باسم بشينية
Photo
«كن أنت نفسك، أثبت ذاتك، كن أنت ولا تكن غيرك....إلخ»
هذا النوع من المقولات، هو عين التناسق مع الفردانية التي أرادت المدارس البرجوازية تثبيتَها. ثم صارت هي عينها؛ الروح التي يتبناها كل من أعجب برأسمالية الإقتصاد/الثقافة/المجتمع.
كان أهم مؤلَف في الفلسفة الفردانية، يذكره بوخفسكي في كتابه «الفرد والمجتمع» هو كتاب لماكس شتيرنر، عنوانه «الأوحَد وملكيته/الذاتي وعالمه» تختلف ترجمات العنوان، لكنها تصب في ذات المعنى.
أول جملة بدأ بها ماكس كتابه هي قوله: ”من يريد أن يكون إنسانًا حقًا لا يحتاج كيانُه لأي نفوذ“ –الأوحد وملكيته، ماكس شتيرنر، ص٥.
بمعنى: من يريد أن يحقق نفسه وذاته، فإنه لا يحتاج لعلاقات إجتماعية لأجل تنفيذ ذلك التحقيق.
خلال هذا يمكن أن تفسر ذلك المعنى الذي تنطوي عليه العبارة الأم في الفلسفة الفردية «كن أنت نفسك»
أن يكون الإنسان ذاته، بالمعنى الحرفي «أن يكون نفسه» فإن ذلك يعني أولا: أن يتحرر من الجماعة، فمن أنت نفسك؟ إنك الأهواء، والرغبات، والغرائز، إنك اللا مجتمع، اللا تقاليد، اللا أعراف. فأي سلوك للفرد داخل المنظومة الفردانية يُعتزُّ بأنه غير خاضع –بل لا صلة له– بالجماعة، ولا بمعاييرها. وعندما يقوم الشخص بإلحاق الضرر بنفسه، فإنه حسب الفردانية: يمارس ذاته، إنه يمارس نفسه، يكون هو نفسه، لا علاقة للمجتمع به. ”إنه حر، حرية مطلقة“.
فما دامت –كما يقول بوخفسكي– ذاتك ونفسك هي المعيار، وهي ما يجب أن يتحقق، لا القيمة الأخلاقية المجتمعية، فإن ذلك يعني أن تفعل ما يحلو لك، فأنت غير خاضع للقيم الإجتماعية، ولا للنقد، ولا لحكم الجماعة، ومن ثم ”فعندما تصبح الإرادة الفردية هي القانون الأسمى للأخلاق، فإن الروابط الاجتماعية تتفكك من جراء ذلك، بل وتنحط الجماعة ذاتها“. –الفرد والجماعة، بوخفسكي. ص٢٨.
هنا يمكن أن ترد كثير من تلك الدورات، والكتب، والعبارات، التي تدخل في مسمى التحفيز والتنمية البشرية، والتي تتمركز حول الذات انطلاقا من قولهم «كن أنت نفسك» إلى أصلها.
”إن الإنسان لم يخلق خلق من يعيش وحده ويتم له البقاء بنفسه“ –ابن مسكويه.
هذا النوع من المقولات، هو عين التناسق مع الفردانية التي أرادت المدارس البرجوازية تثبيتَها. ثم صارت هي عينها؛ الروح التي يتبناها كل من أعجب برأسمالية الإقتصاد/الثقافة/المجتمع.
كان أهم مؤلَف في الفلسفة الفردانية، يذكره بوخفسكي في كتابه «الفرد والمجتمع» هو كتاب لماكس شتيرنر، عنوانه «الأوحَد وملكيته/الذاتي وعالمه» تختلف ترجمات العنوان، لكنها تصب في ذات المعنى.
أول جملة بدأ بها ماكس كتابه هي قوله: ”من يريد أن يكون إنسانًا حقًا لا يحتاج كيانُه لأي نفوذ“ –الأوحد وملكيته، ماكس شتيرنر، ص٥.
بمعنى: من يريد أن يحقق نفسه وذاته، فإنه لا يحتاج لعلاقات إجتماعية لأجل تنفيذ ذلك التحقيق.
خلال هذا يمكن أن تفسر ذلك المعنى الذي تنطوي عليه العبارة الأم في الفلسفة الفردية «كن أنت نفسك»
أن يكون الإنسان ذاته، بالمعنى الحرفي «أن يكون نفسه» فإن ذلك يعني أولا: أن يتحرر من الجماعة، فمن أنت نفسك؟ إنك الأهواء، والرغبات، والغرائز، إنك اللا مجتمع، اللا تقاليد، اللا أعراف. فأي سلوك للفرد داخل المنظومة الفردانية يُعتزُّ بأنه غير خاضع –بل لا صلة له– بالجماعة، ولا بمعاييرها. وعندما يقوم الشخص بإلحاق الضرر بنفسه، فإنه حسب الفردانية: يمارس ذاته، إنه يمارس نفسه، يكون هو نفسه، لا علاقة للمجتمع به. ”إنه حر، حرية مطلقة“.
فما دامت –كما يقول بوخفسكي– ذاتك ونفسك هي المعيار، وهي ما يجب أن يتحقق، لا القيمة الأخلاقية المجتمعية، فإن ذلك يعني أن تفعل ما يحلو لك، فأنت غير خاضع للقيم الإجتماعية، ولا للنقد، ولا لحكم الجماعة، ومن ثم ”فعندما تصبح الإرادة الفردية هي القانون الأسمى للأخلاق، فإن الروابط الاجتماعية تتفكك من جراء ذلك، بل وتنحط الجماعة ذاتها“. –الفرد والجماعة، بوخفسكي. ص٢٨.
هنا يمكن أن ترد كثير من تلك الدورات، والكتب، والعبارات، التي تدخل في مسمى التحفيز والتنمية البشرية، والتي تتمركز حول الذات انطلاقا من قولهم «كن أنت نفسك» إلى أصلها.
”إن الإنسان لم يخلق خلق من يعيش وحده ويتم له البقاء بنفسه“ –ابن مسكويه.
باسم بشينية
Photo
القراءة في التفسير، أعتبرها مما لا ينبغي التعامل معه بموسميَّة، فلا ينبغي أن يُقرأ التفسير حصرًا في موسم رمضان مثلًا. وإنما الأفضل والأكمل أن تكون القراءة في التفسير مثل القراءة في القرآن، فالتلاوة؛ تلاوة اللفظ والمعنى، فمن كان له ورد يومي من تلاوة اللفظ، فعليه أن يجعل لنفسه وردًا من قراءة ما يساعد على درك المعنى. وتأتي كتب التفسير في المقدمة. وآثار ذلك من الخيرات لا تكاد تحصى كثرة، علميًا وعمليًا.
كتاب بدائع التفسير لابن القيم، كتاب نافع، لكن لكونه جمع من مختلف كتب ابن القيم، ولكل كتاب موضوع، ولكل فصل ورد فيه التفسير موضوع وسياق، لم يأت الكتاب على ما عهد من الكتب التي قصدت التفسير مباشرة، ميزته أنه يساعد على تطوير ملكة التدبر، لأن ابن القيم في هذا الجمع لم يُوجه كلامه على شرح المعنى فحسب كما هو في غالب كتب التفسير، وإنما توسع في ذلك وفق المنهج الذي اعتمده في الكتاب الذي استُل التفسر منه. فإن كان المرجع؛ بدائع الفوائد، أو الفوائد، كان أسفل الآية جملة عظيمة من الفوائد الوعظية وغير ذلك، وقد تصل لعشرين فائدة، وإن كان مستلًا من مثل الجواب الكافي؛ وجدت ما يختص بمثل موضوع التوبة والخوف والرجاء بصورة موسعة، على غير ما تجده في تفسير مستل من غيره. وإن كان التفسير لما يتناول آيات الصفات كالذي يُستل مما كتب ابن القيم في العقائد، لم تجد مجرد التقرير كما تجد في مثل كتاب ابن كثير –غالبا– أو كتاب الطبري. بل قد تجد توسعًا في الرد على من أنكر تلك الصفة التي أثبتها ظاهر الآية. وهكذا.
والله أعلم.
كتاب بدائع التفسير لابن القيم، كتاب نافع، لكن لكونه جمع من مختلف كتب ابن القيم، ولكل كتاب موضوع، ولكل فصل ورد فيه التفسير موضوع وسياق، لم يأت الكتاب على ما عهد من الكتب التي قصدت التفسير مباشرة، ميزته أنه يساعد على تطوير ملكة التدبر، لأن ابن القيم في هذا الجمع لم يُوجه كلامه على شرح المعنى فحسب كما هو في غالب كتب التفسير، وإنما توسع في ذلك وفق المنهج الذي اعتمده في الكتاب الذي استُل التفسر منه. فإن كان المرجع؛ بدائع الفوائد، أو الفوائد، كان أسفل الآية جملة عظيمة من الفوائد الوعظية وغير ذلك، وقد تصل لعشرين فائدة، وإن كان مستلًا من مثل الجواب الكافي؛ وجدت ما يختص بمثل موضوع التوبة والخوف والرجاء بصورة موسعة، على غير ما تجده في تفسير مستل من غيره. وإن كان التفسير لما يتناول آيات الصفات كالذي يُستل مما كتب ابن القيم في العقائد، لم تجد مجرد التقرير كما تجد في مثل كتاب ابن كثير –غالبا– أو كتاب الطبري. بل قد تجد توسعًا في الرد على من أنكر تلك الصفة التي أثبتها ظاهر الآية. وهكذا.
والله أعلم.
👍1
باسم بشينية
Photo
من المفارقات التي يجدر بكل متشرع أن يتنبَّه لها؛ أن الخطاب الوعظي الذي يستهدف مكافحة المعاصي والفجور والفسق وفشوّ الآثام، لدى سلفنا، لا أقول أنه إن طبق كما هو اليوم كما هو سيكون ناقصًا!. وإنما يجب أن يبنى عليه كي يتماشى بنفس العمق مع السياق الذي تَنتُج وتنساق خلاله الآثام والمعاصي اليوم. يُبنى عليه، يؤخذ كأصل ويُفرّع عليه، لا أن يُستبدل أو يُتخذ كمادة قابلة للنقد كما يتبجح أصحاب ما بعد السلفية!.
المعاصي والانفتاح على الملذات المحرمة، التي كتب لأجلها سلفنا كتبهم الوعظية، ككتب الزهد، والورع، وغير ذلك، ليست من ذات النوع الذي يصدر في يومنا هذا لدى المجتمعات والأفراد. بل معاصي اليوم تنتجها نوعيًا فلسفات، وتطبيقاتها الواقعية –في الحقيقة– تختلف من حيث المبدأ والغاية عن التي كان يقترفها المسلم العامي في عهد الإمام أحمد مثلًا. قد يشترك مسلم من ذات النموذج الذي كان على عهد أحمد مع مسلم غارق في الثقافة المعاصرة في نفس المعصية، لكن لا يكون نفس الخطاب صالحا لكليهما. سيكتفي النموذج التراثي من مرتكبي المعاصي بمثل روايات السلف في الوعظ، وبمثل الجواب الكافي لابن القيم. لكن المسلم المحاط بالثقافة الحداثية والمتشبع بها لن تكون تلك الروايات نافعةً له لأن ما يقتضي قبولها مشوَّه بما يناقض فطرة ذلك الثراوي الذي يمتلك ذات فطرة العامي الذي كان على عهد أحمد والثوري ووكيع. فإن الذكرى لا تكون على شكل واحد.
المعصية التي كانت تنتج من طرف مركب الشهوة زمنَ الأسلاف، وإن كانت في بعض الأحيان هي عين المعصية التي تصدر الآن، تكاد تندثر في زماننا، فالمعاصي اليوم صارت تأخذ صورة المقالات، فهي أشبه ما يكون بالمقالات العقدية.
في حين كان العامل الأول والوحيد لارتكاب المعاصي –ما قبلَ الحداثة– هو الشهوة وما يتعلق بها من وسوسة، صارت المؤسسة التي تنتج المعاصي وتضع لها إطار يتجاوز مجرد الاشتهاء كتجاوز لما قد يسمى "المعصية الساذجة"، هي المؤسسة العالمانية بشكل عام، أما على التفصيل فيمكن استحضار كثير من الفلسفات التي تتدخل تارة بصورة رئيسية، وتارة بصورة ثانوية، وهي تصب في خدمة العالمانية أساسًا، الفردانية مثلًا، اللاسلطوية، الدولة الحديثة، الحداثة وما بعد الحداثة...إلخ.
كل داع للمعصية في عصرنا، خاضع بعلاقة أصل/فرع لذي الفلسفات أو إحداها، بل الشهوة التي كانت هي الأساس في المعصية والركيزة الأولى، أضحت في يومنا مجرد معين في الدفع نحو اقتراف المعصية. الشهوة في عصرنا كثيرا ما تبيت محتارة في أي المعاصي ستختار، بل سوق استهلاك المعاصي هو ما صار يصنع الاشتهاء، في حين كان العكس، بل اليوم عدد ما تشتهي من المعاصي لم تتدخل فيه شهوتك ابتداء بقدر ما تدخل فيه المعروض منها في السوق، وأيها أليَق بالمشتهي.
يتبع:
المعاصي والانفتاح على الملذات المحرمة، التي كتب لأجلها سلفنا كتبهم الوعظية، ككتب الزهد، والورع، وغير ذلك، ليست من ذات النوع الذي يصدر في يومنا هذا لدى المجتمعات والأفراد. بل معاصي اليوم تنتجها نوعيًا فلسفات، وتطبيقاتها الواقعية –في الحقيقة– تختلف من حيث المبدأ والغاية عن التي كان يقترفها المسلم العامي في عهد الإمام أحمد مثلًا. قد يشترك مسلم من ذات النموذج الذي كان على عهد أحمد مع مسلم غارق في الثقافة المعاصرة في نفس المعصية، لكن لا يكون نفس الخطاب صالحا لكليهما. سيكتفي النموذج التراثي من مرتكبي المعاصي بمثل روايات السلف في الوعظ، وبمثل الجواب الكافي لابن القيم. لكن المسلم المحاط بالثقافة الحداثية والمتشبع بها لن تكون تلك الروايات نافعةً له لأن ما يقتضي قبولها مشوَّه بما يناقض فطرة ذلك الثراوي الذي يمتلك ذات فطرة العامي الذي كان على عهد أحمد والثوري ووكيع. فإن الذكرى لا تكون على شكل واحد.
المعصية التي كانت تنتج من طرف مركب الشهوة زمنَ الأسلاف، وإن كانت في بعض الأحيان هي عين المعصية التي تصدر الآن، تكاد تندثر في زماننا، فالمعاصي اليوم صارت تأخذ صورة المقالات، فهي أشبه ما يكون بالمقالات العقدية.
في حين كان العامل الأول والوحيد لارتكاب المعاصي –ما قبلَ الحداثة– هو الشهوة وما يتعلق بها من وسوسة، صارت المؤسسة التي تنتج المعاصي وتضع لها إطار يتجاوز مجرد الاشتهاء كتجاوز لما قد يسمى "المعصية الساذجة"، هي المؤسسة العالمانية بشكل عام، أما على التفصيل فيمكن استحضار كثير من الفلسفات التي تتدخل تارة بصورة رئيسية، وتارة بصورة ثانوية، وهي تصب في خدمة العالمانية أساسًا، الفردانية مثلًا، اللاسلطوية، الدولة الحديثة، الحداثة وما بعد الحداثة...إلخ.
كل داع للمعصية في عصرنا، خاضع بعلاقة أصل/فرع لذي الفلسفات أو إحداها، بل الشهوة التي كانت هي الأساس في المعصية والركيزة الأولى، أضحت في يومنا مجرد معين في الدفع نحو اقتراف المعصية. الشهوة في عصرنا كثيرا ما تبيت محتارة في أي المعاصي ستختار، بل سوق استهلاك المعاصي هو ما صار يصنع الاشتهاء، في حين كان العكس، بل اليوم عدد ما تشتهي من المعاصي لم تتدخل فيه شهوتك ابتداء بقدر ما تدخل فيه المعروض منها في السوق، وأيها أليَق بالمشتهي.
يتبع:
باسم بشينية
Photo
لكل نفسية ولكل مزاج، ولكل مستوى من التعمق في تتبع الشهوة؛ هنالك سلعة استهلاكية تنتظر في السوق، قد تتسمى بأي ما يهبها مسحَة عصرنة، لكنها معصية في النهاية. عمل على تقنينها وتأسيس الاتساق الفلسفي لها؛ العقل الحداثي وما ينطوي عليه من رأسمالية، وفردانية، وليبرالية؛ حرية الإرادة والإمداد بالقدرة وتوفير المقدور. مع بث روح الجشع الاستهلاكية وحب امتلاك كل الملذات. وقد تنبه أساتذة السوفييت في مؤلفاتهم حول الأخلاق وعلاقتها بالمجتمع والاقتصاد إلى مثل ذي العلاقة بين الأخلاق، وبين التوجه الإستهلاكي المبِيح لأي ما يصلح للاستهلاك، قائلين:
”الوجه الاخر للتوجه الاستهلاكي هو العدمية الاخلاقية في السلوك وتنعكس هذه العدمية اللاأخلاقية المعاشية في الفوضى الأسرية والاباحية الجنسية، والادمان على الخمر والطفيلية وما شابه“ –علم الأخلاق الماركسي، تأليف: مجموعة من الأساتذة السوفييت، ص٣٦٧.
إن اعتماد ذات الخطاب الوعظي السلفي –بصورة منفصلة عن نقد ما يُنتِج ويُفلسف ويُعقلن المعاصي عبر البناء على ذلك الخطاب السلفي الأصيل وجعله مرجعًا في النقد الفلسفي–، هو عبارة عن شكل من أشكال الانفصال عن الواقع، اعتمادٌ لا يهتم لذلك السياق كانت المعصية وليدَته في واقعنا. تنشأ الفلسفات، مؤسسات الدولة، مؤسسات التعليم والتربية، مؤسسات الفن والمسرح؛ كلها في تعديد أنواع وألوان ودرجات متفاوتة على حساب عقول المتابعين؛ كلها تعمل على جعل تلك العقلنة للمعاصي شيئا متجذرًا في لدى الأمم، ليترجم إلى سلوكيات وأفعال.
وتحت عبارات مثل: ”دع عنك دراسة الفلسفة، ما لي ولخزعبلات الفلاسفة وتشوهات الحداثة، أنا ملزم بالتذكير لا بالتعمق في نقد الفلسفة التي تناقض ما أتبناه“، يقع اختزال الواقع بصورة دوغمائية. ففي حين تكتسح الشبهة في كل موطن لأجل تشويه الفطرة عن مقتضاها، لا يليق التوجه نحو الوعظ ضد المعاصي مع جعل النقد ضد فلسفة المعاصي شيئا منفصلا، أو تهوين ضعفِه! بل على العكس.
في هذا السياق تأتي أهمية النظرية المعرفية، التي تبني ما يوازي بصورة مناقضة؛ تلك النظرية المعرفية التي انبنَت عليها مؤسسات إنتاج المعاصي في عصر الحداثة. لا مجرد ترجمات هنا وهناك، واقتطاع أقوال عن نسقها الفلسفي الذي جاءت لأجله، بغية التمويه والتكديس، أو الاكتفاء بمجرد تصدير الخطاب الخائف المكتفي بمجرد تكفير العالمانية ومشتقات ما بعد الحداثة، من غير قدرة على تحطيمها فلسفيا، أو حتى قراءة جادة لها!.
”الوجه الاخر للتوجه الاستهلاكي هو العدمية الاخلاقية في السلوك وتنعكس هذه العدمية اللاأخلاقية المعاشية في الفوضى الأسرية والاباحية الجنسية، والادمان على الخمر والطفيلية وما شابه“ –علم الأخلاق الماركسي، تأليف: مجموعة من الأساتذة السوفييت، ص٣٦٧.
إن اعتماد ذات الخطاب الوعظي السلفي –بصورة منفصلة عن نقد ما يُنتِج ويُفلسف ويُعقلن المعاصي عبر البناء على ذلك الخطاب السلفي الأصيل وجعله مرجعًا في النقد الفلسفي–، هو عبارة عن شكل من أشكال الانفصال عن الواقع، اعتمادٌ لا يهتم لذلك السياق كانت المعصية وليدَته في واقعنا. تنشأ الفلسفات، مؤسسات الدولة، مؤسسات التعليم والتربية، مؤسسات الفن والمسرح؛ كلها في تعديد أنواع وألوان ودرجات متفاوتة على حساب عقول المتابعين؛ كلها تعمل على جعل تلك العقلنة للمعاصي شيئا متجذرًا في لدى الأمم، ليترجم إلى سلوكيات وأفعال.
وتحت عبارات مثل: ”دع عنك دراسة الفلسفة، ما لي ولخزعبلات الفلاسفة وتشوهات الحداثة، أنا ملزم بالتذكير لا بالتعمق في نقد الفلسفة التي تناقض ما أتبناه“، يقع اختزال الواقع بصورة دوغمائية. ففي حين تكتسح الشبهة في كل موطن لأجل تشويه الفطرة عن مقتضاها، لا يليق التوجه نحو الوعظ ضد المعاصي مع جعل النقد ضد فلسفة المعاصي شيئا منفصلا، أو تهوين ضعفِه! بل على العكس.
في هذا السياق تأتي أهمية النظرية المعرفية، التي تبني ما يوازي بصورة مناقضة؛ تلك النظرية المعرفية التي انبنَت عليها مؤسسات إنتاج المعاصي في عصر الحداثة. لا مجرد ترجمات هنا وهناك، واقتطاع أقوال عن نسقها الفلسفي الذي جاءت لأجله، بغية التمويه والتكديس، أو الاكتفاء بمجرد تصدير الخطاب الخائف المكتفي بمجرد تكفير العالمانية ومشتقات ما بعد الحداثة، من غير قدرة على تحطيمها فلسفيا، أو حتى قراءة جادة لها!.
المقال يقول: لا يجب طمس الخطاب الوعظي التقليدي الذي كان يستهدف الشهوة، لكن يجب إضافة لإحياء ذلك الخطاب: تطويره إلى أن يُبطِل الفلسفة المنتِجَة للشهوة. فالشهوة زمن السلف لا تنتجها فلسفة اللبرالية والعلمانية والسوق الاستهلاكي. وبالتالي فالاكتفاء بمكافحة الشهوة بخطاب وعظي تقليدي من غير تجفيف منابع الشهوة (الشبهة الفلسفية الحداثية) بفلسفة مضادة لها؛ مبنية على تراث السلف، لن ينتج تغيرا حقيقيا.
يمكنك رؤية ذلك في تراث ابن تيمية، لا يوجد من يقول أنه تراث حرفي مشابه لتراث السلف في نقد البدعة، كالكتب المسندة مثلا، بل هو خطاب فلسفي معظم لتلك الكتب، ولا يستهين بها، لكنه يبني عليها.
لا يوجد في المقال دعوة لتجاوز خطاب السلف، كما يقول معاتيه ما بعد السلفية، الموجود هنا هو تطوير ذلك الخطاب والبناء عليه لأجل تحطيم الفلسفة المناقضة، لا استبداله. الموجود هو: التنبيه على الاهتمام بدراسة ونقد الأصول الفلسفية للمعصية المعاصرة.
يمكنك رؤية ذلك في تراث ابن تيمية، لا يوجد من يقول أنه تراث حرفي مشابه لتراث السلف في نقد البدعة، كالكتب المسندة مثلا، بل هو خطاب فلسفي معظم لتلك الكتب، ولا يستهين بها، لكنه يبني عليها.
لا يوجد في المقال دعوة لتجاوز خطاب السلف، كما يقول معاتيه ما بعد السلفية، الموجود هنا هو تطوير ذلك الخطاب والبناء عليه لأجل تحطيم الفلسفة المناقضة، لا استبداله. الموجود هو: التنبيه على الاهتمام بدراسة ونقد الأصول الفلسفية للمعصية المعاصرة.
Forwarded from أنس هشام
ولو اشتغلت بدعوة الخلق عن طريقهم إلى الحق لعادك أهل الزمان بأجمعهم.
الغزالي
الغزالي
Forwarded from يوسف سمرين
"كان أحمد بن تيمية والذي كان سابقًا لزمانه يرى أننا لا نستطيع أن ندرك حقيقة أي شيء واحد من جميع الأبعاد الممكنة وبنفس الدقة في نفس الوقت، وبتعبير آخر نحن نستطيع أن ندرك جزءًا من الحقيقة عن أمر معين ولكننا لا نملك الإحاطة بحقيقة ذلك الشيء، [[وهي في جوهرها مقاربة كانطية إلى حد بعيد]]"
(المخرج الوحيد، عبد الله بن سعيد الشهري، تكوين للدراسات، الدمام-المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى: ١٤٤١هـ-٢٠٢٠م، ص١١٤.)
(المخرج الوحيد، عبد الله بن سعيد الشهري، تكوين للدراسات، الدمام-المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى: ١٤٤١هـ-٢٠٢٠م، ص١١٤.)
يوسف سمرين
"كان أحمد بن تيمية والذي كان سابقًا لزمانه يرى أننا لا نستطيع أن ندرك حقيقة أي شيء واحد من جميع الأبعاد الممكنة وبنفس الدقة في نفس الوقت، وبتعبير آخر نحن نستطيع أن ندرك جزءًا من الحقيقة عن أمر معين ولكننا لا نملك الإحاطة بحقيقة ذلك الشيء، [[وهي في جوهرها مقاربة…
– مذهب ابن تيمية: ”حُكي عن بعض السفسطائية أنه لم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد. وهذا القول على إطلاقه وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل، وإنما هو من جنس ما يحكى أن السفسطائية أنكروا الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة“. [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج١٩، ١٣٧]
– مذهب كانط: ”يقول السفسطائي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط أن رأي الشخص في مسألة هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن نقيضه لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته“
[المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤]
المفارقة [لا المقاربة!] هي أن كانط يقول: بعدم قدرة العقل على الوصول إلى معرفة الشيء في ذاته، لا يوجد الشيء لذاته، وإنما يوجد الشيء لذاتِنا حسب رؤيتنا، حسب وجهة نظرنا فقط.
خلافا لابن تيمية الذي يقول: الشيء يعرف مستقلا عن ذواتنا، بل تصوراتنا تابعة للأشياء، لا العكس.
هذا التناقض الصارخ يجعله مقاربة. وإلى حد بعيد!
– مذهب كانط: ”يقول السفسطائي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط أن رأي الشخص في مسألة هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن نقيضه لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته“
[المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤]
المفارقة [لا المقاربة!] هي أن كانط يقول: بعدم قدرة العقل على الوصول إلى معرفة الشيء في ذاته، لا يوجد الشيء لذاته، وإنما يوجد الشيء لذاتِنا حسب رؤيتنا، حسب وجهة نظرنا فقط.
خلافا لابن تيمية الذي يقول: الشيء يعرف مستقلا عن ذواتنا، بل تصوراتنا تابعة للأشياء، لا العكس.
هذا التناقض الصارخ يجعله مقاربة. وإلى حد بعيد!
”باركلي يرفض أن تكون في الأجسام قوة فاعلة أو مودعة، فالفعل الإلهي هو الوحيد المؤثر في العالم“
(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٢٤، نقلا عن: فكرة الألوهية في فلسفة باركلي، فريال حسن خليفة، ص١٣٢)
Déjà vu ! 😃
والفعل والتأثير ليس إلا
للواحد القــهار جل وعلا
ومن يقل بالطبع أو بالعلة
فذاك كفـر عند أهل الملة
(منظومة الدردير الأشعري، ص٢٤٠)
(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٢٤، نقلا عن: فكرة الألوهية في فلسفة باركلي، فريال حسن خليفة، ص١٣٢)
Déjà vu ! 😃
والفعل والتأثير ليس إلا
للواحد القــهار جل وعلا
ومن يقل بالطبع أو بالعلة
فذاك كفـر عند أهل الملة
(منظومة الدردير الأشعري، ص٢٤٠)
Forwarded from أنس هشام
عن حذيفة رضي الله عنه: أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما من النور إلاَّ قليلًا، قال: والذي نفسي بيده لتظهرنَّ البدع حتى لا يُرى من الحق إلا قَدْر ما بين هذين الحجرين من النور، والله لتفشُونَّ البدع حتى إذا تُرِكَ منها شيء قالوا: تُرِكت السنة.
البدع لابن وضاح
البدع لابن وضاح
”ولا يخفى على قارئ مؤهل للإسلام فضلا عن باحث متصدر للحديث في التراث الإسلامي أن الإحاطة المقصودة في النصوص هي في جانب العلم والقدرة، وسياقها يبينها بشكل جلي مثل قوله ﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرًا﴾ فهذا في سياق بيان تمام القدرة.
ومثل قوله ﴿والله محيط بالكافرين﴾ فهذا في سياق وعيده للكفار بأنه سيجمعهم في جهنم، فهذا المقصود بالإحاطة أي تمام العلم والقدرة، لا وحدة الوجود كما يحسبها تيزيني“
(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٣٤)
ومثل قوله ﴿والله محيط بالكافرين﴾ فهذا في سياق وعيده للكفار بأنه سيجمعهم في جهنم، فهذا المقصود بالإحاطة أي تمام العلم والقدرة، لا وحدة الوجود كما يحسبها تيزيني“
(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٣٤)
نظرت مليًا في أحوال النساء، وانفعالاتهن، وتصرفاتن، في الواقع وفي المواقع، فلم أر عدوًا للمرأة أنكى في العداوة بها من المرأة.
وأكثرهن في الحديث عما يتعلق ما بين المرأة وبين زوجها من حلول وما لفّ حولها، فالغالب على كلامهن أن غايتَه ومآله إلى تخريب البيوت، وإفساد المرأة على زوجها، وإفساد زوجها عليها. ومن أمعن النظر قال؛ صدقت، ومن أمعنت –ولو جحدت ظاهرًا– قالت في سرّها؛ صدقت.
وأكثرهن في الحديث عما يتعلق ما بين المرأة وبين زوجها من حلول وما لفّ حولها، فالغالب على كلامهن أن غايتَه ومآله إلى تخريب البيوت، وإفساد المرأة على زوجها، وإفساد زوجها عليها. ومن أمعن النظر قال؛ صدقت، ومن أمعنت –ولو جحدت ظاهرًا– قالت في سرّها؛ صدقت.
👍1
”ولكن المحفوظات قد تردد، ولا يلتزم حافظها بمعانيه، التي قد تكون غابت عنه لطغيان عاطفة انتصاره في ظنه لفكرته، فيتحاكم إلى صياغته، وتعبيراتها هو، بدل الانطلاق من الوقائع“
(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٣٩)
(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٣٩)
”لقد أراد المأمون عقيدة تتماشى مع أخلاق الأرستقراطية التي يرى بأنها أخلاق الملوك والسادة، وتختلف عن العامة من الرعية الذين أعجبه وصفهم بالحشو، وهذا ما أعجبه في المعتزلة بأنهم ينظّرون بما يتقاطع مع رؤيته لما ينبغي أن يكون أطلقته من امتيازات.
إنه الخاصة في مواجهة العامة، ومع ذلك كان ينتقي من مقالاتهم ومقالات غيرهم ما يرى أنه الأنسب لحكمه، ومن هذا الإطار أعجبه الإرجاء، فهو دين الملوك بتعبيره، والتوسع في هذا يكون في كتاب قريب إن شاء الله في تاريخ علم الكلام“.
(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٤٤)
إنه الخاصة في مواجهة العامة، ومع ذلك كان ينتقي من مقالاتهم ومقالات غيرهم ما يرى أنه الأنسب لحكمه، ومن هذا الإطار أعجبه الإرجاء، فهو دين الملوك بتعبيره، والتوسع في هذا يكون في كتاب قريب إن شاء الله في تاريخ علم الكلام“.
(القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٤٤)
من المضحكات التي تحصل بين الفينة والأخرى من أحدهم، أنه كلما تكلم بتمويه وشعر بسماجة قوله، أو جاءه معارض هنا وهناك؛ استملح في حق نفسه تذكيرَ الناس بما يليق به من التعظيم، فلا يفرِّطُ أبدًا –بمناسبة وبغير مناسبة– في كتابة ما يدلل به على أنه المتقن الدارس، المتفلسف المتكلم، السائر على درب الحكماء، الجالس إلى ركب العلماء، المتفرد على رأس المائة بدقة النظر وقوة التحصيل.. وملء البرميل وأكل الجرجير.
هون على نفسك، ينفجر لك وَدج –لا قدر الله– فنُفجع فيك!
هون على نفسك، ينفجر لك وَدج –لا قدر الله– فنُفجع فيك!
باسم بشينية
Photo
حول مفهوم إخراج الإسلام البشرية من الجاهلية إلى الحضارة. من زاوية أخرى؛ نموذج كلام المفكرين الإسلاميين:
سعيد حسن ”إن خروج الجماعات البشرية من مستنقعات الجاهلية إلى أرض الإيمان، النظيفة، المضيئة، المتوحدة اقتضی صراعا مميتا، وانتهى إلى انتصار للحضارة والقيم الحضارية في مفهومها الشامل“. [حضارة الأزمة ماذا قبل الإنهيار، لسعيد حسن، ٢٠٠٣، ص٣]
ثم تجد عماد الدين خليل، في كتاب مؤشرات إسلامية في زمن السرعة، يكتب فصلا بعنوان: ”الدين صراع من أجل التحضر“. يقول:
”والجهود التي بذلها الأنبياء عليهم السلام، لإخراج أممهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الحضارة، جهود كبيرة اقتضت منهم عزما يفل الحديد“ [مؤشرات إسلامية في زمن السرعة، ص٨٠]
ثم محمد خليل الباشا: ”هؤلاء ناضلوا في سبيل إحقاق الحق، وإزالة الظلم، والخروج بالإنسانية من ظلام الجاهلية إلى نور الحضارة الإسلامية المتألقة“. [الممجدون الأربعة، ص٦]
هنا يمكنك أن تلحظ مدى تجذر مفهوم قراءة الإسلام قراءة عصرية بمعايير معاصرة، "الإسلام أخرج العرب من الجاهلية إلى الحضارة/الإسلام صراع من أجل التحضر". في صورة غير دقيقة بخلاف نصوص الشريعة التي تقول ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ لا إلى التحضر.
ففي حين يفسر النور في كلام السلف بقولهم ”يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان“ (تفسير الطبري). يجعلها المفكرون: من ظلمات التخلف إلى نور التحضر، من البدو إلى الحضر...إلخ مع أن نمط حياة الصحابة في كثير من الأحيان بقي كما هو، وكان رسول الله يعيش على التمر والماء لأشهر، وكان هنالك أهل الصفة، وكان هنالك مجاعات، ولم تكن هنالك بروج مشيدة ولا قلاع وقصور.
فما المقصود بالحضارة هنا؟ مجرد مسحة عصرية لا معنى لها سوى القول: نحن أيضا لدينا حضارة لأن الإسلام جاء بمشروع التحضر. وجُعِلَ مشروع التحضر مناقضا لمسمى الجاهلية، في حين أن الجاهلية تطلق على كل ما خالف الإسلام ولو كان الجاهلي في أعلى مستويات الحضارة. ويطلق النور على كل من اهتدى بالإسلام ولو كان في أدنى مستويات الحضارة. كما نقل يوسف عن ابن تيمية قوله ”ولا يدخل في لفظ الجاهلية ما كانوا عليه في الجاهلية وأقره الله في الإسلام“.
مع أن الشريعة لم تقابل بين الحضارة والجاهلية، وإنما بين الحضر والبدو، ومن ذلك قوله في الحديث: (من سكن البادية جفا)، قال أبو بكر الأثرم: (وأما الكراهة فإنها لمن لزم البادية ، وترك الأمصار والجماعات) فهذا هو التقابل الصحيح: (بادية/حضر). لا (جاهلية/حضارة).
الصفحة المرفقة من كتاب: القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٥٣.
سعيد حسن ”إن خروج الجماعات البشرية من مستنقعات الجاهلية إلى أرض الإيمان، النظيفة، المضيئة، المتوحدة اقتضی صراعا مميتا، وانتهى إلى انتصار للحضارة والقيم الحضارية في مفهومها الشامل“. [حضارة الأزمة ماذا قبل الإنهيار، لسعيد حسن، ٢٠٠٣، ص٣]
ثم تجد عماد الدين خليل، في كتاب مؤشرات إسلامية في زمن السرعة، يكتب فصلا بعنوان: ”الدين صراع من أجل التحضر“. يقول:
”والجهود التي بذلها الأنبياء عليهم السلام، لإخراج أممهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الحضارة، جهود كبيرة اقتضت منهم عزما يفل الحديد“ [مؤشرات إسلامية في زمن السرعة، ص٨٠]
ثم محمد خليل الباشا: ”هؤلاء ناضلوا في سبيل إحقاق الحق، وإزالة الظلم، والخروج بالإنسانية من ظلام الجاهلية إلى نور الحضارة الإسلامية المتألقة“. [الممجدون الأربعة، ص٦]
هنا يمكنك أن تلحظ مدى تجذر مفهوم قراءة الإسلام قراءة عصرية بمعايير معاصرة، "الإسلام أخرج العرب من الجاهلية إلى الحضارة/الإسلام صراع من أجل التحضر". في صورة غير دقيقة بخلاف نصوص الشريعة التي تقول ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ لا إلى التحضر.
ففي حين يفسر النور في كلام السلف بقولهم ”يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان“ (تفسير الطبري). يجعلها المفكرون: من ظلمات التخلف إلى نور التحضر، من البدو إلى الحضر...إلخ مع أن نمط حياة الصحابة في كثير من الأحيان بقي كما هو، وكان رسول الله يعيش على التمر والماء لأشهر، وكان هنالك أهل الصفة، وكان هنالك مجاعات، ولم تكن هنالك بروج مشيدة ولا قلاع وقصور.
فما المقصود بالحضارة هنا؟ مجرد مسحة عصرية لا معنى لها سوى القول: نحن أيضا لدينا حضارة لأن الإسلام جاء بمشروع التحضر. وجُعِلَ مشروع التحضر مناقضا لمسمى الجاهلية، في حين أن الجاهلية تطلق على كل ما خالف الإسلام ولو كان الجاهلي في أعلى مستويات الحضارة. ويطلق النور على كل من اهتدى بالإسلام ولو كان في أدنى مستويات الحضارة. كما نقل يوسف عن ابن تيمية قوله ”ولا يدخل في لفظ الجاهلية ما كانوا عليه في الجاهلية وأقره الله في الإسلام“.
مع أن الشريعة لم تقابل بين الحضارة والجاهلية، وإنما بين الحضر والبدو، ومن ذلك قوله في الحديث: (من سكن البادية جفا)، قال أبو بكر الأثرم: (وأما الكراهة فإنها لمن لزم البادية ، وترك الأمصار والجماعات) فهذا هو التقابل الصحيح: (بادية/حضر). لا (جاهلية/حضارة).
الصفحة المرفقة من كتاب: القراءة الماركسية للتراث الإسلامي، طيب تيزيني نموذجا، يوسف سمرين، دار فارس لبعث التراث وتأصيل الفكر، الطبعة الأولى ٢٠٢١، ص٥٣.