الفردانية ”تهب الرجال والنساء حرية تجريب غير معهودة“.
لماذا يخشى زيجمونت من هذه الهبة؟ نجد أنفسنا ثانية أمام شبح الرأسمالية، أمام معضلة القيمة، أمام المعيار.
إن الضروري الذي كان يتمثل في مجتمع/عشيرة/أمة/أخوة/أسرة، قد بات منصهرا في معمَل الحداثة، ولتتواصل عملية الاستهلاك المربح للرأسمالية؛ يجب أن تحل محل ذلك الضروري سِلعةٌ في صورتها الشكلية تأخذ الطابع الضروري، لكن في حقيقتها متجددة، لا تحقق الكفاية، تتجدد كلما تملك هذا الفرد ضرب من الملل.
لكن الضروري فيما سبق ولنقل [السلامة في السرب، المعافاة في الجسد، توفر قوت اليوم] كان هو الغاية القصوى، كان يمثل أعلى مراحل الكمال التي تتطلع لها المجتمعات [حليب طازج، ماء نقي، خبز اليوم، مسكن، زوجة، أولاد]. كان هذا الضروري هو الحائز على القيمة العليا، فما إن وقع تهميش لقيمته، وحل محله المتجدد ليكتسي بتلك القيمة العليا، فُقدَ ذلك الشعور بالكمال مع هذا الاستهلاك الجديد، كيف ذلك؟
دوما يوجد تطوير للسلع التي حلت محل الضروريات، هذه السلع الدخيلة، تكتسي قيمتها انطلاقا من بث وازع التحرر في مواكبة التجدد، كلما ظهرت سلعة أو قيمة أو خدمة، يُنظر إليها بمنظر الكمال، أريدها! تريد؟ أنت حر! خذ كما تشاء. آه إنها ممتعة، بعد سنوات تبلى، ثم تتجدد في السوق، هنا يقول الفرداني: آه! التي عندي لم تعد كمالا! يوجد ما هو أكمل في سوق السلع/سوق القِيَم، لنستهلكه أيضا.
وهكذا يتسلق الفرداني سلم السلع المتجددة، سلم الكمال دون حد، إلى المجهول، إلى اللانهاية، لتجد بعد سنوات طِوال ربما قد تم إلغاء الزواج أصلا في المجتمع الأوروبي، ليحل محله "جنس عشوائي" وليمارسه من هو حر! لست ملزم! أنت حر، هنا تحل مسألة منح الفردانية/حقوق الإنسان، حرية غير مسبوقة في التجريب، هذه هي القيمة الرائجة في سوق القِيَم اليوم، هي التي حلت محل القيمة "الضرورية" التي تدعى "الزواج"، والأكمل اليوم هو من يستهلك. ألم تر أن البرلمان الفرنسي قد اقترح تحديد السن القانوني لممارسة الجنس/الزنا بالتراضي بـ 15 سنة! ستولد بدون هوية ما دمت فردانيا. لم تعد الهوية هي الهبة، الهبة هي الحرية المطلقة، والهوية تصير مهمة.
لماذا يخشى زيجمونت من هذه الهبة؟ نجد أنفسنا ثانية أمام شبح الرأسمالية، أمام معضلة القيمة، أمام المعيار.
إن الضروري الذي كان يتمثل في مجتمع/عشيرة/أمة/أخوة/أسرة، قد بات منصهرا في معمَل الحداثة، ولتتواصل عملية الاستهلاك المربح للرأسمالية؛ يجب أن تحل محل ذلك الضروري سِلعةٌ في صورتها الشكلية تأخذ الطابع الضروري، لكن في حقيقتها متجددة، لا تحقق الكفاية، تتجدد كلما تملك هذا الفرد ضرب من الملل.
لكن الضروري فيما سبق ولنقل [السلامة في السرب، المعافاة في الجسد، توفر قوت اليوم] كان هو الغاية القصوى، كان يمثل أعلى مراحل الكمال التي تتطلع لها المجتمعات [حليب طازج، ماء نقي، خبز اليوم، مسكن، زوجة، أولاد]. كان هذا الضروري هو الحائز على القيمة العليا، فما إن وقع تهميش لقيمته، وحل محله المتجدد ليكتسي بتلك القيمة العليا، فُقدَ ذلك الشعور بالكمال مع هذا الاستهلاك الجديد، كيف ذلك؟
دوما يوجد تطوير للسلع التي حلت محل الضروريات، هذه السلع الدخيلة، تكتسي قيمتها انطلاقا من بث وازع التحرر في مواكبة التجدد، كلما ظهرت سلعة أو قيمة أو خدمة، يُنظر إليها بمنظر الكمال، أريدها! تريد؟ أنت حر! خذ كما تشاء. آه إنها ممتعة، بعد سنوات تبلى، ثم تتجدد في السوق، هنا يقول الفرداني: آه! التي عندي لم تعد كمالا! يوجد ما هو أكمل في سوق السلع/سوق القِيَم، لنستهلكه أيضا.
وهكذا يتسلق الفرداني سلم السلع المتجددة، سلم الكمال دون حد، إلى المجهول، إلى اللانهاية، لتجد بعد سنوات طِوال ربما قد تم إلغاء الزواج أصلا في المجتمع الأوروبي، ليحل محله "جنس عشوائي" وليمارسه من هو حر! لست ملزم! أنت حر، هنا تحل مسألة منح الفردانية/حقوق الإنسان، حرية غير مسبوقة في التجريب، هذه هي القيمة الرائجة في سوق القِيَم اليوم، هي التي حلت محل القيمة "الضرورية" التي تدعى "الزواج"، والأكمل اليوم هو من يستهلك. ألم تر أن البرلمان الفرنسي قد اقترح تحديد السن القانوني لممارسة الجنس/الزنا بالتراضي بـ 15 سنة! ستولد بدون هوية ما دمت فردانيا. لم تعد الهوية هي الهبة، الهبة هي الحرية المطلقة، والهوية تصير مهمة.
فهم كتاب "الحداثة السائلة" لزيجمونت بوامان، يعتمد بشكل كبير على تفصيل موقفه من رواية ١٩٨٤ لجورج أورويل، وهذا يعتمد بالضرورة على دراسة الرواية وآثارها.
”أكثر التحديات إزعاجا وإجهادًا للمستهلك تتمثل في الحاجة إلى تحديد الأولويات“
–زيجمونت باومان.
تحديد الأولويات حقبة "ما قبل الحداثة– ما قبل الرأسمالية الخفيفة" كان يحدد حسب الحاجة. أما فترة ما بعد الحداثة وما قارنها من رأسمالية خفيفة وجعل الاستهلاك غاية لا وسيلة، فالأولويات تحددها الرغبة والإغراء، لا الحاجة، ولا الضرورة.
–زيجمونت باومان.
تحديد الأولويات حقبة "ما قبل الحداثة– ما قبل الرأسمالية الخفيفة" كان يحدد حسب الحاجة. أما فترة ما بعد الحداثة وما قارنها من رأسمالية خفيفة وجعل الاستهلاك غاية لا وسيلة، فالأولويات تحددها الرغبة والإغراء، لا الحاجة، ولا الضرورة.
باسم بشينية
Photo
مراجعة كتاب الحداثة السائلة (١)
عبارة "الحداثة السائلة" يعبر عنها الآخرون بعبارة "ما بعد الحداثة" عبارة يجب استيعابها كمرحلة تاريخية لعلها آتية إلينا يوما ما. الحداثة مصطلح يحمل مدلول مخالف للتجديد، ومخالف للإتيان بجديد من جنس القديم، بمعنى أن قميصك الذي وقع عليه عطب، فالتجديد يعني أن تخيط محل العطب، لكن ممارسة الحداثة على القميص، تعني أن تلغي وجود القميص وما هو من جنسه على جسدك، وأن تأتي له بشيء حديث كليا. تماما هذا هو مفهوم الحداثة.
أن تلغي أول الأمر الدين والتقاليد التي تربط المجتمع، لأن الإتيان بالحديث كليا يتطلب إلغاء القديم كليا، فيتعين إلغاء حتى المجتمع بحد ذاته، تماما كما قالت مارغريت تاتشر ”لا يوجد شيء اسمه المجتمع" وبث روح الفردانية مكانه، فليس هنالك مجتمع عندما نريد أن نكون حداثيين، فالمجتمع شيء قديم، وإنما يوجد فقط أفراد.
هؤلاء الأفراد يجب أن يزيلوا عنهم الأفكار التي كانت موجودة داخل مسمى المجتمع، وأهم هذه الأفكار هي فكرة "الأخ الأكبر" فليس هنالك آمر ناه، يعاقب من يخرج عن الصف، بمعنى ليس هنالك شخص ذو خبرة في الحياة هو من يوجهك كي لا تسقط في التجربة الخطأ بل أنت الموجه، وأنت المجرب، وأنت المريد، وأنت المستطيع، وأنت المسؤول، كل هذا يصب في معنى خلع القيد عن تجربة أي شيء يروج في السوق، والسوق هنا لا يقتصر عن سوق السلع والخدمات، بل يدخل في مدلوله سوق القِيم، وسوق الأفكار، وسوق ما تهوى النفس، معيار الصواب والخطأ لم يعد أمر الأخ الأكبر ونهيه، ولم يعد شيخ القبيلة ومختار الحارة وكبير الحي وعلماء الشريعة هم من يحددون معيار الخطأ والصواب، بل أنت من تحدد، لأنك الآن لم تعد مساهما في تشكيل مجتمعهم، بل أنت عبارة عن فرد، نتائج أفعالك لا يتحملها معك الأخ الأكبر الحنون الذي يدافع عنك، ويعينك على تخطي المخاطر التي وقعت بها، بل أنت المسؤول، لأنك فرد.
عبارة "الحداثة السائلة" يعبر عنها الآخرون بعبارة "ما بعد الحداثة" عبارة يجب استيعابها كمرحلة تاريخية لعلها آتية إلينا يوما ما. الحداثة مصطلح يحمل مدلول مخالف للتجديد، ومخالف للإتيان بجديد من جنس القديم، بمعنى أن قميصك الذي وقع عليه عطب، فالتجديد يعني أن تخيط محل العطب، لكن ممارسة الحداثة على القميص، تعني أن تلغي وجود القميص وما هو من جنسه على جسدك، وأن تأتي له بشيء حديث كليا. تماما هذا هو مفهوم الحداثة.
أن تلغي أول الأمر الدين والتقاليد التي تربط المجتمع، لأن الإتيان بالحديث كليا يتطلب إلغاء القديم كليا، فيتعين إلغاء حتى المجتمع بحد ذاته، تماما كما قالت مارغريت تاتشر ”لا يوجد شيء اسمه المجتمع" وبث روح الفردانية مكانه، فليس هنالك مجتمع عندما نريد أن نكون حداثيين، فالمجتمع شيء قديم، وإنما يوجد فقط أفراد.
هؤلاء الأفراد يجب أن يزيلوا عنهم الأفكار التي كانت موجودة داخل مسمى المجتمع، وأهم هذه الأفكار هي فكرة "الأخ الأكبر" فليس هنالك آمر ناه، يعاقب من يخرج عن الصف، بمعنى ليس هنالك شخص ذو خبرة في الحياة هو من يوجهك كي لا تسقط في التجربة الخطأ بل أنت الموجه، وأنت المجرب، وأنت المريد، وأنت المستطيع، وأنت المسؤول، كل هذا يصب في معنى خلع القيد عن تجربة أي شيء يروج في السوق، والسوق هنا لا يقتصر عن سوق السلع والخدمات، بل يدخل في مدلوله سوق القِيم، وسوق الأفكار، وسوق ما تهوى النفس، معيار الصواب والخطأ لم يعد أمر الأخ الأكبر ونهيه، ولم يعد شيخ القبيلة ومختار الحارة وكبير الحي وعلماء الشريعة هم من يحددون معيار الخطأ والصواب، بل أنت من تحدد، لأنك الآن لم تعد مساهما في تشكيل مجتمعهم، بل أنت عبارة عن فرد، نتائج أفعالك لا يتحملها معك الأخ الأكبر الحنون الذي يدافع عنك، ويعينك على تخطي المخاطر التي وقعت بها، بل أنت المسؤول، لأنك فرد.
❤1👍1
باسم بشينية
Photo
مراجعة كتاب الحداثة السائلة (٢)
يوجد لدى الفرد حالة نبه عليها باومان كثيرا، وهي أنه على الدوام يعيش حالة لا يقين، فهو بدون معيار، بدون أخ أكبر، بدون مجتمع، بدون دين وتقاليد، كل ما يدخل السوق العام ويقبل الاستهلاك فالفرد لا يملك قيدا أو معيارا يحدد له هل يستهلكه أو أن يمتنع عنه، بل هو في حالة لا يقين، في حالة شك، سيقبل عليه أو يتركه؟ سيحقق له الكمال أم لا؟ سيبتاع هذا الفرد تلك السلعة، وهذه القيمة، بغير اعتبار لكونها تمثل الحق أم الباطل، بل سيفعل ذلك متبعا لمقولة صامويل تاتلر "المتعة خير من الحق".
باحثا بصورة دائمة عن تحصيل كمال إنساني خلال رحلة الاستهلاك هذه، السلع والقيم في هذا السوق الذي تتطلبه ميوعة الحداثة –السوق الرأسمالي– متجددة باستمرار، وكل تجدد يُشعر المستهلك بأن الكمال لم يتحقق، فما العمل؟ استهلاك أكثر، بحثا عن فرد أكمل، في هذه الطريق غير المنتهية ما دام السوق رأسماليا، وما دام الفرد فردانيا، وما دام الأخ الأكبر قد تمردنا عليه، يتحول الطلب على الحاجيات إلى طلب على الرغبات، فالفرداني يطلب ما يرغب به لأجل الكمال، لكن الكمال الذي هو "تحقيق الكفاية" والمتمثل في الرغبة بالضروريات، قد بات قديما، فالحداثة تطلب التحديث دوما، وبهذا يصير حتى المرغوب فيه والذي ليس ضروريا ولا من الحاجيات، يعتبر اليوم رفاهية وكماليات، لكن في الغد سيصير ضروريا، بمعنى أن التحديث المستمر للسلع الكمالية بين البارحة واليوم، قد جعل انتظار اصدار كماليات جديدة لتحل محل الكماليات القديمة –التي حلت محل الضروريات في الأصل– سابقا على الحاجة لتلك الكماليات، فالناس تشتري أيفون ١١ لتحقق الكمال في هذا الباب، في الغد يصير أيفون ١١ ضروريا، لا مجرد رفاهية أو كمالية، مع العلم بأن السنة المقبلة سيصدر أيفون ١٢، سيصير انتظار صدوره ألذ وأمتع من الحاجة إليه وأسبق عليها، سيصير جنس التحديث في المنتج السلعي أو القيمي مسمترا لما لا نهاية، وسيبقى الانتظار والاستهلاك واللايقين بصحة التجربة في علاقة طردية مع هذا الإنتاج غير المتناهي. لعل فرنسا ستفرض عقوبة على الزواج في وقت لاحق، فتقنين الزنا بالتراضي في سن الـ ١٥ عبارة عن سلعة يوجد عليها طلب تحقق الرفاهية، والمتعة لدى الأفراد، والمجتمع لا يوجد أصلا ليمنع ذلك، والمعيار قد ذهب مع الأخ الأكبر الناهي الآمر، والزنا بالتراضي في سن الـ ١٨ بات تقليدا قديما، ونحن مهمتنا التحديث باستمرار، لا إنشاء تقاليد جديدة صلبة. والفرص في عالم ما بعد الحداثة شهية للغاية لأن الفرد بدون رقيب مع دعمه بالفكر الليبرالي التحرري وحمايته بمنظمة حقوق الإنسان الفرد؛ قد جعل تجريب تلك الفرص أمرا شهيا للغاية، نحن نجرب اليوم، ما جربناه اليوم صار في الغد تقليدا، يجب أن نتحرك لأجل الأحدث، نتسابق مع الكمال لكن ليس له نهاية، مرحلة القناعة لم تعد متوفرة، ذهبت مع المعيار، الآن يوجد مرحلة إدمان لكل ما سيجعلني الأكمل عن النسخة السابقة لي، وستصير الهوية مهمة متجددة، لا هبة، وهذا الإدمان لا يهمني إذا كان مدمرا لكل إمكانية مستقبلية للإشباع والارتواء. بل كما قال باومان: المجتمع الرأسمالي المتطور يلتزم بالتوسع المستمر في الإنتاج. ليس هنالك من يقدم لي يد العون، لأن التصدي للمتاعب من دون عون أو مساعد هو ما يفعله الجميع اليوم، هكذا يقول باومان.
يوجد لدى الفرد حالة نبه عليها باومان كثيرا، وهي أنه على الدوام يعيش حالة لا يقين، فهو بدون معيار، بدون أخ أكبر، بدون مجتمع، بدون دين وتقاليد، كل ما يدخل السوق العام ويقبل الاستهلاك فالفرد لا يملك قيدا أو معيارا يحدد له هل يستهلكه أو أن يمتنع عنه، بل هو في حالة لا يقين، في حالة شك، سيقبل عليه أو يتركه؟ سيحقق له الكمال أم لا؟ سيبتاع هذا الفرد تلك السلعة، وهذه القيمة، بغير اعتبار لكونها تمثل الحق أم الباطل، بل سيفعل ذلك متبعا لمقولة صامويل تاتلر "المتعة خير من الحق".
باحثا بصورة دائمة عن تحصيل كمال إنساني خلال رحلة الاستهلاك هذه، السلع والقيم في هذا السوق الذي تتطلبه ميوعة الحداثة –السوق الرأسمالي– متجددة باستمرار، وكل تجدد يُشعر المستهلك بأن الكمال لم يتحقق، فما العمل؟ استهلاك أكثر، بحثا عن فرد أكمل، في هذه الطريق غير المنتهية ما دام السوق رأسماليا، وما دام الفرد فردانيا، وما دام الأخ الأكبر قد تمردنا عليه، يتحول الطلب على الحاجيات إلى طلب على الرغبات، فالفرداني يطلب ما يرغب به لأجل الكمال، لكن الكمال الذي هو "تحقيق الكفاية" والمتمثل في الرغبة بالضروريات، قد بات قديما، فالحداثة تطلب التحديث دوما، وبهذا يصير حتى المرغوب فيه والذي ليس ضروريا ولا من الحاجيات، يعتبر اليوم رفاهية وكماليات، لكن في الغد سيصير ضروريا، بمعنى أن التحديث المستمر للسلع الكمالية بين البارحة واليوم، قد جعل انتظار اصدار كماليات جديدة لتحل محل الكماليات القديمة –التي حلت محل الضروريات في الأصل– سابقا على الحاجة لتلك الكماليات، فالناس تشتري أيفون ١١ لتحقق الكمال في هذا الباب، في الغد يصير أيفون ١١ ضروريا، لا مجرد رفاهية أو كمالية، مع العلم بأن السنة المقبلة سيصدر أيفون ١٢، سيصير انتظار صدوره ألذ وأمتع من الحاجة إليه وأسبق عليها، سيصير جنس التحديث في المنتج السلعي أو القيمي مسمترا لما لا نهاية، وسيبقى الانتظار والاستهلاك واللايقين بصحة التجربة في علاقة طردية مع هذا الإنتاج غير المتناهي. لعل فرنسا ستفرض عقوبة على الزواج في وقت لاحق، فتقنين الزنا بالتراضي في سن الـ ١٥ عبارة عن سلعة يوجد عليها طلب تحقق الرفاهية، والمتعة لدى الأفراد، والمجتمع لا يوجد أصلا ليمنع ذلك، والمعيار قد ذهب مع الأخ الأكبر الناهي الآمر، والزنا بالتراضي في سن الـ ١٨ بات تقليدا قديما، ونحن مهمتنا التحديث باستمرار، لا إنشاء تقاليد جديدة صلبة. والفرص في عالم ما بعد الحداثة شهية للغاية لأن الفرد بدون رقيب مع دعمه بالفكر الليبرالي التحرري وحمايته بمنظمة حقوق الإنسان الفرد؛ قد جعل تجريب تلك الفرص أمرا شهيا للغاية، نحن نجرب اليوم، ما جربناه اليوم صار في الغد تقليدا، يجب أن نتحرك لأجل الأحدث، نتسابق مع الكمال لكن ليس له نهاية، مرحلة القناعة لم تعد متوفرة، ذهبت مع المعيار، الآن يوجد مرحلة إدمان لكل ما سيجعلني الأكمل عن النسخة السابقة لي، وستصير الهوية مهمة متجددة، لا هبة، وهذا الإدمان لا يهمني إذا كان مدمرا لكل إمكانية مستقبلية للإشباع والارتواء. بل كما قال باومان: المجتمع الرأسمالي المتطور يلتزم بالتوسع المستمر في الإنتاج. ليس هنالك من يقدم لي يد العون، لأن التصدي للمتاعب من دون عون أو مساعد هو ما يفعله الجميع اليوم، هكذا يقول باومان.
❤1
باسم بشينية
Photo
مراجعة كتاب الحداثة السائلة (٣)
بالتالي فعند شيوع الرأسمالية، وفقد المعيار، وتحرر الأفراد عن المجتمع والدين بشكل كامل، ستكون مواقف الأفراد متخذة على مسؤولياتهم الكاملة، من دون معرفة ضمنية بتبعات القرارات وعواقبها، مع انعدام تام للمعيارية، والقواعد، والأمر والنهي، سيواجه الأفراد أسوأ حالاتهم، لأن اليقين الذي كان يضمنه الروتين داخل المجتمع قد تم وأده، فالنماذج الروتينية التي تفرضها الضغوط الاجتماعية تعفي الناس من معاناة عدم اليقين المتجدد، فهذه النماذج الروتينية التي تتم بالرتابة والانتظام تعلّم المرء كيف يسلك معظم وقته، وقلما يجد نفسه في موقف يخلو من معالم عبر الطريق.
لكن في حالة اللامعيارية، واللايقين؛ ليس لديك يقين بأنك لو شاهدت الإباحية الشهيّة بين رجل وامرأة اليوم، أنك بعد سنوات لن تشاهد مواد إباحية تعرض امرأة تضاجع حمارا أو كلبا، ستعرض تلك المواد على السوق، لأن المجتمع الرأسمالي دوما ما يتوسع في الإنتاج، والعالم داخل الحداثة السائلة كما يقول باومان بحاجة إلى مثير أشد قوة وأكثر قابلية للتقلب بحيث يرفع طلب المستهلك ليصل إلى حجم المعروض، نفسها نظرية ساي "الطلب يخلق العرض الخاص به". وإذا ما اشتكى فرد من ألم جاءته الوسائل العلمية التي تتعامل معه كسيارة أصابها عطب في المحرك، يوجد أطباء، يوجد تطور علمي رهيب، ماذا تريد أكثر من هذا؟
أنا أبحث عن دواء يجعلني قنوعا مرتويا، إلى من يوجهني ويتحمل معي المسؤولية، إلى أن ألد بهوية أموت عليها، إلى الشعور باليقين ولو تجاه خطوة واحدة أتقدمها للأمام، إلى ألا أضيع في متاهة البحث عن الكمال، إلى بناء علاقات تستمر داخل مجتمع، إلى عمل يدوم مدة تمنحني يقينا بأن تلك الآلة التي ليست لها عائلة لن تحل محلي في المصنع وتلقي بي إلى الشارع في إطار تخفيض العمالة، وزيادة الإنتاج وتخفيض التكلفة... هل هذا ممكن؟
لا! هذا كله كان في الماضي، نحن قمنا بالحداثة لإلغاء كل هذا الماضي، واليوم عندما صارت الحداثة عبارة عن ماض قديم يريد تقييدك بمعطياته، نحن قد قمنا بالتحديث، وصرنا إلى ما بعد الحداثة.
أتعلم لماذا فعلنا كل هذه الأشياء؟ لتكون حرا! فردا! لا يوجد قيد يتحكم بك مطلقا، لأجل أن تكون ليبراليا فردانيا زبونا جيدا في سوقنا الرأسمالي المنتج باستمرار.
دمتم سالمين.
بالتالي فعند شيوع الرأسمالية، وفقد المعيار، وتحرر الأفراد عن المجتمع والدين بشكل كامل، ستكون مواقف الأفراد متخذة على مسؤولياتهم الكاملة، من دون معرفة ضمنية بتبعات القرارات وعواقبها، مع انعدام تام للمعيارية، والقواعد، والأمر والنهي، سيواجه الأفراد أسوأ حالاتهم، لأن اليقين الذي كان يضمنه الروتين داخل المجتمع قد تم وأده، فالنماذج الروتينية التي تفرضها الضغوط الاجتماعية تعفي الناس من معاناة عدم اليقين المتجدد، فهذه النماذج الروتينية التي تتم بالرتابة والانتظام تعلّم المرء كيف يسلك معظم وقته، وقلما يجد نفسه في موقف يخلو من معالم عبر الطريق.
لكن في حالة اللامعيارية، واللايقين؛ ليس لديك يقين بأنك لو شاهدت الإباحية الشهيّة بين رجل وامرأة اليوم، أنك بعد سنوات لن تشاهد مواد إباحية تعرض امرأة تضاجع حمارا أو كلبا، ستعرض تلك المواد على السوق، لأن المجتمع الرأسمالي دوما ما يتوسع في الإنتاج، والعالم داخل الحداثة السائلة كما يقول باومان بحاجة إلى مثير أشد قوة وأكثر قابلية للتقلب بحيث يرفع طلب المستهلك ليصل إلى حجم المعروض، نفسها نظرية ساي "الطلب يخلق العرض الخاص به". وإذا ما اشتكى فرد من ألم جاءته الوسائل العلمية التي تتعامل معه كسيارة أصابها عطب في المحرك، يوجد أطباء، يوجد تطور علمي رهيب، ماذا تريد أكثر من هذا؟
أنا أبحث عن دواء يجعلني قنوعا مرتويا، إلى من يوجهني ويتحمل معي المسؤولية، إلى أن ألد بهوية أموت عليها، إلى الشعور باليقين ولو تجاه خطوة واحدة أتقدمها للأمام، إلى ألا أضيع في متاهة البحث عن الكمال، إلى بناء علاقات تستمر داخل مجتمع، إلى عمل يدوم مدة تمنحني يقينا بأن تلك الآلة التي ليست لها عائلة لن تحل محلي في المصنع وتلقي بي إلى الشارع في إطار تخفيض العمالة، وزيادة الإنتاج وتخفيض التكلفة... هل هذا ممكن؟
لا! هذا كله كان في الماضي، نحن قمنا بالحداثة لإلغاء كل هذا الماضي، واليوم عندما صارت الحداثة عبارة عن ماض قديم يريد تقييدك بمعطياته، نحن قد قمنا بالتحديث، وصرنا إلى ما بعد الحداثة.
أتعلم لماذا فعلنا كل هذه الأشياء؟ لتكون حرا! فردا! لا يوجد قيد يتحكم بك مطلقا، لأجل أن تكون ليبراليا فردانيا زبونا جيدا في سوقنا الرأسمالي المنتج باستمرار.
دمتم سالمين.
قومٌ إذا استخصموا كانوا فراعنةً
يومًا، وإن حُكِموا كانوا موازينـــا
–صفي الدين الحلي.
يومًا، وإن حُكِموا كانوا موازينـــا
–صفي الدين الحلي.
وإذا بـليت بظــالم كـن ظـــالمًا
وإذا لقيت ذوي الجهالة فأجهلِ.
–عنترة ابن شداد.
وإذا لقيت ذوي الجهالة فأجهلِ.
–عنترة ابن شداد.
في حياة ما بعد الحداثة، ”إذا استحوذ على أحدهم الملل والضجر ولا يستطيع أن بتحمّل وظيفته وأقربائه ومنزله وزوجته ينتقل إلى أقرب مدينة ويحصل فيها على وظيفة جديدة ويتخذ زوجة جديدة ويرى منظرا جديدا عندما يفتح النافذة، ويقضي وقته مع متع جديدة مع أصدقاء جدد، ويخوض في ثرثرة جديدة.
إن التحلل من قيود العلاقات وإمكانية فك الارتباط هما دليلا أهل هذه المدن [البوتروبية/eutropia/ طليقة الحركة] في كل علاقة يدخلونها، وفي كل ارتباط يشرعون فيه“.
(الحياة السائلة، زيجمونت باومان، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى بيروت–٢٠١٦، ص٢٥)
إن التحلل من قيود العلاقات وإمكانية فك الارتباط هما دليلا أهل هذه المدن [البوتروبية/eutropia/ طليقة الحركة] في كل علاقة يدخلونها، وفي كل ارتباط يشرعون فيه“.
(الحياة السائلة، زيجمونت باومان، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى بيروت–٢٠١٦، ص٢٥)
”كان كارل ماركس رجل نظرية، وما أكثر شكواه من الهوة الكبيرة بين النظرية والممارسة“.
(الحياة السائلة، زيجمونت باومان، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى بيروت–٢٠١٦، ص٥٤)
فارق كبير بين فكر رجل النظريات، وبين فكر رجل الحركة والممارسة الخالية من أي تنظير، مثل الذي عند سيد قطب ومن أثّر فيهم، من أمثلة ذلك: لا يفتي قاعد لمجاهد، وفقه هذا الدين لا يؤخذ إلا في أرض المعركة، والفقه لا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة، لا يُسأل عن هذا الدين إلا العلماء المجاهدون، أما العالم القاعد فلا يؤخذ عنه الدين بحال....
في حين تجد البخاري يبوّب: "باب العلم قبل القول والعمل".
(الحياة السائلة، زيجمونت باومان، ترجمة حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى بيروت–٢٠١٦، ص٥٤)
فارق كبير بين فكر رجل النظريات، وبين فكر رجل الحركة والممارسة الخالية من أي تنظير، مثل الذي عند سيد قطب ومن أثّر فيهم، من أمثلة ذلك: لا يفتي قاعد لمجاهد، وفقه هذا الدين لا يؤخذ إلا في أرض المعركة، والفقه لا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة، لا يُسأل عن هذا الدين إلا العلماء المجاهدون، أما العالم القاعد فلا يؤخذ عنه الدين بحال....
في حين تجد البخاري يبوّب: "باب العلم قبل القول والعمل".