قناة بدر آل مرعي
52.6K subscribers
69 photos
9 videos
22 files
82 links
البريد الإلكتروني

Badrth27@gmail.com

غالبًا أتأخر في الرد لانشغالي.
Download Telegram
المشكلات تحت المجهر:
——————————

أعلمُ أنك ممسك بهاتفك الآن هربًا من التفكير بأمر أقلقك؛ لن أبيع عليك كلامًا إنشائيًا اعتاده أهل التنمية البشرية، لكن اسمع من أخيك.
في تعاطيك للمشكلات عليك تحديد أسلوب التعاطي:
1- مشكلات لا يصلحها إلا المواجهة.
2- مشكلات لا يهدئها إلا الترحيل والتأجيل.
3- مشكلات لا يصلح حالنا معها إلا الرضا والتأقلم.
لا يمكن أن تكون حكيمًا في حياتك مادمتَ تعامل كل المشكلات بنفس الأداة؛ لو واجهت كل شيء فستزيد آلامك، وتستنزف قدراتك، وتتضاعف متاعبك، ولو رحّلت كل شيء فستعيش جبانًا، تزداد فاتورة الحسم كلما أخرت الحل؛ وأنت تشتري راحة اللحظة بألم العاقبة، ولو تأقلمت مع كل شيء فستعيش لغيرك؛ حق لأيامك أن تحسب من أعمارهم لا من عمرك.
حين تدهمك مشكلة غيّر طريقة تفكيرك؛ من "كم ستبقى" إلى "ما الذي ستبقيه مني"، فالمشاكل لا تدوم، وأستطيع رصف كلمات كثيرة حول معنى أن البلاء عابر، وثبات الأحوال من المحال؛ لن يتغير شيء، فهذا أمر تعلمه، الذي ينبغي علينا حال البلاء تذكره: أعلم أن البؤس لا يبقى؛ لكن ما الذي سيبقيه مني؟
هل سأفيق بعد المعافاة وقد فقدت أصدقائي؟ أهلي؟ نفسي؟ هل خسرت جزءًا من ديني؟ هل خنتُ بعض مبادئي؟ هل مارستُ حلولًا لا تشبهني؟ هل عوفيت من بلاء أفسد دنياي لأقع في بلاء يفسد آخرتي؟
هنا وهنا فقط يكمن الاتزان في فهم مؤذيات الحياة.
هذه كتائب الشتاء تطرق الأبواب، تأملتُ في سورة النعم "النحل" فوجدتُ أن الدفء من النعم التي امتن الله بها على عباده بتفاصيل تأخذ بمجاميع القلوب.
تأمل معي المدفئات التي امتنّ الله علينا في سورة النحل وحدها؛ وكلها مرتبطة بالأنعام فقط:

1- الأكل في سياق الدفء :
"والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون"
فالطاقة التي يمنحها الأكل ابتداء، وأثرها على دفء الجسد، ثم ما لبعض الأنواع المخصوصة من أثر إضافي للدفء كالمرق والحليب ومردّها للأنعام.

2- - سكن البيوت ودفأها:
"والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا"
والسكن لا يستتم إلا بسكون النفس؛ والدفء من أسباب سكن النفوس في البيوت.

3- الأثاث:
"ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا"
فالأصواف والأوبار والأشعار مما يستخدمه الإنسان للدفء، ومنه اللحف التي ترق وتثقل بحسب المكان ودرجة حرارته.

4-- اللباس:
"وسرابيل تقيكم الحر"
ولم يذكر البرد لأن ما يقي الحر يقي البرد، وهذا الحذف لما عُلم من أساليب القرآن المتقررة، والسرابيل: القمُص والملابس من الصوف والكتان وسائر الأقمشة، ومنه ما تفنن به ابن آدم من صناعة لباس يقي برد القدم، والصدر، والرأس، وغيرها.

ثم أعقب هذه النعم بقوله سبحانه:
"كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون"
إي والله أتمها، فيسّر الطعام، والبيوت، والأثاث، واللباس، وقد قرأ ابن عباس: "لعلكم تسلمون": بفتح التاء؛ فيكون المعنى: لعلكم تسلمون من الآثار.
وعلى قراءة الجمهور "لعلكم تُسلمون" أي تنقادون وتخضعون لمن أولاكم هذه النعم.

اللهم عرّفنا نعمك بوجودها لا بزوالها، واجبر من ضاق حاله في المخيمات وضعفاء الحال من سائر المسلمين.
من المعاني التي أحاول التلطف في إيصالها عند كل حديث ذي صلة؛ أن الفقه ليس مجرد نتائج، وأن تصحيح العبادات ليس غرض تعلمه الوحيد، وأن فكرة التمذهب -الذي أراه مفخرة- تحتاج إلى تشريح وبسطٍ وتحليل.
للفقه كنوز منهجية، تؤثر في التفكير، وتضبط المسير من الانزلاق في وحل الانحراف؛ ولا أبعد إن قلت: أن أولى الناس بالتماس المؤثر مع الفكر المعاصر هم الفقهاء؛ لما عندهم من أدوات معيارية، ومخزون فروعي يحمل في طياته إعمالًا للغة والتاريخ؛ لكن -وهنا قيدٌ مهم- حين يكون المرء فقيه حياة؛ قد خالطت قوى الفقه البرهانية والجمالية أجزاء يومه.
حين أرى الساحة تعجّ بالمتصدرين للشأن الفكري الإسلامي أجد معظمهم قادمًا من خلفية عقدية؛ وهذا حسن مبارك، لكن الفقيه الذي يملك في جَعبته أصولًا وقواعد وتخريجات ونوازل ومقاصد ويتقلب في كتب الفقه تعليمًا وتعبدًا وقضاءً= بإمكانه تشييد نسق فكري باهر في النظر للنصوص وتطبيقاتها.
تأمل معي هذا النص للمستشار الدكتور طارق البشري؛ يحكي أن الفقه حين يتحالف مع العقل الذكي المتدبر فإنهما يكوّنان حصانة منهجية من الشبهات:
يقول:
"أنا لا أريد أن أتحدث عن نفسي، سيما إن كان حديثًا مکررًا، ولكنني مضطر في هذا السياق لأن أشير إلى أني کنت علمانيًا في فترة من فترات عمري، وأني أنظر إليها الآن كما لو كانت فترة قضيتها في "الخارج"، ثم عدت منها إلى بلدي وناسي. وأن محصلة هذه البعثة الخارجية عندي الأن أني عرفت كيف يفكر العلماني من داخل فكره وثقافته، ومن مؤدى سياقه الذاتي، وما هي لغته الثقافية التي يمكن أن أشير بها إليه عند اللزوم؛ وذلك
لإيجاد سبل التفاهم المتبادل فيها يمكن أن يوجد من مجال مشترك، وهو مجال ليس بالقليل فيما أظن وفيما أتمنى.
وفي خلال تلك الفترة، كان الفقه الإسلامي يشكل عندي ما يكاد يكون أهم منبع للتفهم المنهجي لعملي المهني والفكري والقانوني، وذلك بما يحويه الفقه الإسلامي وأصوله المنهجية من منطق واستقامة وصراط وأسلوب تفكير، يكفل إعمال النصوص بمرونه هائلة، وبانضباط هائل في الوقت ذاته، وبمنهج في التفسير علمي منطقي، وإعمال النصوص وأحكامها الثابتة على الوقائع المتغيرة بمرونة وضبط.
وهذا ما كان يفعله السابقون لي من رجال القضاء والإفتاء، والمعاصرين معي. فنحن رجال القانون لم نعرف مثل أصول الفقه مصدرًا منهجيًا، بکمال هذا الضبط، ومنقذًا من الضلال، والتفسير حتى للقوانين الوضعية" [1]

حبذا لو استطعنا إدخال إشارات لهذا المعنى في الدرس الفقهي المعاصر، أحسب أنه سيكون خيرًا عظيمًا.

—————-
[1] نحو إسلامية المعرفة -في الفكر السياسي المعاصر- ص23
بكم الجاكيت؟
——————-

ندخل سوقًا للملابس، تعجبنا قطعة، نسأل عن سعرها فتبدو فوق قدراتنا، نتظاهر بالحيرة بين عدد من الخيارات ثم ننسحب بقولنا: "سأذهب للمحل الآخر وربما أعود".
هذا المشهد تكرر لنا جميعًا، ولا أظنّ أحدًا منّا إلا صنعه مرة في حياته على الأقل.
نعترف أن التظاهر بالحيرة أسهل من الاعتراف بعدم الرغبة/القدرة هلى دفع الثمن.
من يتأمل في كثير من أحوالنا يجد أننا نمارس نفس حيلة "الجاكيت الغالي" ولكن بمستويات مختلفة؛ نعلم أن الحق في المسألة كذا، لكنه يحتاج ثمنًا لا نريد دفعه، فنتظاهر بالحيرة بين أقوال الفقهاء، ثم ننسحب إلى أهوائنا.
نعلم أن طريق العفة له ثمن، نتهرب من دفعه، ثم نتأول بأن الخيارات الكثيرة هي السبب؛ لا نحن.
نعلم أن البرامج العلمية تحتاج ثمنًا من وقتك وجهدك واستعانتك بالله، لكننا نختار القول بأننا محتارون بين هذا البرنامج وذاك، وتلك الطبعة وتاك، حتى نقنع ضمائرنا أن الخلل في الخيارات لا فينا.
حين تكون صادقًا مع نفسك ستقول لها في لحظة مكاشفة: هذا أمر لا أريد دفع ثمنه، أو لا أستطيع الآن، ولا أتظاهر بأن الحق لم يتبين لي، أو أن الخطابات الدينية المتباينة قادتك للانحلال الذي نراه فيك، أو أن سماعك لأقوال فقهية جديدة هي سبب ضعف تدينك حتى في المجمع عليه من العبادات؛ أرجوك قل لصاحب المحل بصدق: سأعدّ نفسي، وبضاعتك تستحق، وسآتي لدفع الثمن بطيب نفس لآخذ الثمرة.
الثعلب المعمم:
———————

للحافظ ابن دقيق العيد -رحمه الله- لفتات ذكية، يأنس بها محبو الصناعة الفقهية، وهو فقيه تورث القراءة له بصرًا وملكة؛ تعرض مرة لحديث "المسيء صلاته"، ناقش مسألة حصر الواجبات بالمذكور في الحديث؛ ثم طرأ له اعتراض ماذا لو وُجد مكوّن بصيغة الأمر في حديث آخر؛ هل يقدم صيغة الأمر فيدخلها في واجبات الصلاة؟ أم تنحصر الواجبات بما ذُكر في الحديث؟
ثم ذكر وصايا منهجية لطالب التحقيق؛ بدأها بجمع طرق الحديث ثم النظر، وثناها بشرح حالة ما لو قام دليل على أحد أمرين إما بالوجوب أو عدمه، وثلث بوصية غالية أنقلها بنصها:
" أن يستمر على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر فيتثعلب نظره" [1]
أرأيتم جمال الوصف؟ يقول أن الذي لا يطّرد على قانون واحد في الاستدلال "يتثعلب" نظره؛ وهذا تشبيه بديع بروغان الثعلب، أعاذنا الله من هذه المسالك.
الذي لا يحسن الأصول يتثعلب نظره، والذي يتبع أهواء السلطات الجماهيرية والسياسية يتثعلب نظره، وكم جرّ هذا التثعلب في الاستدلال من ضلالات وانحرافات.

—————
[1] إحكام الأحكام شرح أحاديث الأحكام (1/ 258- 259)
مما أستملحه من عبارات الشيخ الدكتور محمد الحمد -وبها نَفَس أصولي-:
" وخلاصة القول أنه: لا بأس أن تكون مقلدًا في الحبّ، أما في البغض فلا يحسن بك إلا أن تكون مجتهدًا مطلقًا" [1]
وهذه قاعدة حسنة؛ لا يعيبك أن تحب من توارد الناس على حبه، دون مزيد تفتيش، ما دام الأمر قلبيًا لا يتعداه.
أما في البغض فلا يحسن بك أن تكره إذا كره الناس حتى تقف على شيء يدعو لهذا، فالتقليد في الحب أخذ بأصل محبة المسلم، ولا يخرج منه إلا بيقين أو قريبه.
وأقبح من حالات التقليد في البغض أن تكون محكمًا لإحساسك؛ وتصرّح بأنك لم ترتح له يومًا، ما دام بينك وبين نفسك فلا بأس -وكلنا نصنعه-، لكن أن يتعدى ذلك للتصريح؛ فإحساسك -يامحور الكون- ليس دليلًا، ولا يأمن أحدنا هذا الحكم القلبي أهو إلهام رباني، أم وسوسة شيطانية، أم حديث نفس تمكنت منها الظنون السيئة؛ فلنخفف من تحكيم مشاعرنا وكأنا نُلقّى الوحي بكرة وعشيًا.

—————
[1] ارتسامات ص97
"سنفور غضبان" شخصية تتمثل أمامنا في وسائل التواصل، تراه يحمل جهاز "قراءة الباركود" عند كل ظاهرة؛ ليقول: أنا أعترض؛ وقد كان سيد الحكماء صلى الله عليه وآله وسلم يمشي بمسلك: "عرّف بعضه وأعرض عن بعض".
هذا الإعراض عن بعض المطروح ليس من قبيل الإقرار؛ فلا تتحفز لإبداء رأيك في كل شيء، ثمّة منزلة اسمها "المسكوت عنه"؛ وهي موضع ما لا حكم له في الشرع قصدًا لانعدام النص أصالة أو سكوتًا، مفهوم أبدع الشاطبي في الموافقات في تحريره وربطه وتفصيله. [1]
أوَكلما ظهرت موضة إلكترونية -تأخذ يومًا أو يومين ثم تنطفئ- خرج لنا من يفصل ويعترض ويظهر لوازم لا تلزم؛ بعض الأشياء لا تحريم فيها، وأحكم المواقف أن تجعلها في منطقة "المسكوت عنه"؛ لا تشرعنها ولا ترفضها، هكذا هي.
حتى في تربيتك لمن حولك؛ لا تبدِ رأيك في كل شيء، فالتنبيه على كل تفصيل يُذهب بهاء كلمتك، ولا يجعل لها وزنًا.

——-
[1] الموافقات عند حديثه عن مرتبة العفو (1/115) وما بعدها.
ما أسعد المتأمل بما يورثه فيه تدارس الفقه من بصر وحكمة في الحياة؛ القاعدة التي خرجت بها في حياتي أني ما ألزمتُ نفسي بما ليس لازمًا في لحظة خفة إلا ثقل الأمر علي، وكان إتمامه صك نجاة لا شهادة إنجاز.
وهذا نراه في حكم النذر؛ ففي المذهب أنه على الكراهة [1]، وأن الوفاء به واجب يثاب عليه، وعدم الوفاء به محرم؛ فلو ألزم إنسان نفسه بنذر أن يتلو كل يوم خمسة أجزاء؛ لكان واقعًا في كراهة النذر، مثابًا على التلاوة من جهة الإتيان بالواجب، ومن جهة الأجر المتحقق للتالي.
ولو أن المسلم تلا خمسة أجزاء -دون نذر- لسلم من الكراهة؛ ففي الحديث "أولم ينهوا عن النذر" [2]
هذا دين عظيم؛ لو كان المقصود النتيجة فقط لكان في النذر مزيد إلزام للمتراخي، وما لا يتم الحسن إلا به فهو حسن؛ هكذا لو لم نتدبر.
وكذا الأمر في الدَّين؛ فالتحذير النبوي الشديد لمن يقترض دون حاجة ونية سداد، قال صلى عليه وآله وسلم يومًا "صلوا على صاحبكم فإن عليه دينًا"[3]، فهو مكروه تنزع الشريعة للتخلص منه؛ حتى حين يموت المسلم ويكون في ماله حقان واجبان؛ وصية ودَين؛ يقدم الدّين تخلصًا منه[4]، مع وجوب تنفيذهما.
وقد أشار الفقهاء لمسألة الوعد في المعاملات؛ هل يلزم الوفاء بها ديانة أو قضاء؟ أو هما معًا؟ [5]
ثلاث مسائل -النذر والدين والوعد- تقول لك في حياتك: لا تلزم نفسك بما ليس لازمًا، فإن ألزمت نفسك فلا تتهرب؛ ومن تبصّر في أحوالنا -نحن البشر- وجد أنا نفرح بالعطاء الذي يأتي بلا مناسبة، ولا إلزام ماطل فيه صاحبه؛ هذه تربية وتهذيب لكل من يطلق الوعود وقت فرحه أن يكون واقعيًا منضبط المشاعر.
حتى حين تلزم نفسي بأمر على سبيل الدوام ستذهب بهجته، فلو أنك عوّدت أحدًا أن تعطيه كوب ماء كل صباح، وحسسته بأنك ملزم به -بأي نوع إلزام-؛ سيشكرك المرة الأولى، ثم الثانية، فإذا غبت الثالثة سيشتكيك للناس ويهجوك بأنك سبب عطشه!

————
[1] كشاف القناع (6/ 273)، المطالب (6/ 421)
[2]رواه البخاري 6692
[3] رواه الترمذي 1069 والنسائي 1960
[4]المبدع للبرهان ابن مفلح (5/ 305)
[5]كشاف القناع (6/ 279) وغيره
يحسن كثير من إخواني الظنّ فيبحثون عن مشورة اجتماعية لمشكلة معينة، حين أجيب أني لا أحسن هذا الباب تبدو علائم التعجب في الظهور.
باب الاستشارات الاجتماعية بابٌ خطير لا أعلم سر التهاون فيه، ولا أستسيغ هذا التقحم والجزم في مواطن الاحتمال ودون حتى أدنى استفصال؛ بعض من تصدر لهذا الملف لا تبرأ الذمة باستفتائه في أمور الأسرة والخيارات الحياتية؛ وليس الجميع.
رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : "من تطبَّب ولم يُعلم منه طِبٌ فهو ضامن" [1]
والحديث مع ما فيه من مغامز إسنادية إلا أن العمل عليه عند الفقهاء؛ فمن ادعى علمه بشيء وهو خليّ منه وأتلف فهو ضامن للأثر الحاصل دنيا وآخرة.
هذا الأمر يدفعني للتفكر؛ الكلمة في الإسلام لها وزنها، ندخل في دين الله بكلمة، ويخرج منه البعيد بكلمة، نرتبط بكلمة، ينفصل آخرون بكلمة، هذه المسؤولية اللفظية توجب على الإنسان يقظة في منطوقه.
تخيل معي أن أبناء أقاربك اجتمعوا وكانوا يرسمون، أتوا عندك وجعلوك حكمًا في أجمل رسمة أو أجمل خط؛ كلنا نتهاون في الأمر؛ اسمع ما يقوله الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه الحالة وينقلها عن الصحابة:
"فالقاضي اسم لكل من حكم بين اثنين، سواء سمي خليفة أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له، حتى من يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا. هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ظاهر" [2]
سماهم قضاة، ولو كانوا في مجال تحكيم مسابقة لأطفال.
وبتركيب الأمرين؛ كل من ادعى معرفة بشيء ولم يكن كذلك فهو ضامن لما أفسد، حتى ولو كان أمرًا نتهاون هينًا كالحكم بين خطوط الصبيان.
فعلى المستشار في هذه المواقع مسؤولية عظيمة، وهو مفتٍ يجري عليه ما يجري على المفتي من نصوص التحذير من التهاون من القول بلا علم؛ وكم من كلمة خببت بين اثنين، أو أفسدت بيوتًا وملأتها بالضغائن، أو جرّأت قومًا على محارم ما كانوا يستحلونها.
وإني أقول لكل كريم حسن الظن بأخيه؛ أني لا أحسن هذه الأمور، ومقامي فيها أن أتعلم لا أُعلم، فلا دراستي في هذا المجال، ولا سني يسمح بادعاء خبرات في هذا الباب، فهو ملف لا أحسنه؛ وليتني ألزم ما أدعي معرفته -وهو قليل- ويتوفاني الله متعلمًا أعترف بنقصي في أكثر أبواب العلم.

————
[1] أخرجه أبـو داود 4576، وابن ماجه 3466، والنّسائي ( 4845، 4846) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي إسناده: الوليد بن مسلم، وابن جريج، وحسنه بعض المتأخرين؛ ولابن القيم كلام حسن في شرح الحديث انظره في زاد المعاد (4/ 127) وما بعدها.
[2] السياسة الشرعية لابن تيمية، ت: د/ علي العمران، ص19
قال الشيخ أبو حامد الغزالي -رحمه الله- في سياق نقده لبعض أعمال المتدينين والمتصوفة:
"وفرق أخرى حرصت على النوافل، ولم تعتن بالفرائض، فترى أحدهم يفرح بصلاة الضحى وصلاة الليل، ولا يجد للفريضة لذة" [1]
وهذه لفتة دالة على فقهه؛ فالذي يفرح بالنوافل مع إهماله للفرائض ما عرف حقيقة التعبد، ولا فقه رتب الأعمال، ثم إن في الفرح بالنوافل أكثر من الفرائض علائم على خلل قلبي في وظيفة العبودية.

———
[1] إحياء علوم الدين (3/ 403)
الفقيه الحق متأمل أولًا، فنان أذهان لا فنان أعيان، يقف لينظر بنصف عين مركزة، يجمع الأحداث على لوحة الصورة الكاملة، ينظر للعلائق، يقيس المؤثرات، ثم يصوغ النتيجة، ويختبرها، ثم يأخذ خطوة للوراء ليرى الصورة كاملة مع المقاصد، يضيف ضابطًا هنا، وقيدًا هناك؛ كأنه رسام يخفف لونًا أو يضيف ظلًا، يخالط الواقع بكفين ملطختين بطباع الناس وعاداتهم؛ فيخرج بتقرير هو ألذ في عينيه من أجمل مناظر الدنيا.
الفقه تأمل، ودرك للعلائق، ومعرفة لقوى الأدلة، لذا طربت -ولم أعجب -حين قرأت ما حكاه الإمام القرافي -الفقيه المالكي الذكي- عن نفسه؛ في شرحه للمحصول الذي سماه "نفائس الأصول" كان يشرح مباحث اللغات وماهية الكلام ثم سرد قصة شخصية يبين فيها ماهية الكلام وهل يفتقر للحياة، ويبين فيها لنا أن الذكاء الفقهي كامن في ملاحظة العلائق وربط الحقائق؛ يقول:
"وكذلك بلغني أن الملك الكامل وضع له شمعدان، كلما مضى من الليل ساعة انفتح باب منه، وخرج منه شخص يقف في خدمة السلطان، فإذا انقضت عشر ساعات طلع شخص على أعلى الشمعدان وقال: "صبح الله السلطان بالسعادة" فيعلم أن الفجر قد طلع، وعملت أنا هذا الشمعدان وزدت فيه أن الشمعة يتغير لونها في كل ساعة، وفيه أسد تتغير عيناه من السواد الشديد إلى البياض الشديد، ثم إلى الحُمرة الشديدة في كل ساعة لهما لون، فيعرف التنبيه في كل ساعة، وتسقط حصاتان من طائرين، ويدخل شخص، ويخرج شخص غيره، ويغلق باب ويفتح باب، وإذا طلع الفجر طلع شخص على أعلى الشمعدان وإصبعه في أذنه يشير إلى الأذان غير أني عجزت عن صنعة الكلام، وصنعت أيضا صورة حيوان يمشي ويلتفت يمينًا وشمالًا ويصفر ولا يتكلم" [1]

هذه العقلية الفذة التي استطاعت ملاحظة القوى والأجزاء أتت من نَفس متأمل؛ وقد حكى عن نفسه تمتعه بروح التأمل، تخيّل معي هذا النقل الناطق له الدال على تأمل عظيم؛ يقول :
" إشكال عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أورده على الفضلاء والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجد له جوابًا يرضيني، وإلى الآن لم أجده، وقد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرها مما يسره الله علي من الموضوعات في هذا الشأن، وهو..." [2]
عشرون عامًا يتأمل مسألة "أقل الجمع"، ويحاول ربط كلام النحويين بالأصوليين؛ لا عجب من هذا المتأمل أن يخرج لنا هذه الكنوز التي تطرب العقول؛ من أراد الفقه فلا يعجل، وليكن واسع الصدر، دقيق الملاحظة، ينغمس فيه بروح الفنان الذي يوازن ويقارن.

———
[1] نفائس الأصول للقرافي (1/442)
[2] العقد المنظوم في الخصوص والعموم للقرافي (2/ 69- 70)
إلى أصحابي في درس الفقه:

قال ابن شهاب الزهري ليونس بن زيد -رحمهما الله-:

"لا تكابر العلم؛ فإن العلم أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي" [1]

——-
[1] جامع بيان العلم وفضله (1/359)
لمحبي الفقه ممن يحب الشروع في دراسته بطريقة متدرجة:
قبيل رمضان بحول الله ستكون بين أيديكم مادة مكونة من عشرة دروس خفيفة، حقيبة منهجية فقهية تصلح عتبة لولوج الفقه -للحنابلة خاصة-، وسيكون فيها المواضيع التالية:
1- لماذا ندرس الفقه: بواعث التفقه للمسلم في زماننا.
2- ما قصة الفقه؟
3- كيف ندرس الفقه: حديث عن المنهجية والموقف من مفاهيم:
أ- التمذهب
ب- الخلاف
ج- المتون
د- الترجيح.
[4/ 5/ 6/ 7/ 8/ 9]شرح فقهي ميسر لكتاب (فروع الفقه) لابن المبرد الحنبلي، وفيه نركز معًا بحول الله على أربع مهارات:
أ- فك العبارة
ب- تحرير معتمد المذهب في المسألة
ج- التدليل
د- تصوّر المسألة خارج سياق المتن.

10- عدة المتفقّه: وفيه حديث عن العلوم المتصلة بالفقه، وما يحتاجه الفقيه من أدوات.

أسأل الله القبول والنفع.

ملحوظة: أنا أدارس حاليًا هذا مع مجموعة كريمة ووصلنا للدرس الخامس، فيها نقاشات واستثارات للعقول، بعد أن أنتهي منهم أنزل بإذن الله نسخة جديدة مسجلة مع رسوم توضيحية، وباسترسال ودون توقفات.

وإن أمدّ الله في العمر وأذن بذكره؛ أكملتُ التدرج ورقّيت المهارات بحسب المتن ومستوى الدارسين.
من إشكاليات دراسة رتوش العلوم الإنسانية أنها تصيب الباحث الشرعي بما يمكن تسميته "فرط التحليل"، يمرّ على نص هامشي فيخرج عدّة أدواته؛ هذا نص تأسيسي، وباسم الله: هات يا بسط، وتحليل، وتركيب، وتحميل له بما لا تحتمله دلالته، ولا يسعفه سياقه.
هؤلاء قومٌ يربطون النصّ/الإمام التراثي على كرسي العلوم الإنسانية التي درسوها، ويستنطقونه كرهًا، وبسوط الأكاديميا والمنهج؛ فيقوّلونه ما لا يعنيه.

ولفرط التحليل أوجه أخرى؛ لعل الله ييسر بسطها.
جاء في سيرة الفقيه الحنبلي عبدالقادر بن بدران أنه كتب في ختام ديوانه "تسلية اللبيب عن ذكرى الحبيب" :

"هذا آخر ما أتممتُ نظمه في المستشفى، وكتبته بيدي اليسرى، والحمد لله على كل حال" [1]

وكان قد أصيب بالفالج أواخر حياته -رحمه الله-، وشُلّ شقّه الأيمن، ولم يتوقف عن التعلم والتعليم في كل أحواله.
أما من إذا أصابه طائف همّ ناح وتوقف فلا يفلح غالبًا.
———
[1] علامة الشام عبدالقادر بن بدران حياته وآثاره للعجمي ص52
اللهم إنك تعلم أنّا ما رضينا بشوائب العمل، وما عرض علينا عارض إلا جاهدنا في دفعه، لا نعلم على أي وجه انتهى وكيف رُفع لك؟ لا نعلم هل قبلته أم رددته؟ ولكن حسبنا أنك رأيت الجهاد، حسبنا أنك رأيت الجهاد.
من بركات العلم الشرعي أن ترى شخصًا وكأن على كلماته وشيُ نبوة، أو آثار وحي؛ فإذا قاولته بمسألة خارج علمه رأيت رجلًا بسيطًا، متوسط الذكاء؛ تقول في نفسك: هذا الشأن لا يُبلغ إلا بمدد من الله، ولا علاقة له بالمواهب والقوى؛ فاللهم افتح لنا، فإن لم تتفضل بالفتح لم تغنِ عنا عقولنا شيئًا.
أحفظ هذه الأبيات كاسمي، وأهديها لشباب البرامج العلمية الذين يخوضون حروبًا مع اليأس والشهوات والشبهات وهجمة الظروف؛ يقول الجواهري:

أفتيان الحمى سيرفُّ ظلُّ
على جمراتِ هاجرةٍ مَديدُ
سَيُبدلُ منْ صدى نَغَمٍ شقيٍّ   
بِأوتارِ المُنى نَغَمٌ سعيدُ
فإنْ تَكُ أَطْبَقَتْ جُدُرُ الليالي   
فسوفَ يُشَقُّ من فجرٍ عمودُ
وإنْ تَزِدِ الميوعةُ من بنيها     
فأمُّ الضُّرِ والبلوى ولودُ
سينهضُ من صميمِ اليأسِ جيلٌ     
عنيدُ البأْسِ جبَّارٌ عنيدُ
يُقايضُ ما يكونُ بما يُرجّى      
ويَعطِفُ ما يُرادُ لِما يُريدُ