باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
”كانت هناك دعاية سخيفة متداولة، منذ أكثر من نصف قرن، تقول: يا كابي هل أنت حر؟ فيرد المخاطب بقوله: نعم يا سيدي. فيقول السائل: فلماذا لا تهتف إذن فلتحيَ الحرية؟!“

(الفرد والمجتمع، بيخوفسكي، ترجمة هنري رياض، دار الطليعة–بيروت، الطبعة الأولى ١٩٦٦، ص٦٢)
أحمد السيد: ”بعد جيل الصحابيات والتابعيات، ستجد التناقص الرهيب في أثر المرأة ومكانة المرأة بعكس ما كان يتصور“.

أين نجد أصول هذا الكلام؟

”أُبعدت النساء عن الإسهام في صناعة التاريخ، أي من ترتيب وتأويل ماضي البشرية، فالنساء هن الغالبية، ورغم ذلك فقد صنفن في المؤسسات الاجتماعية كما لو كن قلة.

فالنساء صنعن التاريخ، إلا أنهن أُبعِدنَ عن معرفة تاريخهن وعن تأويل التاريخ فقد تم إقصاء النساء على نحو ممنهج“

–نشأة النظام الأبوي، للنسوية غيردا لينر، ص٣٠.

التناقص الرهيب لدور النساء في صناعة التاريخ الإسلامي كما يقول أحمد السيد، ليس له سوى فاعل واحد: الفقهاء، والعلماء الذكور. وقد تختلف صياغة الكلام من شخص لآخر لكن مضمون النظرية النسوية تلمس حضوره دائمًا، ويختلف أسلوب النسوية الإسلامية عن أسلوب النسوية الأصيلة في مثل مسألة ”جيل الصحابة“، حيث أن النسوية الأصيلة تراه جيلا ذكوريًا لم يمكن للمرأة، لكن النسوية الإسلامية لا بد أن تخلط بعض الحق بالباطل النسوي فتجعل جيل الصحابة هم الأساس في الانطلاقة النسوية، نحو إعادة مكانة المرأة الفقيهة والعالمة، إلى أن تصل إلى المرأة الفيزيائية والبيولوجية وعالمة البحار والفلك وحتى الفيلسوفة، لأن هذا من متطلبات العصر، فلدى النسوية الإسلامية فكرة لا تتنازل عنها وهي أن المجتمعات أبعدت النساء عن الإسهام في صناعة التاريخ؛ إلا مجتمع الصحابة.

تماما، مثل تلك المفارقة الساخرة التي تحدث، حينما تسمع النسوية الإسلامية نظيرتها الغربية تقول: كل الرجال أشرار، فتردد من خلفها: كل الرجال أشرار إلا الأنبياء والصحابة.
مرة كنت أسمع للمسيري يحكي عن الحداثة عموما، والكلام كان عبارة عن [نسخ/لصق] لكلام زيجمونت باومان، بعدها قليلا بدأ بتحليل المفروض من النظرة "المادية" للناس، فما دام كبار السن لا ينتجون شيئا ويمارسون الاستهلاك فقط فالنظرة المادية تقول: يجب رميُهم، ويختلف هذا من مجتمع لآخر، ولذا صنعوا لنا ما يسمى بـ "دور العجزة". القتل البارد لكبار السن وفق النظرة المادية للناس.

منطقي؟ نعم، منطقي عندما يجعل ذاته هي "المرجع" في كلام الماديين، ثم يرد عليهم.

في الاتحاد السوفييتي، كان يدرَّس كتاب "علم الأخلاق الماركسي" لأصحاب الدراسات الجامعية والمتوسطة العليا، قام بتأليفه مجموعة من الأساتذة السوفييت، وهم ماديون طبعا، وفي ثناياه، عند الحديث عن الأسرة، وأنه يجب عليها أن تكون أول أساس للأخلاق، ولتربية الأطفال على مثل نبذ إدمان الخمر، وعلاقات "الحب الحر" كالإباحية، وممارسة الجنس العشوائي، كان من أنجع الحلول التي نادوا بها هي تخفيظ سن التقاعد كي يتسنى لكبار السن أن يشاركوا في العمل التربوي لأولاد أولادهم، وألا تتمكن منهم التربية البرجوازية، أو مذهب "اللذة الاستهلاكي".

جاء في الكتاب:

"يتكون المظهر الاخلاقي للانسان السوفييتي ليس فقط من سلوكه في الانتاج وعلاقته بالعمل، بل أيضا من تلك العلاقات التي توجد عنده في الأسرة من كيفية تربيته لأطفاله.

فالزيادة المشروعة خلال الاشتراكية في طول عمر الناس، وانخفاظ مستوى سن التقاعد يفتحان آفاقا جديدة لاستخدام قوة وتجربة الجيل الأكبر في العمل التربوي مع الشباب [...]

في السكن المشترك أو المنفصل على حد سواء، يستطيع الجيل الأكبر سنا أن يقدم وحتى في الأسر السائرة في طريق النمو بصورة متسقة للغاية فهو يقدم مساعدة كبيرة ليس فقط في العناية بالأطفال، بل وفي تربيتهم أيضا

(علم الأخلاق الماركسي، تأليف: مجموعة من الأساتذة السوفييت، ترجمة ابراهيم قندور، دار الشيخ للدراسات والترجمة والنشر، إصدار وزارة التعليم الاختصاصي العالي والمتوسط في الاتحاد السوفييتي، موسكو، الطبعة الثانية، ص٤٣٦)
باسم بشينية
مرة كنت أسمع للمسيري يحكي عن الحداثة عموما، والكلام كان عبارة عن [نسخ/لصق] لكلام زيجمونت باومان، بعدها قليلا بدأ بتحليل المفروض من النظرة "المادية" للناس، فما دام كبار السن لا ينتجون شيئا ويمارسون الاستهلاك فقط فالنظرة المادية تقول: يجب رميُهم، ويختلف هذا…
أبو جبر في مقارنة بين المسيري وباومان: ”يقدم هذا الكتاب دراسة مقارنة بين عبد الوهاب المسيري في نقده العقل العلماني وأسسه المعرفية في التراث الغربي، وزيغمونت باومان، وهو ليس بحثًا عن أدلّة مادية موضوعية تثبت "السرقة الفكرية" والتأثر الصريح الذي لا ينكره المسيري، بل كيفية صوغ النماذج التفسيرية الرئيسة وتوظيفها في نقد هذا العقل والحداثة“.

جاء في كتاب (عبد الوهاب المسيري في عيون أصدقائه ونقاده) : ”وليس بمستغرب أن يتفق عالم الاجتماع البريطاني زيجمونت باومان... إلى تأثير المنهج البحثي عند باومان في تناول المسيري للحداثة“ (ص295).
هذا المنشور للأخ نور الدين قوطيط، ينقل فيه كلام ابن تيمية من غير جمع ولا تحرير ولا فهم له حسب مراد الشيخ، ثم يقول أن الكلام يثبِتُ ”معارف فطرية أولية“، لماذا؟ لأن إثباتها ينقُض مذهب المادية. فهو يقصد أن ابن تيمية يثبت في هذا النص ”المعارف القبلية“. طيب!

تدقيقًا كيف يمكن فهم ابن تيمية في المعارف التي لا تقف على نظر استدلالي؟

أولا؛ يجب أن تفرق بين القبليات المعرفية، وبين البديهيات المعرفية، لا أن تطلق على الجميع لفظا واحدًا، فبالنسبة للبديهيات التي يقصدها ابن تيمية في ذلك النص فتعريفها من كتبه كالتالي:

”البديهيات: وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداء بلا واسطة، مثل الحساب وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين“ [مجموع الفتاوى، ج٩، ص٧١]

هذه العلوم ”الأولية“ هل هي قبليات معرفية موجودة في الفطرة قبل الحس؟

يجيب ابن تيمية: ”حتى علم الإنسان بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الضدين لا يجتمعان: هو في ذلك كله قد أدرك بحسه ذلك في بعض الأجسام والأجساد والألوان المتضادة وعقِل ما لم يحسه مثل ما أحسّه في ذلك، وأن الحكم لا يفترق: واحد وواحد، جسم وجسم، لون ولون، ضد وضد، يحكم بذلك حكما عاما كليًا“ [بيان تلبيس الجهمية، ج٤، ص٦٢١]

فهذه العلوم البديهية عند ابن تيمية مثل ”الواحد نصف الإثنين، وعدم اجتماع النقيضين، وإثبات السببية“ مبنية على إحساس المشاهدات، فلو لم يكن في الخارج واحد واثنين امتنع حكم الذهن بأن الواحد نصف الإثنين، لكن ما الذي فرقها عن العلوم التي تحتاج نظرا واستدلالا؟
معنى ذلك أن هذه القضايا إذا تصور الذهن طرفيها جزم بها من غير حاجة لإقامة دليل عليها، لكن مع هذا –وفق كلامه الواضح– فهي لا تكون بغير الحس، وبغير إدراك الوجود الخارجي بالحواس.

ولذلك يقول: ”العلوم الكلية الذهنية المسبوقة بالعلوم المعينة الوجودية، فلو لم يكن لي الأجسام ما هو واحد امتنع حكم الذهن بأن الواحد نصف الاثنين“ [بيان التلبيس، ج٤، ص١٢٦]

فلا حظ في نصوص ابن تيمية للإتكاء على قصة المعارف الفطرية القبلية الأولية التي تكون بغير الحواس وتدخل الحس.
"فإن العلوم الكلية المطابقة للأمور الخارجية ليست مغروزة في الفطرة ابتداء بدون العلم بأمور معينة منها."

(شرح الأصفهانية: ابن تيمية، تحقيق سعيد بن نصر بن محمد، طبعة الرشد، الرياض، ط١: ١٤٢٢ه‍، ص ٩٨)
وأخيرًا فتح فهد فاتك قناة تلغرام، اشتركوا ليعم النفع:

https://t.me/fahadfatik
”عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان قوم من أهل الكوفة يسعون بسعد إلى عمر، فقال عمر: لا أبدلنكم حتى ترضون، ولو هلك حمل من ولد الضأن على شاطئ الفرات ضايعًا لخشيت أن يسألني الله عنه“.

(كتاب السنة، أبو بكر أحمد بن محمد بن يزيد الخَلَّال ٣١١ه‍، دراسة وتحقيق: عطية الزهراني، دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤١٠ه‍–١٩٨٩م، ج١، ص٣١٦.)
👍1
”الذين لا يتفقهون على مذهب معين تجد عندهم من الشطحات والأقوال الضعيفة ما ليس عند الذين يتفقهون على مذهب معين، وتجد الذين يتفقهون على المذاهب عندهم من الرسوخ في العلم والتحقيق ووضع الأمور في نصابها ما ليس عند الآخرين.“

–ابن عثيمين.
من السنة للخلال.

أنظر إيراد المحقق كلام ابن تيمية كيف جعل الفطرة بمعنى السلامة من الموانع الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة، لا أنها العلم بالإسلام أو بأن الواحد نصف الاثنين أو أنها علوم أولية مغروزة لي الفطرة.
باسم بشينية
Photo
بارك الله في جمعية فضاء الشباب المثقف لولايتنا –ولاية الطارف– على إعطائي الكلمة في مداخلة بعنوان ”ضبط مفهوم الدين، ومفهوم علوم الدين– الدين والعلاقات الإجتماعية“، وأخص بالذكر أستاذي الذي درست عليه مادة الفلسفة في الثانوية، الأستاذ تومي الصادق بارك الله فيه.

تناولت في المداخلة موضوع تعريف الدين في المدارس اللاهوتية الغربية، ومنشأ تقسيم العلوم إلى علوم إنسانية وعلوم لاهوتية، وكيف أثر هذا على نظرتنا للواقع وعلاقة الدين به، من حيث التأثر بجعل العلوم الإنسانية هي مما يختص بدراسات المجتمع والواقع، أما العلوم الدينية فوظيفتها دراسة علاقة الإنسان بربه خصوصا في موضوع العبادة، وكأن الدين أو التراث الديني ليس له القدرة على التأسيس في مسمياتٍ كعلم الاجتماع، والاقتصاد، وحتى السياسة، ونرى مثلا ابن تيمية قد ألّف في السياسة الشرعية، وفي إصلاح الراعي الذي هو الأمير، وفي إصلاح المجتمع الذي هو الرعية. ودرج أئمة المذاهب على هذا المسلك من قبله ومن بعده.
فمشكلة أخذ مفهوم الدين على أنه الشأن المتعلق بعلاقة العبد بعبادة ربه وفقط، لا أنه يتطرق لعلاقته بالمجتمع والواقع، كانت من أوسع الأبواب التي سمحت بإدخال مفاهيم أجنبية عن المجتمع المسلم، مناقضة للدين الحق، فضلا عن مقاومة ونقد هذه المفاهيم من منظور غربي أيضًا، لنأخذ تلك الوضعية الداعية للسخرية: الإسلام لا يمكن أن يقيم صرحا تأسيسيا في ما يطلق عليه بالعلوم الإنسانية، ولا منهجية نقديةً.
التشوه الذي جرى لدى كثير من مثقفينا، ومنهم مفكرونا الإسلاميون، كان يعبر عن خضوع صريح لمثل هذه التوجهات التي تجعل من الدين أمرًا يشتغل فقط بما ”لا يمكن إحساسه“ فمثلا تجد محمد قطب، هشام فرغل، البهي، عبد الكريم الخطيب وغيرهم، إذا عرفوا الدين تعريفا عامًا جعلوه مما يتصف بـ ”الشأن الذي يقوم على التسليم بوجود غيبي غير خاضع للإدراك الحسي المباشر أو غير المباشر“ وليس هذا سوى توافق مع التقسيم الغربي للعلوم، علوم تدرُس المحسوس ومنه المجتمع والفرد والنفس والسياسة، وعلوم تدرس اللا محسوس ومنها اللاهوت، والغيب وأصول الدين. وكان هذا التشوه في مفهوم الدين لدى مفكرينا، ومثقفينا، هو السبب الأول الذي جعل الساحة الإسلامية أمام مفاهيم ونظريات غربية خالية عن أي تنظير تأسيسي صلب في نظرية المعرفة، في علم السياسة، وفي علم الاجتماع، في علم الاقتصاد وما إلى ذلك يكون منطلقًا من صلب الدين بالمفهوم الدقيق؛ مما فهم أسلافنا من مصادر الدين؛ الكتاب والسنة.
👍1
”وإلا فمن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم. والعاقل يفعل في أول يوم ما يفعله الأحمق بعد ثلاثة أيام“.

–جامع المسائل لابن تيمية، ج١، ص٢٣٢.
👍1
”ولو تدبر إنسان القرآن كان فيه ما يرد على كل مبتدع بدعته“ –الإمام أحمد.

(كتاب السنة، أبو بكر أحمد بن محمد بن يزيد الخَلَّال ٣١١ه‍، دراسة وتحقيق: عطية الزهراني، دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٤١٠ه‍–١٩٨٩م، ج١، ص٥٤٦)
أفارقكم إلى حين، ولن يطول الغياب إن شاء الله.
نسألكم حسن الدعاء بخيري الدنيا والآخرة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
”الإنسان قد يكون مكذبًا ومنكرا لأمور لا يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بها ولو علم ذلك لم يكذّب ولم ينكر بل قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بحق ثم يسمع الآية أو الحديث أو يتدبر ذلك أو يفسر له معناه أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه فيصدق بما كان مكذبا به ويعرف ما كان منكرا وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافرا بل جاهلا“.

(الإيمان بين السلف والمتكلمين، تأليف أحمد الغامدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى ١٤٢٣هجري، ص٤٧)
”مذهب المعتزلة هو القول بزيادة الإيمان ونقصه من ناحية التكاليف فالزيادة والنقصان عندهم شيء نسبي بين المكلفين فذاك الشخص إبمانه أكثر من إيمان هذا لأن ذاك كلف بشيء زائد لم يكلف به الآخر والآخر غير مؤاخذ على تركه لأنه لم يكلف به لعدم قدرته عليه... ومن هذا يتبين لنا أن الإنسان الواحد عندهم لا يُتصور في إيمانه زيادة ولا نقصان إلا بالنسبة لغيره، فالزيادة في كم الإيمان لا في كيفه، لهذا فإنه يظهر من مذهبهم أنهم يوافقون المرجئة في القول بأن الإيمان القلبي لا يزيد ولا ينقص لأن التكليف فيه واحد على المكلفين جميعا“.

(الإيمان بين السلف والمتكلمين، تأليف أحمد الغامدي، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى ١٤٢٣هجري، ص١٣٠)
باسم بشينية
Photo
كتاب ”الإيمان بين السلف والمتكلمين“ لأحمد بن عطية الغامدي.

في المحصلة هو كتاب عرض قول السلف، ثم قول الجهمية، ثم قول أبي حنيفة، ثم الكرامية، ثم المعتزلة وهكذا، إلى نهاية الكتاب، غالب ما فيه محض اتكاء على النقول.

فيه فوائد، نعم، لكن عليه جملة من المآخذ، منها أن الكاتب حين يدعي أنه يحقق مذهب السلف في أول فصل من كتابه، لا يجدر به أن ينقل عنهم من كتب وسيطة، فضلا عن أن تكون تلك الكتب لمن ليس سلفيا في العقائد، مثل النووي، فالنقل عنه لغاية سرد روايات السلف في الإيمان كان بإفاضة، مع توفر المصادر الأولى عن السلف.

وأما كتاب الإيمان لابن تيمية، فلا يكاد يخلو فصل من النقل عنه، وكأن الكاتب يكتب مذكرة على كتاب الإيمان، وحتى روايات السلف حين كان الواجب أن يؤتى بها من مصادرها الأولى، يجعل الكاتب كتاب ابن تيمية وسيطا في أكثرها، وترى حضور كتاب الإيمان، أكثر من حضور كتب السلف أنفسهم، هذا وعنوان كتابه ”الإيمان بين السلف والمتكلمين“!.

وفي حين يجعل الكاتبُ منهجَ وعقيدةَ السلف هي المرجع والأساس، يخالف طريقتهم في مثل موضوع التمثيل بنقص الإيمان، فيقول:

”وعليه فإن إيمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أكمل من إيمان معاوية”. (١)

وليس هذا مسلك السلف، فإن السلف كانوا يمثلون بنقص الإيمان على سبيل التعيين برجل السوء، لا بخال المؤمنين، مثالُ ذلك ما تجده في السنة للخلال:

”قال أبو عبد الله: كان الحجاج بن يوسف رجل سوء“ (٢)

وفي حين كان الحجاج رجل سوء، فإنهم إذا ضربوا مثالا للمرجئ على تفاضل الناس في الإيمان زيادة ونقصانا قالوا كما في رواية عن وكيع:

”وقد كان وكيع يقول: ترى إيمان الحجاج مثل إيمان أبي بكر وعمر رحمهما الله؟!“ (٣) فهذا مسلك القوم ومنهجهم واتساقهم.

أيضا فإن المؤلف لا يظهر عليه التدقيق في قراءة السلف حيث تجده يذم من وسمهم السلف بأهل الكلام والبدع بأصحاب العقول، والعقلانيين، وما شابه، وهذا مسلك لم يدل كلام السلف إلا على خلافه في غير موضع.

فتراه يقول عن أهل الكلام:

”أما المتكلمون فهم أولئك القوم الذين فضلوا أن يسلكوا طرقا عقلية لإيضاح العقائد، وقد يصل بهم في أغلب الأحيان إلى الإعراض عن مسلك القرآن وتفضيل تلك المسالك العقلية على الأدلة النقلية، فمن تكلم في العقائد أو في بعضها بطريق العقل المجرد فهو متكلم“ (٤)

وعن المعتزلة يقول:

”المعتزلة جماعة عقليون يمجدون العقل ويجعلونه مهيمنا حتى على الوحي“ (٥)

ومن ظن أن هذا الكلام له أصل في كتب السلف، صدّق من يصفهُم بالحشوية، فإلى أي حد يتفق السلف على مثل هذا المسلك؟

جاء في كتاب السنة للكرماني: "قلت لإسحاق: الرجل يقول للمشرك: إنه رجل عاقل. فقال: لا ينبغي أن يقال لهم، لأنهم ليست لديهم عقول" (٦)

فهذا المشر.ك، والكا.فر، يوصف بعدم العقل عند السلف، وفي هذا كان ابن تيمية يعمم قول إسحق بن راهويه السالِف حتى على صاحب البدعة، ويقعّد أن كل مبتدع فعلى قدر ابتداعه يكون نقصُ عقلِه، يقول أصحاب السعير ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ فالعقل المنجي من السعير منتف عنهم مثل انتفاء السمع/النقل.

ولذا لما رد الدارمي على الثلجي في مسألة قيام الكلام بالمتكلم، في القياس الذي ابتدعه المتكلم الثلجي، قال الدارمي:

”فمن قاس هذا بذاك فقد ترك القياس الذي يعرفه أهل القياس، والمعقول الذي يعرفه أهل العقل“ (٧)

فنفى الدارمي أن يكون المتكلم الثلجي من أهل العقل، ونسب طريقته وقياسه هو لطريقة وقياس أهل العقل، فالسلف أعقل من أن يصفوا المبتدعة بأنهم ”عقليون“ كما في مقالات من كثير من المؤلفين في عقائد السلف من المتأخرين.

ومن أوسع كتب ابن تيمية كتاب ”درء تعارض العقل والنقل“ فالكتاب يقع في ١١ مجلدا لنفي تعارض العقل مع النقل، وفيه تقرير أن الشرع والوحي مركب من النقل والعقل، فلا يجوز أن يطلق مسمى الوحي والشرع على ما يقصد به النقل والسمع حصرا. وإنما ما يقابلُ النقل الشرعي: النقل البدعي، وما يقابل العقل الشرعي إنما هو العقل البدعي.

وعليه فيوصف أهل الكلام فيما ادعوا استنادهم فيه إلى العقل بأصحاب العقل البدعي، لا بأصحاب العقل، أو أن يقال فيهم أنهم ”عقليون“.

وما جاء به المتكلمون من عقليات، قال فيه ابن تيمية: ”الشُبه التي يقال لها براهين عقلية أو دلائل سمعية، فقد تكلّمنا عنها بالاستقصاء حتى تبيّن أنها من القول الهراء“ (٨)


فلم ينسبهم للعقل، ولا لطائفة العقلانيين، وما شابه، رغم تمسّحهم بمسمى العقل، وإنما بيّن أنهم عمدوا إلى شيء من الهراء ووسموه بالمعقول.

ومثل ذي اللفظة من المؤلف كثيرة الوقوع لدى المتأخرين الذين تكلموا بغير علم في المقالات والفرق والمصطلحات وعلم الكلام. وكل ذلك يخل بالبحوث.
1