حول الشروح المنهجية مرة أخرى:
——————————————
هذا تتميم لما كتبت قبل يومين حول "الشروح المنهجية"؛ قررت آنذاك أن الأصل الذي يجب أن ترتكز عليه الشروح -سواء كانت لمتون أو تعليقات الكتب- حاجة الطالب لا عرض علم الأستاذ.
كل انحراف عن هذا الأصل سيسبب تشوهات للمعرفة ولذهنية الطالب، وقد عزا ذلك العلامة الطاهر بن عاشور إلى محبة الأستاذ رسم صورة ذهنية تشي بالتحقيق وعلو الرتبة في العلم فقال:
"يعرض كثيرًا لمن اتَّسعت معلوماتهم من المتصدِّرين للتدريس في مبدأ تصدُّرهم؛ فيدفعهم حبُّ إظهار ما لهم من المزيَّة، ثمَّ لا يلبث أن يستيقظ من بهجته ويصير إلى وضع المقادير في نصابها" [1]
الإنسان في مرحلة ما من عمره يبحث عن قبول واعتراف، فيبذل في سبيل ذلك ما قد يخجله لاحقًا إذا نضج.
وممن اعترف بسلوك هذا المسلك العلامة محمد الخضر حسين -رحمه الله- في الرحلة الجزائرية إذ قال:
"وقد كنت -عافاكم الله- ممن ابتلي درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون، وأتوكأ في ذلك على أدنى مناسبة حتى أفضى الأمر إلى أن أتجاوز في الدرس شطر بيت من ألفية ابن مالك مثلاً، ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج، عقيمة من الانتاج، ونرجو أن تكون توبتنا من سلوكها توبة نصوحا" [2]
نقله رفيق دربه وخليل روحه الطاهر بن عاشور ثم عقب بقوله:
"وأنا أيضا عرض لي مثل ذلك في تدريس المقدمة الأجرومية فكنت آتي في من شرح الشاطبي على الألفية، وفي درس مقدمة إيساغوجي، فأجلب فيه مسائل من النجاة لابن سينا ثم لم ألبث أن أقلعت عن ذلك"[3]
هذه الحالة الاستعراضية التي مررنا بها كلنا تشبّ وتخبو، تبحر وترسو، زبد لا يمكث في القلوب المؤمنة بشرف الرسالة وحق الطلاب في الترقي المنهجي المتدرج، فالإمام الشافعي -رحمه الله- يقول:
"ازدحام العلم في السمع مضلّة للفهم"[4]
النضج العلمي قوامه مراعاة الحاجة، وتجريد النية عن حظوظ الظهور اللافت، وغرس جذور الروح في تربة المسؤولية.
—————
[1] أليس الصبح بقريب ص17
[2] الرحلة الجزائرية ص37-38 وهو في "أليس الصبح بقريب" الصفحة السابقة
[3] أليس الصبح بقريب ص17
[4]عزاه الزبيدي في شرح الإحياء للشافعي (1/ 334)، وهو برواية أطول عن عتبة بن سفيان يوصي معلم ولده كما في التذكرة الحمدونية (1/ 354).
——————————————
هذا تتميم لما كتبت قبل يومين حول "الشروح المنهجية"؛ قررت آنذاك أن الأصل الذي يجب أن ترتكز عليه الشروح -سواء كانت لمتون أو تعليقات الكتب- حاجة الطالب لا عرض علم الأستاذ.
كل انحراف عن هذا الأصل سيسبب تشوهات للمعرفة ولذهنية الطالب، وقد عزا ذلك العلامة الطاهر بن عاشور إلى محبة الأستاذ رسم صورة ذهنية تشي بالتحقيق وعلو الرتبة في العلم فقال:
"يعرض كثيرًا لمن اتَّسعت معلوماتهم من المتصدِّرين للتدريس في مبدأ تصدُّرهم؛ فيدفعهم حبُّ إظهار ما لهم من المزيَّة، ثمَّ لا يلبث أن يستيقظ من بهجته ويصير إلى وضع المقادير في نصابها" [1]
الإنسان في مرحلة ما من عمره يبحث عن قبول واعتراف، فيبذل في سبيل ذلك ما قد يخجله لاحقًا إذا نضج.
وممن اعترف بسلوك هذا المسلك العلامة محمد الخضر حسين -رحمه الله- في الرحلة الجزائرية إذ قال:
"وقد كنت -عافاكم الله- ممن ابتلي درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون، وأتوكأ في ذلك على أدنى مناسبة حتى أفضى الأمر إلى أن أتجاوز في الدرس شطر بيت من ألفية ابن مالك مثلاً، ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج، عقيمة من الانتاج، ونرجو أن تكون توبتنا من سلوكها توبة نصوحا" [2]
نقله رفيق دربه وخليل روحه الطاهر بن عاشور ثم عقب بقوله:
"وأنا أيضا عرض لي مثل ذلك في تدريس المقدمة الأجرومية فكنت آتي في من شرح الشاطبي على الألفية، وفي درس مقدمة إيساغوجي، فأجلب فيه مسائل من النجاة لابن سينا ثم لم ألبث أن أقلعت عن ذلك"[3]
هذه الحالة الاستعراضية التي مررنا بها كلنا تشبّ وتخبو، تبحر وترسو، زبد لا يمكث في القلوب المؤمنة بشرف الرسالة وحق الطلاب في الترقي المنهجي المتدرج، فالإمام الشافعي -رحمه الله- يقول:
"ازدحام العلم في السمع مضلّة للفهم"[4]
النضج العلمي قوامه مراعاة الحاجة، وتجريد النية عن حظوظ الظهور اللافت، وغرس جذور الروح في تربة المسؤولية.
—————
[1] أليس الصبح بقريب ص17
[2] الرحلة الجزائرية ص37-38 وهو في "أليس الصبح بقريب" الصفحة السابقة
[3] أليس الصبح بقريب ص17
[4]عزاه الزبيدي في شرح الإحياء للشافعي (1/ 334)، وهو برواية أطول عن عتبة بن سفيان يوصي معلم ولده كما في التذكرة الحمدونية (1/ 354).
بئر الرضا:
————-
آسفٌ على هذه الصورة غير اللبقة؛ لكنّ بعضنا يبصق في بئر رضا إخوانه، تجد المرء يحكي عن تفاصيل حياته على أنها عادية، فيأتيه من يفسد فرحته، ويعكر صفو أيامه، ويوقد في صدره كلمات وأسئلة ماكانت تخطر بباله.
أحد الأصدقاء المقربين اشتكى لي من عدم تقبله لزوجته، وبدأ يحكي عن تقصيرها، وحشد لها من صفات التبخيس ما يجعلها عديمة الفائدة.
أعرف صديقي؛ نخرج لمطعم فلا يشترط، نسافر ولا يدقق في المكان، ولا تغريه التفاصيل، سمحٌ متغافل، وأعلم من حديثه السابق أن زوجته حسنة الخلق، طيبة المعشر؛ فما الذي حدث؟
حاولت الرجوع به لأصل المشكلة، كلما تحدث عن حاضره أعدته للماضي -حتى أفهم سر تغيره-، أنا واثق أن بئر رضاه تعكرت فما عاد يستعذبها.
وجدت ضالتي حين قال هذا الموقف، قال البداية من محادثة بيني وبين صديق، طلب مني تصوير غلاف كتاب تحدثنا عنه.
يقول: صورت له الكتاب بعشوائية فظهر الغلاف، وحوله جزء من المكتب، على المكتب كوب شاي كرتوني.
قال صاحبه: كوب كرتون؟ أنت عزابي الآن؟ زوجتك عند أهلها؟
قال: لا، ليه السؤال؟
قال -الكلمة الصادمة-: كوب شاي كرتوني! تزوجت ليش؟
غيرك زوجاتهم يهيؤون لهم ما لذ وطاب أثناء بحثهم، أنت لست بقليل، لا تهن نفسك فيعتادوا مهانتك.
قال: والله ما طاب لي مطعم ولا مشرب بعدها، وصرت أنظر لزوجتي على أنها شيطان، وكلما طلبت مني شيئًا قلت في نفسي: ولماذا تطلب وهي مقصرة بحقي؟
حاولت تفكيك الفكرة في عقله، وأحسب أنه اقتنع.
لكن بالله عليكم؛ إذا رأيتم من يعمل 16 ساعة وهو راضٍ؛ لا تقولوا: وأين أوقات راحتك؟
وإذا رأيتم من يحكي برضا عن راتبه؛ لا تقولوا: كيف بك إذا دهمك طارئ؟
وإذا رأيتم من رضي عن شريكه فلا ترفعوا سقف تطلعاته.
نحن في زمن القلق، ومد العين، إياكم والبصق في بئر الرضا.
————-
آسفٌ على هذه الصورة غير اللبقة؛ لكنّ بعضنا يبصق في بئر رضا إخوانه، تجد المرء يحكي عن تفاصيل حياته على أنها عادية، فيأتيه من يفسد فرحته، ويعكر صفو أيامه، ويوقد في صدره كلمات وأسئلة ماكانت تخطر بباله.
أحد الأصدقاء المقربين اشتكى لي من عدم تقبله لزوجته، وبدأ يحكي عن تقصيرها، وحشد لها من صفات التبخيس ما يجعلها عديمة الفائدة.
أعرف صديقي؛ نخرج لمطعم فلا يشترط، نسافر ولا يدقق في المكان، ولا تغريه التفاصيل، سمحٌ متغافل، وأعلم من حديثه السابق أن زوجته حسنة الخلق، طيبة المعشر؛ فما الذي حدث؟
حاولت الرجوع به لأصل المشكلة، كلما تحدث عن حاضره أعدته للماضي -حتى أفهم سر تغيره-، أنا واثق أن بئر رضاه تعكرت فما عاد يستعذبها.
وجدت ضالتي حين قال هذا الموقف، قال البداية من محادثة بيني وبين صديق، طلب مني تصوير غلاف كتاب تحدثنا عنه.
يقول: صورت له الكتاب بعشوائية فظهر الغلاف، وحوله جزء من المكتب، على المكتب كوب شاي كرتوني.
قال صاحبه: كوب كرتون؟ أنت عزابي الآن؟ زوجتك عند أهلها؟
قال: لا، ليه السؤال؟
قال -الكلمة الصادمة-: كوب شاي كرتوني! تزوجت ليش؟
غيرك زوجاتهم يهيؤون لهم ما لذ وطاب أثناء بحثهم، أنت لست بقليل، لا تهن نفسك فيعتادوا مهانتك.
قال: والله ما طاب لي مطعم ولا مشرب بعدها، وصرت أنظر لزوجتي على أنها شيطان، وكلما طلبت مني شيئًا قلت في نفسي: ولماذا تطلب وهي مقصرة بحقي؟
حاولت تفكيك الفكرة في عقله، وأحسب أنه اقتنع.
لكن بالله عليكم؛ إذا رأيتم من يعمل 16 ساعة وهو راضٍ؛ لا تقولوا: وأين أوقات راحتك؟
وإذا رأيتم من يحكي برضا عن راتبه؛ لا تقولوا: كيف بك إذا دهمك طارئ؟
وإذا رأيتم من رضي عن شريكه فلا ترفعوا سقف تطلعاته.
نحن في زمن القلق، ومد العين، إياكم والبصق في بئر الرضا.
بابٌ: في أن التوبة ثمرة لا بذرة:
—————————————-
جربتُ في حياتي أمرًا وأرجو أن يكون في ذكره نفع لمن يقرأ؛ التغيير للأفضل في تدينك ليس "قرارًا" تتخذه.
التغيير الذي يرسخ هو ما كان "نتيجة" أعمال صالحة أخرى.
سأضرب مثالًا:
إذا عزمت على بر الوالدين، وإلانة الكلام لهما، فالطبيعة البشرية تأبى أن يكون "قرارك" بالبر صامدًا لأبعد من حالة شعورية عابرة.
الحل أن ندخل في السلم [الإسلام] كافة، أن نستعين على الطاعات بالطاعات، ندخل أجواء الصلاح بأكثر من عبادة حتى تكون التوبة "نتيجة" لا "قرارًا".
تريد إقلاعًا عن الكلام البذيء؟
لا يكفي أن تقرر هذا، عليك أن تحافظ على صلاتك، تبر بوالديك، تحسن خلقك، سيأتيك الإقلاع عن بذيء الكلام "نتيجة" لصلاحك، لا "قرارًا" تتخذه.
لاتستهن بهذا المعنى، وتذكر معي:
التوبة ثمرة لا بذرة.
—————————————-
جربتُ في حياتي أمرًا وأرجو أن يكون في ذكره نفع لمن يقرأ؛ التغيير للأفضل في تدينك ليس "قرارًا" تتخذه.
التغيير الذي يرسخ هو ما كان "نتيجة" أعمال صالحة أخرى.
سأضرب مثالًا:
إذا عزمت على بر الوالدين، وإلانة الكلام لهما، فالطبيعة البشرية تأبى أن يكون "قرارك" بالبر صامدًا لأبعد من حالة شعورية عابرة.
الحل أن ندخل في السلم [الإسلام] كافة، أن نستعين على الطاعات بالطاعات، ندخل أجواء الصلاح بأكثر من عبادة حتى تكون التوبة "نتيجة" لا "قرارًا".
تريد إقلاعًا عن الكلام البذيء؟
لا يكفي أن تقرر هذا، عليك أن تحافظ على صلاتك، تبر بوالديك، تحسن خلقك، سيأتيك الإقلاع عن بذيء الكلام "نتيجة" لصلاحك، لا "قرارًا" تتخذه.
لاتستهن بهذا المعنى، وتذكر معي:
التوبة ثمرة لا بذرة.
درس من ابن رجب:
————————-
القراءة المركزة لتراث عالمٍ تمنحك صحبة معنوية له، تعرف لازماته اللفظية، وتستشرف زوايا تفكيره، وتكوّن تصورًا لطبيعته النفسية؛ كنت قد كتبت عن ابن حزم، والطوفي، واليوم سأقول لكم كيف أرى الحافظ ابن رجب -رحم الله الجميع-.
هذا الرجل لم يكن ممن يحرص على تقديم نفسه بصورة المدقق؛ كان مقتصد الألفاظ، بسيطًا في مجالسه، لا يتفاصح، ولا يمد بساط الدعاوي العلمية.
تملكتني غصة حين قرأت للمرة الأولى كلام ابن المبرد عنه، صنع ذيلًا على ذيله على طبقات الحنابلة، وترجم له.
سرد مؤلفات الزين ابن رجب، ثم قال هذا الملمح الذي يخبرنا أن الكبار أرسخ جذورًا مما تظهره ثمارهم:
"وكتاب «القواعد الفقهية»، مجلدٌ كبيرٌ، وهو كتاب نافعٌ من عجائبِ الدهرِ حتّى أنه استُكثِرَ عليه، حتّى زَعم بعضُهم أنه وجَدَ قواعدَ مبدّدة لشيخ الِإسلام ابن تَيمِية فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان رحمه تعالى فوق ذلك"[1]
استكثروا عليه تأليف كتاب القواعد، ورأوا في الأوراق التي تركها تحريرات فريدة، وهو الذي كان لا يهتم بتسويق نفسه.
ومن أدل المواقف التي تدل على تساميه عن حظوظ النفس، ومواقف الاستعراض، وشهوات البروز= هذا الموقف العجيب.
يقول ابن المبرد -رحمه الله-:
"أُخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [أي: الحافظ ابن رجب] مسألة فأطنب فيها، فعجبت من ذلك، ومن إتقانه لها، فوقعت بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب، وغيرهم فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة.
فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمت فيها بذلك الكلام؟!
قال: إنما أتكلم بما أرجو ثوابه، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس" [2]
لم ينتفض خشية أن يوصف بقلة العلم بين أقرانه، ولا تأول لصورته المعلقة في نفوس الآخرين.
إيهٍ يا نسيم المخلصين، إيهٍ يا عرف الأسوياء.
—————
[1] الجوهر المنضد لابن المَبرَد الحنبلي (1/ 49-50)
[2] السابق (1/ 52)
————————-
القراءة المركزة لتراث عالمٍ تمنحك صحبة معنوية له، تعرف لازماته اللفظية، وتستشرف زوايا تفكيره، وتكوّن تصورًا لطبيعته النفسية؛ كنت قد كتبت عن ابن حزم، والطوفي، واليوم سأقول لكم كيف أرى الحافظ ابن رجب -رحم الله الجميع-.
هذا الرجل لم يكن ممن يحرص على تقديم نفسه بصورة المدقق؛ كان مقتصد الألفاظ، بسيطًا في مجالسه، لا يتفاصح، ولا يمد بساط الدعاوي العلمية.
تملكتني غصة حين قرأت للمرة الأولى كلام ابن المبرد عنه، صنع ذيلًا على ذيله على طبقات الحنابلة، وترجم له.
سرد مؤلفات الزين ابن رجب، ثم قال هذا الملمح الذي يخبرنا أن الكبار أرسخ جذورًا مما تظهره ثمارهم:
"وكتاب «القواعد الفقهية»، مجلدٌ كبيرٌ، وهو كتاب نافعٌ من عجائبِ الدهرِ حتّى أنه استُكثِرَ عليه، حتّى زَعم بعضُهم أنه وجَدَ قواعدَ مبدّدة لشيخ الِإسلام ابن تَيمِية فجمعها، وليس الأمر كذلك، بل كان رحمه تعالى فوق ذلك"[1]
استكثروا عليه تأليف كتاب القواعد، ورأوا في الأوراق التي تركها تحريرات فريدة، وهو الذي كان لا يهتم بتسويق نفسه.
ومن أدل المواقف التي تدل على تساميه عن حظوظ النفس، ومواقف الاستعراض، وشهوات البروز= هذا الموقف العجيب.
يقول ابن المبرد -رحمه الله-:
"أُخبرت عن القاضي علاء الدين ابن اللحام أنه قال: ذكرَ لنا مرة الشيخُ [أي: الحافظ ابن رجب] مسألة فأطنب فيها، فعجبت من ذلك، ومن إتقانه لها، فوقعت بعد ذلك في محضر من أرباب المذاهب، وغيرهم فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة.
فلما قام قلتُ له: أليس قد تكلمت فيها بذلك الكلام؟!
قال: إنما أتكلم بما أرجو ثوابه، وقد خفتُ من الكلام في هذا المجلس" [2]
لم ينتفض خشية أن يوصف بقلة العلم بين أقرانه، ولا تأول لصورته المعلقة في نفوس الآخرين.
إيهٍ يا نسيم المخلصين، إيهٍ يا عرف الأسوياء.
—————
[1] الجوهر المنضد لابن المَبرَد الحنبلي (1/ 49-50)
[2] السابق (1/ 52)
كنتُ قد كتبت عن نعمة الإحساس بالجمال، والذي أعتقده يقينًا أنه ما زاد عبد في التذوق الجمالي إلا كان أكثر قابلية لتلقي جماليات الوحي، وفي حديث أبي موسى في الصحيحين حديث عن هذه القابلية : "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث أصاب أرضًا، فكان منها نقية، قبلت الماء..."[1]
هذا القبول هو عين ما أردته؛ فجماليات الوحي كالمطر، تصيب محلًا قابلًا فتنبت وتزهر.
وبما أن الليل طويل، والوقت لائق بحديث المسامر، أهديكم مقطوعة تعجبني، وهي مع جمالها غير مشتهرة؛ وقد صانها رب الجمال من ابتذال عامة المتعاطين للغة.
جاءت في ترجمة فتح الله بن النحاس هذه الأبيات، أعجبني منها وصفه لخوف المحب من هجمة الرقيب، وصف لمشاعر الإقدام والإحجام لمحبّ التقى خلسة بنسخة روحه؛ يقول في قصيدة مطلعها:
" طرقَت طروق الطيف وهْنا .. ميالة الأعطاف حسنا"
إلى أن قال:
" وأقمت أنصب نحوها طَرْفـاً ونحو الباب أذْنا
أخشى يُحِـسَّ بـنـا الـنّسيـ مُ فيخبر الروض الأغنّا
ويولّد الوسواس لي جَرس الحليّ إذا أرنّا
فتـقـول مـسـكـينُ المتيّـ مُ بالـنـســـيمِ يسيءُ ظنّا
طب يافتى نفسًا فقد نامت عـيونُ الحيّ عنّا"[2]
لمثل هذا يطرب الإنسان.
——————
[1] رواه البخاري 79، ومسلم 2282
[2] نفحة الريحانة (2/ 528)، وبالمناسبة هذا الكتاب فيه ترجمة مغمورة لشيخ مذهبنا في زمانه الشيخ مرعي الكرمي -رحمه الله- (2/ 244- 250)
هذا القبول هو عين ما أردته؛ فجماليات الوحي كالمطر، تصيب محلًا قابلًا فتنبت وتزهر.
وبما أن الليل طويل، والوقت لائق بحديث المسامر، أهديكم مقطوعة تعجبني، وهي مع جمالها غير مشتهرة؛ وقد صانها رب الجمال من ابتذال عامة المتعاطين للغة.
جاءت في ترجمة فتح الله بن النحاس هذه الأبيات، أعجبني منها وصفه لخوف المحب من هجمة الرقيب، وصف لمشاعر الإقدام والإحجام لمحبّ التقى خلسة بنسخة روحه؛ يقول في قصيدة مطلعها:
" طرقَت طروق الطيف وهْنا .. ميالة الأعطاف حسنا"
إلى أن قال:
" وأقمت أنصب نحوها طَرْفـاً ونحو الباب أذْنا
أخشى يُحِـسَّ بـنـا الـنّسيـ مُ فيخبر الروض الأغنّا
ويولّد الوسواس لي جَرس الحليّ إذا أرنّا
فتـقـول مـسـكـينُ المتيّـ مُ بالـنـســـيمِ يسيءُ ظنّا
طب يافتى نفسًا فقد نامت عـيونُ الحيّ عنّا"[2]
لمثل هذا يطرب الإنسان.
——————
[1] رواه البخاري 79، ومسلم 2282
[2] نفحة الريحانة (2/ 528)، وبالمناسبة هذا الكتاب فيه ترجمة مغمورة لشيخ مذهبنا في زمانه الشيخ مرعي الكرمي -رحمه الله- (2/ 244- 250)
التداوليات [1] فرع لطيف للسانيات؛ يهتم بدلالة الكلمة من جهة الاستعمال البشري لها.
وفي هذا المسلك أحب التأمل في بعض الكلمات الدارجة ولطيف معانيها؛ كنت في اتصال مع شقيقي فقال: نلتقي آخر الأسبوع عند سيدتي الوالدة "ونتباصر".
المباصرة في دارجتنا -وسمعتها في أغلب مناطق الجزيرة العربية- تعني تداول البصيرة، كما أن المشاورة تبادل المشورة.
وقد عرفها الأستاذ الكبير عبدالكريم الجهيمان -رحمه الله- فقال:
"باصريني: يعني ساعديني وأنيري بصيرتي بتداول الأفكار" [2]
نحن نجالس بعض الناس لنتبادل البصائر، والبصيرة قوة القلب ونفاذ الرأي.
أحيانًا لا تحتاج من جليسك إلى معلومة؛ تريد استعارة بصيرته، أن ترى بعيني قلبه ما خفي عنك من رأي.
إذا احتجتكم في موضوع فستباصروني ككريم عادتكم.
————-
[1] يغلب على ظني أن الدكتور طه عبدالرحمن هو من سكّ مصطلح "التداولية" مقابلًا لـ "Pragmatics"؛ وكانت قبله وبعده تترجم إلى الذرائعية أو المقامية أو نحو اثني عشر مصطلح آخر أحصيتها؛ انظر ما يؤيد هذا الظن في "تجديد المنهج" ص244 ومابعدها، و "في أصول الحوار" ص28.
[2] أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب (1/ 394)
وفي هذا المسلك أحب التأمل في بعض الكلمات الدارجة ولطيف معانيها؛ كنت في اتصال مع شقيقي فقال: نلتقي آخر الأسبوع عند سيدتي الوالدة "ونتباصر".
المباصرة في دارجتنا -وسمعتها في أغلب مناطق الجزيرة العربية- تعني تداول البصيرة، كما أن المشاورة تبادل المشورة.
وقد عرفها الأستاذ الكبير عبدالكريم الجهيمان -رحمه الله- فقال:
"باصريني: يعني ساعديني وأنيري بصيرتي بتداول الأفكار" [2]
نحن نجالس بعض الناس لنتبادل البصائر، والبصيرة قوة القلب ونفاذ الرأي.
أحيانًا لا تحتاج من جليسك إلى معلومة؛ تريد استعارة بصيرته، أن ترى بعيني قلبه ما خفي عنك من رأي.
إذا احتجتكم في موضوع فستباصروني ككريم عادتكم.
————-
[1] يغلب على ظني أن الدكتور طه عبدالرحمن هو من سكّ مصطلح "التداولية" مقابلًا لـ "Pragmatics"؛ وكانت قبله وبعده تترجم إلى الذرائعية أو المقامية أو نحو اثني عشر مصطلح آخر أحصيتها؛ انظر ما يؤيد هذا الظن في "تجديد المنهج" ص244 ومابعدها، و "في أصول الحوار" ص28.
[2] أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب (1/ 394)
في شتاء كهذا يحسن التأمل في مجازات الدفء، ومما اعتدناه في الذاكرة الشعبية ووصايا كبار السنّ التحذير من "العود المعجج"؛ العود: قطعة الحطب، والمعجج: أي الذي يخرج العجاج -الدخان-.
أي احذر العود الرديء التي يكون ضمن حطب جيد.
ومقصودهم: الصديق الذي يؤذيك، وظاهره أنه يدفئك.
في كل مجمع علاقات بشرية عود معجج، شخصٌ يثير الدخان، يؤلم العين، لا يدفئك؛ لكنه محسوب على مجموعة أصدقائك، فإن أردت نزعه احترقت يدك، أو شئت إبقاءه استمر أذاه لعينك.
تذكرت هذا التشبيه وأنا أقلب قبل يومين "شبة ضو" شتوية؛ العود المعجج أذى يدمع العين.
أي احذر العود الرديء التي يكون ضمن حطب جيد.
ومقصودهم: الصديق الذي يؤذيك، وظاهره أنه يدفئك.
في كل مجمع علاقات بشرية عود معجج، شخصٌ يثير الدخان، يؤلم العين، لا يدفئك؛ لكنه محسوب على مجموعة أصدقائك، فإن أردت نزعه احترقت يدك، أو شئت إبقاءه استمر أذاه لعينك.
تذكرت هذا التشبيه وأنا أقلب قبل يومين "شبة ضو" شتوية؛ العود المعجج أذى يدمع العين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسعد الله مساءكم وطيّب الله أوقاتكم
عيدكم مبارك، وتقبّل الله مني ومنكم.
اشتقت للطيبين هنا، واشتقت لمجالس المدارسة والمذاكرة، وأرجو أن يكتب الله عودًا قريبًا في خير وعافية، لكني لا أعلم متى يحين هذا؛ فقد ألِفتُ العزلة الإلكترونية، وحمدتُ عاقبتها، وحين أعود فسيكون لحاجتي لهذه المجالس لا لحاجة النّاس إليّ، فالخير لا يتوقف عليّ ولا على أحد، والناس بخير، وحالي كحال كل من مرّ يومًا هنا ثم رحل: "تُنسى كأنك لم تكن".
وهذه طبيعة الحياة، كتب الله لنا الخير فيها وحسن الختام.
أعكف هذه الأيام على مرحلة الصف والمراجعة لعشرة إصدارات، أسأل الله نفعها في الدنيا والآخرة، علّها تدرك معرض الرياض، فإن لم فالقاهرة على أبعد مدى إن شاء الله -ما لم يعق عائق-، وحين أحدد الدار الناشرة أخبركم بحول الله:
الأول: صرح الجمائل في شرح الشمائل:
وهو شرح مبسوط شرفت بكتابته لكتاب الترمذي المبارك في الشمائل النبوية، وسيخرج إن أذِن الله في ثلاث مجلدات.
عشتُ معه أجمل الليالي، وأرجو أن يكرمني ربي بالبقاء موصولًا بهذه المباحث المنيفة والنفحات الشريفة.
الثاني: هداية الإنسان إلى الاستغناء بالقرآن:
وهو كتاب ليوسف بن حسن بن عبدالهادي الحنبلي الشهير بابن المبرد (ت: ٩٠٩هـ)، حققته على نسخة بخط المؤلف وسيخرج في ثلاث مجلدات إن شاء الله.
الثالث: المباحث التفسيرية في كتب الأمالي، ويليها المستدرك على أمالي العز بن عبدالسلام:
وهو كتاب جرّدت فيه التفاسير المنطوية في كتب الأمالي قبل العز بن السلام مطبوعها ومخطوطها، ودرست مناهجها، ثم ألحقت بدراسة أمالي العز، مع ملحق فيه تحقيق لأربع مستدركات خطّية عليه: لابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٤هـ)، وسريّ الدين ابن الصائغ (ت: ١٠٦٦هـ)، وأحمد بن عبدالرحمن الوارثي الصديقي (ت: ١٠٧٥هـ)، ومحمد حياة السندي (ت: ١١٦٣هـ).
وسيخرج في مجلدين بإذن الله.
الرابع: وسيلة الراغب نظم عمدة الطالب ومعه عَرفُ الخميلة على نظم الوسيلة:
وهو كتاب حققت به نظم الشيخ صالح بن حسن البهوتي الحنبلي (ت: ١١٢١ هـ) لكتاب عمّه -شيخ أصحابنا في زمانه الشيخ منصور- عمدة الطالب، على نسختين خطيتين، وهو نظم مطوّل، ثم كتبت عليه حاشية حنبلية كاشفة لمقاصده، مع الاهتمام بضبط ما يُشكل من وهَن عروضي.
وسيخرج في مجلدين إن شاء الله.
الخامس: حاشية الشيخ طاهر الجزائري(ت: ١٣٣٨هـ) على تفسير البيضاوي (ت: ٦٨٥هـ):
وقد جرّدتها من نسخته التي كتبها بخطه على تفسير القاضي البيضاوي، وخدمتها بما يليق إن شاء الله من التقدمة والعزو والتوجيه والتحرير ووضع الحاشية في الموضع المناسب من التفسير.
وستخرج بحول ربي ومدده في خمس مجلدات.
السادس: جمع الجوامع في الفقه ويليه قطعة من شرح نظم المفردات:
كلاهما للحافظ ابن المبرد الحنبلي، حققتهما على نسخٍ بخطه.
وستخرج في مجلد ضخم بحول الله.
السابع: كتاب الأذكياء :
وهو للحافظ ابن المبرد أيضًا، كتاب لطيف حققته على نسخة بخطّه.
الثامن: صبغتنا .. عودة إلى الجذور الأولى:
وهو كتاب حاولت كتابته بطريقة مبتكرة، فيه أساسيات مفاهيم الإسلام وعقائده وأحكامه، وقسمته بطريقة دراسية، ومع كل درس (QR code) يحيل لشرح صوتي للمادة، وجعلته يُقرأ على مدى سنتين، بواقع ساعة أسبوعيًا، يصلح للحلقات ومجاميع التربية ومجالس الأخيار.
وسيخرج في مجلد بحول الله.
التاسع: عُلالة الأذهان من هداية الإنسان:
وهو كتاب اختصرته من (هداية الإنسان) لابن المبرد، وأضفت ما لم يتمه من أبواب نصّ عليها في البداية ولم يكملها، وشرحته بشرح متوسط يصلح لمبتدئي الطلاب أمثالي.
وسيخرج في مجلد إن شاء الله.
العاشر: رسالةٌ في شرف الصيام وآدابه ومعانيه:
وهو كتاب تتبعتُ فيه ما فتح الله به من فضائل الصيام وآدابه وخفيّ معانيه وحِكَمه ومقاصده، واجتهدتُ في استنباط مادته وترتيبها، أسأل الله الإخلاص والقبول والنفع.
وما بكم من نعمة فمن الله، وقد كنت عجّلت بأحدها وهو "طليعة الاستهداء بالقرآن" ربما بلغكم أنه طُبع.
ولمن تكرم بالسؤال عني طوال الثلاث سنوات الماضيات: أنا بخير، وأرجو أن يتقبل مني ما يعلم من عمل في هذه الكتب وغيرها، ويا ويلي إن قصدت وجه غيره؛ فلا أنا الذي عشتُ ما خفّ من لهو أتلذذ به، ولا أنا الذي أخلصت لأجد حلاوة العاقبة في الآخرة.
أسعد الله مساءكم وطيّب الله أوقاتكم
عيدكم مبارك، وتقبّل الله مني ومنكم.
اشتقت للطيبين هنا، واشتقت لمجالس المدارسة والمذاكرة، وأرجو أن يكتب الله عودًا قريبًا في خير وعافية، لكني لا أعلم متى يحين هذا؛ فقد ألِفتُ العزلة الإلكترونية، وحمدتُ عاقبتها، وحين أعود فسيكون لحاجتي لهذه المجالس لا لحاجة النّاس إليّ، فالخير لا يتوقف عليّ ولا على أحد، والناس بخير، وحالي كحال كل من مرّ يومًا هنا ثم رحل: "تُنسى كأنك لم تكن".
وهذه طبيعة الحياة، كتب الله لنا الخير فيها وحسن الختام.
أعكف هذه الأيام على مرحلة الصف والمراجعة لعشرة إصدارات، أسأل الله نفعها في الدنيا والآخرة، علّها تدرك معرض الرياض، فإن لم فالقاهرة على أبعد مدى إن شاء الله -ما لم يعق عائق-، وحين أحدد الدار الناشرة أخبركم بحول الله:
الأول: صرح الجمائل في شرح الشمائل:
وهو شرح مبسوط شرفت بكتابته لكتاب الترمذي المبارك في الشمائل النبوية، وسيخرج إن أذِن الله في ثلاث مجلدات.
عشتُ معه أجمل الليالي، وأرجو أن يكرمني ربي بالبقاء موصولًا بهذه المباحث المنيفة والنفحات الشريفة.
الثاني: هداية الإنسان إلى الاستغناء بالقرآن:
وهو كتاب ليوسف بن حسن بن عبدالهادي الحنبلي الشهير بابن المبرد (ت: ٩٠٩هـ)، حققته على نسخة بخط المؤلف وسيخرج في ثلاث مجلدات إن شاء الله.
الثالث: المباحث التفسيرية في كتب الأمالي، ويليها المستدرك على أمالي العز بن عبدالسلام:
وهو كتاب جرّدت فيه التفاسير المنطوية في كتب الأمالي قبل العز بن السلام مطبوعها ومخطوطها، ودرست مناهجها، ثم ألحقت بدراسة أمالي العز، مع ملحق فيه تحقيق لأربع مستدركات خطّية عليه: لابن حجر الهيتمي (ت: ٩٧٤هـ)، وسريّ الدين ابن الصائغ (ت: ١٠٦٦هـ)، وأحمد بن عبدالرحمن الوارثي الصديقي (ت: ١٠٧٥هـ)، ومحمد حياة السندي (ت: ١١٦٣هـ).
وسيخرج في مجلدين بإذن الله.
الرابع: وسيلة الراغب نظم عمدة الطالب ومعه عَرفُ الخميلة على نظم الوسيلة:
وهو كتاب حققت به نظم الشيخ صالح بن حسن البهوتي الحنبلي (ت: ١١٢١ هـ) لكتاب عمّه -شيخ أصحابنا في زمانه الشيخ منصور- عمدة الطالب، على نسختين خطيتين، وهو نظم مطوّل، ثم كتبت عليه حاشية حنبلية كاشفة لمقاصده، مع الاهتمام بضبط ما يُشكل من وهَن عروضي.
وسيخرج في مجلدين إن شاء الله.
الخامس: حاشية الشيخ طاهر الجزائري(ت: ١٣٣٨هـ) على تفسير البيضاوي (ت: ٦٨٥هـ):
وقد جرّدتها من نسخته التي كتبها بخطه على تفسير القاضي البيضاوي، وخدمتها بما يليق إن شاء الله من التقدمة والعزو والتوجيه والتحرير ووضع الحاشية في الموضع المناسب من التفسير.
وستخرج بحول ربي ومدده في خمس مجلدات.
السادس: جمع الجوامع في الفقه ويليه قطعة من شرح نظم المفردات:
كلاهما للحافظ ابن المبرد الحنبلي، حققتهما على نسخٍ بخطه.
وستخرج في مجلد ضخم بحول الله.
السابع: كتاب الأذكياء :
وهو للحافظ ابن المبرد أيضًا، كتاب لطيف حققته على نسخة بخطّه.
الثامن: صبغتنا .. عودة إلى الجذور الأولى:
وهو كتاب حاولت كتابته بطريقة مبتكرة، فيه أساسيات مفاهيم الإسلام وعقائده وأحكامه، وقسمته بطريقة دراسية، ومع كل درس (QR code) يحيل لشرح صوتي للمادة، وجعلته يُقرأ على مدى سنتين، بواقع ساعة أسبوعيًا، يصلح للحلقات ومجاميع التربية ومجالس الأخيار.
وسيخرج في مجلد بحول الله.
التاسع: عُلالة الأذهان من هداية الإنسان:
وهو كتاب اختصرته من (هداية الإنسان) لابن المبرد، وأضفت ما لم يتمه من أبواب نصّ عليها في البداية ولم يكملها، وشرحته بشرح متوسط يصلح لمبتدئي الطلاب أمثالي.
وسيخرج في مجلد إن شاء الله.
العاشر: رسالةٌ في شرف الصيام وآدابه ومعانيه:
وهو كتاب تتبعتُ فيه ما فتح الله به من فضائل الصيام وآدابه وخفيّ معانيه وحِكَمه ومقاصده، واجتهدتُ في استنباط مادته وترتيبها، أسأل الله الإخلاص والقبول والنفع.
وما بكم من نعمة فمن الله، وقد كنت عجّلت بأحدها وهو "طليعة الاستهداء بالقرآن" ربما بلغكم أنه طُبع.
ولمن تكرم بالسؤال عني طوال الثلاث سنوات الماضيات: أنا بخير، وأرجو أن يتقبل مني ما يعلم من عمل في هذه الكتب وغيرها، ويا ويلي إن قصدت وجه غيره؛ فلا أنا الذي عشتُ ما خفّ من لهو أتلذذ به، ولا أنا الذي أخلصت لأجد حلاوة العاقبة في الآخرة.
المذهب الحنبلي نسق فكري كلّي، وإمامه سيد الرافضين للظلم، المبغضين للظلمة، لذا تجد من مفردات مذهبنا إبطال كل ما كان مغصوبًا بإكراه أو حيلة أو يمين كاذبة، وعامة المذاهب الأخرى يصححون العبادة بمغصوب؛ مع التحريم طبعًا.
فالوضوء بالماء المغصوب -عندنا- يبطل الوضوء، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تصح، وفي الثوب المغصوب كذلك.
بل إن مصحح المذهب ومنقّحه ومرجحه الإمام المرداوي نصّ على جواز الصلاة إلى سترة نجسة، مع عدم صحتها إلى سترة مغصوبة.
النجاسة المحسوسة المستقذرة عندنا أخف وطأة من نجاسة المعنى المندرج في الظلم والظَلَمة، وقد نص إمامنا على جعل الظلم وساخة ونجاسة؛ قال مهنا: سألت الإمام أحمد بن حنبل عن إبراهيم بن الهروي، فقال عنه: رجل وسخ.
وعلل ذلك باتباعه للظلمة من الولاة والقضاة آنذاك.
فنجاسة الظلم مغلظة جدًا، ولو سئل الإمام عن شخص متنجس بقذارة حسية لتورع عن وصفه بهذا.
والعلم النافع لا يفصل المعرفة عن الأخلاق.
فالوضوء بالماء المغصوب -عندنا- يبطل الوضوء، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تصح، وفي الثوب المغصوب كذلك.
بل إن مصحح المذهب ومنقّحه ومرجحه الإمام المرداوي نصّ على جواز الصلاة إلى سترة نجسة، مع عدم صحتها إلى سترة مغصوبة.
النجاسة المحسوسة المستقذرة عندنا أخف وطأة من نجاسة المعنى المندرج في الظلم والظَلَمة، وقد نص إمامنا على جعل الظلم وساخة ونجاسة؛ قال مهنا: سألت الإمام أحمد بن حنبل عن إبراهيم بن الهروي، فقال عنه: رجل وسخ.
وعلل ذلك باتباعه للظلمة من الولاة والقضاة آنذاك.
فنجاسة الظلم مغلظة جدًا، ولو سئل الإمام عن شخص متنجس بقذارة حسية لتورع عن وصفه بهذا.
والعلم النافع لا يفصل المعرفة عن الأخلاق.
من عادة الشيخ الصالح الإمام محيي الدين النووي -رحمه الله- أن يرفق دعواته لنفسه ومن حوله بالمسلمين أجمعين، وأحسب أن هذا المسلك من أسباب عموم نفع مصنفاته لجميع المسلمين، فمن عامل الخلق بمحبة الخير من الله لهم جازاه الله بأنواع المحاب ومنها: محبة الخلق له.
انظر نصوصه:
"وغفر لنا ما جرى وما يجري منا من الزلات، وفعل ذلك بوالدينا ومشايخنا وسائر من نحبه ويحبنا ومن أحسن إلينا وسائر المسلمين والمسلمات، إنه سميع الدعوات جزيل العطيات"
المجموع شرح المهذب(١/ ٣)
"أسأله سلوك سبيل الرشاد، والعصمة من أحوال أهل الزيغ والعناد، والدوام على جميع أنواع الخير في ازدياد. والتوفيق في الأقوال والأفعال للصواب، والجري على آثار ذوي البصائر والألباب. وأن يفعل ذلك بوالدينا ومشايخنا وجميع من نحبه ويحبنا وسائر المسلمين إنه الواسع الوهاب"
المجموع شرح المهذب (١/ ٦)
"واستودعت ديني ونفسي ووالدي وإخواني وأحبائي وسائر من أحسن إلي وجميع المسلمين، وجميع ما أنعم به علي وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، فإنه سبحانه إذا استودع شيئا حفظه ونعم الحفيظ"
الأذكار ص٥.
"وأنا سائل أخًا انتفع بشيء منه أن يدعو لي، ولوالدي، ومشايخي، وسائر أحبابنا، والمسلمين أجمعين، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستناد"
رياض الصالحين ص٧.
"وأبتهل إليه - سبحانه - أن يوفقني لمرضاته، وأن يجعلني ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، وأن يهديني بحسن النيات، وييسر لي جميع أنواع الخيرات، ويعينني على أنواع المكرمات، ويديمني على ذلك حتى الممات، وأن يفعل ذلك كله بجيمع أحبابي، وسائر المسلمين والمسلمات، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"
التبيان في آداب حملة القرآن ص١٢.
"أسأله التوفيق لحسن النيات، والإعانة على جميع أنواع الطاعات. وتيسيرها والهداية لها دائما في ازدياد حتى الممات. وأن يفعل ذلك بوالدي ومشايخي وأقربائي وإخواني وسائر من أحبه ويحبني فيه وجميع المسلمين والمسلمات، وأن يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته وغير ذلك من وجوه المسرات وأن لا ينزع منا ما وهبه لنا ومن به علينا من الموهوبات، وأن ينفعنا أجمعين"
روضة الطالبين (١/ ٦)
"اللهم إني أسألك بكل وسيلة، وأتشفع إليك بكل شفيع أن تنفعني وأحبابي والمسلمين أجمعين، بهذا الكتاب نفعا عاما بليغًا، يا من لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر وهذا حين شروعي في مقصود الكتاب"
بستان العارفين ص٩.
رحمه الله كفاء ما قدّم، وجزاء ما علّم، وأسأل الله أن يهدينا هداية تحبّها، واصرفنا يارب لما خلقتنا له من الازدياد في العلم والعمل ونفع العباد.
انظر نصوصه:
"وغفر لنا ما جرى وما يجري منا من الزلات، وفعل ذلك بوالدينا ومشايخنا وسائر من نحبه ويحبنا ومن أحسن إلينا وسائر المسلمين والمسلمات، إنه سميع الدعوات جزيل العطيات"
المجموع شرح المهذب(١/ ٣)
"أسأله سلوك سبيل الرشاد، والعصمة من أحوال أهل الزيغ والعناد، والدوام على جميع أنواع الخير في ازدياد. والتوفيق في الأقوال والأفعال للصواب، والجري على آثار ذوي البصائر والألباب. وأن يفعل ذلك بوالدينا ومشايخنا وجميع من نحبه ويحبنا وسائر المسلمين إنه الواسع الوهاب"
المجموع شرح المهذب (١/ ٦)
"واستودعت ديني ونفسي ووالدي وإخواني وأحبائي وسائر من أحسن إلي وجميع المسلمين، وجميع ما أنعم به علي وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، فإنه سبحانه إذا استودع شيئا حفظه ونعم الحفيظ"
الأذكار ص٥.
"وأنا سائل أخًا انتفع بشيء منه أن يدعو لي، ولوالدي، ومشايخي، وسائر أحبابنا، والمسلمين أجمعين، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستناد"
رياض الصالحين ص٧.
"وأبتهل إليه - سبحانه - أن يوفقني لمرضاته، وأن يجعلني ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، وأن يهديني بحسن النيات، وييسر لي جميع أنواع الخيرات، ويعينني على أنواع المكرمات، ويديمني على ذلك حتى الممات، وأن يفعل ذلك كله بجيمع أحبابي، وسائر المسلمين والمسلمات، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"
التبيان في آداب حملة القرآن ص١٢.
"أسأله التوفيق لحسن النيات، والإعانة على جميع أنواع الطاعات. وتيسيرها والهداية لها دائما في ازدياد حتى الممات. وأن يفعل ذلك بوالدي ومشايخي وأقربائي وإخواني وسائر من أحبه ويحبني فيه وجميع المسلمين والمسلمات، وأن يجود علينا برضاه ومحبته ودوام طاعته وغير ذلك من وجوه المسرات وأن لا ينزع منا ما وهبه لنا ومن به علينا من الموهوبات، وأن ينفعنا أجمعين"
روضة الطالبين (١/ ٦)
"اللهم إني أسألك بكل وسيلة، وأتشفع إليك بكل شفيع أن تنفعني وأحبابي والمسلمين أجمعين، بهذا الكتاب نفعا عاما بليغًا، يا من لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر وهذا حين شروعي في مقصود الكتاب"
بستان العارفين ص٩.
رحمه الله كفاء ما قدّم، وجزاء ما علّم، وأسأل الله أن يهدينا هداية تحبّها، واصرفنا يارب لما خلقتنا له من الازدياد في العلم والعمل ونفع العباد.
من بقايا الطفولة التي لا تمحى قصة "أليس في بلاد العجائب" لأستاذ الرياضيات بجامعة أوكسفورد تشارلز دودسن، أو كما أحب كتابة الرواية باسم مستعار: لويس كارول.
ومما علق في ذهني حوارٌ دار بين "أليس" و"القط المتخفي تشيشاير"؛ حيث تقول أليس الراغبة في الخروج من مكانٍ علقت به:
"هلا أخبرتني من فضلك؛ أي طريق ينبغي أن أسلك لأخرج من هنا؟
قال القط: هذا يعتمد كثيرًا على المكان الذي ترغبين في الذهاب إليه
ردت أليس: لا يهمني كثيرًا أين.
قال القط: إذن؛ لا يهم أي طريق تسلكين.
أضافت أليس مستدركة: ما دمت سأصل إلى مكان ما.
قال القط: حسنًا؛ ستصلين بالتأكيد إلى [مكان ما]، إن مشيت المسافة المطلوبة.[1]
وهذا ما ينبغي التعامل معه في أسئلة التيه، هل نريد الخروج فقط؟ أم أننا نرغب في الخروج إلى وجهة محددة؟
والذي جربته من مخالطة صنوف من البشر أنهم لا يفرقون بين المقامين؛ فضغوط الأسئلة، واليأس من الحالة الحاضرة يدفعان المرء إلى التعبير بحاجته للخروج مما آلمه، لكنه لا يهتم للوجهة.
جزء من حل التخبط الفكري يكمن في فهم هذا المعنى: نحن لا نرغب بالتغيير، بل نرغب بالتغيير إلى الأفضل، لا نهتم بالخروج من التيه، بل الخروج لوجهة آمنة.
————————-
[1] أليس في بلاد العجائب، لويس كارول، بترجمة: شكير نصر الدين ص٦٩.
ومما علق في ذهني حوارٌ دار بين "أليس" و"القط المتخفي تشيشاير"؛ حيث تقول أليس الراغبة في الخروج من مكانٍ علقت به:
"هلا أخبرتني من فضلك؛ أي طريق ينبغي أن أسلك لأخرج من هنا؟
قال القط: هذا يعتمد كثيرًا على المكان الذي ترغبين في الذهاب إليه
ردت أليس: لا يهمني كثيرًا أين.
قال القط: إذن؛ لا يهم أي طريق تسلكين.
أضافت أليس مستدركة: ما دمت سأصل إلى مكان ما.
قال القط: حسنًا؛ ستصلين بالتأكيد إلى [مكان ما]، إن مشيت المسافة المطلوبة.[1]
وهذا ما ينبغي التعامل معه في أسئلة التيه، هل نريد الخروج فقط؟ أم أننا نرغب في الخروج إلى وجهة محددة؟
والذي جربته من مخالطة صنوف من البشر أنهم لا يفرقون بين المقامين؛ فضغوط الأسئلة، واليأس من الحالة الحاضرة يدفعان المرء إلى التعبير بحاجته للخروج مما آلمه، لكنه لا يهتم للوجهة.
جزء من حل التخبط الفكري يكمن في فهم هذا المعنى: نحن لا نرغب بالتغيير، بل نرغب بالتغيير إلى الأفضل، لا نهتم بالخروج من التيه، بل الخروج لوجهة آمنة.
————————-
[1] أليس في بلاد العجائب، لويس كارول، بترجمة: شكير نصر الدين ص٦٩.
ما إن يأتي اسم الإمام الليث بن سعد حتى تتقافز كلمات الأئمة في اندثار علمه وأن أصحابه لم يقوموا به.
وعندي تحليل لما بعد هذا التعليل؛ وهو: لمَ لمْ يقوموا به؟ أحسب أن من أسباب انطفاء علمه شعور طلابه النفسي بأمر يجدونه منه، مع أنه قد جمع أسباب الجاه من القضاء ووفرة المال وسماحة النفس وعلو الإسناد ووجوده في بلد يتوافر فيه الطلاب.
فقد قال أبو داود عن الليث: "ليس ينزل نزوله أحد"[١]
وقال الذهبي عنه: "حتى إنه يروي عن تلامذته"[٢]
وقال: "قد روى الليث إسنادًا عاليًا في زمانه، ثم تراه ينزل في أحاديث ولا يبالي لسعة علمه، فقد روى أحاديث عن الهقل بن زياد وهو أصغر منه بكثير"[٣]
هذه اللفتة ليست ذمًا مني للإمام رحمه الله، ولكَ أن تسطّر ما تشاء في مديح التواضع، لكن الحقيقة المستقرة أن عدم مراعاة رسوم المشيخة وفقه التراتب يضر بحماسة الطالب لشيخه، وأن قدرًا من التحفظ -الذي لا يبلغ الكِبر- ضروري لاستمرار العملية التعليمية والطمأنينة بالاقتداء.
———
[١] انظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٢٧٩)
[٢] سير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٨)، ط. الرسالة.
[٣] السابق (٨/ ١٥٩).
وعندي تحليل لما بعد هذا التعليل؛ وهو: لمَ لمْ يقوموا به؟ أحسب أن من أسباب انطفاء علمه شعور طلابه النفسي بأمر يجدونه منه، مع أنه قد جمع أسباب الجاه من القضاء ووفرة المال وسماحة النفس وعلو الإسناد ووجوده في بلد يتوافر فيه الطلاب.
فقد قال أبو داود عن الليث: "ليس ينزل نزوله أحد"[١]
وقال الذهبي عنه: "حتى إنه يروي عن تلامذته"[٢]
وقال: "قد روى الليث إسنادًا عاليًا في زمانه، ثم تراه ينزل في أحاديث ولا يبالي لسعة علمه، فقد روى أحاديث عن الهقل بن زياد وهو أصغر منه بكثير"[٣]
هذه اللفتة ليست ذمًا مني للإمام رحمه الله، ولكَ أن تسطّر ما تشاء في مديح التواضع، لكن الحقيقة المستقرة أن عدم مراعاة رسوم المشيخة وفقه التراتب يضر بحماسة الطالب لشيخه، وأن قدرًا من التحفظ -الذي لا يبلغ الكِبر- ضروري لاستمرار العملية التعليمية والطمأنينة بالاقتداء.
———
[١] انظر: تهذيب الكمال (٢٤/ ٢٧٩)
[٢] سير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٨)، ط. الرسالة.
[٣] السابق (٨/ ١٥٩).
بعد طول مصاولة للاستعمار خرج سلطان الأطرش ومن معه من وطنهم منفيين إلى شمال الجزيرة العربية، ومكثوا سنوات في المنفى، وهناك وصلتهم رسالة طاعنة تردّ اللوم في الفقر والضيق الذي يعيشونه إلى سلطان ورفاقه، وليس للمستعمر الذي نكّل بالجميع.
أتاهم الخبر وهم في الغربة منكسرين فردّ زيد الأطرش قائلًا:
يا ديرتي مالك علينا لوم لا تعتبي لومك على من خان
حنا روينا سيوفنا من القوم ما نرخصك مثل العفن باثمان
لا بدّ ما تغدِي ليالي الشوم وتعتز غلمة قايده سلطان
وصدر البيت الأخير كان سيدي الوالد -رحمه الله- يردده كثيرًا:
"لا بدّ ما تغدِي ليالي الشوم"
أي: تنجلي وتمرّ.
ثم دارت الأيام وعاد سلطان باشا الأطرش إلى السويداء، واستقبل استقبال الأبطال، والتفّ حوله من كانوا يرونه سبب النكبة، فللنصر ألف أب والهزيمة يتيمة؛ والناس هم الناس، يقبلون عليك ما أقبلت الدنيا بوجهها، ويحقرونك إذا أدبرت عنك.
وللمعنى ذيول أوسع، فإذا كان بعض المغاربة يقول: "فلان صديق عيني" أي: أنه صديقي ما دمتُ أراه، فإن غاب عني نسي مابيننا، فقد يقال على منوالهم: "فلان صديق ضوئي" أي: أنه صديقك ما دمت حاضرًا تحت أضواء التواصل والشهرة، فإذا اعتزلتَ استوحش وبردت حفاوته وتنكر فصار عدوًا أو كاد.
لكن العاقل لا يعتدّ بعلاقات هذه الوسائل حبًا وبغضًا وتتلمذًا ومودّة، ويؤمن -مع هذا- أنه: لا بدّ ما تغدي ليالي الشوم.
أتاهم الخبر وهم في الغربة منكسرين فردّ زيد الأطرش قائلًا:
يا ديرتي مالك علينا لوم لا تعتبي لومك على من خان
حنا روينا سيوفنا من القوم ما نرخصك مثل العفن باثمان
لا بدّ ما تغدِي ليالي الشوم وتعتز غلمة قايده سلطان
وصدر البيت الأخير كان سيدي الوالد -رحمه الله- يردده كثيرًا:
"لا بدّ ما تغدِي ليالي الشوم"
أي: تنجلي وتمرّ.
ثم دارت الأيام وعاد سلطان باشا الأطرش إلى السويداء، واستقبل استقبال الأبطال، والتفّ حوله من كانوا يرونه سبب النكبة، فللنصر ألف أب والهزيمة يتيمة؛ والناس هم الناس، يقبلون عليك ما أقبلت الدنيا بوجهها، ويحقرونك إذا أدبرت عنك.
وللمعنى ذيول أوسع، فإذا كان بعض المغاربة يقول: "فلان صديق عيني" أي: أنه صديقي ما دمتُ أراه، فإن غاب عني نسي مابيننا، فقد يقال على منوالهم: "فلان صديق ضوئي" أي: أنه صديقك ما دمت حاضرًا تحت أضواء التواصل والشهرة، فإذا اعتزلتَ استوحش وبردت حفاوته وتنكر فصار عدوًا أو كاد.
لكن العاقل لا يعتدّ بعلاقات هذه الوسائل حبًا وبغضًا وتتلمذًا ومودّة، ويؤمن -مع هذا- أنه: لا بدّ ما تغدي ليالي الشوم.
اللهم أنزل لعناتك بالصهاينة ومن أيدهم ظاهرًا وباطنًا، واحقن دماء إخواننا في غزة، وارزقهم نصرًا عزيزًا مؤزرًا، وأعنّا بالجواب حين نُسأل عن خذلاننا وعجزنا دنيا وآخرًا.
يا من يُعلمني نحوًا وتَوريةً
تعال أخبِرْكَ ماذا يَصنع البَدلُ
لا تَحسبِ الأرضَ عن إنجابِها عَقِرت
مِن كل صخرٍ سيأتي للفدا جَبَلُ
ستمطر الأرض يومًا رغم شحتها
ومن بطون المآسي يولد الأملُ
فالغصن ينبت غصنًا حين نقطعهُ
والليل ينجب صبحًا حين يكتملُ
عبدالله البردوني
تعال أخبِرْكَ ماذا يَصنع البَدلُ
لا تَحسبِ الأرضَ عن إنجابِها عَقِرت
مِن كل صخرٍ سيأتي للفدا جَبَلُ
ستمطر الأرض يومًا رغم شحتها
ومن بطون المآسي يولد الأملُ
فالغصن ينبت غصنًا حين نقطعهُ
والليل ينجب صبحًا حين يكتملُ
عبدالله البردوني
روي عند الترمذي وغيره في وصف الفتن أنها: تدع الحليم حيران.
وهذا ما نراه في واقعنا البائس، فالحليم حيران لتدافع المعطيات في ذهنه، أما الأحمق فالأمور واضحة عنده، ولغة الجزم حاضرة في خطابه، ويستطيع الحديث في كل ملف بوثوقية عالية.
ياربّنا بصّرنا وسدّدنا.
وهذا ما نراه في واقعنا البائس، فالحليم حيران لتدافع المعطيات في ذهنه، أما الأحمق فالأمور واضحة عنده، ولغة الجزم حاضرة في خطابه، ويستطيع الحديث في كل ملف بوثوقية عالية.
ياربّنا بصّرنا وسدّدنا.
الشهيد أصدق الناس، وأعقل الناس، وأسعد الناس.
أما صدقه فمن قدّم روحه الأغلى برهانًا على إيمانه النظري فقد آمن وصدق.
وأما عقله فلأنه قدّم الباقي المؤجّل على الفاني المعجّل، وهذا عين النظر للأشياء كما هي.
وأما سعادته فمن اختار صفقته بأن يبيع روحًا في دنيًا محدودة مليئة بالهموم مقابل حياة رخية في جنة لا يموت فيها أبدًا فهو السعيد الرابح حقًا وصدقًا.
اللهم كُن لغزة يارب.
أما صدقه فمن قدّم روحه الأغلى برهانًا على إيمانه النظري فقد آمن وصدق.
وأما عقله فلأنه قدّم الباقي المؤجّل على الفاني المعجّل، وهذا عين النظر للأشياء كما هي.
وأما سعادته فمن اختار صفقته بأن يبيع روحًا في دنيًا محدودة مليئة بالهموم مقابل حياة رخية في جنة لا يموت فيها أبدًا فهو السعيد الرابح حقًا وصدقًا.
اللهم كُن لغزة يارب.
العلم المزيّف آفة، ويولد في المرء تورمًا لا حقيقة تحته.
ومن ذلك: المقولات النفسية التي تدخل في الفضاء العام، وتأتي على شكل موضات يسوق لها عشاق الأضواء من أنصاف الأذكياء؛ قبل مدة ليست بالقريبة كانت الموضة أن يوصف كل حزن عابر أنه اكتئاب، ويبدأ من أمامك بالحديث عن ضرورة الذهاب لطبيب نفسي وأن ذلك لا يعيب.
تجاوزنا تلك المرحلة وصار الحديث عن "العلاقات" والعلاقات المسمومة، وبات كل الناس تتحدث عن أي خلاف بشري طبيعي كان يصنف في التاريخ على أنه اختلاف طباع أو تباين مصالح= صارت علاقة مسمومة، حتى الذي لا يحسن الإنجليزية حفظ كلمة toxic، وهات يا نصايح: اعتزل ما يؤذيك، وحبّ ذاتك وعش حياتك إلى آخر هذا التميع المقزز.
أما الآن فقد وصلنا إلى زمن "نرجسة البشرية"؛ كل تصرف بشري صار محسوبًا على النرجسية التي لا يعرف أحدٌ حدودها، وباتت وسائل التواصل تغص بالحديث عن التعامل مع النرجسيين الذين شكلوا -فجأة- ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.
لا أنكر حقيقة الأمراض النفسية؛ وحديثي عن غير المتخصصين الذين يركبون كل مدة موضة نفسية بمصطلحات براقة، ولا تقتنع أن أفعال الشر قد يحركها سوء معدن، أو ضعف ديانة، أو خبث نشأة، بل لابدّ -عندهم- من توصيف نفسي، رغمًا عنك.
ربما يقرأ أحدهم هذا المنشور ويتهمني بمرض نفسي جديد -اخترعه لتوّه- يسميه "اضطراب الإنكار النفسي"
وسنصبح بعد مدة ثلث الكوكب.
ومن ذلك: المقولات النفسية التي تدخل في الفضاء العام، وتأتي على شكل موضات يسوق لها عشاق الأضواء من أنصاف الأذكياء؛ قبل مدة ليست بالقريبة كانت الموضة أن يوصف كل حزن عابر أنه اكتئاب، ويبدأ من أمامك بالحديث عن ضرورة الذهاب لطبيب نفسي وأن ذلك لا يعيب.
تجاوزنا تلك المرحلة وصار الحديث عن "العلاقات" والعلاقات المسمومة، وبات كل الناس تتحدث عن أي خلاف بشري طبيعي كان يصنف في التاريخ على أنه اختلاف طباع أو تباين مصالح= صارت علاقة مسمومة، حتى الذي لا يحسن الإنجليزية حفظ كلمة toxic، وهات يا نصايح: اعتزل ما يؤذيك، وحبّ ذاتك وعش حياتك إلى آخر هذا التميع المقزز.
أما الآن فقد وصلنا إلى زمن "نرجسة البشرية"؛ كل تصرف بشري صار محسوبًا على النرجسية التي لا يعرف أحدٌ حدودها، وباتت وسائل التواصل تغص بالحديث عن التعامل مع النرجسيين الذين شكلوا -فجأة- ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.
لا أنكر حقيقة الأمراض النفسية؛ وحديثي عن غير المتخصصين الذين يركبون كل مدة موضة نفسية بمصطلحات براقة، ولا تقتنع أن أفعال الشر قد يحركها سوء معدن، أو ضعف ديانة، أو خبث نشأة، بل لابدّ -عندهم- من توصيف نفسي، رغمًا عنك.
ربما يقرأ أحدهم هذا المنشور ويتهمني بمرض نفسي جديد -اخترعه لتوّه- يسميه "اضطراب الإنكار النفسي"
وسنصبح بعد مدة ثلث الكوكب.