نقد كتاب إشكالية المصطلح النسوي (٤)
ثم راح الكاتب يقول أن مصطلح القوامة ”لا يحتمل هذه الدلالات السالبة (يعني أفضلية الرجل على المرأة)، فالتكريم والأفضلية: للعمل الصالح كما هو متقرر في أصول الدين”
وهذا خطأ، وآليةُ فهمٍ أجنبية عن مسلك المفسرين والفقهاء، بل الله عز وجل لما ذكر أن الرجال قوامون على النساء، قال ﴿بِما فضل بعضهم على بعض﴾ قال أبو السعود أفندي: "الباء سببية متعلقة بـ قوامون" يعني قولَه "بما فضل". أي: الرجال قوامون على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء. فلِما يعدل الكاتِب عن هذا المسلك الذي سلكه السلف والمفسرون، ليخرج عن محل البحث فيحكي عن الأفضلية التي على أساس العمل الصالح.
إن الأفضلية هنا سبب في القوامة لا في دخول الجنة، عَكس مَا وهِمَ الكاتِب. ولذلك لما تعرض ابن تيمية لأحد الأسباب التي لأجلها كان الرجل أفضل من المرأة وهو نقص عقلها وكمال عقله، قال: ”وهذا نقص لا تلام عليه المرأة، لكن من جُعل كاملا كان أفضل منها بخلاف من نقص شيئا مما وجب عليه. فصار النقص في الدين والإيمان نوعين: نوع لا يذم العبد عليه لكونه لم يجب عليه لعجزه عنه حسا أو شرعا، وإما لكونه مستحبا ليس بواجب، ونوع يذم عليه وهو ترك الواجبات“ [شرح الأصفهانية، ص١٩٣]
وعلى أن مسألة الذم تكون بدلالات مختلفة بين الفقهاء، فالذم عند ابن تيمية يستلزم الذنب، وقد يكون عند غيره غير مستلزم له، كما في قول القرافي ”وصدر الحديث يفيد العموم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في ذم النساء على العموم: ناقصات عقل“ وقول البجيرمي في حاشيته على شرح الخطيب: ”وبعضهم حمله على العقل الغريزي، والظاهر أنه المناسب للمقام؛ لأن المقام مقام الذم للنساء“ فإن هذا الذم لا ينبني عليه ذنب، فإن الذنب يحصل بترك واجب أو فعل محرم. فــ ”ليس المراد بذكر نقص العقل والدين في النساء لومهن عليه، لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرا من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره [ككثرة اللعن] لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرا فيما يحصل من الإثم بل في أعم من ذلك، قاله النووي، لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عن المصلي“ [إرشاد الساري، ج١، ص٣٤٧]
فهنا؛ نذكر هذا لنشرح أن تفضيل الرجل على المرأة –مما يدخل في مدلول لفظ القوامة– لا يعني إثمها حتى ينقلب الحديث إلى التفضيل على أساس العمل الصالح. وإنما التفضيل مبني على الكمال، فالرجل كامل العقل، والرأي، والدين إذ أنه لا يترك الصلاة، والمرأة ناقصة عقل، ورأي، ودين إذ أنها تمكث فترة لا تصلي. وقد جاء في الحديث ”كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع“.
وأما قول الكاتِب عن القوامة أنَه: ”مفهوم أشبه بالمفهوم القيادي الإداري الذي يُرجِع المسؤولية النهائية لشخص واحد، كما ترجع نهاية السلطات في الدولة إلى سلطة واحدة وهي سلطة الحاكم. مع أن هذا الحاكم لا يعني أفضليته على بقية الناس“
فإنه أيضًا على خلاف كلام السلف، فإن الكاتب هنا تناول شقا واحدًا من مدلول القوامة وهو الشق الذي وسمه بـ "الوظيفي"، وأهمل الشق الوهبي الذي يتضمنه المصطلح، أعني الأفضلية. بل جعل ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم ”رئيسها كبيرها والحاكم عليها“ منفصلا وغير مفيد لأفضليته عليها! لكن أهل التفسير جميعًا والفقهاء؛ يجعلون العلاقة بين القوامة والأفضلية والإنفاق علاقة تلازمية! بل حتى القوامة التي قال أنها أشبه بالمفهوم القيادي؛ في كلام المفسرين والفقهاء تَثبُت للرجل لأنه أفضل.
فمجرد ذلك "المعنى الوظيفي" يفيد الأفضلية. لا كما يزعم الكاتِب أنها لا تفيد ذلك. وفي هذا يقول ابن كثير في تفسيره:
”﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها“
ولو عدنا لتفسير للشق الوظيفي "الإنفاق" في كلام السلفِ وما يفيد، وجدنا مع قول قتادة ”للرجال درجةٌ في الفضل على النساء“؛ أن مِن السلف مَن جعل استحقاقَ الدرجة التي هي الفضل: بسبب سوقُ المهور والإنفاق، يقول الشعبي: ”﴿وللرجال عليهن درجة﴾ بما أعطاها من صَداقها“ فهذا الشق الوظيفي الإنفاقي –لمصطلح القوامة– يدخل في مدلولِه معنى التفضل. ولذلك تجد في شرح قوله عليه الصلاة والسلام (لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) يقول المباركوري: ”أي لكثرة حقوقه عليها وعجزها عن القيام بشكرها“ [تحفة الأحذوي، ج٤، ص٢٧١]
فلا يبقى أي معنى صحيح يقوم عليه قول الكاتِب أن هذا الشق لا يفيد الأفضلية. أو أن الأفضلية في موضوع القوامة إنما تكون بالعمل الصالح.
ثم راح الكاتب يقول أن مصطلح القوامة ”لا يحتمل هذه الدلالات السالبة (يعني أفضلية الرجل على المرأة)، فالتكريم والأفضلية: للعمل الصالح كما هو متقرر في أصول الدين”
وهذا خطأ، وآليةُ فهمٍ أجنبية عن مسلك المفسرين والفقهاء، بل الله عز وجل لما ذكر أن الرجال قوامون على النساء، قال ﴿بِما فضل بعضهم على بعض﴾ قال أبو السعود أفندي: "الباء سببية متعلقة بـ قوامون" يعني قولَه "بما فضل". أي: الرجال قوامون على النساء بسبب ما فضل الله به الرجال على النساء. فلِما يعدل الكاتِب عن هذا المسلك الذي سلكه السلف والمفسرون، ليخرج عن محل البحث فيحكي عن الأفضلية التي على أساس العمل الصالح.
إن الأفضلية هنا سبب في القوامة لا في دخول الجنة، عَكس مَا وهِمَ الكاتِب. ولذلك لما تعرض ابن تيمية لأحد الأسباب التي لأجلها كان الرجل أفضل من المرأة وهو نقص عقلها وكمال عقله، قال: ”وهذا نقص لا تلام عليه المرأة، لكن من جُعل كاملا كان أفضل منها بخلاف من نقص شيئا مما وجب عليه. فصار النقص في الدين والإيمان نوعين: نوع لا يذم العبد عليه لكونه لم يجب عليه لعجزه عنه حسا أو شرعا، وإما لكونه مستحبا ليس بواجب، ونوع يذم عليه وهو ترك الواجبات“ [شرح الأصفهانية، ص١٩٣]
وعلى أن مسألة الذم تكون بدلالات مختلفة بين الفقهاء، فالذم عند ابن تيمية يستلزم الذنب، وقد يكون عند غيره غير مستلزم له، كما في قول القرافي ”وصدر الحديث يفيد العموم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في ذم النساء على العموم: ناقصات عقل“ وقول البجيرمي في حاشيته على شرح الخطيب: ”وبعضهم حمله على العقل الغريزي، والظاهر أنه المناسب للمقام؛ لأن المقام مقام الذم للنساء“ فإن هذا الذم لا ينبني عليه ذنب، فإن الذنب يحصل بترك واجب أو فعل محرم. فــ ”ليس المراد بذكر نقص العقل والدين في النساء لومهن عليه، لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرا من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره [ككثرة اللعن] لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرا فيما يحصل من الإثم بل في أعم من ذلك، قاله النووي، لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلا ناقص عن الأكمل، ومن ذلك الحائض لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض لكنها ناقصة عن المصلي“ [إرشاد الساري، ج١، ص٣٤٧]
فهنا؛ نذكر هذا لنشرح أن تفضيل الرجل على المرأة –مما يدخل في مدلول لفظ القوامة– لا يعني إثمها حتى ينقلب الحديث إلى التفضيل على أساس العمل الصالح. وإنما التفضيل مبني على الكمال، فالرجل كامل العقل، والرأي، والدين إذ أنه لا يترك الصلاة، والمرأة ناقصة عقل، ورأي، ودين إذ أنها تمكث فترة لا تصلي. وقد جاء في الحديث ”كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع“.
وأما قول الكاتِب عن القوامة أنَه: ”مفهوم أشبه بالمفهوم القيادي الإداري الذي يُرجِع المسؤولية النهائية لشخص واحد، كما ترجع نهاية السلطات في الدولة إلى سلطة واحدة وهي سلطة الحاكم. مع أن هذا الحاكم لا يعني أفضليته على بقية الناس“
فإنه أيضًا على خلاف كلام السلف، فإن الكاتب هنا تناول شقا واحدًا من مدلول القوامة وهو الشق الذي وسمه بـ "الوظيفي"، وأهمل الشق الوهبي الذي يتضمنه المصطلح، أعني الأفضلية. بل جعل ما يعبر عنه الفقهاء بقولهم ”رئيسها كبيرها والحاكم عليها“ منفصلا وغير مفيد لأفضليته عليها! لكن أهل التفسير جميعًا والفقهاء؛ يجعلون العلاقة بين القوامة والأفضلية والإنفاق علاقة تلازمية! بل حتى القوامة التي قال أنها أشبه بالمفهوم القيادي؛ في كلام المفسرين والفقهاء تَثبُت للرجل لأنه أفضل.
فمجرد ذلك "المعنى الوظيفي" يفيد الأفضلية. لا كما يزعم الكاتِب أنها لا تفيد ذلك. وفي هذا يقول ابن كثير في تفسيره:
”﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها“
ولو عدنا لتفسير للشق الوظيفي "الإنفاق" في كلام السلفِ وما يفيد، وجدنا مع قول قتادة ”للرجال درجةٌ في الفضل على النساء“؛ أن مِن السلف مَن جعل استحقاقَ الدرجة التي هي الفضل: بسبب سوقُ المهور والإنفاق، يقول الشعبي: ”﴿وللرجال عليهن درجة﴾ بما أعطاها من صَداقها“ فهذا الشق الوظيفي الإنفاقي –لمصطلح القوامة– يدخل في مدلولِه معنى التفضل. ولذلك تجد في شرح قوله عليه الصلاة والسلام (لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) يقول المباركوري: ”أي لكثرة حقوقه عليها وعجزها عن القيام بشكرها“ [تحفة الأحذوي، ج٤، ص٢٧١]
فلا يبقى أي معنى صحيح يقوم عليه قول الكاتِب أن هذا الشق لا يفيد الأفضلية. أو أن الأفضلية في موضوع القوامة إنما تكون بالعمل الصالح.
❤1
نقد كتاب إشكالية المصطلح النسوي (٥)
وأما قوله أن التشويه طال مصطلح القوامة حتى صار يحتمل ”عزل المرأة عن الحياة السياسية“ فهذا ليس من التشويه، بل هو من مقتضيات قوامة الرجال! ولذلك يجعل المفسرون القوامةَ مستحقة للرجال لأنهم أفضل من النساء من حيث اختصاصهم لوحدهم بالإمارة والقضاء، وأن أهل الحل والعقد لا يكونون إلا رجالا لأنهم القوامون. يقول ابن كثير:
”ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وكذا منصب القضاء وغير ذلك" [تفسير ابن كثير لآية القوامة].
وقد ”ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء، ولو ولِّيت أثم المولي، وتكون ولايتها باطلة، وحكمها غير نافذ في جميع الأحكام، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وبعض الحنفية“ [بداية المجتهد، ابن رشد، ج٢، ص٥٣١] وكان مما استدل به الجمهور: آية القوامة! فعلى أي أساس قام قول الكاتب أن عزل المرأة عن الحياة السياسية ناتج عن التشويه الحاصل لمصطلح القوامة؟! ما هكذا تحل إشكاليات المصطلحات!
يقول: ”واعتمد بناء هذه النظرية [أي سلطة الرجل على المرأة] على تصعيد آية القوامة بتأويلها الانحيازي الشايع في الفقه من مجرد آية تنطوي على حكم جزئي إلى نظرية عامة ومبدأ كلي يحكم تأويل سائر الآيات التي تخص العلاقات النوعية بين الجنسين بل والرؤية العامة لهذه العلاقة“ (ص١٣٣)
وحيث يرى الكاتب أن هذا التصعيدَ من الخطأ وسوء الفهم لدى النسوية! يقول الإمام الطاهر بن عاشور: ”﴿الرجال قوامون على النساء﴾ = أصل تشريعي كلي تتفرع عنه الأحكام التي في الآيات بعده، فهو كالمقدمة”. وإن قيل أن هذا يخص ما كان بين الزوج والزوجة، لا بين الجنسين مطلقًا، قيل: فهذا الإيراد الذي فيه تقرير ذا الأصل التشريعي قد تناول جنس الأزواج –الرجال– وجنس الزوجات –النساء– فنعود للقول بأن الأفضلية والقوامة مبدأ يحكم الرؤية العامة لهذه العلاقة بين الجنسين.
أيضًا فالمتقرر عند أهل التفسير أن الرجال أفضل من النساء تفضيل جنس على جنس، وتفضيل نوع على نوع. وأما عند أهل الفقه فيقول القاضي عبد الوهاب: ”وإذا ثبت ذلك جعلت جنائز الرجال ما يلي الإمام لأنهم أعلى حرمة من النساء، ثم الصبيان لأنهم من جنس المذكور، والتذكير في الجملة أفضل من التأنيث، ثم النساء بعد الصبيان“ [المعونة على مذهب عالم المدينة، ص٣٥٤]. يقول البجيرمي: ”وأن يقف خلفه [أي الإمام] رجال لفضلهم فصبيان لأنهم من جنس الرجال... فنساء“ [حاشية البجريمي على شرح المنهج، ج١، ص٣٢٠] فالآية يتفرع عنها ما يتعلق بالنوعين، بل حتى في موضوع الميراث يقول أبو السعود في تفسيره عند آية القوامة: ”كلام مستأنف مسوق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالا“ فالقوامة من أسباب استحقاق الذَكر الزيادةَ في الميراث. وهو قول أهل التفسير، وكله متفرع عندهم على الأصل الكلي الذي في آية القوامة.
وأما قوله أن التشويه طال مصطلح القوامة حتى صار يحتمل ”عزل المرأة عن الحياة السياسية“ فهذا ليس من التشويه، بل هو من مقتضيات قوامة الرجال! ولذلك يجعل المفسرون القوامةَ مستحقة للرجال لأنهم أفضل من النساء من حيث اختصاصهم لوحدهم بالإمارة والقضاء، وأن أهل الحل والعقد لا يكونون إلا رجالا لأنهم القوامون. يقول ابن كثير:
”ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك الملك الأعظم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وكذا منصب القضاء وغير ذلك" [تفسير ابن كثير لآية القوامة].
وقد ”ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى القضاء، ولو ولِّيت أثم المولي، وتكون ولايتها باطلة، وحكمها غير نافذ في جميع الأحكام، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وبعض الحنفية“ [بداية المجتهد، ابن رشد، ج٢، ص٥٣١] وكان مما استدل به الجمهور: آية القوامة! فعلى أي أساس قام قول الكاتب أن عزل المرأة عن الحياة السياسية ناتج عن التشويه الحاصل لمصطلح القوامة؟! ما هكذا تحل إشكاليات المصطلحات!
يقول: ”واعتمد بناء هذه النظرية [أي سلطة الرجل على المرأة] على تصعيد آية القوامة بتأويلها الانحيازي الشايع في الفقه من مجرد آية تنطوي على حكم جزئي إلى نظرية عامة ومبدأ كلي يحكم تأويل سائر الآيات التي تخص العلاقات النوعية بين الجنسين بل والرؤية العامة لهذه العلاقة“ (ص١٣٣)
وحيث يرى الكاتب أن هذا التصعيدَ من الخطأ وسوء الفهم لدى النسوية! يقول الإمام الطاهر بن عاشور: ”﴿الرجال قوامون على النساء﴾ = أصل تشريعي كلي تتفرع عنه الأحكام التي في الآيات بعده، فهو كالمقدمة”. وإن قيل أن هذا يخص ما كان بين الزوج والزوجة، لا بين الجنسين مطلقًا، قيل: فهذا الإيراد الذي فيه تقرير ذا الأصل التشريعي قد تناول جنس الأزواج –الرجال– وجنس الزوجات –النساء– فنعود للقول بأن الأفضلية والقوامة مبدأ يحكم الرؤية العامة لهذه العلاقة بين الجنسين.
أيضًا فالمتقرر عند أهل التفسير أن الرجال أفضل من النساء تفضيل جنس على جنس، وتفضيل نوع على نوع. وأما عند أهل الفقه فيقول القاضي عبد الوهاب: ”وإذا ثبت ذلك جعلت جنائز الرجال ما يلي الإمام لأنهم أعلى حرمة من النساء، ثم الصبيان لأنهم من جنس المذكور، والتذكير في الجملة أفضل من التأنيث، ثم النساء بعد الصبيان“ [المعونة على مذهب عالم المدينة، ص٣٥٤]. يقول البجيرمي: ”وأن يقف خلفه [أي الإمام] رجال لفضلهم فصبيان لأنهم من جنس الرجال... فنساء“ [حاشية البجريمي على شرح المنهج، ج١، ص٣٢٠] فالآية يتفرع عنها ما يتعلق بالنوعين، بل حتى في موضوع الميراث يقول أبو السعود في تفسيره عند آية القوامة: ”كلام مستأنف مسوق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلا إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالا“ فالقوامة من أسباب استحقاق الذَكر الزيادةَ في الميراث. وهو قول أهل التفسير، وكله متفرع عندهم على الأصل الكلي الذي في آية القوامة.
نقد كتاب إشكالية المصطلح النسوي (٦)
يقول الكاتِب ”ولأجل هذا الخلط في فهم دلالة مصطلح القوامة بين مفهوم المسؤولية التي تعني قيادة دفة الأسرة، وبين الطبقية أو التمييز على أساس الجنس، مما يولد القهر والاستبداد حيث يُنظر لمصطلح القوامة على أنه يدل على السلطة العليا للرجل وأنها سلطة أحادية مطلقة“ (ص١٣٥)
وهنا يوضح الكاتب أن مصطلح القوامة لا يدل على الاستبداد بالسلطة، حيث أن الاستبداد هنا يعني: الإنفراد بالأمر والنهي. فهذا المسلك أيضًا خطأ، بل لفظ القوامة يدل على ذلك، حيث أدخل السلف معنى "التأديب" في مدلول مصطلح القوامة، والتأديب يدخل في مسماه: الأمر والنهي المستلزم لطاعة الزوجة للزوج، وهنا لمّا فسر ابن زيد –وهو من السلف– قولَه تعالى ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ قال: ”يطعن الأزواجَ الرجال، وليس الرجال يطيعونهن“. فمعنى الانفراد بما يوجب الطاعة –أعني الأمر والنهي= السلطة– قد تضمنت روايات السلف أنه من مدلولات القوامة.
هنا تضحى كلمات مثل "الطبقية/سلطة أحادية/القهر والاستبداد" مثيلة لكلماته الأولى "المعنى الوظيفي/الطاقة الدلالية" إذ هي من قبيل الإنشاء ولا تفيد شيئا من التحقيق. بل هي مما يجعل كتابا جاء لتحليل الإشكالية في المصطلح النسوي، واقعا في إشكالية مع المصطلح الشرعي.
انتهى.
يقول الكاتِب ”ولأجل هذا الخلط في فهم دلالة مصطلح القوامة بين مفهوم المسؤولية التي تعني قيادة دفة الأسرة، وبين الطبقية أو التمييز على أساس الجنس، مما يولد القهر والاستبداد حيث يُنظر لمصطلح القوامة على أنه يدل على السلطة العليا للرجل وأنها سلطة أحادية مطلقة“ (ص١٣٥)
وهنا يوضح الكاتب أن مصطلح القوامة لا يدل على الاستبداد بالسلطة، حيث أن الاستبداد هنا يعني: الإنفراد بالأمر والنهي. فهذا المسلك أيضًا خطأ، بل لفظ القوامة يدل على ذلك، حيث أدخل السلف معنى "التأديب" في مدلول مصطلح القوامة، والتأديب يدخل في مسماه: الأمر والنهي المستلزم لطاعة الزوجة للزوج، وهنا لمّا فسر ابن زيد –وهو من السلف– قولَه تعالى ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ قال: ”يطعن الأزواجَ الرجال، وليس الرجال يطيعونهن“. فمعنى الانفراد بما يوجب الطاعة –أعني الأمر والنهي= السلطة– قد تضمنت روايات السلف أنه من مدلولات القوامة.
هنا تضحى كلمات مثل "الطبقية/سلطة أحادية/القهر والاستبداد" مثيلة لكلماته الأولى "المعنى الوظيفي/الطاقة الدلالية" إذ هي من قبيل الإنشاء ولا تفيد شيئا من التحقيق. بل هي مما يجعل كتابا جاء لتحليل الإشكالية في المصطلح النسوي، واقعا في إشكالية مع المصطلح الشرعي.
انتهى.
”أما الشعراء فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء ووصفهن و الغَزَل، فمال طبعهم إلى النساء فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فأستسلموا إليه منقادين“
(روضة المحبين ونزهة المشتاقين، ابن القيم، تحقيق: عمر عزيز شمس، دار عالم الفوائد، ص٣٠٣)
(روضة المحبين ونزهة المشتاقين، ابن القيم، تحقيق: عمر عزيز شمس، دار عالم الفوائد، ص٣٠٣)
ولو لم ننظر لمجرد "استسلام القلب للهوى" فإننا نجد أكثر متعاطي الغزل من غير ضوابط، منقادين حتى للتحرُّجِ من أحكام الشريعة والفقهِ، الأمر الذي لم يكن متفشيًا في من سبق.
وهذا ملاحَظ!
وهذا ملاحَظ!
مثلا، إذا رحتَ تحرر مسألة الطاعة والأمر والنهي والتأديب وما يتعلق بالنشوز فقهيًا، كثيرًا، بل غالبًا وحتى بين كثيرٍ من المتفيقهة لا العوام فقط؛ يقال لك: كل شيء من الخلاف يُحل بالحب والنقاش والحوار واللين فقط، لا داعي لترويج الفكر الدكتاتوري أحادي السلطة، فالزواج شراكة.
وهذا التأصيل غلط، يقع فيه كثير ممن ألزم قلبه الفكر في النساء ووصفهن والغزل، وفي الطرف الآخر يقع فيه من اشتدت عليه حِدة النسوية والمتأثرات بها.
النشوز ما هو؟ يقول صاحب أضواء البيان: ”النشوز في اصطلاح الفقهاء الخروج عن طاعة الزوج“. يقول الطبري: ”نشوزهن: استعلاءَهن على أزواجهن، وارتفاعهن عن فُرُشهم بالمعصية منهن، والخلاف عليهم فيما لزمهنّ طاعتهم فيه، بغضًا منهن وإعراضًا عنهم“
وقال ابن زيد: نشوزها: معصيته وخلافُه. وقال ابن عباس: وتستخفّ بحق زوجها ولا تطيع أمره.
المسلك القرآني الذي ينطلق منه الفقه في ما يترتب خروج المرأة عن طاعة زوجها، ما هو؟
يقول تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾
يقول الطبري:
١– ذكّروهن الله، وخوِّفوهن وعيدَه، في ركوبها ما حرّم الله عليها من معصية زوجها فيما أوجب عليها طاعته فيه.
٢– قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي والضحاك: فإن أبينَ مراجعة الحقّ في ذلك والواجب عليهن لكم، فاهجروهن بترك جماعهنَ في مضاجعتكم إياهن.
٣– وفي الثالثة يقول الطبري: وقال أهل التأويل: صفة الضرب التي أباح الله لزوج الناشز أن يضربها: الضربُ غيرُ المبرِّح.
ومن قال بذلك: سعيد بن جبير والشعبي، وابن عباس، والحسن وقتادة، وابن جريج، وعن عطاء أنه سأل ابن عباس فقال له: السواك وشبهه، يضربها به.
وقال ابن زيد: نشوزها: معصيته وخلافُه. وقال ابن عباس: وتستخفّ بحق زوجها ولا تطيع أمره.
المسلك القرآني الذي ينطلق منه الفقه في ما يترتب خروج المرأة عن طاعة زوجها، ما هو؟
يقول تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا﴾
يقول الطبري:
١– ذكّروهن الله، وخوِّفوهن وعيدَه، في ركوبها ما حرّم الله عليها من معصية زوجها فيما أوجب عليها طاعته فيه.
٢– قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي والضحاك: فإن أبينَ مراجعة الحقّ في ذلك والواجب عليهن لكم، فاهجروهن بترك جماعهنَ في مضاجعتكم إياهن.
٣– وفي الثالثة يقول الطبري: وقال أهل التأويل: صفة الضرب التي أباح الله لزوج الناشز أن يضربها: الضربُ غيرُ المبرِّح.
ومن قال بذلك: سعيد بن جبير والشعبي، وابن عباس، والحسن وقتادة، وابن جريج، وعن عطاء أنه سأل ابن عباس فقال له: السواك وشبهه، يضربها به.
هذا التشنج الذي نراه مع المسلك الفقهي، والمنهج القرآني، سواء من بعض الرجال، أو من كثير من النساء، يجب أن يزال، ويطمس، ويُقمع. إنهم يريدون أن يشيعوا ما انطوت عليه نفسياتهم المنسحقة تحت وطأة العشق وضغوط النقد النسوي خوفًا من الرجل "الشرقي" كامل القوامة ليستبدلوا ما جاء في الشريعة منظِمًا لحياة الأمم خلال قرون، بذلك الانكسار الذي يجعل هذا القانون الحق معارضًا لما يمكن أن تعيشه الأسرة المسلمة من ود ومعروف.
إنهم يترجمون الود والمعروف تحت مسميات مخالفة للثقافة الإسلامية التراثية الأصيلة، يقولون: الود والمعروف، ثم تراهم يعارضون أحادية السلطة في الأسرة، والنموذج الهرمي فيها كأن يكون على النساء طاعة الأزواج وليس على الأزواج طاعة النساء. فالود والمعروف عندهم اسم لمسمى أجنبي نسوي متدثر؛ إنه يأتي على ألسنتهم وأقلامهم بمعنى: الشراكة. فيقال: الرجل والمرأة بينهما علاقة شراكة. يأمران معا، ينهيان معا، القوامة بينهما شراكة، والنفقة أيضًا شراكة، والرجل يستأذن كما تستأذن الزوجة مطلقًا، بل يجعلون هذه المعاني؛ غايةً في العشرة بالمعروف!
«يطعن الأزواجَ الرجال وليس الرجال يطيعونهن»
–عبد الرحمن بن زيد. ت ١٨٢هجري.
إنهم يترجمون الود والمعروف تحت مسميات مخالفة للثقافة الإسلامية التراثية الأصيلة، يقولون: الود والمعروف، ثم تراهم يعارضون أحادية السلطة في الأسرة، والنموذج الهرمي فيها كأن يكون على النساء طاعة الأزواج وليس على الأزواج طاعة النساء. فالود والمعروف عندهم اسم لمسمى أجنبي نسوي متدثر؛ إنه يأتي على ألسنتهم وأقلامهم بمعنى: الشراكة. فيقال: الرجل والمرأة بينهما علاقة شراكة. يأمران معا، ينهيان معا، القوامة بينهما شراكة، والنفقة أيضًا شراكة، والرجل يستأذن كما تستأذن الزوجة مطلقًا، بل يجعلون هذه المعاني؛ غايةً في العشرة بالمعروف!
«يطعن الأزواجَ الرجال وليس الرجال يطيعونهن»
–عبد الرحمن بن زيد. ت ١٨٢هجري.
👍1
”إنني ذو مؤهلات حربية بطبعي، الهجوم هو إحدى غرائزي، أن يكون الواحد قادرا على المعاداة، أن يكون عدوًا يتطلب التمتُّع بطبع قوي“.
(هذا هو الإنسان، فريدريك نيتشه، نقله عن الألمانية: علي مصباح، منشورات الجمل، ص31)
(هذا هو الإنسان، فريدريك نيتشه، نقله عن الألمانية: علي مصباح، منشورات الجمل، ص31)
Forwarded from شَأس.
"كن قادرًا على التجاهل تمامًا كقدرتك على الرد حتى تحدد أنت متى وكيف وأين ترد."
__م. أحمد سمير.
__م. أحمد سمير.
Forwarded from Yousef Saadeh Taqatqeh
"عبثًا يحاول المتعنتون نبذ حقيقة جديدة قد سُطرت في الكتب؛ إذ إنها تنجو من الذين ازدروها، حتى إذا ظنوها زهقت كانت تشيد بصمت مملكتها فوق الآراء."
~ نيكولا دو كوندورسيه.
~ نيكولا دو كوندورسيه.
الذي سأقوله؛ كثير من الناس سيرونه غير شامل لهم، لكونِه ذمٌّ بما يدَّعُونَ محاربَته. لكني أرى أن غالبيّتنا السّاحِقة وخصوصًا الذين يشغلون أنفسهم بـ "نقد الفكر الخطأ" تدين بجزء لا بأس به من الدين الإنسانوي، ولو كان مجرد تأثُرٍ، فالوازِعُ باقٍ في أنفس الأغلَب، إلا من عصمه الباري ونقّاهُ من الشضايَا. ومن تأمل وهو كاملُ الإدراك –انفِعالات الناس– رأى ذلك حقًا.
الإشكالية الطاغية في أوساط المُتَفَيقِهين مع مصطلح "القوامة" ما هي؟ (١)
مصطلح القوامة بمدلوله الشامل ينطوي على معاني كثيرة من بينها: أن الرجل هو صاحب الأمر والنهي، وهو الواجب طاعته من طرف زوجته، بلا عكس. هذه المدلولات لا تجد نسوية عربية إلا وقد طرحتها مع حديثها عن القوامة، وكثيرًا ما يَرِد ذلك وفق الصياغة: "مصطلح القوامة يثبت سلطة وتسلط الرجل على المرأة".
دعك من نقدِ النقد النسوي لهذا الأمر، لكن أنظر لكثير من خطابات الإسلاميين في جزئية "التسلط/السلطة/أحادية السلطة/الأمر والنهي/وجوب الطاعة" على أنها معاني تثبت: الظلم والقهر والإهانة، ثم يساق البديل تحت مسمى المودة والرحمة وحسن العشرة، على أن ذي المعاني معارضة لمسمى السلطة/وجوب الطاعة/الأمر والنهي.
إن هذا التشوّه في التعامل مع النص والفقه، ناتج عن الانجرار خلف الصورة النمطية التي ترسمها النسوية حول تلك المدلولات وهي؛ أن السلطة والتسلط يلزم منهما الظلمُ، والقهر. أو أن يكون الرجل الآمر/الناهي: لا يأمر ولا ينهى ولا يمارس سلطته إلا متعسفًا بصراخ وفضاضة وغلظة وعنف وقساوة وسب وما إلى ذلك. وأنه لا يمكن أن يعتقد في نفسه أن يكون صاحب الأمر والنهي والسلطة في البيت إلا وهو حاملٌ للسوط كما –قال أحد الأصحاب– مع ادعاء ساقط يساق ضمنًا؛ وهو أن النساء المسلمات: لديهن مشكلة مع مسألة الطاعة، أو أن الأصل في النساء الناضجات للزواج: استحباب النشوز بدل الطاعة، أو أن نموذج الرجل "ذي الأمر والنهي والسلطة" نموذج بغيض لدى النساء التقيّات، أو أنهن يرينه نموذجًا يريد إهانة زوجته ورغبتها في حسن العشرة والمودة.
كل هذه التصورات تمثّل نجاحًا لجزء من المشروع النسوي في تخنِيث الرجل، وتشويه تصوّره للرجولة، والفحولة.
كثير من مدعي الدفاع عن الشريعة وتقبلها، يتحرجون من مقالات الأمر والنهي والطاعة لأجل هذه الصورة التي قذفها نياح النسويات في أذهانهم، لكن لو نظرنا إلى الشريعة لم نجد الأمر هكذا، مع أنه لم يكن أيضا على الصيغة التي يريد المدافع الرخو أن يثبتها؛ أن العلاقة علاقة شراكة، وأن كل شيء يُحل بالنقاش بدون تأمُّر ولا استحضار لموضوع وجوب الطاعة وما شابه، بغية تعميم ذي الأفكار البديلة على أنها هي منطق الإسلام، هروبا من الجلد النسوي الذي في الأصل: يجب جلده بما يُحاوِلُ المتفيقهون هؤلاء أن يفروا منه!
الدفاع عن الأمر والنهي ووجوب الطاعة، لا يعني الدفاع عن الرجل الوحش، العنيف، الذي يحل كل مشاكله بالصراخ والحِدّة، كما لا يعني أيضًا أنه تضمّن معنى سلبي حول مطلق النساء وإن كانت غالبيتهن ينبذن معنى الطاعة ويستملحن علاقة النديّة، فالتصور الصحيح الذي يريد الفقه تثبيته يجب طرحه متكاملًا، ويجب النظر لمن ينطق بجزئية منطلقًا من الفقه؛ أن نطقه ذاك يُفهَم في سياق أو جملة أقوال يحكمها نسق شامل.
الأمر والنهي من الرجل، وكذلك تثبيت سلطته على زوجته، فقهيًا، لا يعني ولا يلزم منه سوء العشرة، فقد يأتي الأمر والنهي وترجمة السلطة التي بيد الرجل بصورة تنطوي على كمّ كبير من الوُد والتعقّل، وهذا مشاهد لكل عاقِل يتأمل تعامل الأزواج التراثيين مع بعضهم، يعرض أمر، فيأمر الزوج بشيء، فتقول الزوجة: الأمر كما قلت، زوجي قال لي، مُولَا بَيتي أمر!
مصطلح القوامة بمدلوله الشامل ينطوي على معاني كثيرة من بينها: أن الرجل هو صاحب الأمر والنهي، وهو الواجب طاعته من طرف زوجته، بلا عكس. هذه المدلولات لا تجد نسوية عربية إلا وقد طرحتها مع حديثها عن القوامة، وكثيرًا ما يَرِد ذلك وفق الصياغة: "مصطلح القوامة يثبت سلطة وتسلط الرجل على المرأة".
دعك من نقدِ النقد النسوي لهذا الأمر، لكن أنظر لكثير من خطابات الإسلاميين في جزئية "التسلط/السلطة/أحادية السلطة/الأمر والنهي/وجوب الطاعة" على أنها معاني تثبت: الظلم والقهر والإهانة، ثم يساق البديل تحت مسمى المودة والرحمة وحسن العشرة، على أن ذي المعاني معارضة لمسمى السلطة/وجوب الطاعة/الأمر والنهي.
إن هذا التشوّه في التعامل مع النص والفقه، ناتج عن الانجرار خلف الصورة النمطية التي ترسمها النسوية حول تلك المدلولات وهي؛ أن السلطة والتسلط يلزم منهما الظلمُ، والقهر. أو أن يكون الرجل الآمر/الناهي: لا يأمر ولا ينهى ولا يمارس سلطته إلا متعسفًا بصراخ وفضاضة وغلظة وعنف وقساوة وسب وما إلى ذلك. وأنه لا يمكن أن يعتقد في نفسه أن يكون صاحب الأمر والنهي والسلطة في البيت إلا وهو حاملٌ للسوط كما –قال أحد الأصحاب– مع ادعاء ساقط يساق ضمنًا؛ وهو أن النساء المسلمات: لديهن مشكلة مع مسألة الطاعة، أو أن الأصل في النساء الناضجات للزواج: استحباب النشوز بدل الطاعة، أو أن نموذج الرجل "ذي الأمر والنهي والسلطة" نموذج بغيض لدى النساء التقيّات، أو أنهن يرينه نموذجًا يريد إهانة زوجته ورغبتها في حسن العشرة والمودة.
كل هذه التصورات تمثّل نجاحًا لجزء من المشروع النسوي في تخنِيث الرجل، وتشويه تصوّره للرجولة، والفحولة.
كثير من مدعي الدفاع عن الشريعة وتقبلها، يتحرجون من مقالات الأمر والنهي والطاعة لأجل هذه الصورة التي قذفها نياح النسويات في أذهانهم، لكن لو نظرنا إلى الشريعة لم نجد الأمر هكذا، مع أنه لم يكن أيضا على الصيغة التي يريد المدافع الرخو أن يثبتها؛ أن العلاقة علاقة شراكة، وأن كل شيء يُحل بالنقاش بدون تأمُّر ولا استحضار لموضوع وجوب الطاعة وما شابه، بغية تعميم ذي الأفكار البديلة على أنها هي منطق الإسلام، هروبا من الجلد النسوي الذي في الأصل: يجب جلده بما يُحاوِلُ المتفيقهون هؤلاء أن يفروا منه!
الدفاع عن الأمر والنهي ووجوب الطاعة، لا يعني الدفاع عن الرجل الوحش، العنيف، الذي يحل كل مشاكله بالصراخ والحِدّة، كما لا يعني أيضًا أنه تضمّن معنى سلبي حول مطلق النساء وإن كانت غالبيتهن ينبذن معنى الطاعة ويستملحن علاقة النديّة، فالتصور الصحيح الذي يريد الفقه تثبيته يجب طرحه متكاملًا، ويجب النظر لمن ينطق بجزئية منطلقًا من الفقه؛ أن نطقه ذاك يُفهَم في سياق أو جملة أقوال يحكمها نسق شامل.
الأمر والنهي من الرجل، وكذلك تثبيت سلطته على زوجته، فقهيًا، لا يعني ولا يلزم منه سوء العشرة، فقد يأتي الأمر والنهي وترجمة السلطة التي بيد الرجل بصورة تنطوي على كمّ كبير من الوُد والتعقّل، وهذا مشاهد لكل عاقِل يتأمل تعامل الأزواج التراثيين مع بعضهم، يعرض أمر، فيأمر الزوج بشيء، فتقول الزوجة: الأمر كما قلت، زوجي قال لي، مُولَا بَيتي أمر!
❤2
الإشكالية الطاغية في أوساط المُتَفَيقِهين مع مصطلح "القوامة" ما هي؟ (٢)
قد كانت زوجة سعيد بن المسيب تقول: "ما كنا نحدث أزواجنا إلا كما تحدثون أمراءكم: أصلحك الله عافاك الله" ولم يكن هنالك فكرٌ عفنٌ كالذي نراه اليوم: بلا ندية ومشاكل لا يكون الحب ممتعًا –كما قال أحد الأصحاب–
وانظر مثلًا نموذج شريح القاضي كما في أحكام النساء لابن الجوزي، وأنظر لنموذج زوجته رضي الله عنها كيف كانت ترى أن العلاقة بينهمَا هرمية تكاملية، تسأله عن أمره ونهيِه وما يحب وما يكره كي تلزمه، تقول له: ”فبيِّن لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأتركه“ حتى قالت له أمُّها: ”فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم شرًّا من المرأة المدلَّلة، فأدِّب ما شئت أن تؤدِّب، وهذِّب ما شئت أن تُهذِّب“ فسألت عن حال ابنتها معه فقال: ”خير زوجة“، يحكي للشعبي عنها فيقول: ”فمكثت معي عشرين عامًا لم أُعقِّب عليها في شيء إلا مرة، وكنت لها ظالِمًا”.
أترى جوابه عند سؤالها ”فبيّن ما تكره، وما تحب، لأجتنبَ هذا، وآتي هذا“ مستلزمًا لمعاني القهر مع استلزامِه لوجوب طاعتها، وأن الأمر والنهي بما يؤتى وما يُترك بين يديه لا بين يديها! كلّا، إلا عند من شوّهت النسوية فطرتهم.
فقهيًا: إذا كان قوله تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ يستفاد منه أن الرجل هو الآمر، المسلّط، كما في كلام السلف، فإن قوله تعالى ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ينظّم رؤيتنا لكيفيّة طرح الأمر والنهي وممارسة التأديب.
يقول القرطبي عند تفسير قوله ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾: ”وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازجة“ يقول الآلوسي: ”وقيل: المعروف أن لا يضربها ولا يسيء الكلام معها ويكون منبسط الوجه لها“ وكل هذه المعاني لا تتنافى مع أن العلاقة هرمية، وأن الرجل هو ذو السلطان، بل بالعكس، ما دام ثابتًا أن الشراكة في القيادة أمر لا يمكن أن يكون واقعًا، فإن أكثر ما ينافي العشرة بالمعروف ينتج عند اختلال تلك الهرمية، ومحاولة النساء أن يشاركن رجالهن في مسمى الأمر والنهي، وأن يمارسن النديّة، وأن يتسلطن على الأزواج وينشزن. مما يستدعي الحدّة من الرجال، وشيئا من القسوة كي توضع الأمور في نصابِها ﴿فعظوهن، وأهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ الآية.
على أن الحياة الزوجية ليست منحصرة في "الأمر/النهي" بل هي أوسع، إلا أن ترتيب الفقه لحياة الناس، وتبيان حدود الحقوق والواجبات، والحلال والحرام، بالغُ الدقة والتكامل، طبعًا مع التسليم بأن الفقه الذي يقول: الزوج له الأمر وعليها الطاعة ويكون هذا القول: مقبولا عند الرجل كتشريع، فإنه يتعامل مع المسلمة على أنها تقبله كتشريع أيضًا، لا كعقوبة كما يريد النسويات ومن تأثر بهن أن يشرحوا الأمر.
وأئمة الفقه الذي يلزمون الزوجة بالطاعة، والزوج بأنه صاحب الأمر وكذا، لا يجيزون للزوج إهانة زوجته، ولا ممارسة ذلك النوع الذي يريد النسويات إلصاقه بمسمى القوامة!، بل قال الدردير: ”ولها التطليق بالضرر، وهو ما لا يجوز شرعا، كهجرها بلا موجب شرعي، وضربها كذلك وسبها وسب أبيها، نحو: يا بنت الكلب، يا بنت الكافر، يا بنت الملعون، كما يقع كثيرا من رعاع الناس، ويؤدب على ذلك زيادة على التطليق، كما هو ظاهر”.
فأنظر للتكامل، قبل أن تسارع في بثّ الرخاوة لتجنُّب الصدام مع النسوية.
قد كانت زوجة سعيد بن المسيب تقول: "ما كنا نحدث أزواجنا إلا كما تحدثون أمراءكم: أصلحك الله عافاك الله" ولم يكن هنالك فكرٌ عفنٌ كالذي نراه اليوم: بلا ندية ومشاكل لا يكون الحب ممتعًا –كما قال أحد الأصحاب–
وانظر مثلًا نموذج شريح القاضي كما في أحكام النساء لابن الجوزي، وأنظر لنموذج زوجته رضي الله عنها كيف كانت ترى أن العلاقة بينهمَا هرمية تكاملية، تسأله عن أمره ونهيِه وما يحب وما يكره كي تلزمه، تقول له: ”فبيِّن لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأتركه“ حتى قالت له أمُّها: ”فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم شرًّا من المرأة المدلَّلة، فأدِّب ما شئت أن تؤدِّب، وهذِّب ما شئت أن تُهذِّب“ فسألت عن حال ابنتها معه فقال: ”خير زوجة“، يحكي للشعبي عنها فيقول: ”فمكثت معي عشرين عامًا لم أُعقِّب عليها في شيء إلا مرة، وكنت لها ظالِمًا”.
أترى جوابه عند سؤالها ”فبيّن ما تكره، وما تحب، لأجتنبَ هذا، وآتي هذا“ مستلزمًا لمعاني القهر مع استلزامِه لوجوب طاعتها، وأن الأمر والنهي بما يؤتى وما يُترك بين يديه لا بين يديها! كلّا، إلا عند من شوّهت النسوية فطرتهم.
فقهيًا: إذا كان قوله تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ يستفاد منه أن الرجل هو الآمر، المسلّط، كما في كلام السلف، فإن قوله تعالى ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ينظّم رؤيتنا لكيفيّة طرح الأمر والنهي وممارسة التأديب.
يقول القرطبي عند تفسير قوله ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾: ”وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقا في القول لا فظا ولا غليظا ولا مظهرا ميلا إلى غيرها. والعشرة: المخالطة والممازجة“ يقول الآلوسي: ”وقيل: المعروف أن لا يضربها ولا يسيء الكلام معها ويكون منبسط الوجه لها“ وكل هذه المعاني لا تتنافى مع أن العلاقة هرمية، وأن الرجل هو ذو السلطان، بل بالعكس، ما دام ثابتًا أن الشراكة في القيادة أمر لا يمكن أن يكون واقعًا، فإن أكثر ما ينافي العشرة بالمعروف ينتج عند اختلال تلك الهرمية، ومحاولة النساء أن يشاركن رجالهن في مسمى الأمر والنهي، وأن يمارسن النديّة، وأن يتسلطن على الأزواج وينشزن. مما يستدعي الحدّة من الرجال، وشيئا من القسوة كي توضع الأمور في نصابِها ﴿فعظوهن، وأهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ الآية.
على أن الحياة الزوجية ليست منحصرة في "الأمر/النهي" بل هي أوسع، إلا أن ترتيب الفقه لحياة الناس، وتبيان حدود الحقوق والواجبات، والحلال والحرام، بالغُ الدقة والتكامل، طبعًا مع التسليم بأن الفقه الذي يقول: الزوج له الأمر وعليها الطاعة ويكون هذا القول: مقبولا عند الرجل كتشريع، فإنه يتعامل مع المسلمة على أنها تقبله كتشريع أيضًا، لا كعقوبة كما يريد النسويات ومن تأثر بهن أن يشرحوا الأمر.
وأئمة الفقه الذي يلزمون الزوجة بالطاعة، والزوج بأنه صاحب الأمر وكذا، لا يجيزون للزوج إهانة زوجته، ولا ممارسة ذلك النوع الذي يريد النسويات إلصاقه بمسمى القوامة!، بل قال الدردير: ”ولها التطليق بالضرر، وهو ما لا يجوز شرعا، كهجرها بلا موجب شرعي، وضربها كذلك وسبها وسب أبيها، نحو: يا بنت الكلب، يا بنت الكافر، يا بنت الملعون، كما يقع كثيرا من رعاع الناس، ويؤدب على ذلك زيادة على التطليق، كما هو ظاهر”.
فأنظر للتكامل، قبل أن تسارع في بثّ الرخاوة لتجنُّب الصدام مع النسوية.
👍5
حول_مدلول_القوامة_نقد_كتاب_إشكالية_المصطلح_النسوي،_باسم_بشينية.pdf
392.3 KB
نقد كتاب "اشكالية المصطلح النسوي" في حديثه عن مصطلح القوامة، على شكل ملف بدف.
❤1
Forwarded from Yousef Saadeh Taqatqeh
"لم أحرص يومًا على إرضاء الغوغاء؛ إذ إنهم لا يستحسنون معرفتي، ولا أعرفُ ما يستحسنون!"
~ إبيقور، نقلها سينيكا في رسالته التاسعة والعشرين إلى لوسيليوس.
~ إبيقور، نقلها سينيكا في رسالته التاسعة والعشرين إلى لوسيليوس.
”لو أن نصف الخلق تقرَّبوا مني ما وجدت لهم أنسًا، ولو أن النصف الآخر نأوا عني ما استوحشت“ –الحارث المحاسبي.
–التوهم، الحارث بن أسد المحاسبي «٢٤٣هجري» تحقيق: المعتصم بالله مصطفى جعفر الهاشمي، مكتبة نور الإسلام، الطبعة الثانية، ص١١، ترجمته للمحقق.
–التوهم، الحارث بن أسد المحاسبي «٢٤٣هجري» تحقيق: المعتصم بالله مصطفى جعفر الهاشمي، مكتبة نور الإسلام، الطبعة الثانية، ص١١، ترجمته للمحقق.
”عن حميد بن هلال قال: ذُكر لنا أن الرجل يُدعى يوم القيامة إلى الحساب فيُقال: يا فلان ابن فلان هلمَّ إلى الحساب، حتى يقولُ: ما يراد أحد غيري مما يحضر به من الحساب“.
–التوهم، الحارث بن أسد المحاسبي «٢٤٣هجري» تحقيق: المعتصم بالله مصطفى جعفر الهاشمي، مكتبة نور الإسلام، الطبعة الثانية، ص٣٧.
–التوهم، الحارث بن أسد المحاسبي «٢٤٣هجري» تحقيق: المعتصم بالله مصطفى جعفر الهاشمي، مكتبة نور الإسلام، الطبعة الثانية، ص٣٧.
”عن مجاهد في قوله عز وجل ﴿وترى كل أمة جاثية﴾ أي مستوفزين على الركب“
(التوهم، الحارث بن أسد المحاسبي «٢٤٣هجري» تحقيق: المعتصم بالله مصطفى جعفر الهاشمي، مكتبة نور الإسلام، الطبعة الثانية، ص٤٠)
(التوهم، الحارث بن أسد المحاسبي «٢٤٣هجري» تحقيق: المعتصم بالله مصطفى جعفر الهاشمي، مكتبة نور الإسلام، الطبعة الثانية، ص٤٠)
”عدي بن حاتم: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث له: ليقفن أحدكم بين يدي الله تبارك وتعالى ليس بينه وبينه حجاب يحجبه، ولا بينه وبينه ترجمان عنه، فيقول: أولم أوتك مالا فيقولن: بلى، فيقول: ألم أرسل إليك رسولا؟ فيقولن بلى، ثم ينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار، ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار، فليتق آلام النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة"
(التوهم، الحارث بن أسد المحاسبي «٢٤٣هجري» تحقيق: المعتصم بالله مصطفى جعفر الهاشمي، مكتبة نور الإسلام، الطبعة الثانية، ص٥١).
(التوهم، الحارث بن أسد المحاسبي «٢٤٣هجري» تحقيق: المعتصم بالله مصطفى جعفر الهاشمي، مكتبة نور الإسلام، الطبعة الثانية، ص٥١).