نقد مقالة جوناثان براون حول التصور الإسلامي للرجولة (١)
يرى جوناثان براون أنه من معاني الرجل التقليدي أن ”ينشأ الشاب المسلم معتادًا على أن يشاهد التلفاز في الوقت الذي تنظف فيه أخواته من بعده أو وهن يتناوبن على خدمته مع أمه ويحضرن له الطعام والشراب. هذا ما نشأ عليه الكثيرون أو بأقل تقدير قد نشأ الكل على فكرة أن الرجل الحقيقي هو الرجل المتحكم المتمتع بالخدمة التي كرستها له نساء العائلة. فليس غريبًا إذن أن يميل الشباب المسلمون إلى صف نقاد اليمين ضد سياسات الجندَر الليبرالية التقدمية“
ويعقب على كلامه أعلاه قائلا: ”تكمن المشكلة حقا في أن نموذج الرجل التقليدي ليس إسلاميًا في جوهره على الإطلاق“ فلا يعتبر الرجل الذي يرى الزوجة/المرأة خادمة له في بيته [في الداخل] رجلا ذا أصالة إسلامية.
– قلت: معنى الرجل التقليدي عنده هو من يعتبر زوجته خادمة له بالتفصيل الذي ذكر (جلب الطعام والشراب..) ليس إسلاميا، لكن على أي أساس يقوم هذا الكلام، ونحن نقرأ عن رسول الإسلام قوله: ”يا عائشة أطعمينا، يا عائشة هلمي المدية واشحذيها بحجر“؟ فما معنى جعل الرجل الذي يعتبر وظيفة زوجته أن تأتيه بالطعام ليس رجلا إسلاميا في جوهره؟.
ثم يتم قائلا: ”وبمحاكمة أحد الأمثلة كأعمال النساء المنزلية من طبخ وغيره، فإنه وفقًا للمدارس السنية الشرعية فهن لسن مطالباتٍ بهذا“.
– قلت: من أين خرجت فكرة المدارس الشرعية السنية؟ لا يوجد مدارس بهذا الاسم، بل يوجد مذاهب فقهية، بينها خلاف في هذه المسألة [انظر الخلاف في المغني لابن قدامة ج٧، ص٢١]، فمن أين جاء التصريح باتفاقهم على أن النساء لسن مطالبات بالطبخ وشؤون البيت الداخلية؟
قال ابن تيمية: ”وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل ومناولة الطعام والشراب والخَبْز والطحن والطعام لمماليكه وبهائمه مثل علف دابَّته ونحو ذلك؟
فمنهم من قال: لا تجب الخدمة، وهذا القول ضعيفٌ كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء؛ فإنَّ هذا ليس معاشرةً له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحةٍ لم يكن قد عاشره بالمعروف، وقيل -وهو الصواب- وجوب الخدمة؛ فإنَّ الزوج سيِّدها في كتاب الله وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [والسيد هو الزوج في الآية، كما في فتح القدير] وهي عانيةٌ عنده بسنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأنَّ ذلك هو المعروف، ثمَّ مِن هؤلاء مَن قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمةَ المعروفةَ من مثلها لمثله ويتنوَّع ذلك بتنوُّع الأحوال: فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمةُ القوية ليست كخدمة الضعيفة“. [مجموع الفتاوى، ج٣٤، ص٩٠].
فأما من يستحضر نصوص السلف في عدم وجوب الخدمة على الزوحة، فعليه أن يكون واقعيا لحد يسمح له أن يستوعب أن الإماء كانت لهن وظيفة الخدمة من طبخ وكنس وما شابه، فلم يكن ذلك موجبا لخدمة الزوجة لتوفر بدائل.
وإنك لتجد في كتب الفقه كما نقل ابن القيم في زاد المعاد عن الواضحة لابن حبيب قوله: ”حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة: خدمة البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين والطبخ والفرش وكنس البيت واستقاء الماء وعمل البيت كله“.
فأنظر أن النبي عليه الصلاة والسلام حكم على الزوجة بالخدمة الباطنة، وتفصيلها الطبخ ونحوه، وحكم على الزوج بالخدمة الظاهرة وهي التي يمكن أن تراها في عصرنا متمثلة في خروج الرجل على السابعة صباحا والعودة للبيت على الخامسة مساء كي يحصّل مالًا يسمح للزوجة بأن تطبخ بما تشتريه به، ومن هنا يظهر لك مفهوم خدمة الرجل، ومفهوم خدمة المرأة.
ولذا ترى جوناثان يستثني من قوله السابق، ومما قال: إلا ”إن كانت واجباتها قائمة على التوقعات العرفية في مجتمعها الخاص“ يعني أن الشرع لا يوجب عليها الخدمة، إلا إذا كان العرف يقضي بذلك، فما معنى هذا الاستثناء وهو يجمعه مع نقيضه مما قرر سالفا بقوله: ”تكمن المشكلة حقا في أن نموذج الرجل التقليدي ليس إسلاميًا في جوهره على الإطلاق“. فمن هو الإسلامي الأصيل؟ الذي لا يعتبر زوجته خادمة في الباطن، أم الذي يعتبرها خادمة فقط إذا كان العرف يقضي بذلك؟.
بل قال الطبري ”إن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز، أو طحن، أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج، إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه“. فحتى اشتراط العرف هنا ليس لازم، لأنه مذهب من بين مذاهب أخر وابن القيم في زاد المعاد أوجب خدمتها سواء أحبت أو كرهت. فأين قوله ”المدارس السنية...“؟
يرى جوناثان براون أنه من معاني الرجل التقليدي أن ”ينشأ الشاب المسلم معتادًا على أن يشاهد التلفاز في الوقت الذي تنظف فيه أخواته من بعده أو وهن يتناوبن على خدمته مع أمه ويحضرن له الطعام والشراب. هذا ما نشأ عليه الكثيرون أو بأقل تقدير قد نشأ الكل على فكرة أن الرجل الحقيقي هو الرجل المتحكم المتمتع بالخدمة التي كرستها له نساء العائلة. فليس غريبًا إذن أن يميل الشباب المسلمون إلى صف نقاد اليمين ضد سياسات الجندَر الليبرالية التقدمية“
ويعقب على كلامه أعلاه قائلا: ”تكمن المشكلة حقا في أن نموذج الرجل التقليدي ليس إسلاميًا في جوهره على الإطلاق“ فلا يعتبر الرجل الذي يرى الزوجة/المرأة خادمة له في بيته [في الداخل] رجلا ذا أصالة إسلامية.
– قلت: معنى الرجل التقليدي عنده هو من يعتبر زوجته خادمة له بالتفصيل الذي ذكر (جلب الطعام والشراب..) ليس إسلاميا، لكن على أي أساس يقوم هذا الكلام، ونحن نقرأ عن رسول الإسلام قوله: ”يا عائشة أطعمينا، يا عائشة هلمي المدية واشحذيها بحجر“؟ فما معنى جعل الرجل الذي يعتبر وظيفة زوجته أن تأتيه بالطعام ليس رجلا إسلاميا في جوهره؟.
ثم يتم قائلا: ”وبمحاكمة أحد الأمثلة كأعمال النساء المنزلية من طبخ وغيره، فإنه وفقًا للمدارس السنية الشرعية فهن لسن مطالباتٍ بهذا“.
– قلت: من أين خرجت فكرة المدارس الشرعية السنية؟ لا يوجد مدارس بهذا الاسم، بل يوجد مذاهب فقهية، بينها خلاف في هذه المسألة [انظر الخلاف في المغني لابن قدامة ج٧، ص٢١]، فمن أين جاء التصريح باتفاقهم على أن النساء لسن مطالبات بالطبخ وشؤون البيت الداخلية؟
قال ابن تيمية: ”وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل ومناولة الطعام والشراب والخَبْز والطحن والطعام لمماليكه وبهائمه مثل علف دابَّته ونحو ذلك؟
فمنهم من قال: لا تجب الخدمة، وهذا القول ضعيفٌ كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء؛ فإنَّ هذا ليس معاشرةً له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على مصلحةٍ لم يكن قد عاشره بالمعروف، وقيل -وهو الصواب- وجوب الخدمة؛ فإنَّ الزوج سيِّدها في كتاب الله وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [والسيد هو الزوج في الآية، كما في فتح القدير] وهي عانيةٌ عنده بسنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأنَّ ذلك هو المعروف، ثمَّ مِن هؤلاء مَن قال: تجب الخدمة اليسيرة، ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف وهذا هو الصواب، فعليها أن تخدمه الخدمةَ المعروفةَ من مثلها لمثله ويتنوَّع ذلك بتنوُّع الأحوال: فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمةُ القوية ليست كخدمة الضعيفة“. [مجموع الفتاوى، ج٣٤، ص٩٠].
فأما من يستحضر نصوص السلف في عدم وجوب الخدمة على الزوحة، فعليه أن يكون واقعيا لحد يسمح له أن يستوعب أن الإماء كانت لهن وظيفة الخدمة من طبخ وكنس وما شابه، فلم يكن ذلك موجبا لخدمة الزوجة لتوفر بدائل.
وإنك لتجد في كتب الفقه كما نقل ابن القيم في زاد المعاد عن الواضحة لابن حبيب قوله: ”حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة: خدمة البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين والطبخ والفرش وكنس البيت واستقاء الماء وعمل البيت كله“.
فأنظر أن النبي عليه الصلاة والسلام حكم على الزوجة بالخدمة الباطنة، وتفصيلها الطبخ ونحوه، وحكم على الزوج بالخدمة الظاهرة وهي التي يمكن أن تراها في عصرنا متمثلة في خروج الرجل على السابعة صباحا والعودة للبيت على الخامسة مساء كي يحصّل مالًا يسمح للزوجة بأن تطبخ بما تشتريه به، ومن هنا يظهر لك مفهوم خدمة الرجل، ومفهوم خدمة المرأة.
ولذا ترى جوناثان يستثني من قوله السابق، ومما قال: إلا ”إن كانت واجباتها قائمة على التوقعات العرفية في مجتمعها الخاص“ يعني أن الشرع لا يوجب عليها الخدمة، إلا إذا كان العرف يقضي بذلك، فما معنى هذا الاستثناء وهو يجمعه مع نقيضه مما قرر سالفا بقوله: ”تكمن المشكلة حقا في أن نموذج الرجل التقليدي ليس إسلاميًا في جوهره على الإطلاق“. فمن هو الإسلامي الأصيل؟ الذي لا يعتبر زوجته خادمة في الباطن، أم الذي يعتبرها خادمة فقط إذا كان العرف يقضي بذلك؟.
بل قال الطبري ”إن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز، أو طحن، أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج، إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه“. فحتى اشتراط العرف هنا ليس لازم، لأنه مذهب من بين مذاهب أخر وابن القيم في زاد المعاد أوجب خدمتها سواء أحبت أو كرهت. فأين قوله ”المدارس السنية...“؟
👍1
– نقد مقالة جوناثان براون حول التصور الإسلامي للرجولة (٢)
قال جونثان براون: ”فرفض الرجال المسلمين للنموذج التقدمي الليبرالي للرجولة لا ينبغي أن يحوّل دفتهم إلى نموذج محافظي الغرب الغاضبين والذي نشأ كردِ فعلٍ عكسي على النموذَج السابق. وقد كان حريًّا بهم أن يكون لهم في رسولِ الله ” أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ” كما جاء في القرآن الكريم، فيكون سلوكه ﷺ وسنّته نصب أعين المؤمنين أجمعين. ومن هذه الزاوية، سنجد أن النبي ﷺ لم يكتفِ بالجلوس تاركًا نسائه يخدمنه. فقد كان كما وصفته زوجته عائشة رضي الله عنها “يفلى ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه.” كما كان يساعد زوجاته في تحضير الطعام وقد كان ” في مهنة أهله” كما قالت عائشة رضي الله عنها“
– قلت: قال جوناثان ”النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالجلوس تاركا نسائه يخدمنه“، أولا صياغة الكلام ليست موضوعية، وإذا رأينا الروايات التي سأحكيها الآن سيقال: النبي كان يأمر نساءه بأن يخدمنه، ثانيا؛ النبي لم يكن يكتفي بالجلوس بمعنى العاطل عن أي عمل. وعلى كل حال: روي عنه أنه قال لعائشة: يا عائشة أطعمينا، يا عائشة اسقينا” وهي روايات روتها عائشة، وروي أن ”أم سلمة صنعت طعاما، وبعثت به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة، فأخذت عائشة الغيرة منها، فأتت بفهر وكسرت به الصحفة التي بها الطعام” وقد كنا ندرس في بلوغ المرام قول عائشة أنها كانت تغسل ثياب النبي صلى الله عليه وسلم. وعند ذي الروايات علق من أهل الفقه من قال: ”النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه بخدمته“. وصح عن أسماء أنها قالت: ”كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله“.
وأما عن قول عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام كان يخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، فإنه ليس بمحرم على الرجل خدمة نفسه بالخدمة التي تجب على الزوجة، بل ذلك مساعدة منه، وأنظر دقة الطبري عند قوله ”كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز، أو طحن، أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج، إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه“ فقد لا تكون للزوجة طاقة، أو يكون ذلك فضل من الزوح، وعلى كل لا يحرم على الزوج أن يطبخ أكله مع اعتقاده أن ذلك من واجبات الزوجة عموما، ولا يحرم عليها أن يعينها زوجها في شيء من ذلك. كل ذلك لا ينفي أن الخدمة الباطنية/البيتية واجبة عليها.
قال جوناثان: ”وعندما جاءت إليه فاطمة ابنته تشكو ما تلقى في يدها من الرحى وتسأله خادمًا، لم يلبِ طلبها وأخبرها بأن حمد الله وتسبيحه خير لها من خادم. وهذا تفسيري للأمر فحسب“
– قلت: هل يعني هذا أن خدمتها لزوجها علي رضي الله عنه، غير واجبة؟ ليس الأمر كما يريد حاول جوناثان إظهاره، بل استدل أهل الفقه بهذه الرواية على وجوب خدمة الزوجة، قال ابن القيم: ”من قال إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعا وإحسانا يردّه أن فاطمة كانت تشتكى ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابى في الحكم أحدا، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها، والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة عليها، وإن هذا ظلم لها، بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية، هذا أمر لا ريب فيه“. [زاد المعاد ج٥، ص١٦٨].
أيضا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قسم العمل بين فاطمة وعلي كما في الواضحة لابن حبيب قال: ”حكم النبي –صلى الله عليه وسلم- بين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-، وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كله“. ومثله لـ [ابن فرج القرطبي المالكي، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص٧٣].
قال جونثان براون: ”فرفض الرجال المسلمين للنموذج التقدمي الليبرالي للرجولة لا ينبغي أن يحوّل دفتهم إلى نموذج محافظي الغرب الغاضبين والذي نشأ كردِ فعلٍ عكسي على النموذَج السابق. وقد كان حريًّا بهم أن يكون لهم في رسولِ الله ” أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ” كما جاء في القرآن الكريم، فيكون سلوكه ﷺ وسنّته نصب أعين المؤمنين أجمعين. ومن هذه الزاوية، سنجد أن النبي ﷺ لم يكتفِ بالجلوس تاركًا نسائه يخدمنه. فقد كان كما وصفته زوجته عائشة رضي الله عنها “يفلى ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه.” كما كان يساعد زوجاته في تحضير الطعام وقد كان ” في مهنة أهله” كما قالت عائشة رضي الله عنها“
– قلت: قال جوناثان ”النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالجلوس تاركا نسائه يخدمنه“، أولا صياغة الكلام ليست موضوعية، وإذا رأينا الروايات التي سأحكيها الآن سيقال: النبي كان يأمر نساءه بأن يخدمنه، ثانيا؛ النبي لم يكن يكتفي بالجلوس بمعنى العاطل عن أي عمل. وعلى كل حال: روي عنه أنه قال لعائشة: يا عائشة أطعمينا، يا عائشة اسقينا” وهي روايات روتها عائشة، وروي أن ”أم سلمة صنعت طعاما، وبعثت به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة، فأخذت عائشة الغيرة منها، فأتت بفهر وكسرت به الصحفة التي بها الطعام” وقد كنا ندرس في بلوغ المرام قول عائشة أنها كانت تغسل ثياب النبي صلى الله عليه وسلم. وعند ذي الروايات علق من أهل الفقه من قال: ”النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر نساءه بخدمته“. وصح عن أسماء أنها قالت: ”كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله“.
وأما عن قول عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام كان يخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، فإنه ليس بمحرم على الرجل خدمة نفسه بالخدمة التي تجب على الزوجة، بل ذلك مساعدة منه، وأنظر دقة الطبري عند قوله ”كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز، أو طحن، أو غير ذلك أن ذلك لا يلزم الزوج، إذا كان معروفا أن مثلها يلي ذلك بنفسه“ فقد لا تكون للزوجة طاقة، أو يكون ذلك فضل من الزوح، وعلى كل لا يحرم على الزوج أن يطبخ أكله مع اعتقاده أن ذلك من واجبات الزوجة عموما، ولا يحرم عليها أن يعينها زوجها في شيء من ذلك. كل ذلك لا ينفي أن الخدمة الباطنية/البيتية واجبة عليها.
قال جوناثان: ”وعندما جاءت إليه فاطمة ابنته تشكو ما تلقى في يدها من الرحى وتسأله خادمًا، لم يلبِ طلبها وأخبرها بأن حمد الله وتسبيحه خير لها من خادم. وهذا تفسيري للأمر فحسب“
– قلت: هل يعني هذا أن خدمتها لزوجها علي رضي الله عنه، غير واجبة؟ ليس الأمر كما يريد حاول جوناثان إظهاره، بل استدل أهل الفقه بهذه الرواية على وجوب خدمة الزوجة، قال ابن القيم: ”من قال إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعا وإحسانا يردّه أن فاطمة كانت تشتكى ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابى في الحكم أحدا، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها، والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة عليها، وإن هذا ظلم لها، بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية، هذا أمر لا ريب فيه“. [زاد المعاد ج٥، ص١٦٨].
أيضا فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قسم العمل بين فاطمة وعلي كما في الواضحة لابن حبيب قال: ”حكم النبي –صلى الله عليه وسلم- بين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-، وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة خدمة البيت، وحكم على علي بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العجين، والطبخ، والفرش، وكنس البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كله“. ومثله لـ [ابن فرج القرطبي المالكي، أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص٧٣].
نقد مقالة جوناثان براون حول التصور الإسلامي للرجولة (٣)
قال جوناثان: ”فالنبي ﷺ وصحابته لم يتركوا لنا إرث “الرجل التقليدي والمرأة الخاضعة” له”
– قلت: بمقال يُجمع في وريقات نفيت كون خضوع المرأة للرجل من مميزات الإسلام؟! لا أدري هل حقا هذا هو مبلغ علم الرجل أم أنه يتعمد عدم الشمولية في الطرح؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
١) ”لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نولها أن تفعل“ – عند هذا الحديث يعلق الجوزجاني قائلا: ”فهذه طاعته فيما لا منفعة فيه فكيف بمؤنة معاشه“ فضلا عما يتضمنه الحديث من وجوب خضوع الزوجة لزوجها، وطاعته.
بل جاء من حديثه عليه الصلاة والسلام قوله:
٢) لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لما عظم الله من حقه عليها– رواه البيهقي، وصححه الألباني.
٣) خير النساء تسـرُّك إذا أبصـرتَ، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبك في نفسها ومالك– رواه الطبراني، وصححه الألباني.
٤) لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه. قال ابن حجر في الفتح: ”وفي الحديث أن حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير؛ لأن حقه واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع“ فأي خضوع أعظم من أن يمنع الإسلام المرأة من أن تصوم التطوع إلا بإذن زوجها.
٥) وفي الحديث المتفق عليه ”إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح“.
وهذا لا يعني إطلاقا انتقاص الزوجة، بل تقريبا هذا هو عين النموذج الذي نراه في أهلنا من أمهات وخالات وعمات، يجدن كمالهن في تطبيق كل هذا، ولا ترى أي منهن أي لازم بين الخضوع بذا المعنى، وبين الانتقاص الذي أراد جوناثان الإلزام به مع غضه الطرف عن الروايات التي أسلفت ذكرها.
أخيرًا قال: ”لقد كان النبي ﷺ رجلاً يرى أن دور الرجل هو خدمة عائلته، وأن الرجل الحقيقي هو الذي يرى خدمة الآخرين له شيئا يُفضّل تجنبه“.
قلت: هذا خطأ محقق في قراءة سيرة النبي ودراسة كلامه عليه الصلاة والسلام، فإنه كما ذكرت فيما نقلته عن ابن حبيب من الواضحة أنه قسم الخدمة بين فاطمة وعلي، فحكم لفاطمة بالخدمة الباطنة، وحكم لعلي بالخدمة الظاهرة، أي الزوجة لها خدمة داخل البيت، والزوج له خدمة خارج البيت، وكل منهما كان كماله في خدمة عائلته بحسب موضعه (زوج/زوجة). أما قوله عن الرجل الحقيقي الذي يرى أنَّ خدمة الآخرين له شيئا يُفضّل تجنبه، فهذا أيضا خطأ، لأنه ثبت عن رسول الله أنه قال لعائشة: أطعمينا، أشربينا. ولم يتجنب صلى الله عليه وسلم خدمة عائشة له، عكس ما يقوله جوناثان براون.
على كل حال، أرى أن مقال جوناثان ملامس في روحه لدعوى المساواة بين الزوجين، بصيغة استحياء، لا غير.
تنبيهات:
– مقال جوناثان كان من ترجمة أخي عبد الرحمن فتحي، وأرى أن أخي عبد الرحمن لم يوفّق في الثناء على المقال وإضاعة جهده في ترجمته.
– أوافق جوناثان في أن المسلم أعز من أن يحصر نفسه بين التقسيمات الغربية (يسار/يمين).
والله أعلم، والسلام عليكم.
قال جوناثان: ”فالنبي ﷺ وصحابته لم يتركوا لنا إرث “الرجل التقليدي والمرأة الخاضعة” له”
– قلت: بمقال يُجمع في وريقات نفيت كون خضوع المرأة للرجل من مميزات الإسلام؟! لا أدري هل حقا هذا هو مبلغ علم الرجل أم أنه يتعمد عدم الشمولية في الطرح؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
١) ”لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود، ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نولها أن تفعل“ – عند هذا الحديث يعلق الجوزجاني قائلا: ”فهذه طاعته فيما لا منفعة فيه فكيف بمؤنة معاشه“ فضلا عما يتضمنه الحديث من وجوب خضوع الزوجة لزوجها، وطاعته.
بل جاء من حديثه عليه الصلاة والسلام قوله:
٢) لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لما عظم الله من حقه عليها– رواه البيهقي، وصححه الألباني.
٣) خير النساء تسـرُّك إذا أبصـرتَ، وتطيعك إذا أمرت، وتحفظ غيبك في نفسها ومالك– رواه الطبراني، وصححه الألباني.
٤) لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه. قال ابن حجر في الفتح: ”وفي الحديث أن حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير؛ لأن حقه واجب، والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع“ فأي خضوع أعظم من أن يمنع الإسلام المرأة من أن تصوم التطوع إلا بإذن زوجها.
٥) وفي الحديث المتفق عليه ”إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها؛ لعنتها الملائكة حتى تصبح“.
وهذا لا يعني إطلاقا انتقاص الزوجة، بل تقريبا هذا هو عين النموذج الذي نراه في أهلنا من أمهات وخالات وعمات، يجدن كمالهن في تطبيق كل هذا، ولا ترى أي منهن أي لازم بين الخضوع بذا المعنى، وبين الانتقاص الذي أراد جوناثان الإلزام به مع غضه الطرف عن الروايات التي أسلفت ذكرها.
أخيرًا قال: ”لقد كان النبي ﷺ رجلاً يرى أن دور الرجل هو خدمة عائلته، وأن الرجل الحقيقي هو الذي يرى خدمة الآخرين له شيئا يُفضّل تجنبه“.
قلت: هذا خطأ محقق في قراءة سيرة النبي ودراسة كلامه عليه الصلاة والسلام، فإنه كما ذكرت فيما نقلته عن ابن حبيب من الواضحة أنه قسم الخدمة بين فاطمة وعلي، فحكم لفاطمة بالخدمة الباطنة، وحكم لعلي بالخدمة الظاهرة، أي الزوجة لها خدمة داخل البيت، والزوج له خدمة خارج البيت، وكل منهما كان كماله في خدمة عائلته بحسب موضعه (زوج/زوجة). أما قوله عن الرجل الحقيقي الذي يرى أنَّ خدمة الآخرين له شيئا يُفضّل تجنبه، فهذا أيضا خطأ، لأنه ثبت عن رسول الله أنه قال لعائشة: أطعمينا، أشربينا. ولم يتجنب صلى الله عليه وسلم خدمة عائشة له، عكس ما يقوله جوناثان براون.
على كل حال، أرى أن مقال جوناثان ملامس في روحه لدعوى المساواة بين الزوجين، بصيغة استحياء، لا غير.
تنبيهات:
– مقال جوناثان كان من ترجمة أخي عبد الرحمن فتحي، وأرى أن أخي عبد الرحمن لم يوفّق في الثناء على المقال وإضاعة جهده في ترجمته.
– أوافق جوناثان في أن المسلم أعز من أن يحصر نفسه بين التقسيمات الغربية (يسار/يمين).
والله أعلم، والسلام عليكم.
نقد_مقالة_جوناثان_براون_حول_التصور_الإسلامي_للرجولة.pdf
162.6 KB
من ترتيب أحد الإخوة، بارك الله فيه.
ابن تيمية معتزًا.
الذي يقرأ لابن تيمية، ويتمعن، ويعيد قراءة الكتاب مرارًا، يدرك جيدًا معنى العزة الإسلامية، تلك العزة التي فقدها كثير ممن يتحمَّس لسلوك ذات السبيل التي سلكها ابن تيمية في رد الخطأ عن الإسلام.
إن ابن تيمية، لم يكن يوما معتزا بما له من علم وفير بالفلسفة الغربية والموروث الغربي عمومًا، في زمانه. رغم أنه كما ذكر ابن رجب الحنبلي ”قد نظر في الكلام والفلسفة وبرز في ذلك على أهله“. بل يعتبِر مثل الباجي وابن العربي من جملة المقلدين في العقائد، وعادة ما يمارس شيئا من إبراز العضلات الفكرية بإظهار مدى موسوعيته ودقته فيما يخص الفلسفة الغربية اليونانية وتفاصيل أساطينها ورؤاهم، حتى ترى أنك قد أفلتت المبحث من شدة توسع، فتراه يُحبِطك ثانية بقوله: وقد بسطنا الجواب في غير هذا الموضع!. فالرجل كان في نظر كل من قرأه موسوعيا مع الموروث الغربي الفلسفي، ذلك الموروث الذي استعمله الإسلاميون على اختلاف عقائدهم للبناء عليه عقيدةً تهدم التي قبلها والتي بعدها، فتجد هذا يبرهن بمنطق أرسطو، وذاك يثبت قدم العالم بإشراق أفلوطين، وذاك ينفي الحركة عن الباري بأصل أرسطو [المحرك الذي لا يتحرك]، وكانت الجهمية مثالية الفلسفة، وأكفرتها المعتزلة رغم مثاليتهم وتأثرهم بذات المنبع، وبدّع الأشاعرة المعتزلة رغم مثاليتهم، وكلٌّ كان يبني عقيدته على ذات المنبع الغربي [الأرسطي/الأفلاطوني] وحتى المتفلسفة كانوا على ذات السنة، بنوا عقدهم على الموروث الغربي/اليوناني، ورأوا غلط كل من خالفهم ممن بنوا عقائدهم على ذات الموروث.
ابن تيمية نظر مليا في فلسفة الغربيين مجردةً عن قراءات الإسلاميين، سواء متفلسفة، أو متكلمة، وكانت قراءته قراءة نقدية لتلك الفلسفة، حيث أن عزته الثقافية، وهويته الإسلامية المحضة، لم تكن لتسمح له بأن يفترض وجود حَقٍ في تلك الفلسفات الغربية، لم يكن الشرع مستوعبا له، وأعني هنا بالحق [العقل الشرعي] أي العقليات التي يوافق عليها النقل، بل أكد مرارا على أن الشرع ينقسم إلى عقل، ونقل، ومن ثم فإن الأمثال المضروبة في القرآن، إنما هي مقاييس عقلية، عند هذه الزاوية ألف ابن تيمية كتابه الكبير العظيم النفع الموسوم بـ [درء تعارض العقل والنقل] أي أن أي تعارض بين العقل والنقل، فإن وجوده منعدم.
عند قراءة ابن تيمية لانعكاس الفكر الفلسفي الغربي على الإسلاميين، كان فطنا للغاية، بحيث أنه لم يُخدَع بما خدعت به الطوائف، حيث تبدّع كل منهن أختها بذات الأداة التي كانت التالية مبتدعة بسبب استقبالها، فلم يستعمل منطق أرسطو في تخطئة الذين خطؤوا بعضهم وهم مستعملون له، بل كان متسقا لأبعد حد مع تقريره [الشرع مكون من عقل ونقل] فكان منبع تقريره العقدي المقابل لمنبع الإسلاميين المبتدعين إنما هو ”مقالات أهل الحديث“ التي تفرقت في كتب مختلفة منها السنة لعبد الله، ونقض الدارمي، وكتاب الخلال،و ابن منده، وابن بطة، وابن خزيمة، وغيرهم من الأئمة العظام، فترى عند الرجل عزة عظيمة تقول: رغم أني أعلم منكم بعقائد وفلسفات سلفكم الغربي، إلا أن سلفي أعظم قدرا من أن أستبدله بما لدى سلفكم، وإن وجدت لدى سلفكم صوابا وحقا، جئتكم بعين الصواب لكن مما خطت يمين سلفي، حتى أؤكد لكم أن ”الفلسفة الصحيحة المبنية على المقاولات المحضة توجب عليكم تصديق الرسل فيما أخبرت به مما خالفتموه منطلقين من الخطأ الذي عليه سلفكم“.
مرادي ما هو؟
لم يكن صوابا البتة نبش التراث الغربي بحثا عن حلول لما نحن فيه، بل هذا قلة عزة بتراثنا نحن، وضعف ثقة إن لم يكن انعداما لها، وولع بتقليد من لم يكن عمدته سلفنا المبارك، بل أكثر من ينبهر بتراث الغرب الذي يظهر صائبا، مواجها بذلك الغربَ الذي أنتج الزلل، والداخلَ المنشق عن الحق، إنما هو يبسط انبهاره قائلا: ”يوجد ما يوافق ما أبهرني في تراثنا الإسلامي، لكن مرادي كسر شوكة الغرب بالعقل“ وأي عقل؟ عقل غربي أيضا. هذا الذي كان بوسع ابن تيمية الموسوعي أن يفعله بصورة مبهرة، لكن لم يكن ذلك محل اعتزاز عنده، بل محل إذلال للتراث الإسلامي العظيم أن يترك التنقيب عما فيه من عقل حق، ليجعل الإقناع به درجة ثانية، ثم يصير الأصل في الصراع الفكري مع الخطأ أن تصارع الخطأ الغربي بما يُظن أنه من الصواب الغربي.
الذي يقرأ لابن تيمية، ويتمعن، ويعيد قراءة الكتاب مرارًا، يدرك جيدًا معنى العزة الإسلامية، تلك العزة التي فقدها كثير ممن يتحمَّس لسلوك ذات السبيل التي سلكها ابن تيمية في رد الخطأ عن الإسلام.
إن ابن تيمية، لم يكن يوما معتزا بما له من علم وفير بالفلسفة الغربية والموروث الغربي عمومًا، في زمانه. رغم أنه كما ذكر ابن رجب الحنبلي ”قد نظر في الكلام والفلسفة وبرز في ذلك على أهله“. بل يعتبِر مثل الباجي وابن العربي من جملة المقلدين في العقائد، وعادة ما يمارس شيئا من إبراز العضلات الفكرية بإظهار مدى موسوعيته ودقته فيما يخص الفلسفة الغربية اليونانية وتفاصيل أساطينها ورؤاهم، حتى ترى أنك قد أفلتت المبحث من شدة توسع، فتراه يُحبِطك ثانية بقوله: وقد بسطنا الجواب في غير هذا الموضع!. فالرجل كان في نظر كل من قرأه موسوعيا مع الموروث الغربي الفلسفي، ذلك الموروث الذي استعمله الإسلاميون على اختلاف عقائدهم للبناء عليه عقيدةً تهدم التي قبلها والتي بعدها، فتجد هذا يبرهن بمنطق أرسطو، وذاك يثبت قدم العالم بإشراق أفلوطين، وذاك ينفي الحركة عن الباري بأصل أرسطو [المحرك الذي لا يتحرك]، وكانت الجهمية مثالية الفلسفة، وأكفرتها المعتزلة رغم مثاليتهم وتأثرهم بذات المنبع، وبدّع الأشاعرة المعتزلة رغم مثاليتهم، وكلٌّ كان يبني عقيدته على ذات المنبع الغربي [الأرسطي/الأفلاطوني] وحتى المتفلسفة كانوا على ذات السنة، بنوا عقدهم على الموروث الغربي/اليوناني، ورأوا غلط كل من خالفهم ممن بنوا عقائدهم على ذات الموروث.
ابن تيمية نظر مليا في فلسفة الغربيين مجردةً عن قراءات الإسلاميين، سواء متفلسفة، أو متكلمة، وكانت قراءته قراءة نقدية لتلك الفلسفة، حيث أن عزته الثقافية، وهويته الإسلامية المحضة، لم تكن لتسمح له بأن يفترض وجود حَقٍ في تلك الفلسفات الغربية، لم يكن الشرع مستوعبا له، وأعني هنا بالحق [العقل الشرعي] أي العقليات التي يوافق عليها النقل، بل أكد مرارا على أن الشرع ينقسم إلى عقل، ونقل، ومن ثم فإن الأمثال المضروبة في القرآن، إنما هي مقاييس عقلية، عند هذه الزاوية ألف ابن تيمية كتابه الكبير العظيم النفع الموسوم بـ [درء تعارض العقل والنقل] أي أن أي تعارض بين العقل والنقل، فإن وجوده منعدم.
عند قراءة ابن تيمية لانعكاس الفكر الفلسفي الغربي على الإسلاميين، كان فطنا للغاية، بحيث أنه لم يُخدَع بما خدعت به الطوائف، حيث تبدّع كل منهن أختها بذات الأداة التي كانت التالية مبتدعة بسبب استقبالها، فلم يستعمل منطق أرسطو في تخطئة الذين خطؤوا بعضهم وهم مستعملون له، بل كان متسقا لأبعد حد مع تقريره [الشرع مكون من عقل ونقل] فكان منبع تقريره العقدي المقابل لمنبع الإسلاميين المبتدعين إنما هو ”مقالات أهل الحديث“ التي تفرقت في كتب مختلفة منها السنة لعبد الله، ونقض الدارمي، وكتاب الخلال،و ابن منده، وابن بطة، وابن خزيمة، وغيرهم من الأئمة العظام، فترى عند الرجل عزة عظيمة تقول: رغم أني أعلم منكم بعقائد وفلسفات سلفكم الغربي، إلا أن سلفي أعظم قدرا من أن أستبدله بما لدى سلفكم، وإن وجدت لدى سلفكم صوابا وحقا، جئتكم بعين الصواب لكن مما خطت يمين سلفي، حتى أؤكد لكم أن ”الفلسفة الصحيحة المبنية على المقاولات المحضة توجب عليكم تصديق الرسل فيما أخبرت به مما خالفتموه منطلقين من الخطأ الذي عليه سلفكم“.
مرادي ما هو؟
لم يكن صوابا البتة نبش التراث الغربي بحثا عن حلول لما نحن فيه، بل هذا قلة عزة بتراثنا نحن، وضعف ثقة إن لم يكن انعداما لها، وولع بتقليد من لم يكن عمدته سلفنا المبارك، بل أكثر من ينبهر بتراث الغرب الذي يظهر صائبا، مواجها بذلك الغربَ الذي أنتج الزلل، والداخلَ المنشق عن الحق، إنما هو يبسط انبهاره قائلا: ”يوجد ما يوافق ما أبهرني في تراثنا الإسلامي، لكن مرادي كسر شوكة الغرب بالعقل“ وأي عقل؟ عقل غربي أيضا. هذا الذي كان بوسع ابن تيمية الموسوعي أن يفعله بصورة مبهرة، لكن لم يكن ذلك محل اعتزاز عنده، بل محل إذلال للتراث الإسلامي العظيم أن يترك التنقيب عما فيه من عقل حق، ليجعل الإقناع به درجة ثانية، ثم يصير الأصل في الصراع الفكري مع الخطأ أن تصارع الخطأ الغربي بما يُظن أنه من الصواب الغربي.
👍1
إن الأبواق الإعلامية وغير الإعلامية، وكثير ممن يصنفهم الناس كمفكرين سياسيين وما شابه، حينما يتكلمون عن الديكتاتورية بكلام سيء، وتراهم يفترضون أنها تعني نمطا من الحكم مطلق الدونية، ويوجبون على الشعوب الحمقاء –في معظمها– ألا يرضوا بالحكم الديكاتوري بإطلاق من دون أي تفصيل، ولا شرح لمعنى الشمولية في الحكم، أظن أن الكل هنا قد خُدِع بصورة مضحكة من طرف الأنظمة الديمقراطية، حتى يخيل إليَّ أن الجميع حينما يحكي عن الديكتاتورية أنه يفترض ولادته بمعرفة قبلية تفيد سوء نمط الحكم الشمولي.
– لا ينبغي أن تحكم على نمط حكم معين بالسوء، لمجرد أنك ترعرعت على سماع شعارات يختص بها نمط يناقضه.
– لا ينبغي أن تحكم على نمط حكم معين بالسوء، لمجرد أنك ترعرعت على سماع شعارات يختص بها نمط يناقضه.
لأكون واقعيا جدًا، لا يمكن –على الأقل– أن ألغي نموذج أجدادي، أو لأقل: جدي الذي عشت معه فترة لا بأس بها، ذلك الرجل الشرقي الصرف، إنه ليس من العدل أن ننصهر أمام الكم الهائل من الحداثة المائعة، أو أن نفكر ولو قليلا جدًا في ترك شيء من هويتنا العظيمة أو درء الاقتداء بتلك النماذج الصلبة، لمجرد أننا ألِفنا ذي البيئة المحاطة بالرخاوة.
في نقاش مع ما بعد حداثي قبل فترة، يسأل عن بعض مقررات الفقه، التي تصادم عقيدته الليبرالية، فأجيب بكل طلاقة.
طبعا لا يوجد منه نقد يحرك فكرا في رأس، وكنت أستعين ببعض النماذج الغربية كي أجعله يفكر بشيء من الواقعية حول أحقية الإسلام في أن يكافح الليبرالية كي يحافظ على نفسه.
المهم، أعظم نقد –في نظره– كان يوجهه لي هو قوله: ”واااو“
هذه الـ ”واااو“ وأخواتها، من بين أعظم الأسلحة في يد الحداثيين الصغار هؤلاء، لجعلك منضما لذلك القطيع الذي يعلف مزاجية المخالف ولا يبالي، إنها تعمل عملا رهيبا في جعلك منساقا نحو ”تعديل الخطاب الديني/ الوسطية الإسلامية“ وفق معايير الفكر الذي ينسب ذي ”الواااو“ نفسه له.
طبعا لا يوجد منه نقد يحرك فكرا في رأس، وكنت أستعين ببعض النماذج الغربية كي أجعله يفكر بشيء من الواقعية حول أحقية الإسلام في أن يكافح الليبرالية كي يحافظ على نفسه.
المهم، أعظم نقد –في نظره– كان يوجهه لي هو قوله: ”واااو“
هذه الـ ”واااو“ وأخواتها، من بين أعظم الأسلحة في يد الحداثيين الصغار هؤلاء، لجعلك منضما لذلك القطيع الذي يعلف مزاجية المخالف ولا يبالي، إنها تعمل عملا رهيبا في جعلك منساقا نحو ”تعديل الخطاب الديني/ الوسطية الإسلامية“ وفق معايير الفكر الذي ينسب ذي ”الواااو“ نفسه له.
Forwarded from عبد الرحمن فتحي (Abdelrahman Fathy)
نقد_مقالة_جوناثان_براون_حول_التصور_الإسلامي_للرجولة.pdf
162.6 KB
الحمد لله وبعد.
قد كتب الأخ العزيز الفاضل باسم بشينية نقدًا لمقالة جوناثان براون التي سبق وترجمناها بحول الله؛ فمن قرأ المقالة يجدر به قراءة نقدها قبل قراءة حرف من التالي ذكره.
ولست هنا بصدد الدفاع المستميت عن براون لأنه لا يعني أن ترجمت المقال أن أتبناه كليا ١٠٠% ولكن سأمر سريعًا على ما رأيته في نقد باسم من مجانبة للصواب وتحميل براون ما لا يحمله؛ وإن كان أخي باسم قد أجاد في عدة مواطن أفادتني جدا وأتفق معه فيها؛ إلا إني سأقتصر على الإشارة لما يتقاطع مع رأيي لأنه ذكر أني لم أوفق في الثناء على المقال لذا سأبين إن شاء الله ما رأيته من نقاط محورية تجعله جديرًا بالثناء.
وسأمر على ثلاثة محاور إن شاء الله رأيتها تطعن في نقد أخي الفاضل ورأيت يمكن استخلاصها مما كتب دون تتبع قولته سطرًا بسطر:
١. عدم إدراك جوهر المقالة أو الأصل الكلي والانصراف لمناقشة أفراد المسائل الفقهية، والأمور الفرعية.
٢. عدم إدراك السياق الدلالي للألفاظ والشبكة المفاهيمية وحمولات اللفظة الفكرية.
٣. زلات في تفاصيل فقهية وشرعية.
فبسم الله وحده؛ نقول وبالله تعالى التوفيق:
قد كتب الأخ العزيز الفاضل باسم بشينية نقدًا لمقالة جوناثان براون التي سبق وترجمناها بحول الله؛ فمن قرأ المقالة يجدر به قراءة نقدها قبل قراءة حرف من التالي ذكره.
ولست هنا بصدد الدفاع المستميت عن براون لأنه لا يعني أن ترجمت المقال أن أتبناه كليا ١٠٠% ولكن سأمر سريعًا على ما رأيته في نقد باسم من مجانبة للصواب وتحميل براون ما لا يحمله؛ وإن كان أخي باسم قد أجاد في عدة مواطن أفادتني جدا وأتفق معه فيها؛ إلا إني سأقتصر على الإشارة لما يتقاطع مع رأيي لأنه ذكر أني لم أوفق في الثناء على المقال لذا سأبين إن شاء الله ما رأيته من نقاط محورية تجعله جديرًا بالثناء.
وسأمر على ثلاثة محاور إن شاء الله رأيتها تطعن في نقد أخي الفاضل ورأيت يمكن استخلاصها مما كتب دون تتبع قولته سطرًا بسطر:
١. عدم إدراك جوهر المقالة أو الأصل الكلي والانصراف لمناقشة أفراد المسائل الفقهية، والأمور الفرعية.
٢. عدم إدراك السياق الدلالي للألفاظ والشبكة المفاهيمية وحمولات اللفظة الفكرية.
٣. زلات في تفاصيل فقهية وشرعية.
فبسم الله وحده؛ نقول وبالله تعالى التوفيق:
👍1
Forwarded from عبد الرحمن فتحي (Abdelrahman Fathy)
(١) عدم إدراك جوهر المقالة أو الأصل الكلي الذي انبنت عليه:
–تتبعت نقد الفاضل باسم فلم أجد فيه ذكر لجوهر المتن؛ الفكرة الرئيسية التي يريد براون إيصالها؛ اللهم إلا في هامش المقال وآخر سطر فيه حيث مر مرورًا عابرًا.
أما الأصل الكلي الذي انبنت عليه المقالة فهو الجدير بالنقد؛ دون الانصراف للفرعيات؛ بل وبعض النقودات نتجاوزها تمامًا إن كان بها حشوًا أو لم تتناول الأساس الذي قامت عليه المقالة؛ حيث لا يخلو كتاب من خطأ تقريبًا.
–فكرة براون الكلية هي أن النموذج الإسلامي متفرد وله رؤية صلبة من حيث "النوع الاجتماعي" وتحديد الاختلاف بين الجنسين؛ ومن ثم لا ينبغي سحبه لأي قطب من القطبين المهيمنين فكريًا (اليسار_اليمين) أو إلباسه زي أي نمط آخر غربي كان أو شرقي؛ وأن الشريعة في إطارها الأخلاقي لا هي محافظاتية /يمينية أو تقدمية/ يسارية؛ بل هي متعالية على كل هذه الأنواع؛ فلسنا محكومين إذن بالاختيار بين هذه النماذج؛ هذا باختصار.
ومنه نفهم مفاتيح براون أصلا؛ لأنه سيكثر الطَرق على هذه الفكرة طيلة المقالة؛ فعندما أقول لك براون يختبر صلاحية نماذج الرجولة الغربية بمرجعية إسلامية فحينها لا ينبغي أن ينصرف نقدك له لاختياراته الفقهية وأفراد المسائل والأمور التي هي بين الأجر والأجرين؛ وهي نقاشات محمودة ولكن ليس في مقام نقد "المتن" نفسه.
النقطة الثانية التي نتجت عن غياب رؤية الأصل الكلي هو إهدار السياق التداولي والألفاظ المحملة فكريًا وتاريخيًا؛ فعندما يقوم براون بالإحالة على "التقليدي" "الذكوري" "المراة الخاضعة" "الخادمة للرجل" مثلا فهذا ليس اعتباطيًا؛ وإنما يشير لمفاهيم مستمدة من النماذج التي ينتقدها؛ ومنه الدفاع عن هذه المفاهيم بلا معنى. (في النقطة الثانية سأتوّسع في الشرح).
ولو قلنا لماذا ترجمناه إذن وهو خاضع لسياق غربي؟ نُجِب بأنه مع العولمة والتخلف الحضاري انتقلت إلينا أفكار الغرب المنفتح والغرب المحافِظ كذلك فظهرت في بيئاتنا هذه الممارسات التي لا اصل لها عندنا وظهر نموذج "الرجل الشرقي" وهو النسخة المشوّهة الممسوخة للرجل الأوروبي المحافِظ؛ بل وظهرت دعوات من بعض الحمقى قائلين أن الإسلام "دين ذكوري" بطبعه.
لذا عندما ننقِل نقدًا لممارسات المحافظين السيئة فهي لمن تلبّس بهذا النموذج في بيئتنا زاعمًا أن نموذجه إسلامي.
–تتبعت نقد الفاضل باسم فلم أجد فيه ذكر لجوهر المتن؛ الفكرة الرئيسية التي يريد براون إيصالها؛ اللهم إلا في هامش المقال وآخر سطر فيه حيث مر مرورًا عابرًا.
أما الأصل الكلي الذي انبنت عليه المقالة فهو الجدير بالنقد؛ دون الانصراف للفرعيات؛ بل وبعض النقودات نتجاوزها تمامًا إن كان بها حشوًا أو لم تتناول الأساس الذي قامت عليه المقالة؛ حيث لا يخلو كتاب من خطأ تقريبًا.
–فكرة براون الكلية هي أن النموذج الإسلامي متفرد وله رؤية صلبة من حيث "النوع الاجتماعي" وتحديد الاختلاف بين الجنسين؛ ومن ثم لا ينبغي سحبه لأي قطب من القطبين المهيمنين فكريًا (اليسار_اليمين) أو إلباسه زي أي نمط آخر غربي كان أو شرقي؛ وأن الشريعة في إطارها الأخلاقي لا هي محافظاتية /يمينية أو تقدمية/ يسارية؛ بل هي متعالية على كل هذه الأنواع؛ فلسنا محكومين إذن بالاختيار بين هذه النماذج؛ هذا باختصار.
ومنه نفهم مفاتيح براون أصلا؛ لأنه سيكثر الطَرق على هذه الفكرة طيلة المقالة؛ فعندما أقول لك براون يختبر صلاحية نماذج الرجولة الغربية بمرجعية إسلامية فحينها لا ينبغي أن ينصرف نقدك له لاختياراته الفقهية وأفراد المسائل والأمور التي هي بين الأجر والأجرين؛ وهي نقاشات محمودة ولكن ليس في مقام نقد "المتن" نفسه.
النقطة الثانية التي نتجت عن غياب رؤية الأصل الكلي هو إهدار السياق التداولي والألفاظ المحملة فكريًا وتاريخيًا؛ فعندما يقوم براون بالإحالة على "التقليدي" "الذكوري" "المراة الخاضعة" "الخادمة للرجل" مثلا فهذا ليس اعتباطيًا؛ وإنما يشير لمفاهيم مستمدة من النماذج التي ينتقدها؛ ومنه الدفاع عن هذه المفاهيم بلا معنى. (في النقطة الثانية سأتوّسع في الشرح).
ولو قلنا لماذا ترجمناه إذن وهو خاضع لسياق غربي؟ نُجِب بأنه مع العولمة والتخلف الحضاري انتقلت إلينا أفكار الغرب المنفتح والغرب المحافِظ كذلك فظهرت في بيئاتنا هذه الممارسات التي لا اصل لها عندنا وظهر نموذج "الرجل الشرقي" وهو النسخة المشوّهة الممسوخة للرجل الأوروبي المحافِظ؛ بل وظهرت دعوات من بعض الحمقى قائلين أن الإسلام "دين ذكوري" بطبعه.
لذا عندما ننقِل نقدًا لممارسات المحافظين السيئة فهي لمن تلبّس بهذا النموذج في بيئتنا زاعمًا أن نموذجه إسلامي.
Forwarded from عبد الرحمن فتحي (Abdelrahman Fathy)
(٢) عدم إدراك السياق الدلالي والحمولات الفكرية:
أ- مبدأيا ؛ أخطأ الفاضل باسم عند تناول مفهوم الرجل التقليدي؛ لأن براون لم يقصد أن يحصر معنى الرجل التقليدي Traditional في الرجل الذي تحضر له زوجته الطعام. أما مقصده هو الرجل المحافظ وهو لفظ واسع يندرج تحته سمات عدة وله حمولته الفكرية التاريخية والكَنَسية السمات. وقطعًا هذا الرجل "التقليدي المحافظ" "ذا السلطة الأبوية" على النمط الأوروبي ليس إسلاميا "في جوهره" كما قال براون بالنص ولئن كان هناك تشابه فرعي (وهو ضئيل جدًا ومقيد بضوابط) ولئن أصلا وافقنا على موضوع وجوب الخدمة (وهنا يشير براون لنمط إتكالي أصلا وتحميل الأم/الزوجة ما لا تطيق).
أما ما ذهب إليه براون فلم يبتدعه من نفسه؛ بل كتب ما ترجّح لديه في شؤون القيام بخدمة الزوج وخلافه وهذا شأنه ويمكن مناقشته فعلا ولكنها تفصيلة هامشية إن أردنا تخليص الإسلام من الصورة الكنسية؛ وإن أدركنا أن مفهوم الخدمة هنا أيضًا مختلف طبقا لسياق حديثه وطبقا للنموذج الذي يتناوله بالنقد؛ وإن أدركنا أن براون مرجعيته إسلامية ويحاكم النماذج بنفس ترسانة المفاهيم لتي نتبعها؛ لذا هو نموذج (بخلافاته الفرعية) أمام نموذج.
أما عن المساحة التي فتحها الفاضل باسم نقلا عن زاد المعاد في تقسيمه للخدمة الباطنية (الزوجة داخل المنزل) والخدمة الخارجية(الرجل للعمل خارج المنزل ) فهذا ما يعنيه وذكره براون أصلا في حديثه عن "التوقعات العرفية للأدوار المتبادلة في مجتمعها".
وعلى العموم أنقل قولة ابن حزم في المسألة ففيها إجابة على الروايات التي ذكرها وفيها تحديد للدور الذي أراده براون:
《ولا يلزم المراة أن تخدم زوجها في شيء أصلا ولا طبخ ولا فرش ولا كنس ولا غزل ولا نسج ؛ ولا غير ذلك أصلا ولو أنها فعلت لكان أفضل لها.
وعلى الزوج يأتيها بكسوتها مخيطة تامة وبالطعام مطبوخا تاما وإنما عليها أن تحسن عشرته ولا تصوم تطوعا وهو حاضر الا بإذنه ولا تدخل بيته من يكره وأن لا تمنعه نفسها متى أراد وأن تحفظ ما جعل عندها من ماله.
وقال أبو ثور: على المرأة أن تخدم زوجها في كل شئ ويمكن أن يحتج لذلك بالأثر الثابت عن علي بن أبي طالب قال:"شكت فاطمة مجل يديها من الطحين وانه أعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سأله خادما" وبالخبر الثابت من طريق أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت وكان له فرس وكنت أسوسه كنت احتش له وأقوم عليه."
وبالخبر الثابت من طريق أسماء أيضا انها كانت تعلف فرس الزبير وتسقى الماء وتجزم غربه وتعجن وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ وان رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيها وهي تنقله
فقال ابن حزم: فإذا خدمت هاتان الفاضلتان هذه الخدمة الثقيلة فمن بعدهما يترفع عن ذلك من النساء [..] ولا حجة لأهل هذا القول في شئ من هذه الأخبار لأنه ليس في شئ منها ولا من غيرها أنه عليه الصلاة والسلام أمرهما بذلك إنما كانتا متبرعتين بذلك وهما أهل الفضل والمبرة رضي الله عنهما ونحن لا نمنع من ذلك إن تطوعت المرأة به إنما نتكلم على سر الحق الذي تجب به الفتيا والقضاء بإلزامه، فان قيل، قد قال الله تعالى: (فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) قلنا: أول الآية بين فيما هي هذه الطاعة قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) فصح أنها الطاعة إذا دعاها للجماع فقط، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجب على الرجل للمرأة وقد ذكرناه قبل هذه المسألة بمسألتين، ومن ألزم المرأة خدمة دون خدمة فقد شرع ما لم يأذن به الله تعالى، وقال: ما لا يصح ومالا نص فيه وكذلك بين عليه الصلاة والسلام أن لهن علينا رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فصح ما قلناه: من أن على الزوج أن يأتيها برزقها ممكنا لها أكله وبالكسوة ممكنا لها لباسها لأن مالا يوصل إلى أكله ولباسه إلا بعجن وطبخ وغزل ونسج وقصارة وصباغ وخياطة فليس هو رزقا ولا كسوة هذا ما لا خلاف فيه في اللغة والمشاهدة، واما حفظ ما جعل عندها ففرض بلا خلاف》
[المحلى- بن حزم -ج ١٠- الصفحة ٧٣ ٧٤]
و هنا ابن حزم لم يخصص الشأن بوجود الإماء وتوفر البدائل من عدمه بمسألة الخدمة؛ ولئن ترجّح قول خلاف ذلك فهذا أيضًا لا يناقض قولته أن الرجل التقليدي ليس نموذجا إسلاميا في جوهره إذا نظرنا مجددا للفظ الذي يعنيه وحمولته الفكرية؛ أما قصره على معنى واحد منفصلٌ خطأ؛ لأنه لا يقتصر على طلب خدمة الباطن إن صح وجوبها جدلا.
أ- مبدأيا ؛ أخطأ الفاضل باسم عند تناول مفهوم الرجل التقليدي؛ لأن براون لم يقصد أن يحصر معنى الرجل التقليدي Traditional في الرجل الذي تحضر له زوجته الطعام. أما مقصده هو الرجل المحافظ وهو لفظ واسع يندرج تحته سمات عدة وله حمولته الفكرية التاريخية والكَنَسية السمات. وقطعًا هذا الرجل "التقليدي المحافظ" "ذا السلطة الأبوية" على النمط الأوروبي ليس إسلاميا "في جوهره" كما قال براون بالنص ولئن كان هناك تشابه فرعي (وهو ضئيل جدًا ومقيد بضوابط) ولئن أصلا وافقنا على موضوع وجوب الخدمة (وهنا يشير براون لنمط إتكالي أصلا وتحميل الأم/الزوجة ما لا تطيق).
أما ما ذهب إليه براون فلم يبتدعه من نفسه؛ بل كتب ما ترجّح لديه في شؤون القيام بخدمة الزوج وخلافه وهذا شأنه ويمكن مناقشته فعلا ولكنها تفصيلة هامشية إن أردنا تخليص الإسلام من الصورة الكنسية؛ وإن أدركنا أن مفهوم الخدمة هنا أيضًا مختلف طبقا لسياق حديثه وطبقا للنموذج الذي يتناوله بالنقد؛ وإن أدركنا أن براون مرجعيته إسلامية ويحاكم النماذج بنفس ترسانة المفاهيم لتي نتبعها؛ لذا هو نموذج (بخلافاته الفرعية) أمام نموذج.
أما عن المساحة التي فتحها الفاضل باسم نقلا عن زاد المعاد في تقسيمه للخدمة الباطنية (الزوجة داخل المنزل) والخدمة الخارجية(الرجل للعمل خارج المنزل ) فهذا ما يعنيه وذكره براون أصلا في حديثه عن "التوقعات العرفية للأدوار المتبادلة في مجتمعها".
وعلى العموم أنقل قولة ابن حزم في المسألة ففيها إجابة على الروايات التي ذكرها وفيها تحديد للدور الذي أراده براون:
《ولا يلزم المراة أن تخدم زوجها في شيء أصلا ولا طبخ ولا فرش ولا كنس ولا غزل ولا نسج ؛ ولا غير ذلك أصلا ولو أنها فعلت لكان أفضل لها.
وعلى الزوج يأتيها بكسوتها مخيطة تامة وبالطعام مطبوخا تاما وإنما عليها أن تحسن عشرته ولا تصوم تطوعا وهو حاضر الا بإذنه ولا تدخل بيته من يكره وأن لا تمنعه نفسها متى أراد وأن تحفظ ما جعل عندها من ماله.
وقال أبو ثور: على المرأة أن تخدم زوجها في كل شئ ويمكن أن يحتج لذلك بالأثر الثابت عن علي بن أبي طالب قال:"شكت فاطمة مجل يديها من الطحين وانه أعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سأله خادما" وبالخبر الثابت من طريق أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت أخدم الزبير خدمة البيت وكان له فرس وكنت أسوسه كنت احتش له وأقوم عليه."
وبالخبر الثابت من طريق أسماء أيضا انها كانت تعلف فرس الزبير وتسقى الماء وتجزم غربه وتعجن وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ وان رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيها وهي تنقله
فقال ابن حزم: فإذا خدمت هاتان الفاضلتان هذه الخدمة الثقيلة فمن بعدهما يترفع عن ذلك من النساء [..] ولا حجة لأهل هذا القول في شئ من هذه الأخبار لأنه ليس في شئ منها ولا من غيرها أنه عليه الصلاة والسلام أمرهما بذلك إنما كانتا متبرعتين بذلك وهما أهل الفضل والمبرة رضي الله عنهما ونحن لا نمنع من ذلك إن تطوعت المرأة به إنما نتكلم على سر الحق الذي تجب به الفتيا والقضاء بإلزامه، فان قيل، قد قال الله تعالى: (فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) قلنا: أول الآية بين فيما هي هذه الطاعة قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) فصح أنها الطاعة إذا دعاها للجماع فقط، وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجب على الرجل للمرأة وقد ذكرناه قبل هذه المسألة بمسألتين، ومن ألزم المرأة خدمة دون خدمة فقد شرع ما لم يأذن به الله تعالى، وقال: ما لا يصح ومالا نص فيه وكذلك بين عليه الصلاة والسلام أن لهن علينا رزقهن وكسوتهن بالمعروف، فصح ما قلناه: من أن على الزوج أن يأتيها برزقها ممكنا لها أكله وبالكسوة ممكنا لها لباسها لأن مالا يوصل إلى أكله ولباسه إلا بعجن وطبخ وغزل ونسج وقصارة وصباغ وخياطة فليس هو رزقا ولا كسوة هذا ما لا خلاف فيه في اللغة والمشاهدة، واما حفظ ما جعل عندها ففرض بلا خلاف》
[المحلى- بن حزم -ج ١٠- الصفحة ٧٣ ٧٤]
و هنا ابن حزم لم يخصص الشأن بوجود الإماء وتوفر البدائل من عدمه بمسألة الخدمة؛ ولئن ترجّح قول خلاف ذلك فهذا أيضًا لا يناقض قولته أن الرجل التقليدي ليس نموذجا إسلاميا في جوهره إذا نظرنا مجددا للفظ الذي يعنيه وحمولته الفكرية؛ أما قصره على معنى واحد منفصلٌ خطأ؛ لأنه لا يقتصر على طلب خدمة الباطن إن صح وجوبها جدلا.
Forwarded from عبد الرحمن فتحي (Abdelrahman Fathy)
(ب)- اللفظ الدلالي الثاني هو "المرأة الخاضعة" هنا أيضا لم يعي أخي باسم أنه ربطه بثنائية؛ أي أن براون لما قال المرأة الخاضعة "Subservient" ربطها بالرجل التقليدي "Traditional" فهو ينتقد نموذج بعينه؛ فنجد فيه "الخضوع" المراد استنكاره خضوع إذلالي له حمولته الفكرية بوصف المرأة كائنًا شريرًا بالطبع وكائنًا شيطانيًا وكائنًا أدنى...إلخ ومن ثم يلزم إخضاعه وتأديبه على الدوام، ويلزم إخضاعه الكامل لسلطة الرجل "الأبوية/الذكورية" فيصير مصير المرأة كليًا في يد الرجل فلا تكون مالكة لشيء أو متحكمة في شيء أو لها من نفسها من الأمر شيء؛ فهي إنسانة بلا ذات وإنما مجرد محل إنجاب ينبغي نبذه بعد الفراغ من وطئه أصلًا.
وفي لفظة الخضوع وفي دونية المرأة من المتن النصراني نجد في رسائل بولس مثلا:
- "لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع. ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت."
- "خاضعين بعضكم لبعض في خوف الله؛ أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب".
"لأن الرجل هو رأس المراة كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة. وهو مخلص الجسد. ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك تخضع النساء لرجالهن في كل شيء."
ومنه فقد صح قطعًا أن يقول براون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك لنا إرث ١.الرجل التقليدي ولا ٢.المرأة الخاضعة؛ لذا فهم السياق والشبكة المفاهيمية يوفر الكثير من الحديث وسوء الفهم. ونشير لأن هذه الأشكال من الهيمنة الكاملة قد تسربت إلى بيئتنا في صور نجد فيها المرأة:
- باتت تحرم من الميراث الشرعي.
- باتت تجبر على زيجات ترفضها.
- باتت تجبر على خدمة ٢٤ ساعة للذكور كبارًا وصغارًا لمجرد كونهم ذكورًا. دون إدراك لما لها أو عليها.
وهُنا كان تناول الفاضل باسم لقولة "يتناوبن أخواته وأمه على خدمته" بالرد؛ غير دقيق لأنها توحي بعلاقة ذكر (أب ابن..) بأنثى (أم أخت..)؛ فلا معنى إذن لاستحضار وجوب الخدمة على الزوجة. بل وفي هذا النقل ما قد يسوّغ خفية لإتكالية الذكور.
- اقتصرت الحقوق في بعض المنازل على حقوق الزوج كقوّام غاضًا الطرف عن أدنى حقوقها الآدمية.
-معاملة المرأة كأداة جنسية للامتاع دون النظر لحقوقها في نفس المتعة وفي أن يعفها زوجها.
ومنه فقد أحسن براون بذكر هذه التقسيمة ليخلص الصورة الإسلامية من أمراض البطرياركية الوافدة مع المد العولمي دون إنكار ما ذكرهُ في هذا السياق من تقييدات لبعض أفعال المرأة من الرجل والتي لا تعني قطعًا الخضوع الذكوري الذي يريد براون نقده.
وعدم فهم هاتين الدلالتين جعل الفاضل باسم يتجاوز قيمتهما وإضافتهما المحورية.
ولعل البنويون صدقوا؛ لقد مات المؤلف وبقي النص نحمّله ما نريد من تحيزات مسبقة.
وهاتين النقطتين تشيران إلى القيمة النوعية للمقال وتشيران لي كذلك إلى أن باسم -وقد تعجبت لأن للرجل ذائقة نقدية تفكيكية ممتازة- قد دخل مع نية مبيتة لإسقاط القيمة المعرفية لمقال براون وإلا لما تجاوزهما هكذا.
وفي لفظة الخضوع وفي دونية المرأة من المتن النصراني نجد في رسائل بولس مثلا:
- "لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع. ولكن لست آذن للمرأة أن تعلم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت."
- "خاضعين بعضكم لبعض في خوف الله؛ أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب".
"لأن الرجل هو رأس المراة كما أن المسيح أيضاً رأس الكنيسة. وهو مخلص الجسد. ولكن كما تخضع الكنيسة للمسيح كذلك تخضع النساء لرجالهن في كل شيء."
ومنه فقد صح قطعًا أن يقول براون أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك لنا إرث ١.الرجل التقليدي ولا ٢.المرأة الخاضعة؛ لذا فهم السياق والشبكة المفاهيمية يوفر الكثير من الحديث وسوء الفهم. ونشير لأن هذه الأشكال من الهيمنة الكاملة قد تسربت إلى بيئتنا في صور نجد فيها المرأة:
- باتت تحرم من الميراث الشرعي.
- باتت تجبر على زيجات ترفضها.
- باتت تجبر على خدمة ٢٤ ساعة للذكور كبارًا وصغارًا لمجرد كونهم ذكورًا. دون إدراك لما لها أو عليها.
وهُنا كان تناول الفاضل باسم لقولة "يتناوبن أخواته وأمه على خدمته" بالرد؛ غير دقيق لأنها توحي بعلاقة ذكر (أب ابن..) بأنثى (أم أخت..)؛ فلا معنى إذن لاستحضار وجوب الخدمة على الزوجة. بل وفي هذا النقل ما قد يسوّغ خفية لإتكالية الذكور.
- اقتصرت الحقوق في بعض المنازل على حقوق الزوج كقوّام غاضًا الطرف عن أدنى حقوقها الآدمية.
-معاملة المرأة كأداة جنسية للامتاع دون النظر لحقوقها في نفس المتعة وفي أن يعفها زوجها.
ومنه فقد أحسن براون بذكر هذه التقسيمة ليخلص الصورة الإسلامية من أمراض البطرياركية الوافدة مع المد العولمي دون إنكار ما ذكرهُ في هذا السياق من تقييدات لبعض أفعال المرأة من الرجل والتي لا تعني قطعًا الخضوع الذكوري الذي يريد براون نقده.
وعدم فهم هاتين الدلالتين جعل الفاضل باسم يتجاوز قيمتهما وإضافتهما المحورية.
ولعل البنويون صدقوا؛ لقد مات المؤلف وبقي النص نحمّله ما نريد من تحيزات مسبقة.
وهاتين النقطتين تشيران إلى القيمة النوعية للمقال وتشيران لي كذلك إلى أن باسم -وقد تعجبت لأن للرجل ذائقة نقدية تفكيكية ممتازة- قد دخل مع نية مبيتة لإسقاط القيمة المعرفية لمقال براون وإلا لما تجاوزهما هكذا.
👍1
Forwarded from عبد الرحمن فتحي (Abdelrahman Fathy)
(٣) أما عن زلات التفاصيل الفقهية وفيما يخص "خضوع" المرأة:
-وقد راجعني فيها طالب متقدم في العلم الشرعي أخي الحبيب الفاضل جدًا مصطفى هندي-
- لفظ الخضوع من المرأة لا وجود له في الشرع؛ بل ما ورد في النهي عنه (ولا تخضعن بالقول)؛ ومنه فإطلاق القول بأن الخضوع من سمات نموذج الإسلام كلام مجمل يحمل معنى باطل ومعنى صحيح.
–حديث لو كنت آمرًا= حديث ضعيف. ومنه ما يبنى عليه من أحكام لا يلزمنا في شيء. كما أن الحديث يعني التوقير أو الاحترام؛ لا الخضوع؛ وشتان بين المعنيين.
- حديث خير النساء= ليس فيه مفهوم الخضوع؛ وإنما الذي فيه هو الموّدة.
-حديث لا تصوم الزوجة= ما نقله ابن حجر العسقلاني ليس فيه كلمة خضوع لا نصا ولا ومعنى؛ هو حكم فقهي. ومنه لا يلزم ولا يستقيم ربطه بالخضوع.
أما الخضوع بالمعنى الغربي السابق فهذا نفيناه تمامًا بحمد الله؛ وأما لو عنينا بالخضوع مثلا ما ذكر الفاضل من واجبات نص عليها الشرع قطعًا (وقد ذكر حديث إذا دعا رجل امرأته) فهنا نقول؛ هل قيام الرجل بواجباته المنصوص عليها شرعًا خضوعٌ لامرأته لأنه أعطاها ما أوجبه الله عليه؟
أم أنه لفظ غير شرعي وغير صائب لا قولًا ولا حكمًا؛ ولا ينبغي جمع كل أحاديث حقوق الزوجة لنقول في النهاية: هذا خضوع.
بل نتحرر من المفهوم تمامُا إن شاء الله؛ لأنه دخيل ولا يلزمنا في شيء وله نموذجه الآخر وسياقه الغريب عنّا وعن قيمنا.
----------
–في النهاية قال أخي العزيز أني ضيعت جهدي على ترجمة المقالة؛ إلا أني أقول (وقد بينت تفصيلا أهميته ومحورية أفكاره) أنه قل جدًا أن يناقَش على الساحة التسربات اليمينية والمحافظاتية لمعجمنا الحضاري وتخطيها ممارسةً لممارسة السنة النبوية في التعامل مع النساء. ولقد صرنا نشهد هذا في كل مكان.
بل واحتفاء جمع كبير ممن لا يعرفن إلا بالفضل وحسن السيرة بل ومن يقفن بصفنا في وجه النسوية يشير إلى أنهن قد ضقن ذرعًا من النماذج المتاحة؛ ومنه أهمية ترجمته في هذه اللحظة شديدة الاستقطاب لألا نميل لقطب لا ينتمي إلينا.
وختامًا؛ أشكر أخي باسم على أدبه في الحديث وسعة صدره وعلى هذه الإضاءة المهمة منه لضبط البوصلة.
هذا والحمد لله رب العالمين وما نقول إلا ما يرضي ربنا وعلى الله التكلان ونعوذ بالله من الخذلان ومن حَورٍ بعد كَوْر.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
تم بحمد الله.
والله أعلى.
والله أعلم.
-وقد راجعني فيها طالب متقدم في العلم الشرعي أخي الحبيب الفاضل جدًا مصطفى هندي-
- لفظ الخضوع من المرأة لا وجود له في الشرع؛ بل ما ورد في النهي عنه (ولا تخضعن بالقول)؛ ومنه فإطلاق القول بأن الخضوع من سمات نموذج الإسلام كلام مجمل يحمل معنى باطل ومعنى صحيح.
–حديث لو كنت آمرًا= حديث ضعيف. ومنه ما يبنى عليه من أحكام لا يلزمنا في شيء. كما أن الحديث يعني التوقير أو الاحترام؛ لا الخضوع؛ وشتان بين المعنيين.
- حديث خير النساء= ليس فيه مفهوم الخضوع؛ وإنما الذي فيه هو الموّدة.
-حديث لا تصوم الزوجة= ما نقله ابن حجر العسقلاني ليس فيه كلمة خضوع لا نصا ولا ومعنى؛ هو حكم فقهي. ومنه لا يلزم ولا يستقيم ربطه بالخضوع.
أما الخضوع بالمعنى الغربي السابق فهذا نفيناه تمامًا بحمد الله؛ وأما لو عنينا بالخضوع مثلا ما ذكر الفاضل من واجبات نص عليها الشرع قطعًا (وقد ذكر حديث إذا دعا رجل امرأته) فهنا نقول؛ هل قيام الرجل بواجباته المنصوص عليها شرعًا خضوعٌ لامرأته لأنه أعطاها ما أوجبه الله عليه؟
أم أنه لفظ غير شرعي وغير صائب لا قولًا ولا حكمًا؛ ولا ينبغي جمع كل أحاديث حقوق الزوجة لنقول في النهاية: هذا خضوع.
بل نتحرر من المفهوم تمامُا إن شاء الله؛ لأنه دخيل ولا يلزمنا في شيء وله نموذجه الآخر وسياقه الغريب عنّا وعن قيمنا.
----------
–في النهاية قال أخي العزيز أني ضيعت جهدي على ترجمة المقالة؛ إلا أني أقول (وقد بينت تفصيلا أهميته ومحورية أفكاره) أنه قل جدًا أن يناقَش على الساحة التسربات اليمينية والمحافظاتية لمعجمنا الحضاري وتخطيها ممارسةً لممارسة السنة النبوية في التعامل مع النساء. ولقد صرنا نشهد هذا في كل مكان.
بل واحتفاء جمع كبير ممن لا يعرفن إلا بالفضل وحسن السيرة بل ومن يقفن بصفنا في وجه النسوية يشير إلى أنهن قد ضقن ذرعًا من النماذج المتاحة؛ ومنه أهمية ترجمته في هذه اللحظة شديدة الاستقطاب لألا نميل لقطب لا ينتمي إلينا.
وختامًا؛ أشكر أخي باسم على أدبه في الحديث وسعة صدره وعلى هذه الإضاءة المهمة منه لضبط البوصلة.
هذا والحمد لله رب العالمين وما نقول إلا ما يرضي ربنا وعلى الله التكلان ونعوذ بالله من الخذلان ومن حَورٍ بعد كَوْر.
اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
تم بحمد الله.
والله أعلى.
والله أعلم.
المقالات أعلاه من نقد أخي عبد الرحمن لنقدي على مقال جوناثان براون.
الآن أنا في العمل، أعود للبيت وأقدم نقدًا لنقدِه إن شاء الله.
الآن أنا في العمل، أعود للبيت وأقدم نقدًا لنقدِه إن شاء الله.
😁1
كان يومًا شاقًا، إننا بروليتاريون، تكاد الرأسمالية أن تبتلعنا بوحشيتها، نُدمِي أيدينا لأجل تحصيل ما يقل عن 8% من المال الذي يحصِّله صاحب رأس المال وهو مستلق على أريكته.
على كل، أنهيت كتابة نقدي لنقد الأخ عبد الرحمن فتحي الذي وجهه في الأساس لنقدي على براون.
بعد قليل سأنشر النقد بحول الله.
على كل، أنهيت كتابة نقدي لنقد الأخ عبد الرحمن فتحي الذي وجهه في الأساس لنقدي على براون.
بعد قليل سأنشر النقد بحول الله.
نقدُ_ما_رد_به_عبد_الرحمن_فتحي_على_نقدي_لجوناثان_براون–_باسم_بشينية.pdf
270.8 KB
هذا نقدٌ لرَدِّ أخي الفاضل عبد الرحمن فتحي على نقدي لِما ترجمه لجوناثان براون عن التصور الإسلامي للرجولة، وأول الأمر لمن لم ليس على دراية؛ فإن أخي عبد الرحمن قام بترجمة مقال جونثان براون حول التصور الإسلامي للرجولة، فقمت بنقدِ مقال براون، واستدعى ذلك تعرض المتَرجِم الفاضل لنقد نقدي. ولأكون منصفا، فإن أخي عبد الرحمن رجل واسع الصدر مؤدب ومحترم.
اتصاف الباري بالإشارة الحسية، أي أنه يشار إليه حسيا بأنه قوق. من المواضيع التي كانت سابقًا تشغل فكري، وقد رأيت جراء ذلك في المنام أني أناقش أشعريًا، فقال بأن الباري لا داخل العالم ولا خارجه، فقلبت عليه الحجة قائلا: أنت حكمت على نسبة الباري للعالم، فقلت لا داخله ولا خارجه، فأين نسبة العالم من الباري؟ وخُيِّلَ إليَّ أني قد أفحمته، فسألت أستاذنا سمرين عن حجتي، فقال أنها ليست مفحِمة لأن الأشعري أصلا يقول بأن الصفات هنا تتقابل تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب، بحيث أنك لو قلت أنه لا يشار إليه بـ [فوق] فلا يلزم أن يشار إليه بـ [تحت]، فليس الباري أصلا يقبل أن يشار إليه على قولهم، وبالتالي لا معنى من إلزامك لهم بالسؤال عن نسبة العالم إليه [أهو فوقه أو تحته، داخله أو خارجه].
إذًا، فالنقد أولا يجب أن يتوجه نحو مسألة تقابل العدم والملكة، فيقال: ”الموجودات نوعان، نوع يقبل الاتصاف بالكمال، كالحي، ونوع لا يقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذٍ فالحرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها، وأن يكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى والأصم أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر في حال عدم ذلك [أي أنه أعمى لسلب البصر عنه، مع قابلية الاتصاف به] أكمل ممن لا يقبل ذلك فكيف المتصف بها؟ فلزم من ذلك أن يكون مسلوبًا لصفات الكمال على قولهم، ممتنعا عليه صفات الكمال“ [الأكملية لابن تيمية–ص34].
ومعلوم بالعقل، والحس، والنقل أن المتصف بالحركة الحسية، والكلام المسموع حسًا [وهي لوازم كون الشيء مشارا إليه إشارة حسية] أكمل ممن كان مسلوبا ذلك كله مع قابليته له، فكيف بمن كان ممتنعا عليه الحركة [كالجماد] فإنه الأنقص مطلقا.
إذًا، فالنقد أولا يجب أن يتوجه نحو مسألة تقابل العدم والملكة، فيقال: ”الموجودات نوعان، نوع يقبل الاتصاف بالكمال، كالحي، ونوع لا يقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذٍ فالحرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها، وأن يكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى والأصم أكمل منه، فإن القابل للسمع والبصر في حال عدم ذلك [أي أنه أعمى لسلب البصر عنه، مع قابلية الاتصاف به] أكمل ممن لا يقبل ذلك فكيف المتصف بها؟ فلزم من ذلك أن يكون مسلوبًا لصفات الكمال على قولهم، ممتنعا عليه صفات الكمال“ [الأكملية لابن تيمية–ص34].
ومعلوم بالعقل، والحس، والنقل أن المتصف بالحركة الحسية، والكلام المسموع حسًا [وهي لوازم كون الشيء مشارا إليه إشارة حسية] أكمل ممن كان مسلوبا ذلك كله مع قابليته له، فكيف بمن كان ممتنعا عليه الحركة [كالجماد] فإنه الأنقص مطلقا.
«بَلِ السّاعَةُ مَوعِدُهُم وَالسّاعَةُ أَدهى وَأَمَرُّ»
القمر– الآية ٤٦
القمر– الآية ٤٦