"رسالة إلى معلم اللغة، وإلى لغة المعلم!"
يبدو جُزء العنوان الأول مفهومًا، لكن الجزء الآخر "وإلى لغة المعلم!" قد يحير فيه القارئ أول الأمر، وإنما المقصود بـ "لغة المعلم" أي: لهجةُ خطابِه وأسلوبُ تعامله، فثمة ظاهرة قد أضرّت بنا؛ وأفسدت من حيث أراد أصحابها الإصلاح، فنحتاجُ اليومَ أشد ما نحتاج من هؤلاء المعلمين ودارسي اللغة إلى اللين وإلى الرفق ليس مع الطلاب فحسب! بل مع عامة الناس ممن يستعملون الفصحى في كتابتهم ومراسلتهم أو في خطابهم، فإنك تجد الناس -من غير المتخصصين في اللغة- ممن يدرك فضل العربية ومكانتها ويظهر أثر محبته لها فيستعمها أحيانًا بدلاً من العامية، ليرتقي عن الركاكة والسوقيّةِ والابتذال إلى مراتب الفصاحة والجزالة والتهذيب؛ على قدر ما بلغه جهده، لكن يقع منه الخطأ ويلحن في عبارته، وإذا بالمتخصص يتلقاه بالسخرية والتهكم مستهزئًا بما وقع من الأخطاء اللغوية، فيعيب عليه ذلك ويشنّعُ الخطأ وينكره كأنه بذلك يَطرده ويُبعده عن الفصحى، وهذا يقع -مع الأسف- وبكثرة من جهة المتخصصين، فارفُقُوا بالناس رفَق الله بكم، وليتمهل المعلمون ودارسو اللغة ويتأنوا ويرفقوا بالناس قليلًا، ولا يسددوا تلك السهام القاتلة بقولهم: 👇
يبدو جُزء العنوان الأول مفهومًا، لكن الجزء الآخر "وإلى لغة المعلم!" قد يحير فيه القارئ أول الأمر، وإنما المقصود بـ "لغة المعلم" أي: لهجةُ خطابِه وأسلوبُ تعامله، فثمة ظاهرة قد أضرّت بنا؛ وأفسدت من حيث أراد أصحابها الإصلاح، فنحتاجُ اليومَ أشد ما نحتاج من هؤلاء المعلمين ودارسي اللغة إلى اللين وإلى الرفق ليس مع الطلاب فحسب! بل مع عامة الناس ممن يستعملون الفصحى في كتابتهم ومراسلتهم أو في خطابهم، فإنك تجد الناس -من غير المتخصصين في اللغة- ممن يدرك فضل العربية ومكانتها ويظهر أثر محبته لها فيستعمها أحيانًا بدلاً من العامية، ليرتقي عن الركاكة والسوقيّةِ والابتذال إلى مراتب الفصاحة والجزالة والتهذيب؛ على قدر ما بلغه جهده، لكن يقع منه الخطأ ويلحن في عبارته، وإذا بالمتخصص يتلقاه بالسخرية والتهكم مستهزئًا بما وقع من الأخطاء اللغوية، فيعيب عليه ذلك ويشنّعُ الخطأ وينكره كأنه بذلك يَطرده ويُبعده عن الفصحى، وهذا يقع -مع الأسف- وبكثرة من جهة المتخصصين، فارفُقُوا بالناس رفَق الله بكم، وليتمهل المعلمون ودارسو اللغة ويتأنوا ويرفقوا بالناس قليلًا، ولا يسددوا تلك السهام القاتلة بقولهم: 👇
👍6
👆
"أفسدتم اللغة" و"دمرتم النحو" و"خربتم القواعد!!"،
فهذا التوبيخ في غير محله وفي وقتٍ تواجه فيه الهُوية العربية أزمات، ولم تعد الناس تهجر اللغة الفصحى فحسب! بل باتت في قطيعة مع كل ما هو عربي، وانفصال تام عن هُويتهم، حتى صرنا نرى كثيرًا من أبناء هذه اللغة لا ينطقون بها إلا بقصد التندر والسخرية! ثم لننظر إلى ضياع سمتنا وفساد أذواقنا حتى صارت مزيجًا غربيًا لا هي عربية ولا أجنبية فهل أحسسنا بشيء من هذا؟ بل إن العربية التي تُشددون عليهم في نحوها وإملائها تسربت إليها أساليب أعجمية فهل تفطنتم لذلك يا أهل اللغة؟! إذن فكيف ندع هذه المخاطر ثم نتوجه إلى أمثال هؤلاء ممن عزموا على القرب من الفصاحة والإفصاح تاركين اللهجة العامية واللغات الأجنبية مُعتزين بلغتهم، ثم نتلقاهم نحن بتلك السهام! ونقسو عليهم لأنهم أخطأوا في الإعراب! فرفقًا يا أهل اللغة إذا رأيتم غيركم يستعمل الفصحى.
"أفسدتم اللغة" و"دمرتم النحو" و"خربتم القواعد!!"،
فهذا التوبيخ في غير محله وفي وقتٍ تواجه فيه الهُوية العربية أزمات، ولم تعد الناس تهجر اللغة الفصحى فحسب! بل باتت في قطيعة مع كل ما هو عربي، وانفصال تام عن هُويتهم، حتى صرنا نرى كثيرًا من أبناء هذه اللغة لا ينطقون بها إلا بقصد التندر والسخرية! ثم لننظر إلى ضياع سمتنا وفساد أذواقنا حتى صارت مزيجًا غربيًا لا هي عربية ولا أجنبية فهل أحسسنا بشيء من هذا؟ بل إن العربية التي تُشددون عليهم في نحوها وإملائها تسربت إليها أساليب أعجمية فهل تفطنتم لذلك يا أهل اللغة؟! إذن فكيف ندع هذه المخاطر ثم نتوجه إلى أمثال هؤلاء ممن عزموا على القرب من الفصاحة والإفصاح تاركين اللهجة العامية واللغات الأجنبية مُعتزين بلغتهم، ثم نتلقاهم نحن بتلك السهام! ونقسو عليهم لأنهم أخطأوا في الإعراب! فرفقًا يا أهل اللغة إذا رأيتم غيركم يستعمل الفصحى.
👍6
"قالوا إن العربية تبدلت لتصلح لأحوال العصر!"
زعم بعضهم أن ما وقع للعربية من تبدل في هذا العصر إنما كان لأن الفصيحة لم تفِ بأغراض هذا العصر، وهذا كلام لا معنى له لأن أكثر ما حدث في هذه العرنجية (العربية المعاصرة) إنما هو من المعاني التي عبرت عنها العرب قديما، بل ربما عبرت عنها قبل الإسلام.. وهذه التراكيب والاستعمالات الإفرنجية لا تُزاد في العربية لنقص فيها وإنما تأتي على الأصل العربي -الذي يكون في القرآن والسنة وكلام العرب- وتميته، ثم تجعل محلّه شيئًا إفرنجيا، بل إن بعض هذه التراكيب الفصيحة حي في كلام العامة مُمات في العرنجية، كقول بعض المعاصرين:
👇
زعم بعضهم أن ما وقع للعربية من تبدل في هذا العصر إنما كان لأن الفصيحة لم تفِ بأغراض هذا العصر، وهذا كلام لا معنى له لأن أكثر ما حدث في هذه العرنجية (العربية المعاصرة) إنما هو من المعاني التي عبرت عنها العرب قديما، بل ربما عبرت عنها قبل الإسلام.. وهذه التراكيب والاستعمالات الإفرنجية لا تُزاد في العربية لنقص فيها وإنما تأتي على الأصل العربي -الذي يكون في القرآن والسنة وكلام العرب- وتميته، ثم تجعل محلّه شيئًا إفرنجيا، بل إن بعض هذه التراكيب الفصيحة حي في كلام العامة مُمات في العرنجية، كقول بعض المعاصرين:
👇
👍6
👆
«كان يبدو كما لو كان يكتشف عالما من الخيال لأول مرة»، فقوله (يبدو كما لو كان) إنما هو من قول الإنجليز seems as if he was وهذا معنى عبرت عنه العرب قديما بـ (كأن)، ولا تزال تستعمله في عاميتها. وترى الإنجليز إذا ترجموا قوله تعالى {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشِهِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُو} قالوا: (يبدو كما لو كان هو). وإذا ترجموا وصف هند بن أبي هالة له للنبي ﷺ "يَمْشِي هَوْنًا ، ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبِ" قالوا: (إذا مشى بدا كما لو كان ينحط ..).
فهذا المعنى الذي أراده الكاتب من قوله «كان يبدو كما لو كان يكتشف…»، سبقت إليه العرب قبل أكثر من ألف سنة، بل قبل الإسلام. فهي أغراض قديمة يُحسن التعبير عنها أعرابي حِلسُ خبائه، جليس شاته، وليست من حوادث هذا الزمان. فالعربية لم تُبدّل لتبدل الزمان، وإنما هو مسخٌ وفَرْنَجة، وإحداث شيء جديد موافق لكلام الإفرنج، وإماتة لكلام العرب الموافق لكلام الله سبحانه وكلام نبيه. فليت شعري أين الأغراض التي زعموا أنها ألزمتهم هذا التبديل، فمسخوا لأجلها العربية جميعًا، حتى لم يدعوا منها إلا صورتها.
بتصرف يسير من كتاب "العرنجية" للترجمان أحمد الغامدي 40-41
«كان يبدو كما لو كان يكتشف عالما من الخيال لأول مرة»، فقوله (يبدو كما لو كان) إنما هو من قول الإنجليز seems as if he was وهذا معنى عبرت عنه العرب قديما بـ (كأن)، ولا تزال تستعمله في عاميتها. وترى الإنجليز إذا ترجموا قوله تعالى {فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشِهِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُو} قالوا: (يبدو كما لو كان هو). وإذا ترجموا وصف هند بن أبي هالة له للنبي ﷺ "يَمْشِي هَوْنًا ، ذَرِيعُ الْمِشْيَةِ، إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبِ" قالوا: (إذا مشى بدا كما لو كان ينحط ..).
فهذا المعنى الذي أراده الكاتب من قوله «كان يبدو كما لو كان يكتشف…»، سبقت إليه العرب قبل أكثر من ألف سنة، بل قبل الإسلام. فهي أغراض قديمة يُحسن التعبير عنها أعرابي حِلسُ خبائه، جليس شاته، وليست من حوادث هذا الزمان. فالعربية لم تُبدّل لتبدل الزمان، وإنما هو مسخٌ وفَرْنَجة، وإحداث شيء جديد موافق لكلام الإفرنج، وإماتة لكلام العرب الموافق لكلام الله سبحانه وكلام نبيه. فليت شعري أين الأغراض التي زعموا أنها ألزمتهم هذا التبديل، فمسخوا لأجلها العربية جميعًا، حتى لم يدعوا منها إلا صورتها.
بتصرف يسير من كتاب "العرنجية" للترجمان أحمد الغامدي 40-41
👍7
"أثر التعليم بالإنجليزية عند التحدث بالعربية"
في كتاب (أثر الاحتلال البريطاني في التعليم) ينقل جرجس بن سلامة كلاما لرجل مصري عاصر ذلك التعليم سنة 1905م \ 1323هـ يقول: "نتج عن تعليم كل العلوم باللغة الإنكليزية أن الطالب المصري وهو بين 14 و15 من عمره يحسن اللغة الإنكليزية حتى قيل إن اطلاع الطالب المصري على اللغة الإنكليزية يزيد كثيرًا على اطلاع الذين يتعلمونها في مدارس حكومة إنكلترا نفسها! ولكنه يدرك كل هذا بعد أن يخسر كل شيء حتى اللغة العربية، وخسارته فيها عظيمة جدا". وثمة فرق كبير بين من يتعلم لغة أجنبية؛ 👇
في كتاب (أثر الاحتلال البريطاني في التعليم) ينقل جرجس بن سلامة كلاما لرجل مصري عاصر ذلك التعليم سنة 1905م \ 1323هـ يقول: "نتج عن تعليم كل العلوم باللغة الإنكليزية أن الطالب المصري وهو بين 14 و15 من عمره يحسن اللغة الإنكليزية حتى قيل إن اطلاع الطالب المصري على اللغة الإنكليزية يزيد كثيرًا على اطلاع الذين يتعلمونها في مدارس حكومة إنكلترا نفسها! ولكنه يدرك كل هذا بعد أن يخسر كل شيء حتى اللغة العربية، وخسارته فيها عظيمة جدا". وثمة فرق كبير بين من يتعلم لغة أجنبية؛ 👇
👍6
👆
ومن يتعلم العلوم بهذه اللغة، مع أن الضرر يقع إثر التعلم باللغة الأجنبية لكن صاحب كتاب "العرنجية" وهو الذي نقل كلام جرجس في البداية وملاحظة المصري؛ يعلق على ذلك قائلًا: "إن تعلم جماهير الناس الإنجليزية فتح بابا عظيمًا من الإفساد لا يتفطن إليه وهو أن ملكة الناس صارت إنجليزيةً لاشتغالهم بالإنجليزية في صباهم، وأثبت الملكات ما كان في الصبا.. صار الرجل إذا أراد أن يؤلف بالفصيحة لم تسعفه سليقته فيها، وغلبت على نفسه ملكته الإنجليزية، فصار يجتلب المعاني من الإنجليزية، ويدحسها في كلامه العربي دحسًا، ويسبك عبارته سبكًا إنجليزيا، وقد قال الجاحظ: «اللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد، أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها»، وهذا أمر يعلمه من تكلم أكثر من لغة وكثيرا ما سمعت قومًا من المعاصرين ممن يحسنون الإنجليزية إذا تكلموا بالعربية تلفظوا بكلام ظاهره عربي، وباطنه عجمي". ويذكر الكاتب أمثلة وشواهد كثيرة موضحًا البعد بين العربية وغيرها والميل إلى التعابير الأجنبية وتفضيل الأساليب الدخيلة بل والاستئناس إليها، وإليك المثال من كتابه وهو ترجمة إنجليزية لآية قرآنية:
استدار بعيدا عنهم، وقال: ياللأسف، يوسف المسكين! وحاول أن يخفي مشاعره لكن عينيه تحولت بيضاء مع الحزن!
He turned away from them and said, "Alas! Poor Yusuf!" He tried to hide his feelings, but his eyes turned white with grief!"
وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ.
كتاب "العرنجية" الترجمان أحمد الغامدي، ص32-34 و140-141
ومن يتعلم العلوم بهذه اللغة، مع أن الضرر يقع إثر التعلم باللغة الأجنبية لكن صاحب كتاب "العرنجية" وهو الذي نقل كلام جرجس في البداية وملاحظة المصري؛ يعلق على ذلك قائلًا: "إن تعلم جماهير الناس الإنجليزية فتح بابا عظيمًا من الإفساد لا يتفطن إليه وهو أن ملكة الناس صارت إنجليزيةً لاشتغالهم بالإنجليزية في صباهم، وأثبت الملكات ما كان في الصبا.. صار الرجل إذا أراد أن يؤلف بالفصيحة لم تسعفه سليقته فيها، وغلبت على نفسه ملكته الإنجليزية، فصار يجتلب المعاني من الإنجليزية، ويدحسها في كلامه العربي دحسًا، ويسبك عبارته سبكًا إنجليزيا، وقد قال الجاحظ: «اللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد، أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها»، وهذا أمر يعلمه من تكلم أكثر من لغة وكثيرا ما سمعت قومًا من المعاصرين ممن يحسنون الإنجليزية إذا تكلموا بالعربية تلفظوا بكلام ظاهره عربي، وباطنه عجمي". ويذكر الكاتب أمثلة وشواهد كثيرة موضحًا البعد بين العربية وغيرها والميل إلى التعابير الأجنبية وتفضيل الأساليب الدخيلة بل والاستئناس إليها، وإليك المثال من كتابه وهو ترجمة إنجليزية لآية قرآنية:
استدار بعيدا عنهم، وقال: ياللأسف، يوسف المسكين! وحاول أن يخفي مشاعره لكن عينيه تحولت بيضاء مع الحزن!
He turned away from them and said, "Alas! Poor Yusuf!" He tried to hide his feelings, but his eyes turned white with grief!"
وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ.
كتاب "العرنجية" الترجمان أحمد الغامدي، ص32-34 و140-141
👍6
مشاركتك في هذه الاستبانة تنفعنا لتحسين الأداء وتطوير المحتوى في المرحلة القادمة.
Anonymous Poll
56%
استفدت كثيرًا وأفضل المحتوى النصي والمُصور
50%
استفدت كثيرًا وأفضل المرئيات القصيرة
38%
استفدت كثيرًا وأفضل المدونات الصوتية "بودكاست"
13%
المحتوى لم يكن واضحاً ولم أستفد من هذه البادرة
0%
المحتوى جيد ولكنه لم يشكل لي إضافة كبيرة
13%
عندي مشكلة في كثرة المنشورات اليومية