باسم بشينية
7.76K subscribers
1.12K photos
49 videos
34 files
293 links
رابط مدونتي https://bassembech.com/
Download Telegram
باسم بشينية
Photo
من المفارقات التي يجدر بكل متشرع أن يتنبَّه لها؛ أن الخطاب الوعظي الذي يستهدف مكافحة المعاصي والفجور والفسق وفشوّ الآثام، لدى سلفنا، لا أقول أنه إن طبق كما هو اليوم كما هو سيكون ناقصًا!. وإنما يجب أن يبنى عليه كي يتماشى بنفس العمق مع السياق الذي تَنتُج وتنساق خلاله الآثام والمعاصي اليوم. يُبنى عليه، يؤخذ كأصل ويُفرّع عليه، لا أن يُستبدل أو يُتخذ كمادة قابلة للنقد كما يتبجح أصحاب ما بعد السلفية!.
المعاصي والانفتاح على الملذات المحرمة، التي كتب لأجلها سلفنا كتبهم الوعظية، ككتب الزهد، والورع، وغير ذلك، ليست من ذات النوع الذي يصدر في يومنا هذا لدى المجتمعات والأفراد. بل معاصي اليوم تنتجها نوعيًا فلسفات، وتطبيقاتها الواقعية –في الحقيقة– تختلف من حيث المبدأ والغاية عن التي كان يقترفها المسلم العامي في عهد الإمام أحمد مثلًا. قد يشترك مسلم من ذات النموذج الذي كان على عهد أحمد مع مسلم غارق في الثقافة المعاصرة في نفس المعصية، لكن لا يكون نفس الخطاب صالحا لكليهما. سيكتفي النموذج التراثي من مرتكبي المعاصي بمثل روايات السلف في الوعظ، وبمثل الجواب الكافي لابن القيم. لكن المسلم المحاط بالثقافة الحداثية والمتشبع بها لن تكون تلك الروايات نافعةً له لأن ما يقتضي قبولها مشوَّه بما يناقض فطرة ذلك الثراوي الذي يمتلك ذات فطرة العامي الذي كان على عهد أحمد والثوري ووكيع. فإن الذكرى لا تكون على شكل واحد.
المعصية التي كانت تنتج من طرف مركب الشهوة زمنَ الأسلاف، وإن كانت في بعض الأحيان هي عين المعصية التي تصدر الآن، تكاد تندثر في زماننا، فالمعاصي اليوم صارت تأخذ صورة المقالات، فهي أشبه ما يكون بالمقالات العقدية.
في حين كان العامل الأول والوحيد لارتكاب المعاصي –ما قبلَ الحداثة– هو الشهوة وما يتعلق بها من وسوسة، صارت المؤسسة التي تنتج المعاصي وتضع لها إطار يتجاوز مجرد الاشتهاء كتجاوز لما قد يسمى "المعصية الساذجة"، هي المؤسسة العالمانية بشكل عام، أما على التفصيل فيمكن استحضار كثير من الفلسفات التي تتدخل تارة بصورة رئيسية، وتارة بصورة ثانوية، وهي تصب في خدمة العالمانية أساسًا، الفردانية مثلًا، اللاسلطوية، الدولة الحديثة، الحداثة وما بعد الحداثة...إلخ.
كل داع للمعصية في عصرنا، خاضع بعلاقة أصل/فرع لذي الفلسفات أو إحداها، بل الشهوة التي كانت هي الأساس في المعصية والركيزة الأولى، أضحت في يومنا مجرد معين في الدفع نحو اقتراف المعصية. الشهوة في عصرنا كثيرا ما تبيت محتارة في أي المعاصي ستختار، بل سوق استهلاك المعاصي هو ما صار يصنع الاشتهاء، في حين كان العكس، بل اليوم عدد ما تشتهي من المعاصي لم تتدخل فيه شهوتك ابتداء بقدر ما تدخل فيه المعروض منها في السوق، وأيها أليَق بالمشتهي.

يتبع:
باسم بشينية
Photo
لكل نفسية ولكل مزاج، ولكل مستوى من التعمق في تتبع الشهوة؛ هنالك سلعة استهلاكية تنتظر في السوق، قد تتسمى بأي ما يهبها مسحَة عصرنة، لكنها معصية في النهاية. عمل على تقنينها وتأسيس الاتساق الفلسفي لها؛ العقل الحداثي وما ينطوي عليه من رأسمالية، وفردانية، وليبرالية؛ حرية الإرادة والإمداد بالقدرة وتوفير المقدور. مع بث روح الجشع الاستهلاكية وحب امتلاك كل الملذات. وقد تنبه أساتذة السوفييت في مؤلفاتهم حول الأخلاق وعلاقتها بالمجتمع والاقتصاد إلى مثل ذي العلاقة بين الأخلاق، وبين التوجه الإستهلاكي المبِيح لأي ما يصلح للاستهلاك، قائلين:

”‏الوجه الاخر للتوجه الاستهلاكي هو العدمية الاخلاقية في السلوك وتنعكس هذه العدمية اللاأخلاقية المعاشية في الفوضى الأسرية والاباحية الجنسية، والادمان على الخمر والطفيلية وما شابه“ –علم الأخلاق الماركسي، تأليف: مجموعة من الأساتذة السوفييت، ص٣٦٧.

إن اعتماد ذات الخطاب الوعظي السلفي –بصورة منفصلة عن نقد ما يُنتِج ويُفلسف ويُعقلن المعاصي عبر البناء على ذلك الخطاب السلفي الأصيل وجعله مرجعًا في النقد الفلسفي–، هو عبارة عن شكل من أشكال الانفصال عن الواقع، اعتمادٌ لا يهتم لذلك السياق كانت المعصية وليدَته في واقعنا. تنشأ الفلسفات، مؤسسات الدولة، مؤسسات التعليم والتربية، مؤسسات الفن والمسرح؛ كلها في تعديد أنواع وألوان ودرجات متفاوتة على حساب عقول المتابعين؛ كلها تعمل على جعل تلك العقلنة للمعاصي شيئا متجذرًا في لدى الأمم، ليترجم إلى سلوكيات وأفعال.
وتحت عبارات مثل: ”دع عنك دراسة الفلسفة، ما لي ولخزعبلات الفلاسفة وتشوهات الحداثة، أنا ملزم بالتذكير لا بالتعمق في نقد الفلسفة التي تناقض ما أتبناه“، يقع اختزال الواقع بصورة دوغمائية. ففي حين تكتسح الشبهة في كل موطن لأجل تشويه الفطرة عن مقتضاها، لا يليق التوجه نحو الوعظ ضد المعاصي مع جعل النقد ضد فلسفة المعاصي شيئا منفصلا، أو تهوين ضعفِه! بل على العكس.

في هذا السياق تأتي أهمية النظرية المعرفية، التي تبني ما يوازي بصورة مناقضة؛ تلك النظرية المعرفية التي انبنَت عليها مؤسسات إنتاج المعاصي في عصر الحداثة. لا مجرد ترجمات هنا وهناك، واقتطاع أقوال عن نسقها الفلسفي الذي جاءت لأجله، بغية التمويه والتكديس، أو الاكتفاء بمجرد تصدير الخطاب الخائف المكتفي بمجرد تكفير العالمانية ومشتقات ما بعد الحداثة، من غير قدرة على تحطيمها فلسفيا، أو حتى قراءة جادة لها!.
المقال يقول: لا يجب طمس الخطاب الوعظي التقليدي الذي كان يستهدف الشهوة، لكن يجب إضافة لإحياء ذلك الخطاب: تطويره إلى أن يُبطِل الفلسفة المنتِجَة للشهوة. فالشهوة زمن السلف لا تنتجها فلسفة اللبرالية والعلمانية والسوق الاستهلاكي. وبالتالي فالاكتفاء بمكافحة الشهوة بخطاب وعظي تقليدي من غير تجفيف منابع الشهوة (الشبهة الفلسفية الحداثية) بفلسفة مضادة لها؛ مبنية على تراث السلف، لن ينتج تغيرا حقيقيا.

يمكنك رؤية ذلك في تراث ابن تيمية، لا يوجد من يقول أنه تراث حرفي مشابه لتراث السلف في نقد البدعة، كالكتب المسندة مثلا، بل هو خطاب فلسفي معظم لتلك الكتب، ولا يستهين بها، لكنه يبني عليها.
لا يوجد في المقال دعوة لتجاوز خطاب السلف، كما يقول معاتيه ما بعد السلفية، الموجود هنا هو تطوير ذلك الخطاب والبناء عليه لأجل تحطيم الفلسفة المناقضة، لا استبداله. الموجود هو: التنبيه على الاهتمام بدراسة ونقد الأصول الفلسفية للمعصية المعاصرة.
Forwarded from أنس هشام
ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طريقهم إلى الحق لعادك أهل الزمان بأجمعهم.
الغزالي
Forwarded from يوسف سمرين
Forwarded from يوسف سمرين
"كان أحمد بن تيمية والذي كان سابقًا لزمانه يرى أننا لا نستطيع أن ندرك حقيقة أي شيء واحد من جميع الأبعاد الممكنة وبنفس الدقة في نفس الوقت، وبتعبير آخر نحن نستطيع أن ندرك جزءًا من الحقيقة عن أمر معين ولكننا لا نملك الإحاطة بحقيقة ذلك الشيء، [[وهي في جوهرها مقاربة كانطية إلى حد بعيد]]"

(المخرج الوحيد، عبد الله بن سعيد الشهري، تكوين للدراسات، الدمام-المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى: ١٤٤١هـ-٢٠٢٠م، ص١١٤.)
يوسف سمرين
"كان أحمد بن تيمية والذي كان سابقًا لزمانه يرى أننا لا نستطيع أن ندرك حقيقة أي شيء واحد من جميع الأبعاد الممكنة وبنفس الدقة في نفس الوقت، وبتعبير آخر نحن نستطيع أن ندرك جزءًا من الحقيقة عن أمر معين ولكننا لا نملك الإحاطة بحقيقة ذلك الشيء، [[وهي في جوهرها مقاربة…
– مذهب ابن تيمية: ”حُكي عن بعض السفسطائية أنه لم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد. وهذا القول على إطلاقه وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل، وإنما هو من جنس ما يحكى أن السفسطائية أنكروا الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة“. [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج١٩، ١٣٧]

– مذهب كانط: ”يقول السفسطائي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط أن رأي الشخص في مسألة هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن نقيضه لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته
[المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤]

المفارقة [لا المقاربة!] هي أن كانط يقول: بعدم قدرة العقل على الوصول إلى معرفة الشيء في ذاته، لا يوجد الشيء لذاته، وإنما يوجد الشيء لذاتِنا حسب رؤيتنا، حسب وجهة نظرنا فقط.

خلافا لابن تيمية الذي يقول: الشيء يعرف مستقلا عن ذواتنا، بل تصوراتنا تابعة للأشياء، لا العكس.

هذا التناقض الصارخ يجعله مقاربة. وإلى حد بعيد!
”باركلي يرفض أن تكون في الأجسام قوة فاعلة أو مودعة، فالفعل الإلهي هو الوحيد المؤثر في العالم“

(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٢٤، نقلا عن: فكرة الألوهية في فلسفة باركلي، فريال حسن خليفة، ص١٣٢)

Déjà vu ! 😃

والفعل والتأثير ليس إلا
للواحد القــهار جل وعلا

ومن يقل بالطبع أو بالعلة
فذاك كفـر عند أهل الملة

(منظومة الدردير الأشعري، ص٢٤٠)
Forwarded from أنس هشام
عن حذيفة رضي الله عنه: أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما من النور إلاَّ قليلًا، قال: والذي نفسي بيده لتظهرنَّ البدع حتى لا يُرى من الحق إلا قَدْر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشُونَّ البدع حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: تُرِكت السنة.
البدع لابن وضاح
”ولا يخفى على قارئ مؤهل للإسلام فضلا عن باحث متصدر للحديث في التراث الإسلامي أن الإحاطة المقصودة في النصوص هي في جانب العلم والقدرة، وسياقها يبينها بشكل جلي مثل قوله ﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرًا﴾ فهذا في سياق بيان تمام القدرة.
ومثل قوله ﴿والله محيط بالكافرين﴾ فهذا في سياق وعيده للكفار بأنه سيجمعهم في جهنم، فهذا المقصود بالإحاطة أي تمام العلم والقدرة، لا وحدة الوجود كما يحسبها تيزيني“

(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٣٤)
نظرت مليًا في أحوال النساء، وانفعالاتهن، وتصرفاتن، في الواقع وفي المواقع، فلم أر عدوًا للمرأة أنكى في العداوة بها من المرأة.
وأكثرهن في الحديث عما يتعلق ما بين المرأة وبين زوجها من حلول وما لفّ حولها، فالغالب على كلامهن أن غايتَه ومآله إلى تخريب البيوت، وإفساد المرأة على زوجها، وإفساد زوجها عليها. ومن أمعن النظر قال؛ صدقت، ومن أمعنت –ولو جحدت ظاهرًا– قالت في سرّها؛ صدقت.
👍1
”ولكن المحفوظات قد تردد، ولا يلتزم حافظها بمعانيه، التي قد تكون غابت عنه لطغيان عاطفة انتصاره في ظنه لفكرته، فيتحاكم إلى صياغته، وتعبيراتها هو، بدل الانطلاق من الوقائع“

(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٣٩)
”لقد أراد المأمون عقيدة تتماشى مع أخلاق الأرستقراطية التي يرى بأنها أخلاق الملوك والسادة، وتختلف عن العامة من الرعية الذين أعجبه وصفهم بالحشو، وهذا ما أعجبه في المعتزلة بأنهم ينظّرون بما يتقاطع مع رؤيته لما ينبغي أن يكون أطلقته من امتيازات.

إنه الخاصة في مواجهة العامة، ومع ذلك كان ينتقي من مقالاتهم ومقالات غيرهم ما يرى أنه الأنسب لحكمه، ومن هذا الإطار أعجبه الإرجاء، فهو دين الملوك بتعبيره، والتوسع في هذا يكون في كتاب قريب إن شاء الله في تاريخ علم الكلام“.

(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٤٤)
من المضحكات التي تحصل بين الفينة والأخرى من أحدهم، أنه كلما تكلم بتمويه وشعر بسماجة قوله، أو جاءه معارض هنا وهناك؛ استملح في حق نفسه تذكيرَ الناس بما يليق به من التعظيم، فلا يفرِّطُ أبدًا –بمناسبة وبغير مناسبة– في كتابة ما يدلل به على أنه المتقن الدارس، المتفلسف المتكلم، السائر على درب الحكماء، الجالس إلى ركب العلماء، المتفرد على رأس المائة بدقة النظر وقوة التحصيل.. وملء البرميل وأكل الجرجير.
هون على نفسك، ينفجر لك وَدج –لا قدر الله– فنُفجع فيك!
باسم بشينية
Photo
حول مفهوم إخراج الإسلام البشرية من الجاهلية إلى الحضارة. من زاوية أخرى؛ نموذج كلام المفكرين الإسلاميين:

سعيد حسن ”إن خروج الجماعات البشرية من مستنقعات الجاهلية إلى أرض الإيمان، النظيفة، المضيئة، المتوحدة اقتضی صراعا مميتا، وانتهى إلى انتصار للحضارة والقيم الحضارية في مفهومها الشامل“. [حضارة الأزمة ماذا قبل الإنهيار، لسعيد حسن، ٢٠٠٣، ص٣]

ثم تجد عماد الدين خليل، في كتاب مؤشرات إسلامية في زمن السرعة، يكتب فصلا بعنوان: ”الدين صراع من أجل التحضر“. يقول:

”والجهود التي بذلها الأنبياء عليهم السلام، لإخراج أممهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الحضارة، جهود كبيرة اقتضت منهم عزما يفل الحديد“ [مؤشرات إسلامية في زمن السرعة، ص٨٠]

ثم محمد خليل الباشا: ”هؤلاء ناضلوا في سبيل إحقاق الحق، وإزالة الظلم، والخروج بالإنسانية من ظلام الجاهلية إلى نور الحضارة الإسلامية المتألقة“. [الممجدون الأربعة، ص٦]

هنا يمكنك أن تلحظ مدى تجذر مفهوم قراءة الإسلام قراءة عصرية بمعايير معاصرة، "الإسلام أخرج العرب من الجاهلية إلى الحضارة/الإسلام صراع من أجل التحضر". في صورة غير دقيقة بخلاف نصوص الشريعة التي تقول ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ لا إلى التحضر.

ففي حين يفسر النور في كلام السلف بقولهم ”يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان“ (تفسير الطبري). يجعلها المفكرون: من ظلمات التخلف إلى نور التحضر، من البدو إلى الحضر...إلخ مع أن نمط حياة الصحابة في كثير من الأحيان بقي كما هو، وكان رسول الله يعيش على التمر والماء لأشهر، وكان هنالك أهل الصفة، وكان هنالك مجاعات، ولم تكن هنالك بروج مشيدة ولا قلاع وقصور.

فما المقصود بالحضارة هنا؟ مجرد مسحة عصرية لا معنى لها سوى القول: نحن أيضا لدينا حضارة لأن الإسلام جاء بمشروع التحضر. وجُعِلَ مشروع التحضر مناقضا لمسمى الجاهلية، في حين أن الجاهلية تطلق على كل ما خالف الإسلام ولو كان الجاهلي في أعلى مستويات الحضارة. ويطلق النور على كل من اهتدى بالإسلام ولو كان في أدنى مستويات الحضارة. كما نقل يوسف عن ابن تيمية قوله ”ولا يدخل في لفظ الجاهلية ما كانوا عليه في الجاهلية وأقره الله في الإسلام“.

مع أن الشريعة لم تقابل بين الحضارة والجاهلية، وإنما بين الحضر والبدو، ومن ذلك قوله في الحديث: (من سكن البادية جفا)، قال أبو بكر الأثرم: (وأما الكراهة فإنها لمن لزم البادية ، وترك الأمصار والجماعات) فهذا هو التقابل الصحيح: (بادية/حضر). لا (جاهلية/حضارة).

الصفحة المرفقة من كتاب: القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٥٣.
أكيد أنه من غير الطبيعي أن يعيش خلق الله بكل أريحية خلال عشرات القرون، يتزوجون، يتناسلون، تقع لهم مشاكل أسرية وما شابه، ولا يتعدى السؤال في كل ذلك؛ استخارة الله، ثم استشارة من يوثق بهم من الأهل والمعارف. أو أهل العلم في بعض الأحيان، ونسب الطلاق لا وثيقة تثبت فضاعتها خلال تلك القرون! ثم يأتي عصر غريب، تخفُّ فيه عقول البشر، ويصير حالهم إلى الجزع، والحرص، واستلاب الشخصية، وفقدان المعيار بالمعنى الحرفي. فتدخل بعض الصفحات التي تنشر ما يأتيها من رسائل فلا تجد غير التسبيح تعجبًا، والكل استشاري أسري، ونسب الطلاق تكاد تدخل كتاب غينيس.
”لقد كانوا يقرأون التراث الإسلامي بصورة مثالية ويطالبون الإسلام بهذا ويتركون التدقيق لصالح زج ما في رؤوسهم في التاريخ، ليظهر كأن الإسلام مدانٌ وفق أخلاق مثالية، وهذا ما كان حاضرًا في تصور تزيني للإسلام، وبالتالي تعامل معه في كل مرحلة من مراحل تقلباته الفكرية بموقف محدد أن الإسلام في حيز المثالية، ويمكن التعامل معه فقط على هذا الأساس“

(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٨٩)
باسم بشينية
Photo
أنهيت قراءة كتاب يوسف سمرين الذي طبع مؤخرا تحت عنوان ”القراءة الماركسية للتراث الإسلامي“.

الكتاب كان نقديًا، تعرض فيه المؤلف لنقد جملة من الماركسيين العرب، هم طيب تزيني، والعفيف الأخضر، وحسين مروة، وصادق جلال العظم، إضافة لماركسي تأسلَم لاحقا وهو روجيه جارودي الذي كان ماديًا. أيضا فقد تعرض الكاتب لنقد رمضان البوطي الذي كان يحاول احتواء تزيني وجارودي تحت مظلة الإسلام.

وسأحاول في هذه الأسطر تلخيص شيء مما جاء في النقد.

يوسف سمرين لم يبدأ مباشرة بالتعرض لأسطر تزيني ببيان الخطأ عند قراءته للإسلام، أعني المسلك الأسهل في ممارسة بيان الخطأ، وإنما حوى نقده في بداية التعرض له وللعفيف الأخضر ولجارودي بمقدمة هي عبارة عن عرض مدى امتلاك هؤلاء الماركسيين لأدوات فهم التراث أولا، ثم مدى اتساقهم مع الفلسفة التي كانوا يتبنونها، وهي المادية.

فبالنسبة لتزيني مثلًا، حينما كان يؤكد على انطلاقه من الرؤية المادية الجدلية، كان يقول بأن الموقف الطبيعي إنما هو أحد أسلحة الفكر المادي ضد الغيبية بكل أشكالها، ويغفل عند إعلانه العداء للغيبية بكل أشكالها عما يقوله خصوم المادية كما ينقل لينين عنهم أنهم يرون إثباتَ المادية للشيء في ذاته يعني قبول المادية ”بشيء ما غيبي قائم وراء حدود التجربة“. مع أن الغابة سميت غابة لأنها تغيّب ما فيها، فالغيب غير مشهود مع إمكان شهوده، لا أنه يعني امتناع شهوده بصورة مطلقة. حتى أن فريد وجدي كان يقول ”المادي والديني يستويان في الإيمان بالغيب“.

أما بالنسبة لمفاتيح قراءة التراث الإسلامي فإن تزيني كان شديد الضعف، حيث يعمم الأطروحات الكانطية في الإلهيات، على الطرح الإسلام، ففي حين كان كانط يرى أن الإله لا يمكن إقامة دليل عقلي على وجوده، يقول تزيني ”الإيمانية هي الاعتقاد الديني العاري عن دليل“. في حين أن الإيمانية في ديننا كما يقول ابن تيمية هي على النقيض من ذلك، ”فالإيمان بالشيء مشروط بقيام دليل يدل عليه“ (مجموع الفتاوى، ج٢٩، ص٤٩٣)

ومن هنا يظهر أن الإسلام في نظر الماركسية العربية كان مرادفًا بصورة مطلقة لمقالات كانط في اللاهوت، وبهذا المستوى في قراءة التراث الإسلامي، كان يتبجح تزيني بعناوين مثل (مشروع رؤية جديدة في الفكر العربي في العصر الوسيط) وبهذا المستوى يكتب عنه نبيل علي صالح مؤلفًا موسومًا بـ (طيب تزيني من التراث إلى النهضة)!.

ولا يتوقف الأمر هنا حول مدى امتلاك تزيني أدوات قراءة التراث، بل على سبيل المثال عند تعرضه للعقل في الإسلام، يقول ”برز داود بن المحبر من خلال كتاباته حول العقل وقد ارتكز على حديث قدسي حول العقل رواه ابن تيمية في بغيته“ يقصد تزيني بغية المرتاد، فالرجل لا يفرق بين ذكر حديث لغاية النقد، وبين روايته، فابن تيمية في بغية المرتاد ذكر الحديث لبيان بطلانه وأنه مكذوب، ولم يعتمد الرواية التي تتعلق بإقامة الإسناد. مع أن تزيني في تعلقه بالعقلانية لم يكن منطلقا من المادية التي يدعيها، فكل ما جاء في العقل لدى الإسلاميين كان في إطار تجريد العقل وإثبات أنه قائم بنفسه خارج الجسم. وفي تناقض صارخ مع أصول المادية كان تزيني ينتصر لمثالية من الإسلاميين، حتى أنه كان يرى أن ابن سينا كان ماديًا، في حين أن الماديين بحق في دراستهم لابن سينا كانوا يقولون: ”ابن سينا انحرف عن بعض المشاكل الأرسطية نحو الأفلاطونية الجديدة“ (الموسوعة الفلسفية، روزنتال ويودين، دار الطليعة، ص٤١)، والمعتزلة التي تثبت خلق الإنسان لفعله، فرقة [عقلانية] يرحب بمقالاتها تزيني الذي كان يدعي المادية! في حين أن المعتزلة كانت ترى أن أفعال العباد ناشئة من الإنسان نفسه بمعزل عن الأسباب الموضوعية المادية.

ولا يفترق العفيف الأخضر في الجهل المركب حول التراث الإسلامي عن تزيني، بل كان الأخضر يرى أيضا أن المعتزلة من ”منوعات الفكر المادي“ وأيضا الإسماعلية، بل جعل القرامطة الذين أصابهم هوس الأفلاك الروحانية من جملة المكافحين ضد الخرافة! وبهذا ترى أن كل فرقة باطنية أو فرقة جرى تبديعها هي حتما فرقة عقلانية "مادية".

إن هذا الولع بابن سينا، والقرامطة، والإسماعلية، وحتى المعتزلة ”يظهر لك طريقة التعامل، لا إشكال في الفزع إلى أخس الصور المثالية في التراث للاعتراض على الإسلام، إنها تظهر الولع بالدين والتراث الديني في أقوام يصورونه على أنه خرافة لا أكثر، لكن تلك الخرافة بزعمهم، تؤرقهم إلى حد الفزع إلى خرافات باعترافهم في التراث وإحيائها، ثم تصويرها كأنها أدب نقدي معاصر اتجاه النصوص الشرعية، في وقت كانوا الأحوج فيه إلى سد النقص في اطلاعهم الشرعي“ –يوسف سمرين، ص٧٩.
👍3
باسم بشينية
Photo
فهذا مدى امتلاك الماركسيين العرب لأول درجة تؤهل لقراءة التراث، فكيف بنقدهم للإسلام؟

كان تزيني في رحلة طعنه بالإسلام الأصيل، يحذر دوما من النزعة الاقتصادية الاختزالية، أي اختزال الواقع كله في الاقتصاد، وهي عين مقولة أنجلز، لكن تزيني يظهر سريعا أن حافظ بلا فهم، فتراه يقول أن الإسلام عبارة عن خطة اقتصادية، كسب الجماهير الفقيرة بكفاح الذين يكنزون الذهب والفضة، مع أن الإسلام في الحقيقة جاء للكفر بالآلهة المتعددة، فهل كان يجري في الإسلام تجاهل الجحود العقدي مقابل المدخول النقدي؟ ففي حين كان تزيني يدعي عدم اختزال الواقع في العامل الاقتصادي، عند حديثه عن الإسلام الذي يعاديه: يختزل كل ما فيه في ذلك العامل، ومع ذلك يخالف أقوال أنجلز الرجل الثاني في الماركسية، حيث يقول: ”إن العوامل الاقتصادية، تؤلف قوة تاريخية حاسمة بالنسبة للعالم الحديث على الأقل، وأن هذه العوامل الاقتصادية تشكل الأساس الذي تقوم عليه التناحرات الطبقية الراهنة“ (أنجلز، ستبانوفا، دار التقدم، موسكو، ص٤٦) فأين الانطلاقة الماركسية في اتهامات تزيني؟

أما بالنسبة لصادق جلال العظم، الذي كان يعرض عدم سجود إبليس لآدم على أنه يجب أن يقرأ قراءة معاصرة، وبالتالي فلماذا لا نقول أن إبليس كان موحدًا بعدم سجوده لغير الله؟ يظهر جهله المطبق بقصة إبليس، حيث أن إبليس نفسه في النصوص لم يجعل التوحيد علة في عدم سجوده، وإنما جعل ”أفضليته المزعومة“ هي العلة. جاء في التنزيل ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾.

أما العفيف الأخضر الذي كان يحكي أن خالد ابن الوليد قتل ابن نويرة لأجل الزواج بامرأته الفاتنة، ومع إثبات يوسف لكذب الأخضر، إلا أن نقده كان مفحمًا، فالعفيف الذي كان يتبنى البيئة السوفييتية، وقد كان مترجِمًا للبيان الشيوعي، يغفل كل الغفلة عن حصيلة الجيش الأحمر السوفييتي في الحرب العالمية الثانية فمن الزاوية الشمالية فحسب: ١١١ قضية اغتصاب، و١٢٠٤ قضية سلب، حتى أم مارتا هيرلس كانت تستنجد أفراد الجيش لا في عدم اغتصابها! وإنما تقول ”واحد فقط، أرجوك واحد فقط!“.

يقول يوسف: ”لقد كانوا يقرأون التراث الإسلامي بصورة مثالية ويطالبون الإسلام بهذا ويتركون التدقيق لصالح زج ما في رؤوسهم في التاريخ، ليظهر كأن الإسلام مدانٌ وفق أخلاق مثالية، وهذا ما كان حاضرًا في تصور تزيني للإسلام، وبالتالي تعامل معه في كل مرحلة من مراحل تقلباته الفكرية بموقف محدد أن الإسلام في حيز المثالية، ويمكن التعامل معه فقط على هذا الأساس“

أما البوطي الذي كان يحاول احتواء جارودي تحت مسمى الإسلام الصحيح، كان يعرض بابن باز الذي قال في جارودي ”لم يعتنق الإسلام الذي عليه المسلمون“، وفي حين يقول البوطي عن جارودي ”رأيته وهو في أبرز مظاهر تبتله وعبوديته“ يقول جارودي ”لا يوجد في القرآن تحديد للصلوات، الصلاة تعني التفكير لأشياء عامة وليس التفكير بأشياء خاصة، ثمة صلاة واحدة في العالم حتى ولو اختلفت من شعب لآخر“ (هذه وصيتي للقرن ٢١، جارودي، ص٤١) مع أن جارودي كان من أجهل الناس بمفاتيح قراءة التراث فهو لا يصل لمستوى عوام المسلمين في العلم الشرعي، فضلا عن مستوى طالب علم، تراه يقول في سؤال استنكاري ”استخدم أحمد بن حنبل أحاديث كثيرة، من أين جاء بها؟!“ (هذه وصيتي للقرن ٢١، ص٤١) فأين احوائيات البوطي من هذا؟
------------------------
كان هذا أشبه ما يكون بالمراجعة، أو التلخيص لبعض ما استوقفني، على أن الكتاب حوى موضوعات أخرى مهمة سواء في النقد للخطأ، أو التحرير لبعض الأطروحات الصحيحة، بالنسبة لمراجع الأقوال فكلها في الكتاب لمن شاء العودة لها.

الكتاب نافع جدًا في الدفاع عن الإسلام، وعن عقيدة أهل الحديث، وفي تطوير الملكة النقدية، وأعجبني في الكاتب أنه مجانب لما درج عليه كثير من الأكاديميين تحت مسمى الموضوعية البحثية، فمع إفحام نقده العلمي لخصومه، إلا أنه لم يعرض نفسه كمجرد ناقد معرفي، بل أبدى في كثير من سطوره عاطفته العقدية ضد محاربي الشريعة، فترى وسم الأخضر باليساري الصبياني، ووسم تزيني بالعَبثي والخطابي، وهكذا.
1