه التقليدي، مواصلة نقد أحمد السيد“. ووجهت نقد علمي ونقد منهجي لما قاله في السلسلة بعد النقد الأول.

حينها، عوض أن يخرج السيد ليرد النقد بنقد علمي، يقوم بتفعيل خاصية: كيف تنقد شخصا دون أن تنقده علميا بدون روت أحبابي في الله. فيخرج بمقطع ”أصحاب المسألة الواحدة“؛ وعوض أن يهم بالدفاع عن أطروحته التي تناولتها الأقلام بالنقد العلمي، يسارع إلى تحليل نفسيات وخطوات هؤلاء النقّاد، على أساس أن هذا التحليل (الذي يوجهه لهم وفق قالب أن الكلام عبارة عن درس لتلاميذه) نقد لهؤلاء النقّاد، فهذا المسلك لا يسلكه سوى شخص فاشل، لا يريد قبول النقد، ولا التراجع عن غلطه، ولا السكوت، ولا أي شيء يثبت غلط النقد، يريد أن ينتصر بأي طريقة وألا ينحرج، وفق صيغة تظهر له أنها ذكية نوعا ما؛ فيرد ضمنا على نوايا النقاد لكن بصيغة تعليم تلاميذه. لكن في النهاية لا يوجد أي رد علمي.
👍86
حول النقد، قضايا المرأة، كتاب غاوجي، أحمد السيد، أبو جعفر الخليفي (٢)

يخرج حينها العميري بنقد لمن انتقد السيد، ويجمع نقدي تحت خانة ”الهجوم على الدعاة والمصلحين“، وهذا عين مسلك السيد في قصة ”أصحاب المسألة الواحدة“ التي جاء بها من رأسه كحبة مسكن. ثم ماذا؟ يخرج أحمد السيد بخرجة غير متوقعة، ويكتب رسالة، لكن بعنوان ”تعبيرات المستفيدات على سلسلة قضايا المرأة“. فيجمع ما قالت فلانة وعلانة من الفتيات التي ”استفادت“ زعمًا من سلسلته، ويعمل لها أسكرين، ويجمعها في كذا عشرة صفحة، الفتيات تثني على سلسلتي فلا عبرة بالنقد. حبة مسكن ثانية، أتفهّم.

ثم فجأة تخرج قصة ”هؤلاء جماعة الخليفي“، وبدأت الرسائل تأتيني على الخاص على أني من تلاميذ الخليفي، بل بعضهم قال لي ”الخليفي هو من يشير عليك بما تكتب“، وأذيعَ هذا هنا وهناك. حينها فهمت قصة ”أصحاب المسألة الواحدة” ما غايتها، وقصة ”حملة الهجوم” ما غايتها، عموما ما أردت أن أتكلم بشيء حول هذا الأمر لأنه لم يكن من نظامي الانسياق وراء بلابل كهذه.

أبو جعفر الخليفي، هذا الرجل قبل كتابتي للنقد وبعده وإلى الساعة، لم أكلمه يوما، ولا قرأت له مقال علمي، ولا سمعت له محاضرة ولا درس، لكن الخليفي لم يركب الموجة، ولم ينسب نقدي له، ولا شاركه على قناته وجعله لصالحه وتقوى به على ”الهجوم ضد المصلحين“ كما يقولون، ولم يقل للناس هذا من تلاميذي، ولا حتى حدثني أو صحح لي شيء ربما أخطأت فيه، وهذه تحسب له طبعا.

لكن ما كان يُنتهج من مسالك تلفيقية بائسة بغية وأد النقد بسخاقة، كان دلالة كافية على أن كلمات أحمد السيد ”النقد أمر ضروري وأن النصيحة شيء جميل“ تحمل دلالات خشبية فارغة، كانت عبارة عن فقاعات إذا قوبلت بأي نقد زالت واختفت.
وأي تلميذ له يرى طريقته في نقد النقد، وتلفيقه الناعم بغية تغطية المآخذ عن طرحه، سينتهج لاحقا هذا الأسلوب وتُطمس معالم الصواب الحقة؛ فيصير أي ناقد يقال فيه: دع عنك حقيقة نقده وابحث له عن مثالب في مقالات أخرى، أو ابحث عمن يصاحب ممن له مثالب بنظر الغوغاء، وإن لم يكن فلفّق له صاحبًا يبغضه جمهورنا –ولو لم يكن يعرفه– فنكتفي عناء النقد. هذه هي بضاعة السيد نقديا.

فكانت تظهر قصة ”هؤلاء كلهم يوجههم الخليفي“ وكذا؛ قصة سخيفة جدا، تعني: اختزل الانتقادات كلها في الخليفي، ثم اختزل الخليفي في مسألة أبي حنيفة، وتوتة توتة خلصت الحتوتة، رددنا على النقد وكشفنا المؤامرة!

ثم بعد هذا يخرج السيد بكل عفوية، بابتسامته الرائعة، يشرح أن النقد يجب أن يكون نصيحة لطيفة وعلى الخاص نأتي ونقول له: ”أستاذنا استفدنا منكم ومن مشاريعكم ودوراتكم لكن لو تسمحون لدينا مؤاخذة“. فهذا يتكلم من كل عقله أم يسخر؟ لا تتدلل يا أخ، لسنا متفرغين ل ”تمسيح جوخ“. والنقد ما توقف إلا عليك وعلى تدللك، بل النقّاد من السلف كانوا يجاوزون كل الحدود التي تحاول رسمها لتخفيف ما وُجه لك في السلسلة وفي إقحامك لكتاب غاوجي في البناء المنهجي، وما كان فيهم نقد العام على الخاص، ولا عُرف هذا لدى عموم النقّاد، فلاسفة أو أدباء أو مفكرين. فالدلال الذي تلاقيه في وسطك لا يلزم أن تجده أينما حللت!.
واقحام كتاب غاوجي كان عبارة عن خطأ شنيع، فعندما تخرج تتحذلق بأن النقد جميل وأن النصيحة تُقبل، طبّق هذا على نفسك قبل أن تنظّره، وجّهنا نقدا لكتاب غاوجي وصدفة جاء نقدي ونقد حمود بن ثامر في نفس اليوم، وما كنت أعرف أنه على علم بشروع السيد في تدريسه حتى، وقلنا أن تدريسه للمبتدئين مأخذ على البناء المنهجي. فماذا حصل؟ لا قلت تراجعنا، ولا أشرت أن النقد في محله، ولا حتى سكتت بعد حذفه. بل تخرج بكل تشدق وتعمل مقطع تسخّف فيه من نقد شروعكم في تدريس هذا الكتاب الذي يقول ”أبو حنيفة من أئمة الجهمية“. وتقول صغار سن، وتلقي محاضرة في شروط النقد، ونوايا النقّاد، ولا يوجد نصح حقيقي، ونحو هذا الكلام الفارغ.
نفس المسلك في قصة أصحاب المسألة الواحدة، فالمهم أحلل نفسيات ونوايا النقّاد، وأنقد نقدهم من غير أن أنقده، فإذا كان هذا مبلغ جهدك في التعامل مع النقد فذي هشاشة لا يغطيها أي تحليل يقدَّم بتذاكي في قالب الدرس الموجه للتلاميذ.
👍84
حول النقد، قضايا المرأة، كتاب غاوجي، أحمد السيد، أبو جعفر الخليفي (٣)

بالنسبة لسلسلة قضايا المرأة، هي في نظري سلسلة فارغة، لا تطرح أي قضايا واقعية كبرى تعاني منها المرأة في الواقع الخليجي على الأقل، بل متجاوزة للواقع، السلسلة في الحقيقة يدرك أي ناظر تماشيها مع النفسية النسوية الناعمة، كنا نقول هذا، لكن هل حقا حقق السيد مطلب النسوية؟
لعل النسوية البرجوازية ترى تقاربا مع فكرة السلسلة، وبعضهن كانت تقول ”أي شخص يقول لك أن المرأة مكانها المطبخ فأربطه بكرسي ليسمع الحلقة الثالثة“، فهذه تقصد المطبخ بمعنى الطبخ للزوج، هي ترى أن الخروج لصالة الرياضة، التوسع في الخروج للمولات، استكثار المواعيد الدعوية في الملتقيات، المحاضرات، النوادي الثقافية، العمل الجمعوي...إلخ ثمرة عظيمة من ثمار هذه السلسلة، وهذا هو مفهوم المطبخ في أذهان المخاطَبَات، لا المطبخ الذي تُعذَّب فيه المرأة الآسيوية داخل كثير من البلدان الخليجية، فاللبرالية لدى الكثير السعوديين والإماراتيين وكذا، تأتي بمعنى التعبير عن رأي في مسألة معينة، وينعكس هذا على مفهوم النسوية، حيث أن منع المرأة من الخروج من البيت بدون ضرورة ملحة يعتبر قمعا للنساء، والسماح بذلك يعتبر نسوية، لكن ذي رغم ركاكتها تُعتبر نسوية برجوازية، لا ترى إلا مطلبا كهذا، في حين ”تأصيل“ حل واقعي لحالة النساء المضطهدات، اللاتي قد يسمين ”بروليتارية“، النساء الكادحات في المنازل كخادمات، فذي لا يطرق لها ذهن الأخ في ”تأصيله” بالمرة، تجاوزًا، فذلك قد يصادم أولا النفسية البرجوازية لدى الجمهور من الخلايجة، فإيجاد حل حقيقي لهذه ”الطبقة“ قد يؤدي بإعادة ذي البرجوازيات إلى المطبخ والسهر على خدمة البيت ثانية. رغم أن بحث ذي القضية –وهي قضية مقلقة وجدية– يدخل في صميم ما يخوض فيه أساسا؛ الفكر والإشكاليات الفكرية والواقع، ويمس جوانب مما يتقاطع مع نشاطه، كالإقتصاد، وعلم الاجتماع، والفلسفة ككل، فضلا عن الجانب الشرعي.
فتجاوز العامل الاقتصادي في استغلال المرأة في الواقع المحيط بالسيد كان طاغيا، لجزئية نظرته للواقع، وجزئية نظرته للمرأة. فإذا كان الطرح المشهور في الوسط الحركي هو مبلغ علمه، من أين سيأتي بفتح أطروحات جديدة تصادم الواقع بغية تغييره لصالح المرأة المضطهدة بحق، ليخرج بنتائج جديدة تكتسي بحلة شمولية؛ جانب اقتصادي، وجانب أسري، وجانب اجتماعي، وجانب سياسي، وجانب شرعي. بل ”قضايا المرأة” في الواقع يراها السيد في إقامتها لمشروع دعوي، في حين أن المرأة هناك ليست بحاجة لهذا بالمرة، رغم الكفاية في الرجال، فالمرأة بحاجة لاستثارة قضايا الاضطهاد والفقر وأكل المال، وكل هذه قضايا ذات أصول شرعية أساسًا، لكن طبيعة تفكير السيد من خلال طرح سلسلته يظهر أن متجاوز ومتعال على مثل هذا، هو يبحث في مشاكل وقضايا المرأة ذات الاكتفاء والتي قد تتخطاه لتدخل تحت جناح الطبعة البرجوازية اقتصاديا، فذي مرأة تستحق إقامة سلسلة لأجل تأملاتها خارج المطبخ.

وهذا ليس تكهنًا بواقع المرأة الخادمة في الوسط هناك، وسيأتي ذكر المراجع. فقد يخرج السيد لينتقد بكل ثقة ”بعض“ من يقول أن المرأة مكانها بيتها ورعاية أولادها وحسن التبعل لزوجها حصرا، لكن لن يخرج بنقد المنظومة التي ”تستغل“ بصورة فظيعة مئات الآلاف من النساء الآسويات وغير الآسويات، حتى العراقيات والسوريات والمصريات استغلالا جسديا ويتعدى للاستغلال الجنسي في كثير من الأحيان.
👍9
حول النقد، قضايا المرأة، كتاب غاوجي، أحمد السيد، أبو جعفر الخليفي (٥)

عينة بسيطة، تدلك على حجم القضية، جحم البؤس الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والقانوني، وتبعاته الأسرية، الذي تعانيه ”المرأة“، فأنت من واقعك تريد تحليل قضايا المرأة، وإيجاد حلول للقضايا الحقيقية التي تضر حقا بفئة كبيرة من النساء، بل مئات الآلاف، قم بتأصيل نحو هذا الواقع الحقيقي، نحو تغييره للأحسن، نحو طرق مسائل اجتماعية واقعية لها أصول في الشريعة تستخلص منها كليات لأجل تأسيس أطروحة تحرك فكرا في رأس المتلقي.

لا، نحن نتجاوز هذا، نتجاوز حقيقة الوضع المزري للمرأة الكادحة وما تلاقيه في وسطنا، لكننا نقوم بسلسلة طويلة جدا في الدفاع عن خروج المرأة من المطبخ لأجل منافسة الرجل في الدعوى، في خروج المرأة من المطبخ نحو ممارسة الرياضة، في خروج المرأة من المطبخ كي لا تستقل من دورها المزعوم، وكأن هذه هي أعظم القضايا التي تتعلق بالمرأة في الوقت المعاصر في البيئة التي من حولك في سياقها الاجتماعي والفكري على الأقل!. فما يتكلم لك حول الفقر والحاجة والحلول ونقد الظروف ومسبباتها، بل يوجه خطاب لمن لا حاجة لها بكل هذا أساسا، لا الواقع سيتغير، ولا المرأة التي تحتاج منك أن تحرك قضيتها ستبتهج.
ثم مع هذا وغيره من الأخطاء التي رُدَّ عليها في الانتقادات يخرج السيد فيقول: النصيحة تكون على الخاص. كيف مثلا نأتي الخاص نقول لك: طريقتك في التفكير حول قضايا المرأة يجب أن تعيد هيكلتها منهجيا وعلميا وإجتماعيا لأنك تفكر بصورة مقلوبة؟
أو مسألة ”الدورات/البرامج“ وأصحاب الدورات المفيدة!. ذي ليست مؤسسة دينية أو مدرسة عريقة أو هيئة كبار العلماء التي قدمت السلسلة وبقي عليك الإلقاء! ذا طالب علم اسمه أحمد السيد فكر في موضوع لفترة، وجمع فكرة عامة وفق معطياته وكتب خطة وجمع مادة وأقام سلسلة محاضرات في الموضوع، قال شيء صواب وقال شيء خطأ. هذا هو الواقع، فلن يتغير شيء من النقد عندما تخرج وتسميها دورات وبرامج دعوية، فلا داعي لجعل النقد كأنه موجه لمؤسسة أو مشروع أو تيّار. فكلامك يُنشر ويُنتقد ككلام أي شخص أو طالب علم عادي جدًا، ولا تطرقنا لشخصك أصلا.

مصادر مسألة العمالة:

(١) https://www.hrw.org/ar/news/2021/03/04/378079
(٢) https://bit.ly/34N0LV9
(٣) https://www.hrw.org/ar/report/2010/10/06/256131
(٤) https://www.hrw.org/ar/report/2008/07/07/255696
👍10
”عن حذيفة رضي الله عنه قال: المنافقون اليوم شر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إنهم كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفونه، وهم اليوم يظهرونه“.

(ذم الكلام وأهله، أبو إسماعيل الهروي الأنصاري، تحقيق: أبو جابر الأنصاري، مكتبة الغرباء الأثرية، ج١، ص٣٩٧–٣٩٨)

الذي تلحظه في خطاب كل حداثي وعلماني يدعي التبرير الإسلامي لما يعتقد، انعدام الزكاة والدين والتقوى، بل لا تجده إلا خبيثا معاديا، كارها لهذا الدين مشمئزًا من وجوده، والحال أنه دين واقع، فلا حل إلا أن يزيله بتشويهه، وليس التشويه إلا إظهارُ النفاق.
﴿هم العدو فاحذرهم﴾ –المنافقون، آية ٤.
”عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسرد سردكم هذا، يتكلم بكلام فصل يحفظه كل من سمعه“.

(ذم الكلام وأهله، أبو إسماعيل الهروي الأنصاري، تحقيق: أبو جابر الأنصاري، مكتبة الغرباء الأثرية، ج١، ص٤٢٢)
”قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار“.

(ذم الكلام وأهله، أبو إسماعيل الهروي الأنصاري، تحقيق: أبو جابر الأنصاري، مكتبة الغرباء الأثرية، ج٢، ص٢٦)
”لا يقيمون على أمر وإن أعجبهم إلا نقلهم الجدل إلى أمر سواه، فهم في كل يوم في شبهة جديدة ودين ضلال“.

–أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي.
كثير من الأحيان، لما أرى بعض من يتناطر عليه شيء من الكشف وهو يقرأ سطرين لابن تيمية فيقفز هنا وهناك يهذي بكلمة وكلمتين، أقول؛ الواجب حجب هذه الكتب عن الناس إلا بترخيص بعد امتحان.
Forwarded from يوسف سمرين
حول الإذن بالذِّكر...

حصلت ضجة مؤخرًا على موضوع الإذن بالذكر، وقد يرى بعض الناس أن المسألة جزئية وصغيرة جدًا، لا داعي لتحميلها ما لا تحتمل، لكن الإشكال في المضامين الأكبر التي قد تجر إليها هذه المسألة.

فالتراث القديم كما أنه حوى السنة، كذلك حوى البدع، فليس كل ما نقل عن مشايخ هو من الدين بل قد يكون من البتكرات التي أنشأت نظامًا هرميًّا، على هيئة الإقطاعيات الكبرى، ومن ذلك العديد من الطرق التي تحدثت باسم الإله، فقد افترضت نظامًا يتجاوز أن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة المسلمين كان يذكر الله على كل أحيانه، فلم تقنع بأن هذا يصلح للاقتداء به فافترضت أن المريد للشيخ ضعيف عن الذكر، فمن هو حتى يذكر اسم الله؟

افترض بعضهم أنه لا بد من تدريب معيّن حتى يذكر الله، وقسمت الناس إلى عوام وخواص، ثم خواص الخواص، فالعوام يذكرون لا إله إلا الله، فجاء هؤلاء ليتحذلقوا بالقول هذا ذكر العامة، إنهم في طبقة أخرى فوق هؤلاء المسلمين، حيث إنك تذكر قبل اسم الله إلهًا! وهذا يأنف منه الخواص، فعندهم الذكر هو "الله، الله، الله" بدون أن يسبقه "لا إله"! فقلب العارف بنظرهم لا يستحضر أي شيء غير الله ونفي الإله قبله سقوط عن هذه المنزلة الخاصة!

ثم بعد هذه طبقة أخرى وصاروا يقولون "هو" فهو أبعد عن الرسوم، وهو أقرب إلى الأنفاس في إخراج الهواء، حتى في الكتابة وصل الأمر عند بعضهم مثل الحلاج أن يكتب (نقطة) كما في (الطواسين) رمزًا عن الله وكفى بها، لأن النقطة هي التي يتكون منها رسم الحرف، ثم الأحرف هي التي تكون اسم الله! وهكذا.

صار التوحيد سرًا، يجري التحدث عنه بالرموز وبضرب الأمثال، والإلغاز والتلميح، فالتوحيد سر بنظرهم، لا يمكن التعبير عنه بالأحرف ولا الكلمات، ثم ليدلوا عليه صاروا يلغزون به كما قال الحلّاج:

ثلاثة أحرف لا عجم فيها***ومعجومان وانقطع الكلام

هذا الكلام يقصد به "التوحيد" وهكذا صار التعبير عن التوحيد بمثل هذه الكلمات الملغزة تعبيرًا عن الأسرار، ويقولون: "قلوب الأحرار مقبرة الأسرار"، وقال العديد منهم لأتباعهم إنهم لا يقدرون على دعاء الله مباشرة، بل يدعون شيخهم، وبهذا ينقذون، فقلوبهم لا تقوى على دعاء الله مباشرة! الأمر شبيه بحال موسى حين قال: (رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني) ومثل هذا تجده في كتاب (روض الرياحين) لليافعي.
فلا بد من إذن خاص في كل مرحلة، وطبقة، فالتوحيد سر، لا يقدر أحد على ولوجه حيث إنه لا يشرح بالكلمات، ويحتاج إلى تدريب شيخ يترفق بالمرء، ويضحي الواحد من هؤلاء العارفين لا يذكر الله أصلًا، بل يرمز إليه، بقصيدة في حب ليلى!

الطبقة العامية هي الناس الذين يتبعون هذا الشيخ في مملكته، التي يشيدها على طرق حاكت فلسفة أفلوطين، فالتقسيم الهرمي، يبدأ المرء منهم بلا إله إلا الله، ينتقل إلى اسم مفرد بعدد مخصوص، ثم الضمير، ثم سر لا يوصف ويرمز له بقصائد غزلية!

الساخر في الأمر أن الملحد قد يذكر اسم الله أكثر وهو يسعى إلى نفيه، فإن جاء إلى هؤلاء وأعلن إسلامه بمرتبة (العوام) ترقى ليضحي شيخًا (عارفًا) لا يذكر السر ولا يفشيه! بل يشير إليه، ويترنم "رأيت ربي بعين قلبي، فقلتُ من أنت قال أنت"!

وتضحي حجة فرعون متفهمة على هذا (قال آمنتم به قبل أن آذن لكم)! وهو الذي قال: (أخاف أن يبدّل دينكم) فبحجة الخوف على دينهم كان يشترط إذنه في الإيمان، بالمناسبة الحلّاج كان يعتبر فرعون من كبار العارفين، فلا عجب أن تجد ما يماثل طريقته في هؤلاء!

قد يقال لكنهم لم يقصدوا كل هذا، يقال: نعم، وليس العاقل حريصًا على الإدانة، لكن يمكن كذلك أنهم فعلوا، والتلويح قد يسبق التصريح، ومن يسمع يخل، والناس في زمن يقدرون فيه على البحث والتقصي، وهم في غنى عن تلك الممالك التي غيّبتهم قرونًا، في أوقات هم أحوج ما يكونون فيها إلى عقل وإيمان.
بحق الناس اليوم تجادل في آية التفضيل. ووقع الكشف على أن المعنى ”فضل بعض الرجال على بعض النساء، وفضل بعض النساء على بعض الرجال“. 😃 عدل أيوة، نحن نحب العدل.. يُخيلون لي كصِبية يلعبون العُشَّة، ويطبخون التراب بماءِ البِرَك، على أنه إعدادُ المرقِ والكسكس. عناء!

”وكان سعيد بن سحنون المالكي كثيرا ما يُؤَدِّبُ بلَطْم القَفا“ –الديباج، ص٣٧.

قلت في التخريج؛ ويُستحسنُ لمن كان مالكيًا، إذا رام تأديب الصغير أن يلطمه على قفاه حسًا بيدِه، فإن لم يتيسّر، فاللطم المعنوي أقربُ لتحقيق المراد. 🌹
باسم بشينية
بحق الناس اليوم تجادل في آية التفضيل. ووقع الكشف على أن المعنى ”فضل بعض الرجال على بعض النساء، وفضل بعض النساء على بعض الرجال“. 😃 عدل أيوة، نحن نحب العدل.. يُخيلون لي كصِبية يلعبون العُشَّة، ويطبخون التراب بماءِ البِرَك، على أنه إعدادُ المرقِ والكسكس. عناء!…
ما سيأتي من مقالات حول رسالة البارحة؛ متسلسل ببعضه، ولم أركز على النقد التقليدي، بقدر ما ركزت على ”المنهج“. وأما النقد التقليدي –الذي أسميه النقدَ التصادمي– فهو يبدأ من المقال الخامس مما سيُنشر. وهو ينفع من كان يسألني عن مدى صواب ذاك التفسير لمسألة التفضيل.
لطمُ القفا (١)

قانون التأويل! إن الكتب الأرسطية تُرجمَت يا سادة، وقد تم استيراد موروث ثقافي مدهِش، الديانة اليونانيةُ شقراء، وتلبس نظَّارة خلفها أعينٌ زُرقٌ، متعاليَةٌ عن خطاب العوامِّ ومن ليسَ حكيمًا، حتى أن المؤرِّخ الإغريقي بلوطرخ، يحكي أن الإسكندر المقدوني لم يكد يخرج إلى الغزو حتى وصلَهُ أن أستاذه أرسطو نشَرَ عدة كتب في الفلسَفة، فغضب الإسكندر غضبًا شديدًا! وكتب إلى أرسطو يقول: ”من الإسكندر إلى أرسطو، لقد ارتكبت خطأ بِنشرِكَ الأجزاءَ الباطِنَة من العلم. وإلا فكيفَ يبقى اختلافُنَا عن الناس إذا جعلت المعرفَة العليا التي اكتسبناهَا منك مشاعةً في العالم أجمع؟“
فردَّ أرسطو قائلًا ”لقد نشرناها ولم ننشرها، ولن يصِل إلى فهمها إلا من درسَ علينا مثلُك“! نعم، إنه يُقعِّدُ لما يستلهِمُ ويجذبُ الأذكياء المترفعِّينَ عن ”العالم أجمع“. إنها فلسفة العصر يا سادة، فكيف العمل؟
تصلُ هذه الفلسفة إلى قوم يطلقون على أنفسهم وصف الحِكمة، ويدَّعُون أنهمُ الحكماء، مبشر بن فاتك، الفرابي، السهروردي المقتول، ابن سينا، ابن الطفيل، ابن رشد الحفيد، إخوانُ الصفا، وغيرهم.
تنطوي ذي الفلسفة النخبوية عالية المستوى على مقالات؛ كالقَول بأنَّ الإله الصانِع محرِّكٌ لا يتحرك، وأنه لا يوصف بالأين، والمتى، والكيفِ، فصفاته أساسًا لا كيفَ لها.
عُقُدَ القلبُ على أن هذا هو العقل العذبُ الذي لا حق في سواه ولا مجالَ لدى ذي النخبة –والحال أنها على دين أرسطو– أن ترتدَّ عن الإسلام إلى دين اليونان صراحةً، مع أن أرسطو لم يطرح دينًا، وإنما طرح فلسفةً. فكيف الحل يا ابن سينا؟
تأتي الرسالة الأضحوية لابن سينا، وهو رأس في الأرسطية، وإمام من أئمة المشائين، فيقعِّدُ فيها حلًا للتعارضِ بين دينِه الأرسطي الجديد، وبين هذا الإسلام الذي يُثبِتُ الأين والمتى والكيف والحركة للإله! فيتجلى الكشف على طريقة الإسكندر وأستاذه أرسطو أن الشرعُ للعوامِّ، ودينُ أرسطو لنَا معشر الحكماء، فيقول: ”أمَّا الشرعُ: فينبغي أن يُعلمَ فيه قانون واحدٌ، وهو أن الشرع والملل الآتية على لسانِ الأنبياء يرام بها خطابُ الجمهور كافةً“ –الرسالة الأضحوية لابن سينا، ص٤٤.

إن ابن سينا، ينتهج منهجًا صريحًا لا خجولًا، إنه يقول أن آيات الصفات، التي تقول بأن لله يدان، تخالف العقل الذي لا عقل إلا هو، العقل الأرسطي! ولكن يجبُ أن يُعلَم أن هذه الآيات صحيحة لكن في حق الجمهور الذي لم يبلغ مرتبة الحِكمَة، فعليه الإيمان بها، ومن كان فيلسوفًا حكيمًا فعليه تركُ الإيمان بها، لأنه خارج عن مسمى العوام والجماهير. فكانَ التّنفيسُ بإصدارِ قانون التأويل. ومحصِّلَةُ القانون تحقيقُ ظاهر الشريعة في حق الجمهور على أن الشارِعَ كذِبَ عليهم لأنهم –كما يقول ابن رشد– لن يفهموا خطاب الحكماء. فإن الشرع وفق المتفلسفة باطل على التحقيق، ولكن جاء باطلًا على لسان الشارِع لمصلحة الجمهور.

وهكذا كانت تتموقعُ الأرسطية المتعاليَة، تلك العقيدة الدخيلةُ المخالفة بإقرار أصحابِها لكل عقيدة المسلمين، وتُلفَّقُ بقانون الإسكندر الذي طوَّره ابن سينا. وكان ابن سينَا صريحًا في القول بمخالفة الشريعة ظاهرًا وباطنًا للحقيقة المطلقة بنظرِه –يعني دين أرسطو–.
لطمُ القفا (٢)

تتوسع الأرسطية، وتستلهم طائفة من الناسِ جاؤوا في المرتبة الثانية بعد المتفلسفة، إنهم أهل الكلام. وقد أتوا قائلين؛ نحن أحق منكم بأرسطو! سنقول بأن الإله لا في مكان، ولا يوصف بالزمان، فلا أين ولا متى ولن يوصف إلا بالسلب والنفيِ، فلا فوق ولا تحت، ولا على العرش استوى. فَتَثبُتُ المقالات ويقع الإلزام، فكيف السبيل والشرع على نقيض ما نقول؟
الحاجة أم الاختراع! كان ابن سينا أسبق في الاتساء بطريقة الإسكندر مع آيات الصفات، وقوله أساسًا شنيع فهو ينسبُ الكذبَ للشارِع! فما الحل الذي يسمحُ لرجل الكلام بالجمع بين الدين الأرسطي وبين الشريعة من غير تصريح بكذِب الشارعِ لمصلحة الجمهور؟

وهل ابن سينا فقط توقف عليه استحداث قانونٍ لآيات الصفات! نافسناه في الأرسطية، وها نحن ننافسه في قانون يبرر لنا إتخاذها عقيدةً.

إنه ”قانون التأويل”، أحرصُ على إتخاذ الأرسطية دينًا وأسلمُ من شناعة تكذيب الأنبياء كما قننت السيناوية، فكيف الشروع في العمل؟

يبدأ الأمر مع الجويني قائلا أن آيات الصفات إن خالفت العقل –وهو بدون لف ودوران: عقلُ أرسطو– فالواجب تأويلُها حتى تتفق معه، ويتبعه الغزالي من بعدُ قائلا: أن برهان العقل لا يجوز تكذيبُه بحال –وهو العقل الأرسطي طبعًا– وإن قدَّمنَا النقل المعارِضَ لهذا العقل الأرسطي لكُنا قد أبطلنا النقل لأن العقل دال على النقل. نلاحظ أن القانون في تطور!

يمر القانون على أكثرِ من معمَلٍ كلاميٍّ، فيشير إليه الجويني إشارة في الإرشاد، ثم يكتب فيه الغزالي رسالة ”قانون التأويل“ في ثلاثين صفحة، ثم يطوره تلميذه ابن العربي في كتابِ ”قانون التأويل“ الذي يقع في ٧٠٠ صفحة، حتى يلخصه صاحب الزبدة، الفخر الرازي قائلا:

”أذا قامت الدلائل العقلية –أذكِّرُكم بأنها ليست سوى دلائل أرسطو- على ثبوت شيء ثم وجدنا أدلة نقلية –أذكركم بأن هذه النقلية كان الأرسطي ابن سينا صريحا في قوله أنها كذب لأجل المصلحة يُخاطب بها الجمهور فقط- يُشعِرُ ظاهرها بخلاف ذلك... لم يبق إلا أن نقطع بمقتضى الدلائل العقلية القاطعة.
ونقطع بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال فيها: إنها غير صحيحة، أو إن كانت صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل“ –تأسيس التقديس للرازي، ص٢١٧.

إذًا، قانون التأويل هذا، وظيفته في الخِتام تبريرُ اعتقادِ صحة هذه الفلسفة الأرسطية الدخيلة، لكن لما قال ابن سينا أن قانونه يقوم على كذبِ الشارِع لأجل الجمهور، وعلى أن الحكماء ليسوا من جمهور. قال المتكلمة أن قانونهم لا يقوم على تكذيب الشارع، وإنما على تأويل كلامِه –وهو تحريف على استحياء– وهو خطاب لازم لكل الجمهور.

كانت وظيفة قانون التأويل الكلامي في هذه الموضوعات هو تطبيق الأرسطية التي طبقها ابن سينا، لكن وفق تبرير خجول، لقد القانون الكلامي في معاملة النصوص خجولًا في التصريح بما تشجع له ابن سينا. فلما كان ابن سينا يصرح بأن الشريعة تكذب وتبث الباطل لأجل أن يؤمن بها الجمهور وأن الحق في خلافها، إنه لدى أرسطو، كان القانون الكلامي يقول أن الشريعة حق ولم تكذب، لكن يجب لي أعناق نصوصها لتطابق ديانَة أرسطو.

إن القانون التأويلي، كان يعبر عن سلاح فلسفي يُطرح لدى من لم يتمكن من تجاوز الأرسطية وإبطالها، كان يمثل ورقة سحرية رابحة، لقد كان كل نص شرعي يعارض الأرسطية الدخيلة، يُتعامل معه على المستوى السينوي –نسبة لابن سينا– بأنه كذب لمصلحة، بعبارة صريحة لا التواءَ فيها، لكن على مستوى القانون الكلامي في الطرح الأشعري، كان يُتعامل مع هذا النص (السمع/النقل) بطريقة خجولة، تحت مسمى التأويل، فتُقحَمُ مسالُك تلفيقية بغية الإلتزام. تصل إلى قول الرسول ﴿ينزل ربنا﴾ فيُقال فيه أنه يعني ”تنزل رحمة ربنا“، وتصل إلى قوله ﴿لما خلقتُ بيدي﴾ فيُقال فيه أنه يعني ”لما خلقت بقوتي“. وهكذا كان يُتعامل مع النص وفق قانون مُبتدع للتأويل. أما الشريعة فلم تكن بحاجة لقانون أجنبي عنها كي تُفهم، بل كانت تُفهم وفق لغة العرب، وفق السياق، وفق الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لطم القفا (٣)



إن أي فهم معاصر ومحدثٍ للشريعة، لم يكن واقعا قبل أن تدخلنا فلسفة أجنبية نادت به من بعيد، لا بد أن نركز فيه على ثلاث أسس:

١. دراسة هذه الفلسفة جيدًا.
٢. دراسة هذا الفهم المعاصر الذي تأثر بهذه الفلسفة الأجنبية.
٣. دراسة القانون التأويلي الذي يؤدي لهذا الفهم، أو لهذا التفسير للنص.

ولا بد في هذا من الاستفادة من تراثِنا؛ مثل الاستفادة من ابن تيمية في نقده لجِنس استحداث قانون مُبتَدع للتأويل. (١)

بهذه المنهجية تتضح جيدًا معالم تلك الرقعة التي ينادي إليها أي حداثي، تدرك جيدًا أن هنالك فلسفة تؤثر، وهنالك فردٌ شذَّ عن الجماعة فتأثر، وهنالك إرادة لتطبيق هذا القدر من التأثر، والأهم: هنالك قانون سيعمل عليه هذا الفرد في تأويل النص ليطابق تأثره الفاسد بتلك الفلسفة الدخيلة.

وقبل أن نمارِس النقد التصادُمي، لا بد من تشريح هذا القانون التأويلي المُحدَث، ومع نقد صارم لاستحداث قوانين تأويلية عمومًا، يأتي النقض مرتبًا؛ لهذه الفلسفة الأجنبية ولهذا القانون الذي يَتم استعماله ولهذا الفهم الذي هو ثمرة هذا القانون أساسا. غير ذلك فلن تقطع دابرًا ولن تكسر شوكةً.

الفلسفة النسوية فلسفة دخيلة، هي أشبه بالفلسفة الأرسطية في هذا، تأتي هذه الفلسفة بمقالات معينة، هنالك مسلمون تستلهمهم هذه الفلسفة وتأخذ بلبِّ عقولهم إعجابًا، فماذا يحدث؟

ينقسم هؤلاء المتأثرون بها إلى قسمين:

١. قسم يقارب منهج ابن سينا في أن الشارِعَ قال الباطِل، صراحةً، فيقولون مثلًا كما تقول رجاء بن سلامة أن آيات القوامة والتفضيل تبني نظرية عامة لسلطة الرجل على المرأة وتؤدي لعزل المرأة عن الحياة السياسية. ورجاء سلامة كنسوية تعتبر أن هذا الذي انطوى عليه الشرع باطلٌ من جنس الكذب، فلا يوجد تفضيل ولا زيادة سلطة للرجل في الحقيقة في نظرها. وهذا مسلك صريح في تبني الفلسفة الدخيلة والإقرار بأن الإسلام يناقضُها.

٢. القسم الثاني، يسلك قانونًا تأويليًا للنص لكن كيف ذلك؟ تشرب أصحاب المسلك الثاني بالفلسفة النسوية –أيًا كان مستواها لا يهم–، لكن الشريعة حقا تناقض هذه الفلسفة، ولا مجال لسلوك الطريقة الأولى باعتقاد أن الشريعة باطلة في هذا الجانب وأن الحق في الفلسفة الجديدة هذه فهذا كفر! فكيف سيفكر هذا القسم الثاني؟

كالتالي: النسوية تقول بأنه من الباطل جعل جنس الرجال أفضلَ من جنس النساء، والشرع يقول ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض﴾! لن أصادم الشريعة كما فعلت رجاء سلامة، لكنني سأستحدث قانونا تأويليًا أحافظ به على الوازع النسوي، وعلى تلفيق النسوية على الشريعة، فأقول أن الآية تعني: ”بما فضل الله بعض الرجال على بعض النساء، وبما فضل بعض النساء على بعض الرجال“.

حرفيًا ما الذي حصل؟ لقد حافظ الجميع على نسويته، لكن الأول سلك مسلكا يقول ببطلان الشرع وأنه كذب لصالح جمهور الرجال لأجل تثبيت سلطتهم.

والثاني سلك مسلكا يقول بأن التأويل يتفق مع هذا العقل –العقل النسوي كما سابقا العقل الأرسطي– وفق قانون مستحدث، يخالف قانون الفقهاء والمفسرين! حيث يوضع فهم منظومة الفقه والتفسير في الخطاب النسوي موضع ”الحشوية“ في الخطاب الكلامي، وعوض التصريح بأن هذا ”تأويل مستحدث“ يوضع مصطلح آخر وهو ”التجديد“. لكنه وفق قانون تأويلي ”عصري“ يخدم المنظومة النسوية، وظيفته الأساسية؛ تهميش القانون الشرعي الذي يتمثل في ”قواعد التفسير، اللغة، وأصول الفقه..إلخ“ بما انطوى عليه من فهم عربي شرطه العلم بالنحو والصرف والبلاغة والإعراب والشّعر الجاهلي ونحو ذلك.

لا تنتظر مني نقدًا فلسفيًا للقانون التأويلي الحداثي، فليس موضعه مقال يُكتب على عجالة هنا تحت عنوان ”لطم القفا“، والمراجع التي تشرحه وأُلِّفَت لأجله متوفرة أساسا، وسيأتي التفرغ لها بعد اكتمال البناء النظري المتكامل، سواء في الشريعة عقيدة وفقها وغير ذلك، أو في الفلسفة، بشقيها المعرفي والوجودي، أو في الإقتصاد، الأخلاق، السياسة...إلخ.

لكني هنا أقدّم طريقة ”التشريح“، كيف يجب أن تقرأ المعطيات، وفي أي خانة تضع هذا الخطاب وذاك، أقدم تصورا متكاملًا لكارثية الوضع إن أغفلنا ما قلته في النقطة (١) أعلاه في تطوير النقد لظاهرة استحداث قوانين تأويلية على مستويات عدة.
لطم القفا (٤)

بالنسبة للنقد التصادمي فهو سهل، ثمرته الأساسية تكمن في تَنبِيه التقيَّات التي تنخدع بشيء من القول النسوي التأويلي غير مدركة لغايته وأسسه ومصدره وسبب القول به، لكن هذا النقد سيفقد قوته مع الوقت، فالبدعة أول ما يقال فيها: هي بدعة محدثة باطلة لأنها لم تأت في الشرع، لكن مع تقدم أصحابها في التنظير والبناء، سيقال لمن كان يكتفي بأنها باطلة: ”لا تدري، لعل في كلامهم جانب من الحق!” وفي الغد سيقال: ”الآن توصلت إلى الفهم الصحيح للدين”

لماذا؟ لأن هذه البدعة تعمل –ولا بد– وفق قانون تأويلي، ليست ساذجة تتبجح كالمتسكِّعات بأن تفضيل الرجل لا معنى له، ثم تكتفي، لا!

بل عملها فلسفي تنظيري يجنح نحو التأسيس النظري لمنظومة متكاملة (٢) أي نحو إقامة شبهة محكمة، نحو الإتساق، وعلى مجالات! فضلا عن كارثية القانون التأويلي وخطورته، فهي تستميل أيضًا بالروايات! تستميل بأنها صاحبة فلسفة اقتصادية، فلسفة في الأسرة، فلسفة في علم الاجتماع، فلسفة في القانون، فلسفة في البيولوجيا! هي تلعب على وتر التنظير والبحث العلمي، أيضا تستميل عبر الإعلام، عبر ”الفن“ والتمثيل، عبر المسرح، عبر السوشيال ميديا، كما كانت عبر الجرائد سابقًا. وستصير هي من تطبق المقولة ”لا ترد على المسلم الأصيل، كي لا يشتهر“ لأن الغلبة الجماهيرية صارت لها، صارت ترى نفسها أصلًا، وأنت هو الضلامي الدخيل الذي سيشوِّه الإسلام.

وهكذا تُستَغل جملة المغفلات، مثلما كان الأشعرية أصحاب القانون التأويلي يلعنون ويكفرون المتفلسفة، رغم أن الكل يشرب من عين واحدة ويعمل على نشر فلسفة واحدة.

فترَى النسويةَ الإسلامية المغفَّلة قد تلعن النسوية الراديكالية أو الملحدة، رغم أن الكل في النهاية يخدم ”طرحًا، نظريةً، فلسفةً، ديانةً، حقيقة“ واحدة، وأساسا يشربُ الكل من إناء واحد، وهكذا تُخطَفُ الساذجات ومن فتحن على أنفسهن باب كل شيء تحت عبارة مشهورة ترددها الفتاة العبقريّة بكل حماقة ”أُطالعُ للجميع وآخذ الصواب وأترك الخطأ“ وتُسحب نحو تلك الرقعة النسوية ولا يهم أي درجة تديّن نسوي هي عليه، فالغاية أنها تأثرت، لكنها في النهاية تخدم تلك المنظومة الشاملة التي ذكرتها في النقطة (٢) من هذا المقال.

الطرح الجديد لامع وبرّاق، ستبدأ المتأثرة سريعة الانخداع بجمع مغفّلات ساذجات كحالتها الأولى، سريعا ما يتجلى أمامك المثل القائل ”كل دجاجة أصبحت رأسًا لفرقة“. ويصدقن أن لخطابهن أساس شرعي وامتداد أصيل، أيضًا يصدقن بأن لهن أهلية الكلام في العلم، ويحاججن بأن أنصاف المشايخ يهبون لهن شرعية الكلام بهذا ويسمحون به، وهكذا تتشكل أمامك امرأة نصف المثقفة، الثقفة. إنها امرأة معدومة العقل، لا ناقصته. فتصير الآية ﴿بما فضل بعضهم على بعض﴾ التي فيها إجماع بين كل المفسرين أنها تعني "جنس الرجال أفضل من جنس النساء/الرجل أفضل من المرأة" بلا عكس. تعني عبر التأويل النسوي "بعض الرجال أفضل من بعض النساء، وبعض النساء أفضل من بعض الرجال". ويتكرر هذا لدى المُتابعاتِ (متابعات الدجاجة التي صارت رأسًا لهن) ويُحتفى بالخطاب الجديد ويُصفَّق له.
لطمُ القفا (٥)


يقول المخالف: ﴿فضل الله بعضهم على بعض﴾ أي فضل الله بعض الرجال على بعض النساء وفضل بعض النساء على بعض الرجال.

وفق أي ”قواعد تفسير“ يقال أن هذا هو المراد من كلام الله؟ وفق أي لغة؟ أم أن هذا تأويل تعين سلوكه لتحقق تعارض ظواهر النصوص الشرعية مع قواطِع العقل النسوي؟ مع العلم بأن التأويل لغير موجب من ”داخل المنظومة“ –أي من غير آية أخرى تخصص العام، أو تقيّد المطلق، ونحو ذلك– هو محض تحريف، فالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ وتلاوة المعنى، كما أن التحريف قد يكون تحريفًا للفظ، أو تحريفا للمعنى، أو تحريفا للفظ والمعنى.

ولكنّا سنُعمِل القانون الحق في تفسير النص وفق ما يسمى بالتأصيل إعمالًا لدلالة السياق، والنحو، وقواعد التفسير، وسبب النزول، والإلزام للمخالف. حتى نُظهرَ مراد الآية، ومن ثم نرى ما يترتب على أقصى إلزامات التأويل النسوي من إخلال بالشريعة. ونرى أي القولين خيالات متوهمين، وأيهما شريعة محضة متكاملة لا غبار عليها.

يقول الباري ﴿ٱلرجال قو ٰ⁠مون على ٱلنساء بما فضل ٱلله بعضهم علىٰ بعض وبما أنفقوا من أمو ٰ⁠لهم﴾. هذه الآية قد درست تفسيرها في كل التفاسير المطبوعة، ومنها:

تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، تفسير البغوي، تفسير القرطبي، فتح البيان للقنوجي، فتح القدير للشوكاني، تفسير ابن جزي، تفسير ابن الجوزي، تفسير الماوردي، تفسير الآلوسي، تفسير الرازي، نظم الدرر للبقاعي، تفسير الجلالين، جامع البيان للإيجي، تفسير البيضاوي، تفسير النسفي، الوجيز للواحدي، تفسير ابن أبي زمنين، التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، المحرر الوجيز لابن عطية، البحر المحيط لأبي حيان، تفسير السمعاني، تفسير مكي بن أبي طالب، محاسن التأويل للقاسمي، تفسير الثعالِبي، تفسير السمرقندي، تفسير الثعلَبي، البسيط للواحدي، تفسير أبي السعود أفندي، الكشّاف للزمخشري، الدر المنثور للسيوطي، تفسير ابن أبي حاتم، تفسير ابن عادل.

والكل مُجمِعٌ متفقٌ على أن المعنى إنما هو ”جنس الرجال أفضل من جنس النساء/الرجل أفضل من المرأة“ مع إبطال المعنى القائل ”بما فضل بعض الرجال على النساء، وبعض النساء على الرجال“. لكن نريد أن نرى البيان.

يقول تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ (رقم ٣٤) من سورة النساء، والآية كلام مستأنف سيق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالا، فالسابِقُ من الآيات في السورة جاء فيه ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ كما في الآية (رقم ١١).

فكأنه قيل: كيف استحق الرجال ما استحقوا مما لم تشاركهم فيه النساء، فقال: ﴿الرجال قوامون﴾ إلخ. قال ابن عادل ”وجه النظم: أن النساء لما تكلمن في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث؛ بين في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث لأن الرجال قوامون على النساء”

عُلمَ أنه مما لا معنى له أن يقال: الرجال لهم زيادة في الميراث لأنهم قوامون بسبب ”تفضيل بعضهم على بعض النساء وتفضيل بعض النساء على بعض الرجال“، فإن الزيادة في الميراث لكل الرجال لا لبعضهم، ولا تصير النساء بتفضيلها على بعض الرجال أزيد ميراثًا ولا أقوَم. فحشر التأويل النسوي يبطل بلاغة القرآن وينسب له الركاكة ويخرم السياق حيثُ يُعدِمُ التناسُبَ والتسلسل. وقد أدرك صاحب النسوية المعاديَة للنص تناسقُ القرآن، فحيث يُبطِلُ تفضيل الرجال على النساء يتسِقُ مع صنيعه فيُعادي التكاملَ كله، فيُبطل التفضيل ويبطل ما ترتب عنه من قِوامة الرجال على النساء، ثم يبطل ما ترتب على التفضيل والقِوامة؛ فينادي بإبطال زيادة الرجال في الميراث. وهذا لازم لمن يُبطِلُ تفضيل جنس الرجال على جنس النساء بلا عكس. وإن فر منه، لزمنه زيادة بعض النساء –التي يرى أنها أفضل من بعض الرجال– في الميراث على هؤلاء الرجال الأقل فضلًا بمفهوم الآية بزعمهم.

وقوله ﴿قوَّامون﴾ جاء بصيغة المبالغة، لتدلَّ على أصالتهم في هذا الأمر، وهو جمع قوَّام وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب، فما يلي من الآية مداره حول سبب ”قِوامة الرجال“ وعلتها، ويشهد له سياق الآية التي قبلها حيث قال ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ وسبب نزولها كما قال مجاهد: ”قالت أم سلمة: يا رسول الله، إن الرجال يغزون ولا نغزو، ولهم ضعف ما لنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا، وأخذنا من الميراث مثلما أخذوا؟ فنزلت هذه الآية“.

فكان المعنى: لا تتمنى النساء ما فضل الله به الرجال عليهن من الزيادة في الميراث والغزو. فلو قيل أن المعنى ”لا تتمنى النساء ما فضل الله به الرجال عليهن، ولا يتمنى الرجال ما فضل الله به النساء عليهم“. كان هذا المعنى غير مناسب لسبب نزول الآية، فليس في سبب النزول قول الرجال ”النساء أفضل فلو كنا نساء فكان لنا ما لهن“، وإنما فيه السؤال عن أفضلية الرجال على النساء ولو كنا رجالا لكان لنا ما لهم. فجاء الجواب بالنهي عن تمني بلوغ تلك الأفضلية.
لطمُ القفا (٦)

فليس في السياق وسبب النزول تدليل إلا على أفضلية جنس الرجال على جنس النساء. ومن يُشغِّبُ في موضوع الأفضلية من غير تطرق للتشغيب في موضوع الزيادة في الميراث فهو متناقض يعبث.

يقول ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل بعضهم على بعض﴾. قوله ﴿بما﴾ يتجاوزه القانون التأويلي التوفيقي الذي تستعمله النسوية المتأسلمة ولا يجد له حلًا، كما كان قوله تعالى ﴿وكلم اللهُ موسى تكليمًا﴾ مقلقا لجهم بن صفوان لأنه قول يعارض صراحة مذهبه في خلق القرآن، فقال أن المعنى: ”بما كلم اللهَ موسى تكليمًا“ فنصب المرفوع ليجعل موسى فاعلًا للكلام، لا الله. ولم ينتبه لقوله ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسٰلٰتي وبكلامي﴾!

فالباءُ في قوله ﴿بما﴾ سببية متعلقة بـ"قوامون"، و﴿ما﴾ مصدرية، والضمير البارز لكلا الفريقين تغليبا، أي: قوامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن أو ملتبسين بتفضيله تعالى عليهن.

وضمير الجمع لكلا الفريقين ﴿بعضهم على بعض﴾ تغليبا، أي: قوامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن، أو مستحقين ذلك بسبب التفضيل، أو متلبسين بالتفضيل، وعدل عن الضمير، فلم يقل سبحانه: بما فضلهم الله عليهن، للإشعار بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه بالكلية، فالمراد بالبعض في قوله تعالى: فضل الله بعضهم هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف الثاني في قوله: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ فإن الضميرين للرجال.

فالسياق يقول: للرجال زيادة في الميراث، لأنهم القوامون على النساء، وهم قوامون على النساء لسببين، تدل على ذلك الباء السببية في قوله: ﴿بما فضل﴾ والباء السببية التي تليها ﴿بما أنفقوا﴾، أي: الرجال قوامون على النساء، بسبب تفضيل الرجال على النساء. فناسب (البعض) الأول الرجالَ، وناسب (البعض) الثاني النساء. ولم يقل ”الرجال قوامون على النساء بما فضل الله الرجال على النساء“ فإن ذلك حشو وليس من البلاغة في شيء.

وليس القرآن يدل على جعل النساء والرجال جنسًا واحدًا فيما يتعلق بالأمور التفضيلية والمعاشية والعرفية ونحو ذلك. بل يدل على التفريق بين الجنسين في هذا، فيقول ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهذا عام لكل المؤمنين رجالا ونساء، ثم يقول: ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ ثم قال ﴿ولا نساء من نساء﴾ ففرَّق بين الجنسين، فلا يقال للنساء ﴿قوم﴾ لأن القوم هم الرجال، وفرَّق بين القوم وبين النساء فقال ﴿لا يسخر قوم من قوم﴾ ثم قال ﴿ولا نساء من نساء﴾ فدل على أن النساء تقارن بالنساء في هذا، فأُلزِمَت جنسها، فالبعض الأول في آية القوامة هم ”بعض الناس“؛ أي الرجال وهم جنس. والبعض الثاني هم ”باقي الناس عند حذف البعض الأول“ وهم النساء، وهم جنس آخر. وليس من مسلك القرآن مخاطبة الجنسين في مثل هذا على أنهم جنس واحد فيكون بعض الرجال أفضل من بعض النساء والبعض الآخر من النساء أفضل من البعض الآخر من الرجال.

حتى أن مريم لما خاطبتها الملائكة قالت: ﴿واصطفاك على نساء العالمين﴾ فقارنها بالنساء ولم يذكر الرجال، لأنهم جنس مختلف، فمن الخطأ أن يُقارن بغيره. فلا يقال: بعض الرجال أفضل من بعض جنسنا، وبعض جنسنا أفضل من بعض الرجال مقارنةً! فليس هذا منهج الكتاب. والتفضيل أساسا تفضيل جنس على جنس.

وأسباب القوامة في الآية سببان.

١. سبب وهبي وهبه الله لجنس الرجال. وهو جعلهم أفضل من النساء بالعقل، والحزم، والرأي، والقوة، ونوع العواطف المؤهلة للقوامة، والغزو، وكمال الصوم، والصلاة، والنبوة، والخلافة، والإمامة، والأذان، والخطبة، والجماعة، والجمعة، والشهادة في الحدود، والقصاص، وتضعيف الميراث، والتعصيب فيه، وملك النكاح، والطلاق. وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى، والعمائم.

٢. سبب كسبي، وهو التكليف، أي هو ما يكتسبه الرجل ويُكلَّفُ بتحصيله؛ كالنفقة والكسوة والمهر ونحو ذلك. وفيه دليل على وجوب النفقة. وفيه اتساق في جعل الميراث أزيد.

فالرأي بأن الآية تقول أن بعض النساء أفضل من بعض الرجال، يلزمُه أن يكون هذا البعض النسائيُّ هو المُنفِقُ، ويلزم من القول أن الآية تعني أن "بعض النساء أفضل من بعض الرجال" أن تكون هذه النساء أكمل دينًا وعقلًا من هذا البعض المفضول من الرجال، فتصلي الشهر كاملًا، وتصوم الشهر كاملًا، وتصيرَ شهادتها بشهادة الرجل. في حين أن البعض المفضول من النساء، والذي كان بعض الرجال أفضل منه، تمكث أياما لا تصلي ولا تصوم لأنها ليست بأفضل دينًا وعقلا من هذا البعض من الرجال. خلافًا للتي هي أفضل!.
لطم القفا (٧)

القوم يحسبون أن الكلام في القرآن أمر سهل في متناول الجميع، المهرطقِ والغبي والساذج والمشحون بالأدبيات النسوية والشبهات والتوهم والشكوك.

إن صرف المعنى المتبادر باستنطاق السياق، عبر التأويل، ليس سوى ممارسة خجولة ”للتحريف“، فالقرآن لا يطلق على اللفظ فحسب، وإنما يطلق على اللفظ والمعنى، كما أن التلاوة هي تلاوة اللفظ والمعنى، فدعوى صرف اللفظ عن المعنى الذي يدل عليه السياق بغير موجب يقتضيه من ”داخل المنظومة“، أي من استعمال آية أخرى تُخصص أو تقيِّد مثلًا، بل يُعتمد التأويل لأجل تثبيت القواطع العقلية النسوية –إن صح التعبير– هي دعوى تحريفية ستعود على القرآن بالإبطال. لا تتسامحوا معها، وحذروا منها العوام.

أما مسألة ”أهلية الكلام في القرآن بلا علم“ سواء أصاب المتكلم أم لم يصب، مبحوثة في كتب ”قواعد التفسير“، ولتُراجع كتب مساعد الطيار كمدخل. لكن من أراد أن يتحدى ليتأكد أنه فاقد للأهلية حقا، أعرضُ عليه قراءة البرهان للزركشي، يقول في مطلع المجلد الأول:

التفسير علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج معرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ

خذ مثلًا في النحو إطلالة على شرح ابن يعيش على المفصل، يقع في عشر مجلدات، وفي أصول الفقه شرح الكوكب المنير، أو الواضح لابن عقيل، البحر المحيط للزركشي، تبصرة الحكام لابن فرحون، الفصول في الأصول للجصاص.

هكذا لتتصور قليلا معنى الأهلية لدى أهل العلم سواء كانوا فقهاء أو مفسرين، لتعرف ما الذي أهَّلهم للتكلم في التفسير، ولتدرك مدى سخافة القول بأن هذا ”فهمُ عقل بشري للقرآن“ ظانًا أنك ما دمت بشرًا لديه عقل كيفما اتفق فجائز لك تتجول بين أقدامهم.