العامريّ
316 subscribers
724 photos
97 videos
45 files
179 links
اللّهمّ أنا لك فلا ترجعني إليّ.
Download Telegram
لا أعلم أحدًا في التَّاريخ نفعَ اللهُ بهِ الأمة بِالحقِّ إلّا وقد نزلَ بهِ ابتِلاءٌ قلّ أو كثُر، الابتلاء بابٌ لابُدَّ أن يدخلهُ كُلَّ صادِق.

عبد العزيز الطّريفي-فك الله أسره-.
في دوامة ومجريات الحياة تأتي عليك أحيانا ما يمكن أن أسميه "لحظات التشكيل وأوقات التشكل" ..
نعم كل مجريات الحياة تشكلنا، لكني أذهب إلى شيء أبعد، تلك اللحظات والمصادفات والواجبات والرغبات والمفاجآت والهوايات التي تحمل في داخلها شيئا جديدا .. شيئا ثمينا لافتا .
أزعم أنها تمر بالجميع ،، لكن هناك من الموفقين العقلاء من يغتنم تلك الأشياء بأقصى ما يمكنه من التلبس والتذوق والهضم والعصر والارتواء !
- حلقة بودكاست.
- مسامرة مع مبدع.
- مقال لا يتكرر كثيرا.
- كتاب يزن أطنانا من المعرفة.
- رحلة قصيرة مليئة بالعجيب من المواقف .
- قروب واتساب من نوع مختلف .
- مدونة في التلجرام، كان ابن القيم سيحتفي بها لو وجدها.

وغيرها وغيرها، مما يمكن أن تشكلنا تشكيلا متفردا .. فقط لو انتبهنا !
في سنن أبي داود وغيره قال صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لأهله"

هذا الحديث خبرٌ بمعنى الأمر، وارتباط الإيمان بالأخلاق لا يخفى في الوحي؛ لكني أشير لمعنى أن الانضباط الأخلاقي يكون في أعلى درجاته عند من يكون لديه ما يخسره، فكيف إذا كان يخشى خسارة الجنة، لذا كان استفتاح سورة الآداب والأخلاق الحجرات خمس مرات بنداء الإيمان (يا أيها الذين آمنوا)؛ فمن لا يبالي بالعاقبة لا ينضبط.
قيل لأبي عبد الله -أحمد بن حنبل-: بأي شيء نستعين على قصر الأمل؟ قال: ما ندري إنما هو توفيق. [١]

هذا جوابٌ من ربّانيٍ عاقل؛ ثَمّ أمور عظيمة لا تُستجلب بحيلة، ولا تحصل بعلمٍ ولا عمل، إنما هي أنوار يبديها الله كيف شاء لمن شاء متى شاء، فسبحانه لا متوجّه إلا إليه، ولا معوّل -في جميع الأمور- إلا عليه.





——-
[١] جامع العلوم والحكم ص٨١٧.
حياكم الله في حسابي الجديد
بسم الله وبعد:
خلق الله الحياة، وخلق فيها جدلية التضاد والتلازم، معيار الحق والباطل، الخطأ والصواب، الليل والنهار، السكينة والقلق، الإيمان والكفر الموت والحياة الانزواء والانبعاث، الخير والشر، الجمال والقبح.
تتجلى هذه الأشياء في كل ما يدب على هذه الأرض ك، وتمتد حركتها في سائر الكون وعالم الوجود، وتتجسد أكثر وأكثر في نوازع النفس البشرية وتفاعلاتها من حيث الاقبال والادبار والإقدام والإحجام، الكرم والبخل، المروءة والنذالة، الوفاء والغدر، هذه أمور ركبها الله في دنيا الناس وهدى الخلق نجديهم فإما العلى وإما السُّفول.. وسبب هذا الخاطر- سلمك الله- زهرة الزّنبق؛ وهي زهرة جميلة مورقة الأشفار، تكون أول أمرها منغلقة معتمة لا يظهر منها شيء، حتى إذا عمدتها في الماء تفتحت أوراقها وانبعثث زهرتها وفاح عبيرها وتزين بها المجلس، وهي على هذا الحال من الزهوّ بالجمال والتبختر به، يخضل إحدى جانبيها وفرع من فروعها في مفارقة نكدية وجدلية مستيقنة من الواقع رددّ صداها الفاروق عمر رضي الله عنه في الزمان الأول:" حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" وها أنت يا صاح، قد انتقلت في هذه التدوينة بين مفارقات متضادة مختلفة في تجلي صادق على هذه الحقيقة وهي بعد ميزان الرب في علياه لهذا الوجود، وآية عظيمة في نوازع ركبها فينا، نقمع ونكبت عيب فطرتها ونشذب ونصقل محاسنها.. وبين هذا وذاك يسير المرء في هذه الدنيا، والسعيد من رام العلى يحاول مجدا أو يموت فيعذرُ..
ليلة الأحد 24 ربيع الخير1448
# عامريات
كتب الشيخ يوسف بن حسن بن عبدالهادي يوم السبت سنة ٨٩٦هـ في كتابه عن سورة الفاتحة:

«قد شاهدتُ أنا من نجاحِ الأمورِ بها أمرًا عظيمًا، فقلَّ حاجةٌ من الحوائجِ تعرضُ لي من الحوائجِ الدنيويّةِ والأخرويّةِ؛ فأقرؤها عليها إلّا قُضِيت ونجحَ أمرُها، وكم من حاجةٍ تعسّرت واستدّت طرقُها وحالت دونها الموانعُ، فقرأتُها لنجاحِها، فقُضِيت وعادت أتمَّ ما كانت.
وكم من أمرٍ تعسَّر، فقرأتُها له، فتقشّعت غيومُه وزالت سُحُبُه وأنارت شموسُه.
وكم من أمرٍ تهيّأ تناولُه، فأنسَتِ المقاديرُ قراءتَها لتناولِه، بعد أن مُدّتِ اليدُ لأخذِه حالتِ الحُجُبُ بينها وبينَه، واختُطِفَ بعد أن توصّل إلى اليدِ، فأصبحَ لا يُرى له أثرٌ ولا يُدرَى كيف ذهب.
وهي سورةٌ عظيمةٌ، فعليك -رحمكَ اللهُ- بالإكثارِ منها على أمورِك، وحوائجِك وأدوائِك، ومهمّاتِك، وكلِّ ما عرضَ لك، وتأملْ ذلك تجدْ منه ما يظهرُ لك».
والمواقف أيضًا بالخواتيم:
———————————

جرَت العادة بذم النّاس، والتفنّن في وصفهم باللؤم والجحود، وأن عاقبة إحسانك المتتابع جحود ونسيان؛ إلى آخر هذه الصورة.
غير أني تأملت في معنى أعانني على حسن الخُلق والاتزان مع من رحل فجأة، أو تغيّر بعد طول ألفة لسبب لا أعرفه، وهو أعمق وأعدل وأقرب للنّبل.
الفكرة أن المواقف أيضًا بالخواتيم، وأن هذه الوحشة سببها موقف ختامي مخيب مني، والخواتيم آخر العهد وأيسر للتذكر، وليس بالضرورة أنه نسي الأُنسَ والإحسان القديم؛ بل تذكّر الأقرب إليه زمنًا.
فلو سلّمتُ بأني أحسنتُ لأحد -وهذا ادعاء يدعيه كل الناس- فإن من أمامي كان ينتظر ختامًا يليق بصنيعي الحسن، فلما تباينت الخاتمة مع ما سبق صار تنافر القلب تبعًا لتنافر الحالين.
وبذا يفهم المرء سبب التغيّر، فمن الطبيعي ألا يقف الناس عند باب مفتوح سنوات، لكن وقوفها وانزعاجها سيطول حين يغلق الباب في آخر الأمر؛ وهكذا صرتُ لا أمنّ معروفًا ولا أتحسر على راحل ولا أكره أحدًا ولا أذم الناس نائحًا على المروءات المفقودة.
وفهم علّة بلاءه لك نعمة عظيمة ودرايتك لحكمته في موضعها نعمة أخرى جليلة .
قرّرتُ منذ زمن بعيد أن أكون «الشرير» في قصّتي قبل أن أكونه في قصص الآخرين لا رغبةً في الشرّ، بل خشيةَ أن أُحسن تبرئة نفسي حتى أفقد القدرة على معرفتها. فقد أدركتُ أنّني متى ضمنتُ لنفسي مقام البطل، صارت الحقيقة مطالَبةً بأن تلائم صورتي، وصار لكلّ خطأ اقترفتُه تأويلٌ يحفظ لي براءتي، ولكلّ إنسان آذيتُه ذنبٌ يستحقّ به ما ناله منّي.

فالأبطال حين ينفردون برواية حكاياتهم لا يحتاجون إلى إنكار ما فعلوا؛ يكفيهم أن يستأثروا بمعناه. يسمّون خوفهم حكمةً، وقسوتهم حزمًا، ويُطيلون الحديث عمّا قاسَوه حتى لا يبقى متّسعٌ للحديث عمّا تسبّبوا فيه. وهكذا تصبح آلامهم أعذارًا، وآلام الآخرين تفاصيلَ عابرةً في طريق نجاتهم، وتغدو الحياة حجّةً طويلةً لإثبات أنّهم كانوا على حقّ منذ البداية، لا تجربةً قد تكشف لهم أنّهم لم يكونوا كذلك.

أمّا أنا، فلا أريد أن أربح الرواية وأخسر نفسي. أريد أن أرى ما فعلتُه قبل أن أعتصم بما قاسيتُه، وأن أحتمل معرفتي بالمواضع التي كنتُ فيها مصدرَ الأذى لا ضحيّتَه. وليس غرضي أن أُدين نفسي سلفًا فذلك وجهٌ آخر من وجوه الفرار من معرفتها، بل أن أنزع عنها امتياز البراءة المضمونة. لا أريد أن أعيش مدافعًا عن شخصٍ توهّمتُ أنّه أنا أريد أن أعرف من أكون حين لا تكون مهمّة الحكاية إنقاذ صورتي.
سفيان ناصر الله
Forwarded from دُسُر
[إنّ وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين]
[إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادُّكَ إلى مَعاد]

سواء كان «المعاد» هو مكة ظاهراً على المشركين -وهو اختيار الطبري وغيره-، أو المقام المحمود الذي لا يدانيه مقام يوم القيامة، فإنّ الذي اختار لك هذا الكتاب سبحانه وبحمده ناصرك ومعزّك وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.
وفي ارتباط الولاية والنصرة بصفة تنزيل الكتاب وفرضه منه تبارك وتعالى إشارة إلى أنّ مَن أخذ به ودعا إليه وبلّغه على وجهه ولم يكن في صدره حرج منه مكفولُ الولاية والنصرة ومكفيٌّ شر الباطل وأهله، [ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى].

***

[ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزّل عليكم من خير من ربكم والله يختصّ برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم]

هذا الكتاب، هذا النبأ العظيم، خير من ربنا سبحانه وتعالى، ورحمة خصّ بها الله عز وجل أهلَ الإيمان. ودّ المشركون حسداً من عند أنفسهم، وبغضاً للفرقان الذي يكشف زيف آلهتهم وأمراض قلوبهم وضلال اعتقاداتهم، لكن الله ذو فضل عظيم، ما كان -وهو الحكم العدل العزيز الحكيم- ليذر الناس سدى، تجتالهم الشياطين ويتلقفهم ضُلّال الناس فيسلكون بهم سبل الغيّ، فأفاض عليهم من الرحمات والبركات بهذا الكتاب، وهدى به الذين آمنوا لما اختُلف فيه من الحق، [قل بفضل وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون]

***

[وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان]
[بما أوحينا إليك هذا الكتاب وإن كنت من قبله لمن الغافلين]

حتى نفس النبي صلى الله عليه وسلم زادت بالقرآن شرفاً ورفعة وكرامة.
«لمّا كانت الدنيا دار ضيقٍ وحَرَجٍ، وكانت الآخرةُ دار إكرامِ اللهِ تعالى لأوليائه، ومستقرًّا لمن رَضِيَ عنه، أعدَّ لهم اللهُ فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بشرٍ؛ صَوْنًا لعطائه في الآخرة عن أن يُوصَفَ على جِهَتِه، فلا تُصَدِّقُهُ النفوسُ لعَظَمَتِه؛ لأن هذه الأعينَ ضَيِّقَةٌ، وهذه النفوسَ نشأتْ في مَحَلٍّ صغيرٍ، فإذا حُدِّثَتْ بما يتجاوزُ مقدارَ عقولِها أو مَبْلَغَ إحساسِها، ممَّا ليس عندها أصلٌ تَقِيسُهُ عليه إلا ما تُشاهِدُهُ وتَراهُ وتَألَفُهُ، عَجِلَتْ إلى الارتيابِ فيه، وسارعتْ إلى الشَّكِّ في الخبرِ عنه؛ فلذلك أرى أن اللهَ سبحانه وتعالى قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾».
الوزير الفقيه عون الدين ابن هبيرة (ت 560هـ) رحمة الله عليه
إن الحملات التي تُشنّ اليوم على الحجاب، والقوانين التي تُصاغ لحظره لهي دليل على شدّة جزعهم من بقاء الهوية المهيبة، إذ عجزوا عن محو العقيدة من الصدور، فساءهم أن يروا عنوانها مشهِرا سناه في الشّوارع والدور..
فسبحان من جعل في الحجاب سلطانا يسلُب طمأنينة الكفّار وجعل في الاستتار عزّة تقهر جبروت الاستعلاء..
بسم الله وبعد ؛

رأيت مساء الأمس طفلا مع أمه وأخته وقد انتحيا بعيدا عنه قد صنع لنفسه عالما خاصا وذلك بأن جمع إليه رملا كثيبا محولا إياه لقلاع وحصون ولم ينس مجرى الماء في فطرية واضحة لاحتياج المرء له في عالمه .. وبينما هو على مشارف الإنتهاء من تشييد إمارته عدى عليها الماء بقوة من الشطّ فابتلع ماقد شقي الصبيّ فيه ! شدّني المنظر لأرقُب فعله هل يبكي لأمه ويشتكي أم يذهب غير مبال! لكن الصبي فاجآني بإصرار فوق عمره وصلابة وعزيمة دونها سير أهل همة والمجد.. فأعاد البناء من جديد بل اهتدى لهندسة مجرى الماء، حتى يساير الشط لا أن يعاكسه، في همة ونشاط وذكاء فطري حاد، بقيت المساء جلّه أرقبه باندهاش وإعجاب شديدين يبدو أن الصبي جسد لي معنى عميقا في داخلي حول الحياة وعالم الوجود بشكل عام! تلك الحياة التي جُبلت على المغالبة وانتزاع لحظات الصفو منها بالظلف والناب!
نغالبها حينا وتغلبنا في أحايين كثيرة غير أن السعيد في الناس من لم يفقد شرف المحاولة وأخذ على نفسه أن يمخُر عباب بحرها المتلاطم بعزيمة وجلَد ومصابرة وفوق هذا وقبله مستعينا بخالق الدنيا ومدبر أرزاق أهلها، موقنا ألا شيء في هذا الكون يُقضى فيه إلا بأمر ذي الأمر عزّ شأنه، ولا يكون من تقدير إلا بعلمه وحكمته، والموفّق من ألهمه الرشد ففهم عن الله رسائله فاعتبر ثم أبصر ثم أبصر فاعتبر،
اللهم فهمنا فإنا بدون إفهامك لنا بلداء ، اللهم ظهرا قويا نستعين به على مابقي واجعل الختام بما رغب فيه نبيّك ثلاث مقسما عليك إلا فعله بأبي هو وأمّي عليه السّلام آمين إله الحقّ.
#عامريات عشية الأحد 7جمادى الأولى 1448هـ
بسم الله، وبعد؛
وكان الإنسانُ أكثرَ شيءٍ جَدَلًا؛ جَدَلًا في كثرة أسئلته، وجَدَلًا من حيث تعقيداتُ نفسه وتشابُك نوازعها.
قبل خمسة عشر عامًا، كنتُ حِدِّيًّا في التعرّف على نفسي وعلى الآخَر، وكان الحكمُ يخرج مني سريعًا: أبيضَ أو أسودَ، وكنتُ بذلك أخرج من ذلك التوصيف السريع مستريحًا. لكنّ حلقةً كانت تضيع مني في تكملة فسيفساء هذه النفس التي بين جنبينا: كيف يكون هذا؟ ولِمَ يصدر الفعل الفلاني من الشخص الفلاني؟ ولِمَ؟ وكيف؟ ومتى؟
ثم كان التاريخُ الذي سكنني وسكنتُه، فكاد يصيبني بالجنون؛ إذ فيه ما فيه عن قاماتٍ يخترمُها ما يخترمُها، وما يظل العقل معها حائرًا. فإن هو استعمل مبدأ الأبيض والأسود فلن يصل للمطلوب، فكيف السبيل؟
ثم داس المرءُ في وَحْلِ الحياة والعمل المجتمعيّ، إسلاميّهِ وغيرِهِ، فعافس المجرياتِ وقاربَ وقارفَ، وبين هذا وذاك مشاهداتٌ وتأمّلات. ثم كان البلاءُ وما بعده، وكلّما قال المرءُ: "قد فهمتُ وآن الأوانُ للتنظير التّام"، عاجلته الأقدارُ بما ليس في الحسبان، وممّا هو عنه مسؤولٌ بلا شكّ ولا ريب.
واليومَ وجدتُني أُشاهد مشهدًا من روايةٍ (مسلسل) سورية عن أبٍ ولدَ فقيرًا وأصبح من كبار التجار، وله أولادٌ كلٌّ بتخصّصه. والمشهدُ في تموّجاته عن شعور ابنه الأوسط بأن أباه يكرهه، وعزّز هذا تفضيلُ الأب لابنٍ له مثقّف.
لا أُخفيكُم أن المشهدَ عُرِضَ باحترافيّة عالية؛ إذ صُوِّرَ الأبُ على لسان ابنه المثقف رجلًا عظيمًا له أيادٍ بيضاءُ على البسطاء، وسَخيًّا مع أهله، مع شِدّةٍ وعنادٍ وبعضِ تسلّط، في مقابل عنادِ ابنه هذا وسلوكه السيئ... مشهدٌ يجعلك تُشفق عليهما معًا، وتَعْتِبُ عليهما معًا.
شرحُ المشهد يطول، ولا أزعم لنفسي نقدًا فنّيًّا، إلّا أن تعقيدات الشخوص وتنوّع نوازع الخير والشرّ في الشخص الواحد أثارت كوامنَ في نفسي، ورغبةً جامحةً في الكتابة وجمع ما يمكن أن أستفيد منه أوّلًا في هذا الباب؛ باب معرفة الإنسان لأخيه الإنسان، وقبلها معرفته بنفسه. فإن هو فعلَ، عذرَ واعتذر، واستطاع أن يرى في الشخص الواحد وتعقيداته كلَّ المشاعر والنوازع، فحاكمَهُ لِما يغلب عليه من صيرورته، لا من موقفٍ أو حدثٍ أو معطًى.
وتحسبُ أنّك جرم صغيرٌ ... وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ»
قيل لي –بما معناه ونحن في البلاء– من رجلٍ صالحٍ –كما أحسبه– فقد إحدى عينيه بالبوسنة، تقبّل الله منه:
«أوّلُ تأمّلات الإنسان كانت في النجوم، ناسيًا نفسه التي يحيا بها ويحلّل بها حوادث الوجود، حتى إذا خاض فيما خاض فيه وتملكته الحيرة والتخبط، عاد ليراها ويكتشفها، وكأنّ قدرَهُ أن يرتدّ إلى أصل خلقته الأولى».
ولَئِن كان من زُبْدَةٍ للكلام في هذه التدوينة، فهي أهمّيّة الاختلاء بالنفس، والتجرّد في معرفة النفس وأَطْرِها على الحقّ أَطْرًا، وتشذيب ما علق فيها من الأدَران، والارتقاء بها من سُفُول الطين إلى سُمُوِّ النور العليّ:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾.
#عامريات