Forwarded from التأَسِّي
لمن يريد القراءة ومعرفة لِمَ يُطلق ذلك المصطلح على أفكار مثيلة للتعليقات أعلاه يقرأ كيف يفكر أوليك، من لسانهن:
https://www.mominoun.com/pdf1/2018-08/hadith.pdf
https://www.mominoun.com/pdf1/2018-08/hadith.pdf
السهر لا أدري أنعمة أم نقمة!
يحبب إليَّ السهر لأجل القراءة، أو الكتابة، أو نسخ العلم، أو سماع دروس ابن عثيمين، أو كتابة النقد، لدرجة لا تقارن بأوقات أخرى! وقد كنت قبل سنوات قريبة أنام بعد العشاء مباشرة، وأقوم قبل منتصف الليل بقليل كي أظفر بتلك الساعات حتى الفجر لأجل القراءة ولا شيء غيرها. وعكس هذا السلوك ذي السنة، فصرت أنتظر العشاء ليلا كي أسهر على العلم، حتى صلاة الفجر أو قبلها بسويعات، وربما أحيانا بقيت حتى طلوع الضوء، بل نقد عابدة قبل يومين كتبته من الواحدة ليلا حتى السادسة صباحا، ثم نمت مطنئنًا.
إنها اللذة التي لا تماثلها لذة فكرية، ألَّا تسمع صوتا، ولا يُشوِّش عليك مشوِّش، وأنت فقط تستأنس بابن تيمية وما يساعد على فهمه، وبالشرع وما يخدم فهمه، وبنقد الباطل وما يساعد على هدمه.
ولعل عكس الأسلوب حيث كنت أنام مقدمة الليل، وصرت أنام بعد منتصف الليل أو بعد الفجر، هو عدم قدرتي على تقبل تقليص المتعاطى من العلم والفكر والاشتغال بهما. فإن ذي الفترة الأخيرة قد تغيرت الظروف ولم يعد هنالك متسع من الوقت، فهنا العمل الحرفيُّ لتحصيل مصروف اليوم والنفقة على نفسي، وهناك الدراسة الجامعية التي ندرسها لا لفائدة غير الحصول على عمل مستقر. فصار اليوم كله مسؤوليات، والتزامات، وصارت مهمة القراءة والاشتغال بالعلم تزاحم ساعات نومي وتأخذ أكثرها. والله المستعان.
–خاطرة.
يحبب إليَّ السهر لأجل القراءة، أو الكتابة، أو نسخ العلم، أو سماع دروس ابن عثيمين، أو كتابة النقد، لدرجة لا تقارن بأوقات أخرى! وقد كنت قبل سنوات قريبة أنام بعد العشاء مباشرة، وأقوم قبل منتصف الليل بقليل كي أظفر بتلك الساعات حتى الفجر لأجل القراءة ولا شيء غيرها. وعكس هذا السلوك ذي السنة، فصرت أنتظر العشاء ليلا كي أسهر على العلم، حتى صلاة الفجر أو قبلها بسويعات، وربما أحيانا بقيت حتى طلوع الضوء، بل نقد عابدة قبل يومين كتبته من الواحدة ليلا حتى السادسة صباحا، ثم نمت مطنئنًا.
إنها اللذة التي لا تماثلها لذة فكرية، ألَّا تسمع صوتا، ولا يُشوِّش عليك مشوِّش، وأنت فقط تستأنس بابن تيمية وما يساعد على فهمه، وبالشرع وما يخدم فهمه، وبنقد الباطل وما يساعد على هدمه.
ولعل عكس الأسلوب حيث كنت أنام مقدمة الليل، وصرت أنام بعد منتصف الليل أو بعد الفجر، هو عدم قدرتي على تقبل تقليص المتعاطى من العلم والفكر والاشتغال بهما. فإن ذي الفترة الأخيرة قد تغيرت الظروف ولم يعد هنالك متسع من الوقت، فهنا العمل الحرفيُّ لتحصيل مصروف اليوم والنفقة على نفسي، وهناك الدراسة الجامعية التي ندرسها لا لفائدة غير الحصول على عمل مستقر. فصار اليوم كله مسؤوليات، والتزامات، وصارت مهمة القراءة والاشتغال بالعلم تزاحم ساعات نومي وتأخذ أكثرها. والله المستعان.
–خاطرة.
❤2👍2
المقال القادم ستقر به أعين أصحابنا الذين لا يقفون عند هراء القائلين باحترام وجهات النظر المناقضة، وأنه علينا ألا نجزم بأن الحق في الموضوع واحد، أو أننا لا أدريون كأصحاب مهرب «وجهة النظر».
غدًا ننشره إن شاء الله.
غدًا ننشره إن شاء الله.
حول مسألة «اختلاف وجهات النظر/الشيء في ذاته» بين مادية ابن تيمية وفلادمير لينين، ومثالية هيوم وإمانويل كانط (١)
مقولة «لكل منا وجهة نظره/احترم وجهة نظري» واحدة من المقولات التي لا تسمعها عند صاحب الحق، بل صاحب الحق دائما ما يرى أن الحق واحد، وأن الحق حق سواء نظر الناظر إليه أم لم ينظر، وبالتالي فلا دخل لوجهة نظره في القضية.
وإنما تجدها على الدوام متداولة على لسان ذلك اللاأدري الشاك في الحقيقة، والذي يترجم شكه كوجهة نظر، قائلا "لا أدري أكلامك حق أم كلامي، فلتعتقد صحة كلامك، ولأعتقد صحة كلامي، ما دمت لا أدري أيهما الحق" ولكن ترى اللاأدري يبسط ذلك معممًا عليك اللاأدرية، فأنت أيضا في نظره لا تعلم الحقيقة المطلقة! لا تعلم حقيقة الشيء في ذاته، ولكنك تعلم الشيء لذاتك فقط!
كانت الفلسفة المثالية على الدوام مثارا لمثل هذه المقولات على سبيل الاتساق، فلما كان جماعة من أهل الكلام يقولون ”أن الدليل على الله هو الله وحده، وسبيل العقل عندهم سبيل العاقل في حاجته إلى الدليل، لأنه محدث والمحدث لا يدل إلا على مثله [...] وأن العقل عاجز، والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله“ (١) اتساقا منهم مع أصولهم الأفلاطونية، ونفيا لقدرة العقل على إقامة الدليل على وجود الله، كان إيمانويل كانط المثالي ينظّر لاحقا بذات الفلسفة قائلا أنه ”من المستحيل على العقل النظري البرهنة على وجود الله بطريقة عقلية نظرية“(٢) وكان هذا الجزم الكانطي بعدم قدرة العقل على إقامة دليل على وجود الله، اتساقا من ذات القائل مع تأكيده المثالي ”على عدم قدرة العقل على الوصول إلى معرفة الشيء في ذاته أو الحقيقة المطلقة“(٣). أي أن الحقائق الموضوعية، أو الأشياء خارج الفكر، لا يمكن أن نعرفها بالعقل أو بالحس كما هي هي منفصلة عنا، وبالتالي فلا إمكانية للوصول إلى الحقائق المطلقة.
والمثاليون يفرقون بين مستويين من الواقع، فالأول هو: الشيء كما نراه/الشيء لذاتنا ”وهو الشيء الذي يوجد في وعينا على شكل صورة، وتكون ذاتية وليست سوى مظهر“(٤) والثاني هو: الشيء كما لو رأيناه أو لم نراه/الشيء في ذاته/الشيء مستقلا عن ذواتنا ”وهو الشيء خارج شعورنا، ويكون واقعيا، مؤلفا للواقع“ (٥) وهذا النوع من الإدراك في الفلسفة المثالية لا يقع، إذ الشيء في ذاته مثاليًا ”غير قابل للمعرفة“(٦). بل فقط يوجد ”الشيء لذاتنا“ أي رؤية ذواتنا للأشياء، فكل ما نقول أنه موجود فهو موجود في ذواتنا، ولا وجود حقيقي للأشياء يمكن معرفته بغير أن نقحم تلك الأنا.
وهنا يمكن أن ترى تأثير المثالية على نزعة الإنسانية من جانب تضخيم الأنا، فلا وجود لحقائق ثابتة في الخارج بمعزل عن الأنا، يمكن معرفتها، وإنما تُقحَم الأنا ووجهات النظر الذاتية للأشياء على أنها من أصول المعرفة، فتكون وجهة النظر بعيدًا عن حقيقة الشيء بمعزل عن تلك الوجهة؛ حجة في ذاتها، فلا يكون ”حد العلم على الحقيقة [هو] أنه اعتقاد الشيء على ما هو به“ وإنما يكون حده ”اعتقاد الشيء على ما تراه الأنا“ لأنه ليس في مقدورنا معرفته على ما هو به أصلا، وإنما يكون حده ”اعتقاد الشيء على ما تراه الأنا“! ليضحى كلُّ من لم يُعجَب بحقيقة حول موضوع معين يبسط عدم إعجابه متخفيًا بستار وجهة نظره، دفعا للتشنيع عن حقيقة موقفه أنه لم يُعجَب بهذا الحق، أو لم يكوِّن حوله معرفة كاملة، وفي حين يجب البحث عن الحقيقة، يصير أكثر من لا يُعجَب بها باحثًا عن وجهات نظر على مزاجه، موافقة لذاتِه هو، لا للشيء في ذاته! إنه تضخيم للأنا والذات والنزعة الإنسانية على حساب الحقيقة.
مقولة «لكل منا وجهة نظره/احترم وجهة نظري» واحدة من المقولات التي لا تسمعها عند صاحب الحق، بل صاحب الحق دائما ما يرى أن الحق واحد، وأن الحق حق سواء نظر الناظر إليه أم لم ينظر، وبالتالي فلا دخل لوجهة نظره في القضية.
وإنما تجدها على الدوام متداولة على لسان ذلك اللاأدري الشاك في الحقيقة، والذي يترجم شكه كوجهة نظر، قائلا "لا أدري أكلامك حق أم كلامي، فلتعتقد صحة كلامك، ولأعتقد صحة كلامي، ما دمت لا أدري أيهما الحق" ولكن ترى اللاأدري يبسط ذلك معممًا عليك اللاأدرية، فأنت أيضا في نظره لا تعلم الحقيقة المطلقة! لا تعلم حقيقة الشيء في ذاته، ولكنك تعلم الشيء لذاتك فقط!
كانت الفلسفة المثالية على الدوام مثارا لمثل هذه المقولات على سبيل الاتساق، فلما كان جماعة من أهل الكلام يقولون ”أن الدليل على الله هو الله وحده، وسبيل العقل عندهم سبيل العاقل في حاجته إلى الدليل، لأنه محدث والمحدث لا يدل إلا على مثله [...] وأن العقل عاجز، والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله“ (١) اتساقا منهم مع أصولهم الأفلاطونية، ونفيا لقدرة العقل على إقامة الدليل على وجود الله، كان إيمانويل كانط المثالي ينظّر لاحقا بذات الفلسفة قائلا أنه ”من المستحيل على العقل النظري البرهنة على وجود الله بطريقة عقلية نظرية“(٢) وكان هذا الجزم الكانطي بعدم قدرة العقل على إقامة دليل على وجود الله، اتساقا من ذات القائل مع تأكيده المثالي ”على عدم قدرة العقل على الوصول إلى معرفة الشيء في ذاته أو الحقيقة المطلقة“(٣). أي أن الحقائق الموضوعية، أو الأشياء خارج الفكر، لا يمكن أن نعرفها بالعقل أو بالحس كما هي هي منفصلة عنا، وبالتالي فلا إمكانية للوصول إلى الحقائق المطلقة.
والمثاليون يفرقون بين مستويين من الواقع، فالأول هو: الشيء كما نراه/الشيء لذاتنا ”وهو الشيء الذي يوجد في وعينا على شكل صورة، وتكون ذاتية وليست سوى مظهر“(٤) والثاني هو: الشيء كما لو رأيناه أو لم نراه/الشيء في ذاته/الشيء مستقلا عن ذواتنا ”وهو الشيء خارج شعورنا، ويكون واقعيا، مؤلفا للواقع“ (٥) وهذا النوع من الإدراك في الفلسفة المثالية لا يقع، إذ الشيء في ذاته مثاليًا ”غير قابل للمعرفة“(٦). بل فقط يوجد ”الشيء لذاتنا“ أي رؤية ذواتنا للأشياء، فكل ما نقول أنه موجود فهو موجود في ذواتنا، ولا وجود حقيقي للأشياء يمكن معرفته بغير أن نقحم تلك الأنا.
وهنا يمكن أن ترى تأثير المثالية على نزعة الإنسانية من جانب تضخيم الأنا، فلا وجود لحقائق ثابتة في الخارج بمعزل عن الأنا، يمكن معرفتها، وإنما تُقحَم الأنا ووجهات النظر الذاتية للأشياء على أنها من أصول المعرفة، فتكون وجهة النظر بعيدًا عن حقيقة الشيء بمعزل عن تلك الوجهة؛ حجة في ذاتها، فلا يكون ”حد العلم على الحقيقة [هو] أنه اعتقاد الشيء على ما هو به“ وإنما يكون حده ”اعتقاد الشيء على ما تراه الأنا“ لأنه ليس في مقدورنا معرفته على ما هو به أصلا، وإنما يكون حده ”اعتقاد الشيء على ما تراه الأنا“! ليضحى كلُّ من لم يُعجَب بحقيقة حول موضوع معين يبسط عدم إعجابه متخفيًا بستار وجهة نظره، دفعا للتشنيع عن حقيقة موقفه أنه لم يُعجَب بهذا الحق، أو لم يكوِّن حوله معرفة كاملة، وفي حين يجب البحث عن الحقيقة، يصير أكثر من لا يُعجَب بها باحثًا عن وجهات نظر على مزاجه، موافقة لذاتِه هو، لا للشيء في ذاته! إنه تضخيم للأنا والذات والنزعة الإنسانية على حساب الحقيقة.
👍2
حول مسألة «اختلاف وجهات النظر/الشيء في ذاته» بين مادية ابن تيمية وفلادمير لينين، ومثالية هيوم وإمانويل كانط (٢)
وذي المسألة نجد لها أبعادًا في نظرية المعرفة عند جزئية المعارف القبلية، فالمثاليون يرون أن الحكم على الموضوع إنما يكون انطلاقا من الذات/الأنا/الشعور، وبالتالي فإن الشيء لا يمكن أن نعرفه كما هو منفصلا عن شعورنا، بل كل قائل لحكم عن شيء؛ إنما يقول حكمه انطلاقا من شعوره/ من ذاته. وبالتالي فلا يكون إدراك شيء موجودًا إلا والشعور/الفكر هو من صنع وجوده، فالشعور سابق عن الشيء المُدرَك، وبالتالي؛ فلا معرفة لحقيقة الأشياء من دون شعور سابق، وهنا نرى المثالية تتسق مع القول بمعارف قبلية ”فكر/شعور قبل الحس“، وتبني على ذلك إنكار معرفة الأشياء كما هي على الحقيقة من غير ذاتية أو شعور سابق. إذًا فلا حقيقة مطلقة عن الشيء، وإنما فقط علم بظواهر الأشياء.
وفي هذا نجد المثالية الديكارتية تقول «أنا أفكر، إذًا أنا موجود» فالفكر والشعور هنا، هما ما أُدرِك بهما الوجود، لا أن الوجود هو ما يشكِّل الفكر والشعور، وما دام الفكر هو المكوِّن لحقيقة الوجود، فاختلاف الأفكار يؤدي لاختلاف المدركات، ويؤدي لاختلاف الحكم على الأشياء الموضوعية/الأشياء في ذاتها! وهذا يتسق مع الصرح المثالي القائل بعدم إمكانية معرفة حقيقة الشيء في ذاته.
وما كان يقوله المثالي هيوم من أن روحنا لا تدرك سوى صورة الأشياء (٧) فليس إنكارا للوجود المستقل للمادة/الشيء، بل يزعم هيوم بوجود مادة مستقلة عن ذواتنا خلافا لمثالية باركلي، لكن ذي المادة لا يمكن معرفة حقيقتها المستقلة عن فكرنا وشعورنا، وذلك لأننا لا نعرف عنها إلا الصور النسبية، فالمنضدة تصغر في نظرنا كلما ابتعدنا عنها، رغم أنها مستقلة عنا، إذًا فالمنضدة لا يمكن معرفة حقيقتها، وإنما معرفة ظاهرها لا غير. (٨)
وبالتالي فلا يمكن أن نحدد لأنفسنا موقفا في قضية إثبات وجود موضوعي لله مثلا، ويبقى النقاش طويلا بين المثبت والنافي حول الأشياء في ذاتها، هل كل شيء يشترط في وجوده أن يقبل الحس أم لا؟/ هل الأشياء موجودة وجودا عينيًا، أم أن وجودها في الخارج مطلق كلي؟، فيطول النقاش بين المثبت والنافي، فالمثبت يعطي حججا عن قابلية الحس للباري، والنافي يعطي حججا عن عدم قابليته للحس، لكن لن يقول أي منهما ما هي الحقيقة التي يجب أن تُعتقد، هل كل موجود يكون قبوله الحس شرطا في وجوده أم لا؟ فيستحيل أن نقول ما هي الأشياء في ذاتها!، لماذا؟ لأننا لن نعرف حقيقة الأشياء في ذاتها، لأن كلا منا سجين وجهة نظره (٩) وكل منا يدرك ظواهر الأشياء فقط، فلا سؤال إذًا عن حقائقها منفصلة عن فكرنا. [سيأتي ذكر مثال من مقالات الإسلاميين الشكّاك، مرجع ١٤]
وذي المسألة نجد لها أبعادًا في نظرية المعرفة عند جزئية المعارف القبلية، فالمثاليون يرون أن الحكم على الموضوع إنما يكون انطلاقا من الذات/الأنا/الشعور، وبالتالي فإن الشيء لا يمكن أن نعرفه كما هو منفصلا عن شعورنا، بل كل قائل لحكم عن شيء؛ إنما يقول حكمه انطلاقا من شعوره/ من ذاته. وبالتالي فلا يكون إدراك شيء موجودًا إلا والشعور/الفكر هو من صنع وجوده، فالشعور سابق عن الشيء المُدرَك، وبالتالي؛ فلا معرفة لحقيقة الأشياء من دون شعور سابق، وهنا نرى المثالية تتسق مع القول بمعارف قبلية ”فكر/شعور قبل الحس“، وتبني على ذلك إنكار معرفة الأشياء كما هي على الحقيقة من غير ذاتية أو شعور سابق. إذًا فلا حقيقة مطلقة عن الشيء، وإنما فقط علم بظواهر الأشياء.
وفي هذا نجد المثالية الديكارتية تقول «أنا أفكر، إذًا أنا موجود» فالفكر والشعور هنا، هما ما أُدرِك بهما الوجود، لا أن الوجود هو ما يشكِّل الفكر والشعور، وما دام الفكر هو المكوِّن لحقيقة الوجود، فاختلاف الأفكار يؤدي لاختلاف المدركات، ويؤدي لاختلاف الحكم على الأشياء الموضوعية/الأشياء في ذاتها! وهذا يتسق مع الصرح المثالي القائل بعدم إمكانية معرفة حقيقة الشيء في ذاته.
وما كان يقوله المثالي هيوم من أن روحنا لا تدرك سوى صورة الأشياء (٧) فليس إنكارا للوجود المستقل للمادة/الشيء، بل يزعم هيوم بوجود مادة مستقلة عن ذواتنا خلافا لمثالية باركلي، لكن ذي المادة لا يمكن معرفة حقيقتها المستقلة عن فكرنا وشعورنا، وذلك لأننا لا نعرف عنها إلا الصور النسبية، فالمنضدة تصغر في نظرنا كلما ابتعدنا عنها، رغم أنها مستقلة عنا، إذًا فالمنضدة لا يمكن معرفة حقيقتها، وإنما معرفة ظاهرها لا غير. (٨)
وبالتالي فلا يمكن أن نحدد لأنفسنا موقفا في قضية إثبات وجود موضوعي لله مثلا، ويبقى النقاش طويلا بين المثبت والنافي حول الأشياء في ذاتها، هل كل شيء يشترط في وجوده أن يقبل الحس أم لا؟/ هل الأشياء موجودة وجودا عينيًا، أم أن وجودها في الخارج مطلق كلي؟، فيطول النقاش بين المثبت والنافي، فالمثبت يعطي حججا عن قابلية الحس للباري، والنافي يعطي حججا عن عدم قابليته للحس، لكن لن يقول أي منهما ما هي الحقيقة التي يجب أن تُعتقد، هل كل موجود يكون قبوله الحس شرطا في وجوده أم لا؟ فيستحيل أن نقول ما هي الأشياء في ذاتها!، لماذا؟ لأننا لن نعرف حقيقة الأشياء في ذاتها، لأن كلا منا سجين وجهة نظره (٩) وكل منا يدرك ظواهر الأشياء فقط، فلا سؤال إذًا عن حقائقها منفصلة عن فكرنا. [سيأتي ذكر مثال من مقالات الإسلاميين الشكّاك، مرجع ١٤]
👍1
حول مسألة «اختلاف وجهات النظر/الشيء في ذاته» بين مادية ابن تيمية وفلادمير لينين، ومثالية هيوم وإمانويل كانط (٣)
وهنا نجد أن ابن تيمية ينظّر مناقضا للنسق المثالي عن حقائق الأشياء، فمثالثة هيوم القائلة بأن وجود المادة يكون مستقلا عن ذواتنا لكن ذلك الوجود تابع لذواتنا لا أن ذواتنا تابعة له، يناقضها ابن تيمية بقوله أن: ”الحقائق الخارجية مستغنية عنّا، لا تكون تابعة لتصوُّراتنا، بل تصوُّراتنا تابعة لها“ (١٠) ”فإن حقائق الموجودات ثابتة في نفسها سواء اعتقدها الناس أو لم يعتقدوها وسواء اتفقت عقائدهم فيها أو اختلفت وإذا اختلف الناس فيها على قولين متناقضين لم يكن كل مجتهد مصيبا” (١٩).
فعند ابن تيمية: يعلم العقل حقيقة الشيء في ذاته، وهو الذي يعبر عنه بقوله ”الشيء على ما هو به“. فــ ”حد العلم على الحقيقة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئا على ما هو به ولم يتخالجه شك فيه فهو عالم به، وسواء كان عن ضرورة حسٍ، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال“ (١١)
ومن زاوية أخرى فإن عدم معرفة الشيء في ذاته دوما ما يكون مبررا للظلم الواقع لأن الظلم لا يمكن أن يعرف في ذاته، وما تراه أنت ظلما أراه أنا عدلًا، وكما أن رؤيتك للظلم عبارة عن وجهة نظر ذاتية، فيمكن أن تكون رؤيةٌ مناقضة وجهة نظر ذاتية أيضًا، فأنت لا تعرف حقيقة الظلم في ذاته! فلا يوجد موقف يعتبر هو الحق المطلق في القضية، وفي هذا يقول لينين: ”أن العامل الذي يأكل السجق والذي يتقاضى ٥ فرنكات في اليوم، يعرف جيدا جدا أن رب عمله ينهبه وأنه يأكل لحم الخنزير وأن رب العمل سارق، وأن السجق لذيذ الطعم ومغذ للجسم، لا شيء من هذا القبيل، يقول السفسطائي البرجوازي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط: رأي العامل في هذا الصدد هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن أن رب العمل محسن إليه وأن السجق مصنوع من جلد مفروم، لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته“(١٢) ففلسفة عدم معرفة الشيء في ذاته أحق أم باطل، أعلى هذا الأساس أم على نقيضه، دوما ما تكون مبررة للنظم الرأسمالية.
وكما كان يقول جورج بولتزير أن هؤلاء المثاليين يزعمون أنهم على الحياد في كل شيء (١٣) فقد كان ”الشكاك أيضا يصححون كل اعتقاد ويزعمون أن كل من اعتقد شيئا فهو على دين صحيح“ (١٤) فعدم امكانية معرفة الشيء في ذاته، تنسحب أيضا على العقائد، فلا ندري أي العقائد حق، وبالتالي فكلها صحيحة لذات المعتقِد. فكلٌّ وما يرى، وكل ووجهة نظره الذاتية.
ومن ثم امتد هذا المذهب المثالي اللاأدري إلى أن برز مذهب المصوِّبَة، وهم القائلون بأن ”كل مجتهد مصيب في فروع الشريعة”(٢٠) فلم ”يجعلوا لله في الأحكام حكما معينا، حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في كل شخص ما أدى إليه اجتهاده” (١٥)
وهنا نجد أن ابن تيمية ينظّر مناقضا للنسق المثالي عن حقائق الأشياء، فمثالثة هيوم القائلة بأن وجود المادة يكون مستقلا عن ذواتنا لكن ذلك الوجود تابع لذواتنا لا أن ذواتنا تابعة له، يناقضها ابن تيمية بقوله أن: ”الحقائق الخارجية مستغنية عنّا، لا تكون تابعة لتصوُّراتنا، بل تصوُّراتنا تابعة لها“ (١٠) ”فإن حقائق الموجودات ثابتة في نفسها سواء اعتقدها الناس أو لم يعتقدوها وسواء اتفقت عقائدهم فيها أو اختلفت وإذا اختلف الناس فيها على قولين متناقضين لم يكن كل مجتهد مصيبا” (١٩).
فعند ابن تيمية: يعلم العقل حقيقة الشيء في ذاته، وهو الذي يعبر عنه بقوله ”الشيء على ما هو به“. فــ ”حد العلم على الحقيقة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئا على ما هو به ولم يتخالجه شك فيه فهو عالم به، وسواء كان عن ضرورة حسٍ، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال“ (١١)
ومن زاوية أخرى فإن عدم معرفة الشيء في ذاته دوما ما يكون مبررا للظلم الواقع لأن الظلم لا يمكن أن يعرف في ذاته، وما تراه أنت ظلما أراه أنا عدلًا، وكما أن رؤيتك للظلم عبارة عن وجهة نظر ذاتية، فيمكن أن تكون رؤيةٌ مناقضة وجهة نظر ذاتية أيضًا، فأنت لا تعرف حقيقة الظلم في ذاته! فلا يوجد موقف يعتبر هو الحق المطلق في القضية، وفي هذا يقول لينين: ”أن العامل الذي يأكل السجق والذي يتقاضى ٥ فرنكات في اليوم، يعرف جيدا جدا أن رب عمله ينهبه وأنه يأكل لحم الخنزير وأن رب العمل سارق، وأن السجق لذيذ الطعم ومغذ للجسم، لا شيء من هذا القبيل، يقول السفسطائي البرجوازي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط: رأي العامل في هذا الصدد هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن أن رب العمل محسن إليه وأن السجق مصنوع من جلد مفروم، لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته“(١٢) ففلسفة عدم معرفة الشيء في ذاته أحق أم باطل، أعلى هذا الأساس أم على نقيضه، دوما ما تكون مبررة للنظم الرأسمالية.
وكما كان يقول جورج بولتزير أن هؤلاء المثاليين يزعمون أنهم على الحياد في كل شيء (١٣) فقد كان ”الشكاك أيضا يصححون كل اعتقاد ويزعمون أن كل من اعتقد شيئا فهو على دين صحيح“ (١٤) فعدم امكانية معرفة الشيء في ذاته، تنسحب أيضا على العقائد، فلا ندري أي العقائد حق، وبالتالي فكلها صحيحة لذات المعتقِد. فكلٌّ وما يرى، وكل ووجهة نظره الذاتية.
ومن ثم امتد هذا المذهب المثالي اللاأدري إلى أن برز مذهب المصوِّبَة، وهم القائلون بأن ”كل مجتهد مصيب في فروع الشريعة”(٢٠) فلم ”يجعلوا لله في الأحكام حكما معينا، حتى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في كل شخص ما أدى إليه اجتهاده” (١٥)
👍1
حول مسألة «اختلاف وجهات النظر/الشيء في ذاته» بين مادية ابن تيمية وفلادمير لينين، ومثالية هيوم وإمانويل كانط (٤)
لكن عند ابن تيمية مع أن الشيء يعرف في ذاته كما يقول فلاسفة المادية، فإن اختلاف وجهات النظر في حقيقة الشيء، أو الحكم، لا تغطي كون الصواب في القضية واحد، ومن ثم فالمختلفون في وجهات النظر لا عبرة لاختلافهم، وإنما العبرة بصاحب الحق لا غير، فإن ”عُني بالمصيبِ: العالمُ بحكم الله في نفسِ الأمر، فالمصيب ليس إلا واحدا فإن الحق في نفس الأمر واحد“ (١٦)
ولاتساق كل من ابن تيمية وفلادمير لينين مع ماديَّتهما، ترى تطابقًا في جعل القول المثالي اللاأدري المنكر للعلم بالشيء في ذاته محض سفسطة:
– لينين: ”يقول السفسطائي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط أن رأي الشخص في مسألة هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن نقيضه لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته“ (١٧)
وقول لينين هنا هو عين ما كان يقوله ابن تيمية عن ذات المذهب السفسطائي المنكر لحقيقة الشيء في ذاته، والمنكر لاستطاعة الشخصِ معرفةَ الشيء في ذاته، إذ يقول:
– ابن تيمية: ”حُكي عن بعض السفسطائية أنه [...] لم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد. وهذا القول على إطلاقه وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل، وإنما هو من جنس ما يحكى أن السفسطائية أنكروا الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة“. (١٨)
----------------------------------
– المراجع:
١) كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف، أبو بكر بن اسحق الكلاباذي، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص٣٧.
٢) إيمانويل كانت، بدوي عبد الرحمن، ص٣٢٨.
٣) عن كانط بواسطة: فصول، المجلد ٧٠، ص٦٨.
٤) المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بولتزير، ص٨٩
٥) المرجع السابق نفسه، ص٨٩.
٦) ملحق موسوعة المعرفة، عبد الرحمن بدوي، ص٢٠٠
٧) نقلا عن لينين: المادية والمذهب النقدي التجريبي، ص٢٢.
٨) جورج بولتزير، مرجع سبق ذكره، ص٨٩.
٩) المثال إعادة صياغة لمثال جورج بولتزير، المرجع السابق نفسه، ٩٠.
١٠) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، الطعبة الأولى: ٢٠٠٥م، ص٧١.
١١) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج٧، ص٤١٦.
١٢) المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤.
١٣) جورج بولتزير، مرجع سبق ذكره، ص٩٠
١٤) أنظر: المرجع في تاريخ علم الكلام، زابيته شميتكه، ترجمة أسامة شفيع السيد، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى ٢٠١٨م، ص٢٢١.
١٥) الاستقامة، أحمد عبد الحليم ابن تيمية، ضبط نصه وخرجه: حين أبو الخير، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى ٢٠١٣م، ص٣٩.
١٦) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، ج٦، ص٢٨.
١٧) أنظر: المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤.
١٨) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج١٩، ١٣٧
١٩) المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين للبصري، ج٢، ص٣٧١.
٢٠) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج١٩، ص١٣٨.
لكن عند ابن تيمية مع أن الشيء يعرف في ذاته كما يقول فلاسفة المادية، فإن اختلاف وجهات النظر في حقيقة الشيء، أو الحكم، لا تغطي كون الصواب في القضية واحد، ومن ثم فالمختلفون في وجهات النظر لا عبرة لاختلافهم، وإنما العبرة بصاحب الحق لا غير، فإن ”عُني بالمصيبِ: العالمُ بحكم الله في نفسِ الأمر، فالمصيب ليس إلا واحدا فإن الحق في نفس الأمر واحد“ (١٦)
ولاتساق كل من ابن تيمية وفلادمير لينين مع ماديَّتهما، ترى تطابقًا في جعل القول المثالي اللاأدري المنكر للعلم بالشيء في ذاته محض سفسطة:
– لينين: ”يقول السفسطائي سواء كان اسمه بيرون أو هيوم أو كانط أن رأي الشخص في مسألة هو رأي خاص أي ذاتي، ويحق له بالقدر نفسه أن يظن نقيضه لأنه لا يستطيع أن يعرف الشيء في ذاته“ (١٧)
وقول لينين هنا هو عين ما كان يقوله ابن تيمية عن ذات المذهب السفسطائي المنكر لحقيقة الشيء في ذاته، والمنكر لاستطاعة الشخصِ معرفةَ الشيء في ذاته، إذ يقول:
– ابن تيمية: ”حُكي عن بعض السفسطائية أنه [...] لم يجعل للأشياء حقائق ثابتة في نفسها يوافقها الاعتقاد تارة ويخالفها أخرى، بل جعل الحق في كل شيء ما اعتقده المعتقد، وجعل الحقائق تابعة للعقائد. وهذا القول على إطلاقه وعمومه لا يقوله عاقل سليم العقل، وإنما هو من جنس ما يحكى أن السفسطائية أنكروا الحقائق ولم يثبتوا حقيقة ولا علما بحقيقة“. (١٨)
----------------------------------
– المراجع:
١) كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف، أبو بكر بن اسحق الكلاباذي، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص٣٧.
٢) إيمانويل كانت، بدوي عبد الرحمن، ص٣٢٨.
٣) عن كانط بواسطة: فصول، المجلد ٧٠، ص٦٨.
٤) المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بولتزير، ص٨٩
٥) المرجع السابق نفسه، ص٨٩.
٦) ملحق موسوعة المعرفة، عبد الرحمن بدوي، ص٢٠٠
٧) نقلا عن لينين: المادية والمذهب النقدي التجريبي، ص٢٢.
٨) جورج بولتزير، مرجع سبق ذكره، ص٨٩.
٩) المثال إعادة صياغة لمثال جورج بولتزير، المرجع السابق نفسه، ٩٠.
١٠) الرد على المنطقيين، ابن تيمية، تحقيق: عبد الصمد الكتبي، مؤسسة الريان، الطعبة الأولى: ٢٠٠٥م، ص٧١.
١١) درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج٧، ص٤١٦.
١٢) المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤.
١٣) جورج بولتزير، مرجع سبق ذكره، ص٩٠
١٤) أنظر: المرجع في تاريخ علم الكلام، زابيته شميتكه، ترجمة أسامة شفيع السيد، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى ٢٠١٨م، ص٢٢١.
١٥) الاستقامة، أحمد عبد الحليم ابن تيمية، ضبط نصه وخرجه: حين أبو الخير، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى ٢٠١٣م، ص٣٩.
١٦) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، ج٦، ص٢٨.
١٧) أنظر: المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم، موسكو، ١٩٨١م، ص٢٣٤.
١٨) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج١٩، ١٣٧
١٩) المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين للبصري، ج٢، ص٣٧١.
٢٠) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج١٩، ص١٣٨.
”المثالية فلسفة الهروب من الواقع“
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص٧، مقدمة المترجم)
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص٧، مقدمة المترجم)
”فالحقيقة أن كل إنسان يعرف أن هناك في الواقع أشياء يمكن أن نراها وأن نلمسها وأن نقيسها، وهي التي نسميها «مادة»، ثم هناك من ناحية أخرى أشياء لا نستطيع أن نراها أو أن نلمسها أو أن نقيسها، لكنها أشياء ليست أقل من الأولى وجودًا، مثل أفكارنا، وعواطفنا، ورغباتنا، وذكرياتنا.. إلخ. ونحن نسمي هذه الأشياء «فكرية» لنعبر بذلك عن كونها غير مادية“
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص١٧)
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص١٧)
”يستحيل على شخص أن يحصل على فكرة التمثال ما دام لم يره بعينيه“
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص١٧)
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص١٧)
لا معنى للتشنج من مقارنة فلسفة ابن تيمية بفلاسفة المادية الملحدين كفلادمر لينين مثلًا، بل غالبًا لا يتشنج مِن هذا إلا من يرتاح ويطمئن لمقارنته بديكارت، أو كانط كما كان يفعل الدعجاني.
ما الفارق مثلًا؟ لينين ملحد وكانط مؤمن؟ الكل كفار عند ابن تيمية!
لكن في البحث العقلي الفلسفي عند ابن تيمية حتى مع الإقرار بكفر وإلحاد الفيلسوف فلا يلزم من ذلك أنه غير موافق في فلسفته، ونجد أن ابن تيمية ذاته يلتزم ذلك:
يقول عن فلاسفة السمنية الملحدين، منكري الصانع:
”ولا ريب أن إنكار الصانع بالكلية قول السمنية الذين ناظرهم الجهم بن صفوان“ [بيان تلبيس الجهمية، ابن تيمية، ج١، ص٤٤٠]
وفي المجلد الثاني من ذات الكتاب يقرهم على أصلهم المعرفي ونظرتهم للوجود:
”ماذكروه عن السمنية إنما كان أصل قولهم إن الموجود لابد أن يمكن أن يكون محسوسًا بإحدى الحواس لا أنه لا بد لمن أقر به أن يحس به، وهذا الأصل الذي قالوه عليه أهل الإثبات فإن أهل السنة والجماعة المقرين بأن الله تعالى يُرى متفقين على أن ما لا يمكن معرفته بشيء من الحواس فإنما يكون معدومًا لا موجودًا“ [بيان تلبيس الجهمية، ابن تيمية، ج٢، ص٣٤١]
وأما عن الإلزام بأن مقارنة مقالات ابن تيمية بمقالات الماديين الماركسيين، تعني انتسابا للماركسية، فذات الماركسيين يقرون بأن المادية سابقة على الماركسية، فليس كل متبنٍ للفلسفة المادية يكون ماركسيًا!
يقول بولتزير المادي الماركسي: ”المادية الفلسفية كمفهوم العالم، قد سبقت الماركسية تاريخيا“ [المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ص٢٨]
فلا يوجد أي معنى من تلك التشنجات الفارغة.
ما الفارق مثلًا؟ لينين ملحد وكانط مؤمن؟ الكل كفار عند ابن تيمية!
لكن في البحث العقلي الفلسفي عند ابن تيمية حتى مع الإقرار بكفر وإلحاد الفيلسوف فلا يلزم من ذلك أنه غير موافق في فلسفته، ونجد أن ابن تيمية ذاته يلتزم ذلك:
يقول عن فلاسفة السمنية الملحدين، منكري الصانع:
”ولا ريب أن إنكار الصانع بالكلية قول السمنية الذين ناظرهم الجهم بن صفوان“ [بيان تلبيس الجهمية، ابن تيمية، ج١، ص٤٤٠]
وفي المجلد الثاني من ذات الكتاب يقرهم على أصلهم المعرفي ونظرتهم للوجود:
”ماذكروه عن السمنية إنما كان أصل قولهم إن الموجود لابد أن يمكن أن يكون محسوسًا بإحدى الحواس لا أنه لا بد لمن أقر به أن يحس به، وهذا الأصل الذي قالوه عليه أهل الإثبات فإن أهل السنة والجماعة المقرين بأن الله تعالى يُرى متفقين على أن ما لا يمكن معرفته بشيء من الحواس فإنما يكون معدومًا لا موجودًا“ [بيان تلبيس الجهمية، ابن تيمية، ج٢، ص٣٤١]
وأما عن الإلزام بأن مقارنة مقالات ابن تيمية بمقالات الماديين الماركسيين، تعني انتسابا للماركسية، فذات الماركسيين يقرون بأن المادية سابقة على الماركسية، فليس كل متبنٍ للفلسفة المادية يكون ماركسيًا!
يقول بولتزير المادي الماركسي: ”المادية الفلسفية كمفهوم العالم، قد سبقت الماركسية تاريخيا“ [المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ص٢٨]
فلا يوجد أي معنى من تلك التشنجات الفارغة.
”الكنيسة لا تخاف كثيرًا من هؤلاء الملاحدة المثاليين“
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص٣٤)
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص٣٤)
”تصعد المعرفة في كل مجال من المحسوس إلى العقلي“
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص٨١)
«العقل بعد الحس» –ابن تيمية
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص٨١)
«العقل بعد الحس» –ابن تيمية
”المثالية تجذب الروح التي تميل إلى أسهل الطرق”
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص٩٥)
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص٩٥)
النساء أعظم حبائل الشيطان وأوثق مصائده فإذا خرجن نصبهن شبكة يصيد بها الرجال فيغريهم ليوقعهم في الزنا، فأمرن بعدم الخروج حسماً لمادة إغوائه وإفساده.
–المناوي.
–المناوي.
👍1
”النظرية توضع بالذات من أجل التطبيق، فهي لا توضع من أجل إرضاء فضول لا جدوى منه يتلذذ به هؤلاء الذين يهوون تأمل العالم“
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص١١٤)
(المادية والمثالية في الفلسفة، جورج بوليتزير، ترجمه وعلق عليه: اسماعيل المهدوي، ص١١٤)
يوجد فرق جوهري بين المادية والبراغماتية، وهو أن: البراغماتية تقول بخطأ الأفكار التي لا تنجح، لكن المادية تقول بعدم نجاح الأفكار الخاطئة.
معنى ذلك:
البراغماتية هي فلسفة مشتقة من الصرح المثالي الأوسع، وتضييقا للهدف سنقول: هي إحدى منتجات الفلسفة اللاأدرية، فنحن لا ندري عن حقيقة الشيء في ذاته، لا ندري هل هذه الأفكار ستؤدي إلى النجاح أو الفشل في تحقيق الفوائد والنفع. وهذا بالذات هو الأصل الذي تقوم عليه البراغماتية فلسفيًا. فالأفكار موضوعيا لا يُحكم عليها بأنها خطأ أم صواب. بل الحكم عليها يكون لغيرها: أي بعد رؤية نجاحها من فشلها.
لكن المادية على العكس، فهي تحكم على الأفكار في ذاتها، لأنها تقول بقدرة العقل على معرفة الشيء في ذاته، فالفكرة الكاملة التي تؤدي للفشل الذي هو فشل موضوعيًا هي فكرة خطأ في ذاتها. وليست خطأ لمجرد أنها لم تحقق فائدة.
معنى ذلك:
البراغماتية هي فلسفة مشتقة من الصرح المثالي الأوسع، وتضييقا للهدف سنقول: هي إحدى منتجات الفلسفة اللاأدرية، فنحن لا ندري عن حقيقة الشيء في ذاته، لا ندري هل هذه الأفكار ستؤدي إلى النجاح أو الفشل في تحقيق الفوائد والنفع. وهذا بالذات هو الأصل الذي تقوم عليه البراغماتية فلسفيًا. فالأفكار موضوعيا لا يُحكم عليها بأنها خطأ أم صواب. بل الحكم عليها يكون لغيرها: أي بعد رؤية نجاحها من فشلها.
لكن المادية على العكس، فهي تحكم على الأفكار في ذاتها، لأنها تقول بقدرة العقل على معرفة الشيء في ذاته، فالفكرة الكاملة التي تؤدي للفشل الذي هو فشل موضوعيًا هي فكرة خطأ في ذاتها. وليست خطأ لمجرد أنها لم تحقق فائدة.
يقول باركلي: إن المادة ليست ما نظنه عندما نظن أنها غير موجودة خارج ذهننا، نحن نظن أن الأشياء موجودة لأننا نراها، نلمسها، ولأنها تولد فينا هذه الإحساسات نعتقد بوجودها، ولكن احساساتنا ليست سوى أفكار نحملها في ذهننا، فالأشياء التي ندركها بحواسنا ليست إذن شيئا آخر غير أفكار، والأفكار لا يمكنها أن توجد خارج ذهننا.
يقول بولتزير: فالأشياء موجودة بالنسبة لباركلي، وهو لا ينكر طبيعة وجودها ولكنه يؤكد أنها لا توجد إلا بشكل احساسات تعرفنا بها، ثم يستنتج أن احساساتنا والمواضيع إنما تكون شيئا واحدًا.
(مبادئ أولية في الفلسفة، جورج بولتزير، نقله إلى العربية وقدمت له: فهيمة شرف الدين، ضبط مصطلحاته الفلسفية: موسى وهبة، دار الفرابي، الطبعة الخامسة 2001، ص37)
مثلًا إذا أخبرني أحدهم أنه اشترى قميصا أسود اللون، حسب فلسفة باركلي لن أصدق أن هذا القميص أسود اللون، لماذا؟ لأنني قد أراه أبيضًا، وقد يراه شخص آخر أحمر اللون، وقد يراه القط أخضر اللون، وإذا قيل لي أن هذا الشيء على هذا الشكل وعلى هذه الصفة، فلن أتمكن من تصديقه لأنه قد يبدو لي مغايرا لمعطيات الحس التي قيلت لي!
اتساقا مع فلسفة كهذه يمكن أيضًا أن نصل إلى أنه لا موجود إلا ما أحسست به أنا حسا مباشرًا. هذا اللازم من المذهب الباركلي هو ما كان يلزمنا به من وقعوا في الفخ الكانطي عندما كنا ننتصر لكتاب نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود. فكانوا يأتون بسؤال يظهر لهم أنه تعجيزي قائلين: نحن لم نحس بالله، فكيف نؤمن بوجوده؟ فالمادي لا يعجزه مثل هذا السؤال؛ فإنه سيجيب مباشرة: بأن إثبات وجود الله عينيًا لا يشترط أن يحس به كل شخص آنيًا، وإنما يشترط أن يقبل الحس في الجملة، وإذا كان قد أحس به موسى سمعًا، وسيحس به المؤمنون في الآخرة رؤية، فهذا مما لا يناقض الفلسفة المادية بحال.
وإنما يناقض المذهب المثالي الذاتي، فإثبات وجود عيني للإله، مع القول بأنه لا موجود عيني إلا ما أحسسته آنيًا، فهذا نفي لوجود إله متصف بصفات ثبوتية حقيقية، خارج الذهن!.
قد يأتي سؤال: فلماذا إذًا يسمى باركلي بالقسيس مع هذه اللوازم من قبيل نفي وجود ما أحسسناه حسا آنيًا؟ لماذا باركلي يؤمن بوجود إله وهو لم يحس به؟
إن باركلي متسق مع فلسفته، لأن الإله حسب باركلي: ليس له وجود موضوعي عيني ولا يقبل أن يُحس به، بل هو من جنس المثال/له وجود ذهني. فإن باركلي يفكر كالتالي:
وجود الله لبس عينيًا، وليس في الخارج ولا يدرك بالحواس، عندما ألتزم أن ما لم أحس به فليس موجودًا فهذا اللازم ينصرف فقط إلى ما لم أحس به من الماديات، لكن الله ليس ماديا وليس وجوده عينيا، فلا يوجد لازم نفي وجوده لأنه أصالة لا يقبل الحس، فالله الذي هو الذهن/الروح [الروح بالتعبير الفلسفي تعني الذهن] هو الذي يخلق المادة، وبما أننا كبشر لدينا أرواح/ذهن/فكر فإن ذهننا وأفكارنا وأرواحنا هي التي تخلق المادة، فالمادة لا وجود لها في الحقيقة إلا في أذهاننا.
أي أن باركلي يعمل في فلسفته على مستويين من العلوم إن صح التعبير، علوم إلهية، وعلوم إنسانية، فالإله المطلق غير المتعين هو خالق المادة، والذهن الإنساني المطلق غير المتعين هو الذي يخلق المادة.
بالتالي فباركلي يقول لنا: عندما أقول أن المادة هي نتاج أذهاننا وأفكارنا لا العكس، فإنه يسحب ذلك على الإله [حسب تصوره؛ إله مطلق من جنس الأذهان والأفكار والمثل] أيضا فيجعل المادة نتاج هذا الإله، فالذهن في فلسفة باكلي [والذي يسميه بالروح] يعمل ذات عمل الإله.
القاعدة عند باركلي ما هي؟
– الله الذي هو مطلق/ذهن/فكر/مثال، هو الذي يخلق المادة.
– الذهن البشري الذي هو مطلق/فكر/مثال، هو الذي يخلق المادة.
ابن تيمية على نقيض أصولي للباركلية، فالفكر عنده هو نتاج مادة أي نتاج جسم، وهو الدماغ. والعالم (المادة/الطبيعة) خلقها إله محسوس، عيني الوجود، له وجود موضوعي، ليس مطلقا، ولا ذهنا، ولا فكرا.
بالنسبة لفلسفة باركلي وتبعاتها على الجانب التطبيقي [لأنه ما من فلسفة إلا ولها تطبيق، ومجرد التنظير الفلسفي بغير سحب نتائجه على الواقع لا يؤدي ثمرة] فإننا نرى جيدًا كيف سيؤدي جعل المادة نتاج فكر ذاتي، إلى جعل الإنسان هو مركز الكون، إلى جعل ذاتية الفرد هي النافذة على الحقيقة الموضوعية. فماذا يعني قوله أن الحقيقة لا توجد إلا في الذهن؟ يعني ذلك واقعيًا ما كان يقوله الفاشست المثاليين: ”الحقيقة هي ما يفكر فيه موسيليني في هذه اللحظة“! بذا ترى صدى الباركلية على الواقع أنها فلسفة مثالية ذاتية، تجعل نظرة الذات لهذه الأشياء هي الصواب، لكن هذه الأشياء في ذاتها بمعزل عن نظرة الذات هل هي صواب أم خطأ؟ يجيب المثالي: لا يمكن معرفة ذلك، لأن الأشياء أصلا نتاج أذهاننا، نتاج ذواتنا، وبالتالي فلا يمكن معرفة الشيء في ذاته. فالحقيقة هي ما تنتجه ذوات الناس الآن، لا يوجد إذًا حقيقة موضوعية منفصلة عن ذي الذوات!.
يقول بولتزير: فالأشياء موجودة بالنسبة لباركلي، وهو لا ينكر طبيعة وجودها ولكنه يؤكد أنها لا توجد إلا بشكل احساسات تعرفنا بها، ثم يستنتج أن احساساتنا والمواضيع إنما تكون شيئا واحدًا.
(مبادئ أولية في الفلسفة، جورج بولتزير، نقله إلى العربية وقدمت له: فهيمة شرف الدين، ضبط مصطلحاته الفلسفية: موسى وهبة، دار الفرابي، الطبعة الخامسة 2001، ص37)
مثلًا إذا أخبرني أحدهم أنه اشترى قميصا أسود اللون، حسب فلسفة باركلي لن أصدق أن هذا القميص أسود اللون، لماذا؟ لأنني قد أراه أبيضًا، وقد يراه شخص آخر أحمر اللون، وقد يراه القط أخضر اللون، وإذا قيل لي أن هذا الشيء على هذا الشكل وعلى هذه الصفة، فلن أتمكن من تصديقه لأنه قد يبدو لي مغايرا لمعطيات الحس التي قيلت لي!
اتساقا مع فلسفة كهذه يمكن أيضًا أن نصل إلى أنه لا موجود إلا ما أحسست به أنا حسا مباشرًا. هذا اللازم من المذهب الباركلي هو ما كان يلزمنا به من وقعوا في الفخ الكانطي عندما كنا ننتصر لكتاب نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود. فكانوا يأتون بسؤال يظهر لهم أنه تعجيزي قائلين: نحن لم نحس بالله، فكيف نؤمن بوجوده؟ فالمادي لا يعجزه مثل هذا السؤال؛ فإنه سيجيب مباشرة: بأن إثبات وجود الله عينيًا لا يشترط أن يحس به كل شخص آنيًا، وإنما يشترط أن يقبل الحس في الجملة، وإذا كان قد أحس به موسى سمعًا، وسيحس به المؤمنون في الآخرة رؤية، فهذا مما لا يناقض الفلسفة المادية بحال.
وإنما يناقض المذهب المثالي الذاتي، فإثبات وجود عيني للإله، مع القول بأنه لا موجود عيني إلا ما أحسسته آنيًا، فهذا نفي لوجود إله متصف بصفات ثبوتية حقيقية، خارج الذهن!.
قد يأتي سؤال: فلماذا إذًا يسمى باركلي بالقسيس مع هذه اللوازم من قبيل نفي وجود ما أحسسناه حسا آنيًا؟ لماذا باركلي يؤمن بوجود إله وهو لم يحس به؟
إن باركلي متسق مع فلسفته، لأن الإله حسب باركلي: ليس له وجود موضوعي عيني ولا يقبل أن يُحس به، بل هو من جنس المثال/له وجود ذهني. فإن باركلي يفكر كالتالي:
وجود الله لبس عينيًا، وليس في الخارج ولا يدرك بالحواس، عندما ألتزم أن ما لم أحس به فليس موجودًا فهذا اللازم ينصرف فقط إلى ما لم أحس به من الماديات، لكن الله ليس ماديا وليس وجوده عينيا، فلا يوجد لازم نفي وجوده لأنه أصالة لا يقبل الحس، فالله الذي هو الذهن/الروح [الروح بالتعبير الفلسفي تعني الذهن] هو الذي يخلق المادة، وبما أننا كبشر لدينا أرواح/ذهن/فكر فإن ذهننا وأفكارنا وأرواحنا هي التي تخلق المادة، فالمادة لا وجود لها في الحقيقة إلا في أذهاننا.
أي أن باركلي يعمل في فلسفته على مستويين من العلوم إن صح التعبير، علوم إلهية، وعلوم إنسانية، فالإله المطلق غير المتعين هو خالق المادة، والذهن الإنساني المطلق غير المتعين هو الذي يخلق المادة.
بالتالي فباركلي يقول لنا: عندما أقول أن المادة هي نتاج أذهاننا وأفكارنا لا العكس، فإنه يسحب ذلك على الإله [حسب تصوره؛ إله مطلق من جنس الأذهان والأفكار والمثل] أيضا فيجعل المادة نتاج هذا الإله، فالذهن في فلسفة باكلي [والذي يسميه بالروح] يعمل ذات عمل الإله.
القاعدة عند باركلي ما هي؟
– الله الذي هو مطلق/ذهن/فكر/مثال، هو الذي يخلق المادة.
– الذهن البشري الذي هو مطلق/فكر/مثال، هو الذي يخلق المادة.
ابن تيمية على نقيض أصولي للباركلية، فالفكر عنده هو نتاج مادة أي نتاج جسم، وهو الدماغ. والعالم (المادة/الطبيعة) خلقها إله محسوس، عيني الوجود، له وجود موضوعي، ليس مطلقا، ولا ذهنا، ولا فكرا.
بالنسبة لفلسفة باركلي وتبعاتها على الجانب التطبيقي [لأنه ما من فلسفة إلا ولها تطبيق، ومجرد التنظير الفلسفي بغير سحب نتائجه على الواقع لا يؤدي ثمرة] فإننا نرى جيدًا كيف سيؤدي جعل المادة نتاج فكر ذاتي، إلى جعل الإنسان هو مركز الكون، إلى جعل ذاتية الفرد هي النافذة على الحقيقة الموضوعية. فماذا يعني قوله أن الحقيقة لا توجد إلا في الذهن؟ يعني ذلك واقعيًا ما كان يقوله الفاشست المثاليين: ”الحقيقة هي ما يفكر فيه موسيليني في هذه اللحظة“! بذا ترى صدى الباركلية على الواقع أنها فلسفة مثالية ذاتية، تجعل نظرة الذات لهذه الأشياء هي الصواب، لكن هذه الأشياء في ذاتها بمعزل عن نظرة الذات هل هي صواب أم خطأ؟ يجيب المثالي: لا يمكن معرفة ذلك، لأن الأشياء أصلا نتاج أذهاننا، نتاج ذواتنا، وبالتالي فلا يمكن معرفة الشيء في ذاته. فالحقيقة هي ما تنتجه ذوات الناس الآن، لا يوجد إذًا حقيقة موضوعية منفصلة عن ذي الذوات!.