"سنفور غضبان" شخصية تتمثل أمامنا في وسائل التواصل، تراه يحمل جهاز "قراءة الباركود" عند كل ظاهرة؛ ليقول: أنا أعترض؛ وقد كان سيد الحكماء صلى الله عليه وآله وسلم يمشي بمسلك: "عرّف بعضه وأعرض عن بعض".
هذا الإعراض عن بعض المطروح ليس من قبيل الإقرار؛ فلا تتحفز لإبداء رأيك في كل شيء، ثمّة منزلة اسمها "المسكوت عنه"؛ وهي موضع ما لا حكم له في الشرع قصدًا لانعدام النص أصالة أو سكوتًا، مفهوم أبدع الشاطبي في الموافقات في تحريره وربطه وتفصيله. [1]
أوَكلما ظهرت موضة إلكترونية -تأخذ يومًا أو يومين ثم تنطفئ- خرج لنا من يفصل ويعترض ويظهر لوازم لا تلزم؛ بعض الأشياء لا تحريم فيها، وأحكم المواقف أن تجعلها في منطقة "المسكوت عنه"؛ لا تشرعنها ولا ترفضها، هكذا هي.
حتى في تربيتك لمن حولك؛ لا تبدِ رأيك في كل شيء، فالتنبيه على كل تفصيل يُذهب بهاء كلمتك، ولا يجعل لها وزنًا.
——-
[1] الموافقات عند حديثه عن مرتبة العفو (1/115) وما بعدها.
هذا الإعراض عن بعض المطروح ليس من قبيل الإقرار؛ فلا تتحفز لإبداء رأيك في كل شيء، ثمّة منزلة اسمها "المسكوت عنه"؛ وهي موضع ما لا حكم له في الشرع قصدًا لانعدام النص أصالة أو سكوتًا، مفهوم أبدع الشاطبي في الموافقات في تحريره وربطه وتفصيله. [1]
أوَكلما ظهرت موضة إلكترونية -تأخذ يومًا أو يومين ثم تنطفئ- خرج لنا من يفصل ويعترض ويظهر لوازم لا تلزم؛ بعض الأشياء لا تحريم فيها، وأحكم المواقف أن تجعلها في منطقة "المسكوت عنه"؛ لا تشرعنها ولا ترفضها، هكذا هي.
حتى في تربيتك لمن حولك؛ لا تبدِ رأيك في كل شيء، فالتنبيه على كل تفصيل يُذهب بهاء كلمتك، ولا يجعل لها وزنًا.
——-
[1] الموافقات عند حديثه عن مرتبة العفو (1/115) وما بعدها.
ما أسعد المتأمل بما يورثه فيه تدارس الفقه من بصر وحكمة في الحياة؛ القاعدة التي خرجت بها في حياتي أني ما ألزمتُ نفسي بما ليس لازمًا في لحظة خفة إلا ثقل الأمر علي، وكان إتمامه صك نجاة لا شهادة إنجاز.
وهذا نراه في حكم النذر؛ ففي المذهب أنه على الكراهة [1]، وأن الوفاء به واجب يثاب عليه، وعدم الوفاء به محرم؛ فلو ألزم إنسان نفسه بنذر أن يتلو كل يوم خمسة أجزاء؛ لكان واقعًا في كراهة النذر، مثابًا على التلاوة من جهة الإتيان بالواجب، ومن جهة الأجر المتحقق للتالي.
ولو أن المسلم تلا خمسة أجزاء -دون نذر- لسلم من الكراهة؛ ففي الحديث "أولم ينهوا عن النذر" [2]
هذا دين عظيم؛ لو كان المقصود النتيجة فقط لكان في النذر مزيد إلزام للمتراخي، وما لا يتم الحسن إلا به فهو حسن؛ هكذا لو لم نتدبر.
وكذا الأمر في الدَّين؛ فالتحذير النبوي الشديد لمن يقترض دون حاجة ونية سداد، قال صلى عليه وآله وسلم يومًا "صلوا على صاحبكم فإن عليه دينًا"[3]، فهو مكروه تنزع الشريعة للتخلص منه؛ حتى حين يموت المسلم ويكون في ماله حقان واجبان؛ وصية ودَين؛ يقدم الدّين تخلصًا منه[4]، مع وجوب تنفيذهما.
وقد أشار الفقهاء لمسألة الوعد في المعاملات؛ هل يلزم الوفاء بها ديانة أو قضاء؟ أو هما معًا؟ [5]
ثلاث مسائل -النذر والدين والوعد- تقول لك في حياتك: لا تلزم نفسك بما ليس لازمًا، فإن ألزمت نفسك فلا تتهرب؛ ومن تبصّر في أحوالنا -نحن البشر- وجد أنا نفرح بالعطاء الذي يأتي بلا مناسبة، ولا إلزام ماطل فيه صاحبه؛ هذه تربية وتهذيب لكل من يطلق الوعود وقت فرحه أن يكون واقعيًا منضبط المشاعر.
حتى حين تلزم نفسي بأمر على سبيل الدوام ستذهب بهجته، فلو أنك عوّدت أحدًا أن تعطيه كوب ماء كل صباح، وحسسته بأنك ملزم به -بأي نوع إلزام-؛ سيشكرك المرة الأولى، ثم الثانية، فإذا غبت الثالثة سيشتكيك للناس ويهجوك بأنك سبب عطشه!
————
[1] كشاف القناع (6/ 273)، المطالب (6/ 421)
[2]رواه البخاري 6692
[3] رواه الترمذي 1069 والنسائي 1960
[4]المبدع للبرهان ابن مفلح (5/ 305)
[5]كشاف القناع (6/ 279) وغيره
وهذا نراه في حكم النذر؛ ففي المذهب أنه على الكراهة [1]، وأن الوفاء به واجب يثاب عليه، وعدم الوفاء به محرم؛ فلو ألزم إنسان نفسه بنذر أن يتلو كل يوم خمسة أجزاء؛ لكان واقعًا في كراهة النذر، مثابًا على التلاوة من جهة الإتيان بالواجب، ومن جهة الأجر المتحقق للتالي.
ولو أن المسلم تلا خمسة أجزاء -دون نذر- لسلم من الكراهة؛ ففي الحديث "أولم ينهوا عن النذر" [2]
هذا دين عظيم؛ لو كان المقصود النتيجة فقط لكان في النذر مزيد إلزام للمتراخي، وما لا يتم الحسن إلا به فهو حسن؛ هكذا لو لم نتدبر.
وكذا الأمر في الدَّين؛ فالتحذير النبوي الشديد لمن يقترض دون حاجة ونية سداد، قال صلى عليه وآله وسلم يومًا "صلوا على صاحبكم فإن عليه دينًا"[3]، فهو مكروه تنزع الشريعة للتخلص منه؛ حتى حين يموت المسلم ويكون في ماله حقان واجبان؛ وصية ودَين؛ يقدم الدّين تخلصًا منه[4]، مع وجوب تنفيذهما.
وقد أشار الفقهاء لمسألة الوعد في المعاملات؛ هل يلزم الوفاء بها ديانة أو قضاء؟ أو هما معًا؟ [5]
ثلاث مسائل -النذر والدين والوعد- تقول لك في حياتك: لا تلزم نفسك بما ليس لازمًا، فإن ألزمت نفسك فلا تتهرب؛ ومن تبصّر في أحوالنا -نحن البشر- وجد أنا نفرح بالعطاء الذي يأتي بلا مناسبة، ولا إلزام ماطل فيه صاحبه؛ هذه تربية وتهذيب لكل من يطلق الوعود وقت فرحه أن يكون واقعيًا منضبط المشاعر.
حتى حين تلزم نفسي بأمر على سبيل الدوام ستذهب بهجته، فلو أنك عوّدت أحدًا أن تعطيه كوب ماء كل صباح، وحسسته بأنك ملزم به -بأي نوع إلزام-؛ سيشكرك المرة الأولى، ثم الثانية، فإذا غبت الثالثة سيشتكيك للناس ويهجوك بأنك سبب عطشه!
————
[1] كشاف القناع (6/ 273)، المطالب (6/ 421)
[2]رواه البخاري 6692
[3] رواه الترمذي 1069 والنسائي 1960
[4]المبدع للبرهان ابن مفلح (5/ 305)
[5]كشاف القناع (6/ 279) وغيره
يحسن كثير من إخواني الظنّ فيبحثون عن مشورة اجتماعية لمشكلة معينة، حين أجيب أني لا أحسن هذا الباب تبدو علائم التعجب في الظهور.
باب الاستشارات الاجتماعية بابٌ خطير لا أعلم سر التهاون فيه، ولا أستسيغ هذا التقحم والجزم في مواطن الاحتمال ودون حتى أدنى استفصال؛ بعض من تصدر لهذا الملف لا تبرأ الذمة باستفتائه في أمور الأسرة والخيارات الحياتية؛ وليس الجميع.
رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : "من تطبَّب ولم يُعلم منه طِبٌ فهو ضامن" [1]
والحديث مع ما فيه من مغامز إسنادية إلا أن العمل عليه عند الفقهاء؛ فمن ادعى علمه بشيء وهو خليّ منه وأتلف فهو ضامن للأثر الحاصل دنيا وآخرة.
هذا الأمر يدفعني للتفكر؛ الكلمة في الإسلام لها وزنها، ندخل في دين الله بكلمة، ويخرج منه البعيد بكلمة، نرتبط بكلمة، ينفصل آخرون بكلمة، هذه المسؤولية اللفظية توجب على الإنسان يقظة في منطوقه.
تخيل معي أن أبناء أقاربك اجتمعوا وكانوا يرسمون، أتوا عندك وجعلوك حكمًا في أجمل رسمة أو أجمل خط؛ كلنا نتهاون في الأمر؛ اسمع ما يقوله الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه الحالة وينقلها عن الصحابة:
"فالقاضي اسم لكل من حكم بين اثنين، سواء سمي خليفة أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ظاهر" [2]
سماهم قضاة، ولو كانوا في مجال تحكيم مسابقة لأطفال.
وبتركيب الأمرين؛ كل من ادعى معرفة بشيء ولم يكن كذلك فهو ضامن لما أفسد، حتى ولو كان أمرًا نتهاون هينًا كالحكم بين خطوط الصبيان.
فعلى المستشار في هذه المواقع مسؤولية عظيمة، وهو مفتٍ يجري عليه ما يجري على المفتي من نصوص التحذير من التهاون من القول بلا علم؛ وكم من كلمة خببت بين اثنين، أو أفسدت بيوتًا وملأتها بالضغائن، أو جرّأت قومًا على محارم ما كانوا يستحلونها.
وإني أقول لكل كريم حسن الظن بأخيه؛ أني لا أحسن هذه الأمور، ومقامي فيها أن أتعلم لا أُعلم، فلا دراستي في هذا المجال، ولا سني يسمح بادعاء خبرات في هذا الباب، فهو ملف لا أحسنه؛ وليتني ألزم ما أدعي معرفته -وهو قليل- ويتوفاني الله متعلمًا أعترف بنقصي في أكثر أبواب العلم.
————
[1] أخرجه أبـو داود 4576، وابن ماجه 3466، والنّسائي ( 4845، 4846) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي إسناده: الوليد بن مسلم، وابن جريج، وحسنه بعض المتأخرين؛ ولابن القيم كلام حسن في شرح الحديث انظره في زاد المعاد (4/ 127) وما بعدها.
[2] السياسة الشرعية لابن تيمية، ت: د/ علي العمران، ص19
باب الاستشارات الاجتماعية بابٌ خطير لا أعلم سر التهاون فيه، ولا أستسيغ هذا التقحم والجزم في مواطن الاحتمال ودون حتى أدنى استفصال؛ بعض من تصدر لهذا الملف لا تبرأ الذمة باستفتائه في أمور الأسرة والخيارات الحياتية؛ وليس الجميع.
رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : "من تطبَّب ولم يُعلم منه طِبٌ فهو ضامن" [1]
والحديث مع ما فيه من مغامز إسنادية إلا أن العمل عليه عند الفقهاء؛ فمن ادعى علمه بشيء وهو خليّ منه وأتلف فهو ضامن للأثر الحاصل دنيا وآخرة.
هذا الأمر يدفعني للتفكر؛ الكلمة في الإسلام لها وزنها، ندخل في دين الله بكلمة، ويخرج منه البعيد بكلمة، نرتبط بكلمة، ينفصل آخرون بكلمة، هذه المسؤولية اللفظية توجب على الإنسان يقظة في منطوقه.
تخيل معي أن أبناء أقاربك اجتمعوا وكانوا يرسمون، أتوا عندك وجعلوك حكمًا في أجمل رسمة أو أجمل خط؛ كلنا نتهاون في الأمر؛ اسمع ما يقوله الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه الحالة وينقلها عن الصحابة:
"فالقاضي اسم لكل من حكم بين اثنين، سواء سمي خليفة أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ظاهر" [2]
سماهم قضاة، ولو كانوا في مجال تحكيم مسابقة لأطفال.
وبتركيب الأمرين؛ كل من ادعى معرفة بشيء ولم يكن كذلك فهو ضامن لما أفسد، حتى ولو كان أمرًا نتهاون هينًا كالحكم بين خطوط الصبيان.
فعلى المستشار في هذه المواقع مسؤولية عظيمة، وهو مفتٍ يجري عليه ما يجري على المفتي من نصوص التحذير من التهاون من القول بلا علم؛ وكم من كلمة خببت بين اثنين، أو أفسدت بيوتًا وملأتها بالضغائن، أو جرّأت قومًا على محارم ما كانوا يستحلونها.
وإني أقول لكل كريم حسن الظن بأخيه؛ أني لا أحسن هذه الأمور، ومقامي فيها أن أتعلم لا أُعلم، فلا دراستي في هذا المجال، ولا سني يسمح بادعاء خبرات في هذا الباب، فهو ملف لا أحسنه؛ وليتني ألزم ما أدعي معرفته -وهو قليل- ويتوفاني الله متعلمًا أعترف بنقصي في أكثر أبواب العلم.
————
[1] أخرجه أبـو داود 4576، وابن ماجه 3466، والنّسائي ( 4845، 4846) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي إسناده: الوليد بن مسلم، وابن جريج، وحسنه بعض المتأخرين؛ ولابن القيم كلام حسن في شرح الحديث انظره في زاد المعاد (4/ 127) وما بعدها.
[2] السياسة الشرعية لابن تيمية، ت: د/ علي العمران، ص19
قال الشيخ أبو حامد الغزالي -رحمه الله- في سياق نقده لبعض أعمال المتدينين والمتصوفة:
"وفرق أخرى حرصت على النوافل، ولم تعتن بالفرائض، فترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل، ولا يجد للفريضة لذة" [1]
وهذه لفتة دالة على فقهه؛ فالذي يفرح بالنوافل مع إهماله للفرائض ما عرف حقيقة التعبد، ولا فقه رتب الأعمال، ثم إن في الفرح بالنوافل أكثر من الفرائض علائم على خلل قلبي في وظيفة العبودية.
———
[1] إحياء علوم الدين (3/ 403)
"وفرق أخرى حرصت على النوافل، ولم تعتن بالفرائض، فترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل، ولا يجد للفريضة لذة" [1]
وهذه لفتة دالة على فقهه؛ فالذي يفرح بالنوافل مع إهماله للفرائض ما عرف حقيقة التعبد، ولا فقه رتب الأعمال، ثم إن في الفرح بالنوافل أكثر من الفرائض علائم على خلل قلبي في وظيفة العبودية.
———
[1] إحياء علوم الدين (3/ 403)
الفقيه الحق متأمل أولًا، فنان أذهان لا فنان أعيان، يقف لينظر بنصف عين مركزة، يجمع الأحداث على لوحة الصورة الكاملة، ينظر للعلائق، يقيس المؤثرات، ثم يصوغ النتيجة، ويختبرها، ثم يأخذ خطوة للوراء ليرى الصورة كاملة مع المقاصد، يضيف ضابطًا هنا، وقيدًا هناك؛ كأنه رسام يخفف لونًا أو يضيف ظلًا، يخالط الواقع بكفين ملطختين بطباع الناس وعاداتهم؛ فيخرج بتقرير هو ألذ في عينيه من أجمل مناظر الدنيا.
الفقه تأمل، ودرك للعلائق، ومعرفة لقوى الأدلة، لذا طربت -ولم أعجب -حين قرأت ما حكاه الإمام القرافي -الفقيه المالكي الذكي- عن نفسه؛ في شرحه للمحصول الذي سماه "نفائس الأصول" كان يشرح مباحث اللغات وماهية الكلام ثم سرد قصة شخصية يبين فيها ماهية الكلام وهل يفتقر للحياة، ويبين فيها لنا أن الذكاء الفقهي كامن في ملاحظة العلائق وربط الحقائق؛ يقول:
"وكذلك بلغني أن الملك الكامل وضع له شمعدان، كلما مضى من الليل ساعة انفتح باب منه، وخرج منه شخص يقف في خدمة السلطان، فإذا انقضت عشر ساعات طلع شخص على أعلى الشمعدان وقال: "صبح الله السلطان بالسعادة" فيعلم أن الفجر قد طلع، وعملت أنا هذا الشمعدان وزدت فيه أن الشمعة يتغير لونها في كل ساعة، وفيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد، ثم إلى الحُمرة الشديدة في كل ساعة لهما لون، فيعرف التنبيه في كل ساعة، وتسقط حصاتان من طائرين، ويدخل شخص، ويخرج شخص غيره، ويغلق باب ويفتح باب، وإذا طلع الفجر طلع شخص على أعلى الشمعدان وإصبعه في أذنه يشير إلى الأذان غير أني عجزت عن صنعة الكلام، وصنعت أيضا صورة حيوان يمشي ويلتفت يمينًا وشمالًا ويصفر ولا يتكلم" [1]
هذه العقلية الفذة التي استطاعت ملاحظة القوى والأجزاء أتت من نَفس متأمل؛ وقد حكى عن نفسه تمتعه بروح التأمل، تخيّل معي هذا النقل الناطق له الدال على تأمل عظيم؛ يقول :
" إشكال عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أورده على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجد له جوابًا يرضيني، وإلى الآن لم أجده، وقد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرها مما يسره الله علي من الموضوعات في هذا الشأن، وهو..." [2]
عشرون عامًا يتأمل مسألة "أقل الجمع"، ويحاول ربط كلام النحويين بالأصوليين؛ لا عجب من هذا المتأمل أن يخرج لنا هذه الكنوز التي تطرب العقول؛ من أراد الفقه فلا يعجل، وليكن واسع الصدر، دقيق الملاحظة، ينغمس فيه بروح الفنان الذي يوازن ويقارن.
———
[1] نفائس الأصول للقرافي (1/442)
[2] العقد المنظوم في الخصوص والعموم للقرافي (2/ 69- 70)
الفقه تأمل، ودرك للعلائق، ومعرفة لقوى الأدلة، لذا طربت -ولم أعجب -حين قرأت ما حكاه الإمام القرافي -الفقيه المالكي الذكي- عن نفسه؛ في شرحه للمحصول الذي سماه "نفائس الأصول" كان يشرح مباحث اللغات وماهية الكلام ثم سرد قصة شخصية يبين فيها ماهية الكلام وهل يفتقر للحياة، ويبين فيها لنا أن الذكاء الفقهي كامن في ملاحظة العلائق وربط الحقائق؛ يقول:
"وكذلك بلغني أن الملك الكامل وضع له شمعدان، كلما مضى من الليل ساعة انفتح باب منه، وخرج منه شخص يقف في خدمة السلطان، فإذا انقضت عشر ساعات طلع شخص على أعلى الشمعدان وقال: "صبح الله السلطان بالسعادة" فيعلم أن الفجر قد طلع، وعملت أنا هذا الشمعدان وزدت فيه أن الشمعة يتغير لونها في كل ساعة، وفيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد، ثم إلى الحُمرة الشديدة في كل ساعة لهما لون، فيعرف التنبيه في كل ساعة، وتسقط حصاتان من طائرين، ويدخل شخص، ويخرج شخص غيره، ويغلق باب ويفتح باب، وإذا طلع الفجر طلع شخص على أعلى الشمعدان وإصبعه في أذنه يشير إلى الأذان غير أني عجزت عن صنعة الكلام، وصنعت أيضا صورة حيوان يمشي ويلتفت يمينًا وشمالًا ويصفر ولا يتكلم" [1]
هذه العقلية الفذة التي استطاعت ملاحظة القوى والأجزاء أتت من نَفس متأمل؛ وقد حكى عن نفسه تمتعه بروح التأمل، تخيّل معي هذا النقل الناطق له الدال على تأمل عظيم؛ يقول :
" إشكال عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أورده على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجد له جوابًا يرضيني، وإلى الآن لم أجده، وقد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرها مما يسره الله علي من الموضوعات في هذا الشأن، وهو..." [2]
عشرون عامًا يتأمل مسألة "أقل الجمع"، ويحاول ربط كلام النحويين بالأصوليين؛ لا عجب من هذا المتأمل أن يخرج لنا هذه الكنوز التي تطرب العقول؛ من أراد الفقه فلا يعجل، وليكن واسع الصدر، دقيق الملاحظة، ينغمس فيه بروح الفنان الذي يوازن ويقارن.
———
[1] نفائس الأصول للقرافي (1/442)
[2] العقد المنظوم في الخصوص والعموم للقرافي (2/ 69- 70)
إلى أصحابي في درس الفقه:
قال ابن شهاب الزهري ليونس بن زيد -رحمهما الله-:
"لا تكابر العلم؛ فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي" [1]
——-
[1] جامع بيان العلم وفضله (1/359)
قال ابن شهاب الزهري ليونس بن زيد -رحمهما الله-:
"لا تكابر العلم؛ فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي" [1]
——-
[1] جامع بيان العلم وفضله (1/359)
لمحبي الفقه ممن يحب الشروع في دراسته بطريقة متدرجة:
قبيل رمضان بحول الله ستكون بين أيديكم مادة مكونة من عشرة دروس خفيفة، حقيبة منهجية فقهية تصلح عتبة لولوج الفقه -للحنابلة خاصة-، وسيكون فيها المواضيع التالية:
1- لماذا ندرس الفقه: بواعث التفقه للمسلم في زماننا.
2- ما قصة الفقه؟
3- كيف ندرس الفقه: حديث عن المنهجية والموقف من مفاهيم:
أ- التمذهب
ب- الخلاف
ج- المتون
د- الترجيح.
[4/ 5/ 6/ 7/ 8/ 9]شرح فقهي ميسر لكتاب (فروع الفقه) لابن المبرد الحنبلي، وفيه نركز معًا بحول الله على أربع مهارات:
أ- فك العبارة
ب- تحرير معتمد المذهب في المسألة
ج- التدليل
د- تصوّر المسألة خارج سياق المتن.
10- عدة المتفقّه: وفيه حديث عن العلوم المتصلة بالفقه، وما يحتاجه الفقيه من أدوات.
أسأل الله القبول والنفع.
ملحوظة: أنا أدارس حاليًا هذا مع مجموعة كريمة ووصلنا للدرس الخامس، فيها نقاشات واستثارات للعقول، بعد أن أنتهي منهم أنزل بإذن الله نسخة جديدة مسجلة مع رسوم توضيحية، وباسترسال ودون توقفات.
وإن أمدّ الله في العمر وأذن بذكره؛ أكملتُ التدرج ورقّيت المهارات بحسب المتن ومستوى الدارسين.
قبيل رمضان بحول الله ستكون بين أيديكم مادة مكونة من عشرة دروس خفيفة، حقيبة منهجية فقهية تصلح عتبة لولوج الفقه -للحنابلة خاصة-، وسيكون فيها المواضيع التالية:
1- لماذا ندرس الفقه: بواعث التفقه للمسلم في زماننا.
2- ما قصة الفقه؟
3- كيف ندرس الفقه: حديث عن المنهجية والموقف من مفاهيم:
أ- التمذهب
ب- الخلاف
ج- المتون
د- الترجيح.
[4/ 5/ 6/ 7/ 8/ 9]شرح فقهي ميسر لكتاب (فروع الفقه) لابن المبرد الحنبلي، وفيه نركز معًا بحول الله على أربع مهارات:
أ- فك العبارة
ب- تحرير معتمد المذهب في المسألة
ج- التدليل
د- تصوّر المسألة خارج سياق المتن.
10- عدة المتفقّه: وفيه حديث عن العلوم المتصلة بالفقه، وما يحتاجه الفقيه من أدوات.
أسأل الله القبول والنفع.
ملحوظة: أنا أدارس حاليًا هذا مع مجموعة كريمة ووصلنا للدرس الخامس، فيها نقاشات واستثارات للعقول، بعد أن أنتهي منهم أنزل بإذن الله نسخة جديدة مسجلة مع رسوم توضيحية، وباسترسال ودون توقفات.
وإن أمدّ الله في العمر وأذن بذكره؛ أكملتُ التدرج ورقّيت المهارات بحسب المتن ومستوى الدارسين.
من إشكاليات دراسة رتوش العلوم الإنسانية أنها تصيب الباحث الشرعي بما يمكن تسميته "فرط التحليل"، يمرّ على نص هامشي فيخرج عدّة أدواته؛ هذا نص تأسيسي، وباسم الله: هات يا بسط، وتحليل، وتركيب، وتحميل له بما لا تحتمله دلالته، ولا يسعفه سياقه.
هؤلاء قومٌ يربطون النصّ/الإمام التراثي على كرسي العلوم الإنسانية التي درسوها، ويستنطقونه كرهًا، وبسوط الأكاديميا والمنهج؛ فيقوّلونه ما لا يعنيه.
ولفرط التحليل أوجه أخرى؛ لعل الله ييسر بسطها.
هؤلاء قومٌ يربطون النصّ/الإمام التراثي على كرسي العلوم الإنسانية التي درسوها، ويستنطقونه كرهًا، وبسوط الأكاديميا والمنهج؛ فيقوّلونه ما لا يعنيه.
ولفرط التحليل أوجه أخرى؛ لعل الله ييسر بسطها.
جاء في سيرة الفقيه الحنبلي عبدالقادر بن بدران أنه كتب في ختام ديوانه "تسلية اللبيب عن ذكرى الحبيب" :
"هذا آخر ما أتممتُ نظمه في المستشفى، وكتبته بيدي اليسرى، والحمد لله على كل حال" [1]
وكان قد أصيب بالفالج أواخر حياته -رحمه الله-، وشُلّ شقّه الأيمن، ولم يتوقف عن التعلم والتعليم في كل أحواله.
أما من إذا أصابه طائف همّ ناح وتوقف فلا يفلح غالبًا.
———
[1] علامة الشام عبدالقادر بن بدران حياته وآثاره للعجمي ص52
"هذا آخر ما أتممتُ نظمه في المستشفى، وكتبته بيدي اليسرى، والحمد لله على كل حال" [1]
وكان قد أصيب بالفالج أواخر حياته -رحمه الله-، وشُلّ شقّه الأيمن، ولم يتوقف عن التعلم والتعليم في كل أحواله.
أما من إذا أصابه طائف همّ ناح وتوقف فلا يفلح غالبًا.
———
[1] علامة الشام عبدالقادر بن بدران حياته وآثاره للعجمي ص52
اللهم إنك تعلم أنّا ما رضينا بشوائب العمل، وما عرض علينا عارض إلا جاهدنا في دفعه، لا نعلم على أي وجه انتهى وكيف رُفع لك؟ لا نعلم هل قبلته أم رددته؟ ولكن حسبنا أنك رأيت الجهاد، حسبنا أنك رأيت الجهاد.
من بركات العلم الشرعي أن ترى شخصًا وكأن على كلماته وشيُ نبوة، أو آثار وحي؛ فإذا قاولته بمسألة خارج علمه رأيت رجلًا بسيطًا، متوسط الذكاء؛ تقول في نفسك: هذا الشأن لا يُبلغ إلا بمدد من الله، ولا علاقة له بالمواهب والقوى؛ فاللهم افتح لنا، فإن لم تتفضل بالفتح لم تغنِ عنا عقولنا شيئًا.
أحفظ هذه الأبيات كاسمي، وأهديها لشباب البرامج العلمية الذين يخوضون حروبًا مع اليأس والشهوات والشبهات وهجمة الظروف؛ يقول الجواهري:
أفتيان الحمى سيرفُّ ظلُّ
على جمراتِ هاجرةٍ مَديدُ
سَيُبدلُ منْ صدى نَغَمٍ شقيٍّ
بِأوتارِ المُنى نَغَمٌ سعيدُ
فإنْ تَكُ أَطْبَقَتْ جُدُرُ الليالي
فسوفَ يُشَقُّ من فجرٍ عمودُ
وإنْ تَزِدِ الميوعةُ من بنيها
فأمُّ الضُّرِ والبلوى ولودُ
سينهضُ من صميمِ اليأسِ جيلٌ
عنيدُ البأْسِ جبَّارٌ عنيدُ
يُقايضُ ما يكونُ بما يُرجّى
ويَعطِفُ ما يُرادُ لِما يُريدُ
أفتيان الحمى سيرفُّ ظلُّ
على جمراتِ هاجرةٍ مَديدُ
سَيُبدلُ منْ صدى نَغَمٍ شقيٍّ
بِأوتارِ المُنى نَغَمٌ سعيدُ
فإنْ تَكُ أَطْبَقَتْ جُدُرُ الليالي
فسوفَ يُشَقُّ من فجرٍ عمودُ
وإنْ تَزِدِ الميوعةُ من بنيها
فأمُّ الضُّرِ والبلوى ولودُ
سينهضُ من صميمِ اليأسِ جيلٌ
عنيدُ البأْسِ جبَّارٌ عنيدُ
يُقايضُ ما يكونُ بما يُرجّى
ويَعطِفُ ما يُرادُ لِما يُريدُ
إدارة التعامل مع الطلاب عند الحافظ ابن حجر -رحمه الله-:
————-
هذه مقتطفات من ترجمة الحافظ ابن حجر التي سطرها تلميذه السخاوي في الجواهر والدرر (3/ 23-29)، آثرت نقلها كما هي مع وضع عناوين:
1- جبر الخواطر
"وأما استجلاب الخواطر، فكلُّ ما ذكرناه مُقتضٍ لذلك مِنَ الحلم والبَذْلِ والشَّفقة والسَّتر، وكفى بها دلالة على حُسْنِ العِشْرة. وطال ما كان ينهرُ أتباعه بسبب مقته بعض الطَّلبة، لظنِّه أنَّ ذلك يرضيه، وربَّما قال له: اخرج أنت ودعه. إلى غير ذلك مما يكتفي بدونه مِنْ مثله في علوِّ مقداره، وطال ما كان يخُصُّ مَنْ يفهم عنه بعضَ جفاء بمزيد الإقبال، بحيث لا يفارقه إلا وهو في غاية الحمد والاغتباط، فمنهم مَنْ يستمرُّ على المودَّة، ومنهم مَنْ يغلِبُ عليه الحسَدُ"
2- الوقوف معهم بعد الدرس:
"وكان عند إرادة دخول بيته عَقِبَ الدَّرس أو غيره، يقفُ مع مَنْ يقصدُ الاجتماع به -ولو لم يكن بذاك- نحو ساعة أو أكثر، بحيث يمل أتباعه وهو واقف، لا يُفارقه حتى يكون هو المفارق له.
ولقد كنت واللَّه العظيم أجيءُ إليه، وأنا حينئذٍ في المكتب، فأعارضه وهو يريدُ الدُّخول إلى منزله، فيقف معي ما شاء اللَّه حتى أسأله عَنْ ما أرومُ المسألة عنه مِنْ أحاديث وغيرها، بل ربَّما سألتُه إذ ذاك في كتابة أشياء، فيكتبها لي بخطِّه ممَّا هي عندي الآن"
3- عرض العلم لا استعراضه وكراهة المدح:
"وكان رحمه اللَّه لا يتكثَّر بعلومه، ولا يتبجَّح بها، ولا يفتخر، ولا يباهي بمعارفه، بل كان يستحيي مِنْ مدحه ويُطرِقُ، ولقد قال له بعضُ طلبته مرة: يا سيدي، إنَّ لك بفتح الباري المنَّةَ على البخاري، فقال له، قصمت ظهري، أو كما قال"
4- التلطف في الرفض عند الانشغال:
"أنَّ بعضَ الفُضلاء التمس منه قراءة كتاب في أصول الفقه، وأظنُّه "شرح جمع الجوامع" له، وكرَّر الطَّلب لذلك، فصار شيخُنا يُبدي له أعذارًا، كان مِنْ جملتها: جهدي أتفرَّغُ لإلقاء العلم الذي يُقال إنَّني أعرفه. ونحوه كما تقدم أيضًا قوله في فن القراءات: بضاعتي في هذا الفن مزجاة. هذا مع كونه أستاذًا في كل فنٍّ بحُسْنِ ذكائه. وأما في الحديث فهُناك تخضعُ له الرِّقاب، لكنه أراد مزيدَ التواضع. وفي الواقع أن أوقاته كانت تضيق عَنْ ذلك" .
5- التواضع وهضم النفس:
"ونحو ذلك أنَّه لمَّا أملى بالكاملية، ثم انتقل منها إلى البيبرسيّة -كما أسلفتُه- لقيه ناصر الدين محمد بن عمر الشَّيخي نزيل الكاملية وصهر ناظرها، فقال له: يا سيدي، أوحشت الكامليَّة، فأجابه بقوله: الكاملية مشتقَّةٌ مِنَ الكمال، يعني: ولستُ كاملًا"
6- الثناء على الطلاب وتشجيعهم ورفع أقدارهم:
"ومن تواضعه أيضًا: أنَّه لم يكن يذكر أحدًا مِنْ طلبته ولو صَغُرَ إلا بصاحبنا فلان. وما كنت أظنُّه يقصِدُ مع التواضع بذلك إلا التَّنويه بذكرهم. ولعمري لقد انتفع جماعةٌ مِنْ طلبته وغيرها بتربيتهم والثناء عليهم"
7- القرب منهم والتلطف معهم:
"وأما لطائفه وملاطفته للطلبة والإحسان إليهم، فلا تكاد تُوصف، وقد كنتُ أسمع به وبأوصافه، فلما شاهدته رأيتُه فوق ذلك"
هكذا يربي أهل العلم الأسوياء من حولهم، يريدونهم قادة لا أتباعًا، أما من أهان تلاميذه وترفع عنهم بدعوى الحزم والتربية والمصلحة والمهابة والسمت فما أبعده عن الهدى.
اللهم أدّبنا واجزِ أشياخنا وأصحابنا عنا خيرًا
————-
هذه مقتطفات من ترجمة الحافظ ابن حجر التي سطرها تلميذه السخاوي في الجواهر والدرر (3/ 23-29)، آثرت نقلها كما هي مع وضع عناوين:
1- جبر الخواطر
"وأما استجلاب الخواطر، فكلُّ ما ذكرناه مُقتضٍ لذلك مِنَ الحلم والبَذْلِ والشَّفقة والسَّتر، وكفى بها دلالة على حُسْنِ العِشْرة. وطال ما كان ينهرُ أتباعه بسبب مقته بعض الطَّلبة، لظنِّه أنَّ ذلك يرضيه، وربَّما قال له: اخرج أنت ودعه. إلى غير ذلك مما يكتفي بدونه مِنْ مثله في علوِّ مقداره، وطال ما كان يخُصُّ مَنْ يفهم عنه بعضَ جفاء بمزيد الإقبال، بحيث لا يفارقه إلا وهو في غاية الحمد والاغتباط، فمنهم مَنْ يستمرُّ على المودَّة، ومنهم مَنْ يغلِبُ عليه الحسَدُ"
2- الوقوف معهم بعد الدرس:
"وكان عند إرادة دخول بيته عَقِبَ الدَّرس أو غيره، يقفُ مع مَنْ يقصدُ الاجتماع به -ولو لم يكن بذاك- نحو ساعة أو أكثر، بحيث يمل أتباعه وهو واقف، لا يُفارقه حتى يكون هو المفارق له.
ولقد كنت واللَّه العظيم أجيءُ إليه، وأنا حينئذٍ في المكتب، فأعارضه وهو يريدُ الدُّخول إلى منزله، فيقف معي ما شاء اللَّه حتى أسأله عَنْ ما أرومُ المسألة عنه مِنْ أحاديث وغيرها، بل ربَّما سألتُه إذ ذاك في كتابة أشياء، فيكتبها لي بخطِّه ممَّا هي عندي الآن"
3- عرض العلم لا استعراضه وكراهة المدح:
"وكان رحمه اللَّه لا يتكثَّر بعلومه، ولا يتبجَّح بها، ولا يفتخر، ولا يباهي بمعارفه، بل كان يستحيي مِنْ مدحه ويُطرِقُ، ولقد قال له بعضُ طلبته مرة: يا سيدي، إنَّ لك بفتح الباري المنَّةَ على البخاري، فقال له، قصمت ظهري، أو كما قال"
4- التلطف في الرفض عند الانشغال:
"أنَّ بعضَ الفُضلاء التمس منه قراءة كتاب في أصول الفقه، وأظنُّه "شرح جمع الجوامع" له، وكرَّر الطَّلب لذلك، فصار شيخُنا يُبدي له أعذارًا، كان مِنْ جملتها: جهدي أتفرَّغُ لإلقاء العلم الذي يُقال إنَّني أعرفه. ونحوه كما تقدم أيضًا قوله في فن القراءات: بضاعتي في هذا الفن مزجاة. هذا مع كونه أستاذًا في كل فنٍّ بحُسْنِ ذكائه. وأما في الحديث فهُناك تخضعُ له الرِّقاب، لكنه أراد مزيدَ التواضع. وفي الواقع أن أوقاته كانت تضيق عَنْ ذلك" .
5- التواضع وهضم النفس:
"ونحو ذلك أنَّه لمَّا أملى بالكاملية، ثم انتقل منها إلى البيبرسيّة -كما أسلفتُه- لقيه ناصر الدين محمد بن عمر الشَّيخي نزيل الكاملية وصهر ناظرها، فقال له: يا سيدي، أوحشت الكامليَّة، فأجابه بقوله: الكاملية مشتقَّةٌ مِنَ الكمال، يعني: ولستُ كاملًا"
6- الثناء على الطلاب وتشجيعهم ورفع أقدارهم:
"ومن تواضعه أيضًا: أنَّه لم يكن يذكر أحدًا مِنْ طلبته ولو صَغُرَ إلا بصاحبنا فلان. وما كنت أظنُّه يقصِدُ مع التواضع بذلك إلا التَّنويه بذكرهم. ولعمري لقد انتفع جماعةٌ مِنْ طلبته وغيرها بتربيتهم والثناء عليهم"
7- القرب منهم والتلطف معهم:
"وأما لطائفه وملاطفته للطلبة والإحسان إليهم، فلا تكاد تُوصف، وقد كنتُ أسمع به وبأوصافه، فلما شاهدته رأيتُه فوق ذلك"
هكذا يربي أهل العلم الأسوياء من حولهم، يريدونهم قادة لا أتباعًا، أما من أهان تلاميذه وترفع عنهم بدعوى الحزم والتربية والمصلحة والمهابة والسمت فما أبعده عن الهدى.
اللهم أدّبنا واجزِ أشياخنا وأصحابنا عنا خيرًا
لطلاب المرحلة التخصصية في مساق؛ هذا النص الذي قرأته آخر الجلسة
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2184355708265553&id=100000734343469
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=2184355708265553&id=100000734343469
Facebook
Log in or sign up to view
See posts, photos and more on Facebook.
محاضرة ألقيتها اليوم في منصة حوار التابعة لمدرسة الحديث العراقية
"جماليات الفقه وتثبيت اليقين"
https://youtu.be/gwaMHyh2D0A
"جماليات الفقه وتثبيت اليقين"
https://youtu.be/gwaMHyh2D0A
YouTube
جمـاليــات الـفـقــه وتعــزيــز الــيقــيــن - الأستاذ بـدر آل مرعي
●─── • محــاضرة بعنــوان • ───●
❖ جمـاليــات الـفـقــه وتعــزيــز الــيقــيــن ❖
للأستاذ بـدر آل مرعي -مدير أكاديمية مساق-
* من أنشطة منصة حوار العراقية التابعة ملدرسة الحديث العراقية
❖ جمـاليــات الـفـقــه وتعــزيــز الــيقــيــن ❖
للأستاذ بـدر آل مرعي -مدير أكاديمية مساق-
* من أنشطة منصة حوار العراقية التابعة ملدرسة الحديث العراقية
بابٌ في المؤالفة:
———————
نحن لا نحُب من يشبهنا، ولا نحب من يختلف عنا، نحن نحب من يُشعرنا بكمالنا؛ هناك قدرٌ لذيذ من النقص نحبه فيمن أمامنا، ألا ترى البشر تمتدح بحة الصوت؛ وهي رتبة وسطى بين القوة التامة والضعف، وألا تراهم يمتدحون العين الناعسة؛ وهي في مرحلة بين البحلقة وبين الإغماض، ويحبون المشي المدلل؛ وهو سمتُ في الحركة ينتصف المشي النشط والإقعاد.
هذا الضعف البشري يصبغ مشاعرنا بالألفة، فالكمال التام يشعرنا بالمهابة، والضعف التام يُشعرنا بالرحمة، أما المنطقة الوسطى فهي منطقة دافئة تُشعر بالألفة والارتياح.
وقد جُبل البشر على الوحشة من الآلة المؤنسنة والإنسان المؤلل؛ لأننا نؤمن أنه كتب على ابن آدم حظه من ارتخاء الجد، فإذا لم يظهر ذلك أمامنا، فلربما كان في خلوته متطرفًا في أخذ حظه لغياب الرقيب؛ وهذا ليس تعميمًا.
نُحب من يضحك ويحزن ويملّ وينشط ويكسل؛ نرى أنفسنا فيهم، كأنهم بفتح باب طبيعتهم البشري أمامنا يدعوننا للاقتراب والدخول، أما أصحاب الجدّ الحجري فيصلحون للعرض تماثيل في المتحف لا أكثر.
———————
نحن لا نحُب من يشبهنا، ولا نحب من يختلف عنا، نحن نحب من يُشعرنا بكمالنا؛ هناك قدرٌ لذيذ من النقص نحبه فيمن أمامنا، ألا ترى البشر تمتدح بحة الصوت؛ وهي رتبة وسطى بين القوة التامة والضعف، وألا تراهم يمتدحون العين الناعسة؛ وهي في مرحلة بين البحلقة وبين الإغماض، ويحبون المشي المدلل؛ وهو سمتُ في الحركة ينتصف المشي النشط والإقعاد.
هذا الضعف البشري يصبغ مشاعرنا بالألفة، فالكمال التام يشعرنا بالمهابة، والضعف التام يُشعرنا بالرحمة، أما المنطقة الوسطى فهي منطقة دافئة تُشعر بالألفة والارتياح.
وقد جُبل البشر على الوحشة من الآلة المؤنسنة والإنسان المؤلل؛ لأننا نؤمن أنه كتب على ابن آدم حظه من ارتخاء الجد، فإذا لم يظهر ذلك أمامنا، فلربما كان في خلوته متطرفًا في أخذ حظه لغياب الرقيب؛ وهذا ليس تعميمًا.
نُحب من يضحك ويحزن ويملّ وينشط ويكسل؛ نرى أنفسنا فيهم، كأنهم بفتح باب طبيعتهم البشري أمامنا يدعوننا للاقتراب والدخول، أما أصحاب الجدّ الحجري فيصلحون للعرض تماثيل في المتحف لا أكثر.
بابٌ في فقه المسافات:
—————————-
ثبت عن جمع من الصحابة والتابعين قولهم: "أزهد الناس بعالم أهله" [1]
ورد في تفسير أهله هنا أنهم الأبناء [2]، وورد أنهم الجيران [3]، والمعنى شامل لكل من اقترب نسبًا أو سببًا.
من المعاني الخفيّة هنا أن الإنسان يعظّم حقّ نفسه أكثر من حق غيره، فالجار والابن وغيرهما يريدان حظهما منك من معيشة وحقوق؛ فإن قصّرت بها لم يحفلوا بحقك في التوقير ومعرفة المقام، بينما البعيد يأتيك لعلمك، وهو حظه منك، فيكون توقيره لحظه متسقًا مع معرفة مقامك.
ومن الأوجه أيضًا؛ أن النفس تزهد في المتاح، وهذا أمرٌ تصدّقه حوادث الأيام، وعادات الأنام، فالنفس تزهد في القريب الذي ضمنت، وتضعه في جيبها، وتحرص على التمسك بالبعيد خشية عوارض الحجب، وهذه الآفة سرّ أراه في معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" [4]
فالمتواضع سيلقى شعبة من خفض المقام؛ فناسب أن يكون جزاؤه رفعة، جريًا على سمت الشريعة في " إنك لن تدع شيئًا لله إلا أبدلك الله به ما هو خير لك" [5]، ولو كان هذا المتروك متمثلًا في جاه وأبّهة ورسوم علم.
ومن محكات المروءة عندي أن ترى اقتراب الفاضل منك نعمة تستحقّ أن تكافئه عليها بمزيد توقير، وآية السفيه أن يزداد مع البعد اقترابًا، ومع القرب ابتعادًا، فتصير عاقبة أمر التبسط له كسرًا لحدودك، واستحلالًا لحمى روحك، واستقصارًا لحائطك.
ومع ذا لا يحسن بمن أخلص لله أن يخاصم في حقه، ولا أن يمنّ على من حوله، هي أشياء لا تُطلب، ولا تُشترى، وقد أشار ابن القيم لهذا المعنى ورواه عن شيخه فقال:
"وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: العارف لا يرى له على أحد حقًّا، ولا يشهد على غيره فضلًا، ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب" [6]
وهذه مرتبة شريفة لا يلقاها إلا الذين روضوا أنفسهم بمعاني العلم، وكان الإخلاص مبتدأ قصدهم، وميزان فعلهم؛ ولفقه المسافات مباحث وذيول.
—-————
[1] سنن الدارمي (1/477)، والعلم لزهير بن حرب ص23، وحامع بيان العلم (2/51)، والجامع للخطيب البغدادي (2/304)
[2]انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (41/101)
[3] شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين ص55
[4] مسلم 2588
[5] مسند أحمد (5/ 363)
[6] مدارج السالكين (1/519)
—————————-
ثبت عن جمع من الصحابة والتابعين قولهم: "أزهد الناس بعالم أهله" [1]
ورد في تفسير أهله هنا أنهم الأبناء [2]، وورد أنهم الجيران [3]، والمعنى شامل لكل من اقترب نسبًا أو سببًا.
من المعاني الخفيّة هنا أن الإنسان يعظّم حقّ نفسه أكثر من حق غيره، فالجار والابن وغيرهما يريدان حظهما منك من معيشة وحقوق؛ فإن قصّرت بها لم يحفلوا بحقك في التوقير ومعرفة المقام، بينما البعيد يأتيك لعلمك، وهو حظه منك، فيكون توقيره لحظه متسقًا مع معرفة مقامك.
ومن الأوجه أيضًا؛ أن النفس تزهد في المتاح، وهذا أمرٌ تصدّقه حوادث الأيام، وعادات الأنام، فالنفس تزهد في القريب الذي ضمنت، وتضعه في جيبها، وتحرص على التمسك بالبعيد خشية عوارض الحجب، وهذه الآفة سرّ أراه في معنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله" [4]
فالمتواضع سيلقى شعبة من خفض المقام؛ فناسب أن يكون جزاؤه رفعة، جريًا على سمت الشريعة في " إنك لن تدع شيئًا لله إلا أبدلك الله به ما هو خير لك" [5]، ولو كان هذا المتروك متمثلًا في جاه وأبّهة ورسوم علم.
ومن محكات المروءة عندي أن ترى اقتراب الفاضل منك نعمة تستحقّ أن تكافئه عليها بمزيد توقير، وآية السفيه أن يزداد مع البعد اقترابًا، ومع القرب ابتعادًا، فتصير عاقبة أمر التبسط له كسرًا لحدودك، واستحلالًا لحمى روحك، واستقصارًا لحائطك.
ومع ذا لا يحسن بمن أخلص لله أن يخاصم في حقه، ولا أن يمنّ على من حوله، هي أشياء لا تُطلب، ولا تُشترى، وقد أشار ابن القيم لهذا المعنى ورواه عن شيخه فقال:
"وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: العارف لا يرى له على أحد حقًّا، ولا يشهد على غيره فضلًا، ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب" [6]
وهذه مرتبة شريفة لا يلقاها إلا الذين روضوا أنفسهم بمعاني العلم، وكان الإخلاص مبتدأ قصدهم، وميزان فعلهم؛ ولفقه المسافات مباحث وذيول.
—-————
[1] سنن الدارمي (1/477)، والعلم لزهير بن حرب ص23، وحامع بيان العلم (2/51)، والجامع للخطيب البغدادي (2/304)
[2]انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (41/101)
[3] شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين ص55
[4] مسلم 2588
[5] مسند أحمد (5/ 363)
[6] مدارج السالكين (1/519)