حدود مستحيلة.. بين الصداقة والقلب الكامل
سقطت كلمتُكِ القاطعة كحد سيفٍ يقسم الكون إلى نصفين؛ نصفٌ مضى، ونصفٌ أُجبرتُ أن أعيش فيه كمن يحاول المشي على حبلٍ رفيع. "نحنُ لسنا سِوى أصدقاء".. هكذا قلتِها، بنبرةٍ متزنة، أكيدة، لا ترتجف، كأنكِ تضعين نقطةً صارمة في نهاية سطرٍ ظننتُه أنا بداية الحكاية.
محاولة الارتداء.. ثوب الصداقة الضيق
منذ تلك اللحظة، بدأتُ تمرينًا شاقًا وموجعًا مع نفسي. حاولتُ جاهدًا أن أرتدي ذلك الثوب الضيق الذي فصّلتِهِ لي، وأن أعلّم روحي كيف تقف خلف خطوطكِ الحمراء:
أعرتُكِ سمعي: بكامل الإنصات، أستمع لقصصكِ اليومية، لتفاصيلكِ الصغيرة، وأتجرع أحاديثكِ عن الآخرين كجرعات سمٍّ بطيء، محاولًا إخفاء غصتي خلف قناع الاهتمام العابر.
منحتُكِ كتفي: لتستندي عليه حين تضيق بكِ الدنيا، متظاهرًا بثبات الجبال، بينما أنا في داخلي أهتز كقشة في مهب الريح، محرمًا على يدي أن تمتد لتطوقكِ بحنانٍ يتجاوز حدود "الزمالة".
شاطرتُكِ النكات: واستعرتُ ضحكاتٍ عالية، لعلها تطرد صوت أنيني الصامت، وفعلتُ كل ما يمكن لصديقٍ مخلصٍ أن يفعله لينال رضا صديقه.
الحقيقة العارية.. القلب لا يتجزأ
لكنني، وفي منتصف المحاولة، تعثرتُ بالحقيقة العارية. نظرتُ إلى كفّي لأرى ماذا قدمتُ لكِ، فوجدتُني لم أمنحكِ مجرد أوقاتٍ أو كلمات..
لقد وجدتُ أنني وهبتُكِ قلبي. هكذا، قلبًا كاملًا، نابضًا بغير هدى، مستسلمًا لإرادتكِ دون شروط. لم أملك مهارة تقسيط المشاعر، ولا موهبة تجزئة العاطفة لأمنحكِ قطعة صغيرة تناسب حجم "الصداقة" وأحتفظ بالباقي لنفسي.
السؤال المعلّق في الفراغ
والآن، أقف في حيرتي أمام هذا العطاء الطاغي، ألتفت حولي وأتساءل بمرارةٍ لا يمحوها زيف الابتسامات:
هل يمنح الأصدقاء قلوبهم كاملةً هكذا؟
أم أنني أخطأتُ في قواعد اللغة وقوانين البشر، فجئتُ أطلب لجوءًا عاطفيًا في بلدٍ لا يعترف سوى بالبقاء العابر؟
سقطت كلمتُكِ القاطعة كحد سيفٍ يقسم الكون إلى نصفين؛ نصفٌ مضى، ونصفٌ أُجبرتُ أن أعيش فيه كمن يحاول المشي على حبلٍ رفيع. "نحنُ لسنا سِوى أصدقاء".. هكذا قلتِها، بنبرةٍ متزنة، أكيدة، لا ترتجف، كأنكِ تضعين نقطةً صارمة في نهاية سطرٍ ظننتُه أنا بداية الحكاية.
محاولة الارتداء.. ثوب الصداقة الضيق
منذ تلك اللحظة، بدأتُ تمرينًا شاقًا وموجعًا مع نفسي. حاولتُ جاهدًا أن أرتدي ذلك الثوب الضيق الذي فصّلتِهِ لي، وأن أعلّم روحي كيف تقف خلف خطوطكِ الحمراء:
أعرتُكِ سمعي: بكامل الإنصات، أستمع لقصصكِ اليومية، لتفاصيلكِ الصغيرة، وأتجرع أحاديثكِ عن الآخرين كجرعات سمٍّ بطيء، محاولًا إخفاء غصتي خلف قناع الاهتمام العابر.
منحتُكِ كتفي: لتستندي عليه حين تضيق بكِ الدنيا، متظاهرًا بثبات الجبال، بينما أنا في داخلي أهتز كقشة في مهب الريح، محرمًا على يدي أن تمتد لتطوقكِ بحنانٍ يتجاوز حدود "الزمالة".
شاطرتُكِ النكات: واستعرتُ ضحكاتٍ عالية، لعلها تطرد صوت أنيني الصامت، وفعلتُ كل ما يمكن لصديقٍ مخلصٍ أن يفعله لينال رضا صديقه.
الحقيقة العارية.. القلب لا يتجزأ
لكنني، وفي منتصف المحاولة، تعثرتُ بالحقيقة العارية. نظرتُ إلى كفّي لأرى ماذا قدمتُ لكِ، فوجدتُني لم أمنحكِ مجرد أوقاتٍ أو كلمات..
لقد وجدتُ أنني وهبتُكِ قلبي. هكذا، قلبًا كاملًا، نابضًا بغير هدى، مستسلمًا لإرادتكِ دون شروط. لم أملك مهارة تقسيط المشاعر، ولا موهبة تجزئة العاطفة لأمنحكِ قطعة صغيرة تناسب حجم "الصداقة" وأحتفظ بالباقي لنفسي.
السؤال المعلّق في الفراغ
والآن، أقف في حيرتي أمام هذا العطاء الطاغي، ألتفت حولي وأتساءل بمرارةٍ لا يمحوها زيف الابتسامات:
هل يمنح الأصدقاء قلوبهم كاملةً هكذا؟
أم أنني أخطأتُ في قواعد اللغة وقوانين البشر، فجئتُ أطلب لجوءًا عاطفيًا في بلدٍ لا يعترف سوى بالبقاء العابر؟
زلزلتني العرافة اليوم حين بحّت لي بسرّكِ المكتوب في طالع الخذلان؛ هزّت رأسها الشاحب وقالت بنبرةٍ باردة: "ليست لكَ، ولن تكون.. فانتزعها من أوردتكَ وإلى الأبد".
كلماتها لم تكن مجرد نبوءة، بل كانت نَصلاً حاداً انتزع روحي من بين أضلعي عنوة، وتركني هباءً منثوراً في مهب الصدمة. آهٍ يا غيمتي.. حين نطقَت باسمكِ، شعرتُ بشرخٍ عميق يعصف بكياني، وتجمدت الدماء في عروقي؛ كيف لاسمكِ الذي كان تعويذة أماني، ولحن طمأنينتي وسكوني، أن يغدو اليوم الخنجر الكاسر الذي يمزق أحشائي، ومصدر عذابي الأكبر؟!
أخبرتني تلك المرأة أنكِ غادرتِ بميزان العقل البارد والمنطق الجاف؛ صممتِ رحيلكِ بدقة وهندستِ غيابكِ، بينما تركتِني غارقاً في فيضان مشاعري اللاهبة التي لا شواطئ لها. والأنكأ من ذلك.. أنها قالت إنكِ لستِ وحيدةً الآن، بل تهبين قلبكِ لرجلٍ آخر، رجلٍ مِلتِ إليه بكليتكِ، واحتضنتِهِ بوعيكِ وخيالكِ، وأدرتِ ظهركِ لي كأنني لم أكن يوماً نبضكِ، وكأنّ كل ما كان بيننا مجرد حبرٍ محوتِهِ بنفحة عقل!
واليوم، وبقايا انكساري تلملم نفسها، أكتب لكِ رسالة الوداع الأخير.. أعلن فيها التخلي التام. لكنني سأتخلى بكبرياءٍ موجع يليق بنقاء فؤادي؛ سأرحل بهدوء مأساوي يمزق أحشائي، وبصمتٍ موحش أبلغ من كل عتاب قيل على وجه الأرض، لأنني ببساطة لا أشبهكِ في قسوتكِ ولا في خذلانكِ. سأطلب من الله ليل نهار، في كل سجدة وبكاء، أن يقتلع هذا السراب المضلل من عروقي، ويعيد لي ذاتي التي أضعتها في دروبكِ. واطمئني تماماً.. لن أكون الجرح الصارخ في عمركِ، ولن ألوث تاريخكِ بالعتب، فقلبي الطاهر لا يعرف الإيذاء، ولن يرتدّ إليكِ منه إلا الصمت.
لم أعتقد يوماً، ولا في أسوأ كوابيسي، أن تكون هذه هي النهاية. كنت أظنّ، بيقين العشاق، أن المعجزات تُخلق لأجلنا، وأن السماء لن ترضى بكسر هذا الفؤاد. لكن حظي معكِ كان شحيحاً، بخيلاً، لا يكفي لصنع ربع معجزة تغيّر هذا المآل المظلم وتنقذنا من المنحدر. وها هو الستار يسدل على قصتنا التي أجهضتها عقلانيتكِ، وتبدو النهاية حقيقةً عارية تصفع وجه أملي.
فـيا غيمتي التي استحالت قحطاً.. ويا مطري الذي جفّ وتلاشى ليسقي سماءً أخرى.. وداعاً أبدياً لا رجعة بعده.
كلماتها لم تكن مجرد نبوءة، بل كانت نَصلاً حاداً انتزع روحي من بين أضلعي عنوة، وتركني هباءً منثوراً في مهب الصدمة. آهٍ يا غيمتي.. حين نطقَت باسمكِ، شعرتُ بشرخٍ عميق يعصف بكياني، وتجمدت الدماء في عروقي؛ كيف لاسمكِ الذي كان تعويذة أماني، ولحن طمأنينتي وسكوني، أن يغدو اليوم الخنجر الكاسر الذي يمزق أحشائي، ومصدر عذابي الأكبر؟!
أخبرتني تلك المرأة أنكِ غادرتِ بميزان العقل البارد والمنطق الجاف؛ صممتِ رحيلكِ بدقة وهندستِ غيابكِ، بينما تركتِني غارقاً في فيضان مشاعري اللاهبة التي لا شواطئ لها. والأنكأ من ذلك.. أنها قالت إنكِ لستِ وحيدةً الآن، بل تهبين قلبكِ لرجلٍ آخر، رجلٍ مِلتِ إليه بكليتكِ، واحتضنتِهِ بوعيكِ وخيالكِ، وأدرتِ ظهركِ لي كأنني لم أكن يوماً نبضكِ، وكأنّ كل ما كان بيننا مجرد حبرٍ محوتِهِ بنفحة عقل!
واليوم، وبقايا انكساري تلملم نفسها، أكتب لكِ رسالة الوداع الأخير.. أعلن فيها التخلي التام. لكنني سأتخلى بكبرياءٍ موجع يليق بنقاء فؤادي؛ سأرحل بهدوء مأساوي يمزق أحشائي، وبصمتٍ موحش أبلغ من كل عتاب قيل على وجه الأرض، لأنني ببساطة لا أشبهكِ في قسوتكِ ولا في خذلانكِ. سأطلب من الله ليل نهار، في كل سجدة وبكاء، أن يقتلع هذا السراب المضلل من عروقي، ويعيد لي ذاتي التي أضعتها في دروبكِ. واطمئني تماماً.. لن أكون الجرح الصارخ في عمركِ، ولن ألوث تاريخكِ بالعتب، فقلبي الطاهر لا يعرف الإيذاء، ولن يرتدّ إليكِ منه إلا الصمت.
لم أعتقد يوماً، ولا في أسوأ كوابيسي، أن تكون هذه هي النهاية. كنت أظنّ، بيقين العشاق، أن المعجزات تُخلق لأجلنا، وأن السماء لن ترضى بكسر هذا الفؤاد. لكن حظي معكِ كان شحيحاً، بخيلاً، لا يكفي لصنع ربع معجزة تغيّر هذا المآل المظلم وتنقذنا من المنحدر. وها هو الستار يسدل على قصتنا التي أجهضتها عقلانيتكِ، وتبدو النهاية حقيقةً عارية تصفع وجه أملي.
فـيا غيمتي التي استحالت قحطاً.. ويا مطري الذي جفّ وتلاشى ليسقي سماءً أخرى.. وداعاً أبدياً لا رجعة بعده.
المرأة... ليست لغزًا يُستعصي على الفهم
يظن البعض أن المرأة معادلةٌ كيميائية معقدة، أو لغزٌ لا تملك الحياة مفاتيحه، بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير؛ فالمرأة ليست سوى قلبٍ خُلِق ليُحَب، وروحٍ تبحث عن وطنٍ يطمئنها، ويدٍ تمتد لتمنح الحياة دفئًا كلما شعرت أن من حولها يستحقون العطاء.
في أعماقها طفلةٌ صغيرة، تفرح بكلمةٍ صادقة، وتبتسم لتفصيلةٍ قد لا يلتفت إليها أحد، وتختبئ خلف ضحكتها رغبةٌ قديمة بأن تجد من يحتويها إذا أثقلها التعب، ومن يربت على قلبها قبل كتفيها. وما إن تشعر بالأمان حتى تُخرج أجمل ما فيها، فتغدو الحياة بقربها أكثر إشراقًا، والبيت أكثر دفئًا، والأيام أقل قسوة.
وفيها شقاوةُ الربيع، تعشق الضحك، وتميل إلى المرح، وتحب أن يشاركها شريكها لحظات العبث الجميل، فالحياة في نظرها لا تُقاس بطول الأيام، بل بجمال الذكريات التي تُصنع فيها. تسرقها التفاصيل الصغيرة؛ رسالةٌ في وقتٍ غير متوقع، سؤالٌ عابر عن حالها، نظرةُ إعجاب، أو كلمةُ امتنان، فتلك الأشياء التي يراها البعض عادية، تراها هي لغةً كاملةً من الحب.
ثم تراها ناضجةً حين تستدعيها المسؤولية، صلبةً كالجبل عندما تهبُّ رياح الحياة، تحمل من الأعباء ما قد يعجز عنه الكثير، وتبتسم رغم التعب كي لا ينكسر من تحب. تخفي دموعها خلف صبرها، وتؤجل أحلامها أحيانًا لتمنح غيرها فرصةً للحلم، وتبقى تؤمن أن العطاء لا ينقص القلب، بل يزيده اتساعًا.
وفي بيتها لا تبحث عن سلطة، بل عن انتماء. تحب أن تكون ملكةً على عرش مملكتها الصغيرة، تزين أركانها بلمساتها، وتزرع فيها الطمأنينة، وتجعل من الجدران بيتًا، ومن المكان وطنًا، ومن التفاصيل البسيطة حياةً تنبض بالمودة. فهي لا تعشق المظاهر، بل تعشق الشعور بأن هذا المكان يحمل شيئًا من روحها.
وإذا أحبت، أحبت بكل ما أوتي قلبها من وفاء. تمنح وقتها، واهتمامها، وصبرها، ودعاءها، وتضحي بأشياء كثيرة دون أن تذكرها، لأنها ترى في سعادة من تحب جزءًا من سعادتها. لا تحسب العطاء بالأرقام، ولا تقيس المحبة بالمقابل، فهي تؤمن أن الحب الحقيقي يُعاش ولا يُساوَم عليه.
ومع ذلك، فإن مطالبها ليست كثيرة كما يظن البعض. لا تريد قصورًا ولا كنوزًا، وإنما تريد قلبًا لا يخون، ويدًا لا تتركها عند الشدائد، وكلمةً صادقةً لا يشوبها زيف، واهتمامًا يُشعرها بأنها ليست خيارًا مؤقتًا، بل أولويةٌ في حياة من اختارته. تريد الثقة التي تبني، والصدق الذي يطمئن، والأمان الذي يجعلها تغمض عينيها وهي تعلم أن ظهرها محميٌّ بك.
الأنثى إذا أحبت، رأت في الرجل وطنًا تسكنه، لا مجرد شخصٍ تعيش معه. تنظر إلى الدنيا من خلاله، وتشاركه أحلامها وخوفها وانتصاراتها وانكساراتها، وتؤمن أن نجاحه نجاحها، وفرحه فرحها، وكرامته من كرامتها. لكنها حين تُخذل مرارًا، أو تُكسر ثقتها، لا تُكثر الضجيج، بل تغادر بصمت، وتُخرج من أساء إليها من دائرة قلبها، وكأنه لم يكن يومًا جزءًا من حكايتها.
فكن لها سندًا إذا مالت، وملاذًا إذا تعبت، ورفيقًا إذا ضاقت بها الحياة، ولا تكن حملًا آخر تضيفه إلى أعبائها. اجعلها تشعر بأنها محبوبة لا لمصلحة، ومقدَّرة لا لمناسبة، ومصونة في حضورك وغيابك.
فالمرأة التي تجعلها ملكةً في قلبك، ستجعلك تاجًا على رأسها، وستحمل اسمك بفخر، وتصنع من وجودك حياةً أجمل، ومن بيتك جنةً صغيرة، ومن حبك قصةً لا يبهت بريقها مع الزمن.
فالمرأة ليست معادلةً معقدة، وإنما قصيدةٌ لا يقرأها إلا من أتقن لغة القلب، وعرف أن أعظم أبوابها لا تُفتح بالقوة، بل بالمحبة، والاحترام، والصدق، والوفاء.
يظن البعض أن المرأة معادلةٌ كيميائية معقدة، أو لغزٌ لا تملك الحياة مفاتيحه، بينما الحقيقة أبسط من ذلك بكثير؛ فالمرأة ليست سوى قلبٍ خُلِق ليُحَب، وروحٍ تبحث عن وطنٍ يطمئنها، ويدٍ تمتد لتمنح الحياة دفئًا كلما شعرت أن من حولها يستحقون العطاء.
في أعماقها طفلةٌ صغيرة، تفرح بكلمةٍ صادقة، وتبتسم لتفصيلةٍ قد لا يلتفت إليها أحد، وتختبئ خلف ضحكتها رغبةٌ قديمة بأن تجد من يحتويها إذا أثقلها التعب، ومن يربت على قلبها قبل كتفيها. وما إن تشعر بالأمان حتى تُخرج أجمل ما فيها، فتغدو الحياة بقربها أكثر إشراقًا، والبيت أكثر دفئًا، والأيام أقل قسوة.
وفيها شقاوةُ الربيع، تعشق الضحك، وتميل إلى المرح، وتحب أن يشاركها شريكها لحظات العبث الجميل، فالحياة في نظرها لا تُقاس بطول الأيام، بل بجمال الذكريات التي تُصنع فيها. تسرقها التفاصيل الصغيرة؛ رسالةٌ في وقتٍ غير متوقع، سؤالٌ عابر عن حالها، نظرةُ إعجاب، أو كلمةُ امتنان، فتلك الأشياء التي يراها البعض عادية، تراها هي لغةً كاملةً من الحب.
ثم تراها ناضجةً حين تستدعيها المسؤولية، صلبةً كالجبل عندما تهبُّ رياح الحياة، تحمل من الأعباء ما قد يعجز عنه الكثير، وتبتسم رغم التعب كي لا ينكسر من تحب. تخفي دموعها خلف صبرها، وتؤجل أحلامها أحيانًا لتمنح غيرها فرصةً للحلم، وتبقى تؤمن أن العطاء لا ينقص القلب، بل يزيده اتساعًا.
وفي بيتها لا تبحث عن سلطة، بل عن انتماء. تحب أن تكون ملكةً على عرش مملكتها الصغيرة، تزين أركانها بلمساتها، وتزرع فيها الطمأنينة، وتجعل من الجدران بيتًا، ومن المكان وطنًا، ومن التفاصيل البسيطة حياةً تنبض بالمودة. فهي لا تعشق المظاهر، بل تعشق الشعور بأن هذا المكان يحمل شيئًا من روحها.
وإذا أحبت، أحبت بكل ما أوتي قلبها من وفاء. تمنح وقتها، واهتمامها، وصبرها، ودعاءها، وتضحي بأشياء كثيرة دون أن تذكرها، لأنها ترى في سعادة من تحب جزءًا من سعادتها. لا تحسب العطاء بالأرقام، ولا تقيس المحبة بالمقابل، فهي تؤمن أن الحب الحقيقي يُعاش ولا يُساوَم عليه.
ومع ذلك، فإن مطالبها ليست كثيرة كما يظن البعض. لا تريد قصورًا ولا كنوزًا، وإنما تريد قلبًا لا يخون، ويدًا لا تتركها عند الشدائد، وكلمةً صادقةً لا يشوبها زيف، واهتمامًا يُشعرها بأنها ليست خيارًا مؤقتًا، بل أولويةٌ في حياة من اختارته. تريد الثقة التي تبني، والصدق الذي يطمئن، والأمان الذي يجعلها تغمض عينيها وهي تعلم أن ظهرها محميٌّ بك.
الأنثى إذا أحبت، رأت في الرجل وطنًا تسكنه، لا مجرد شخصٍ تعيش معه. تنظر إلى الدنيا من خلاله، وتشاركه أحلامها وخوفها وانتصاراتها وانكساراتها، وتؤمن أن نجاحه نجاحها، وفرحه فرحها، وكرامته من كرامتها. لكنها حين تُخذل مرارًا، أو تُكسر ثقتها، لا تُكثر الضجيج، بل تغادر بصمت، وتُخرج من أساء إليها من دائرة قلبها، وكأنه لم يكن يومًا جزءًا من حكايتها.
فكن لها سندًا إذا مالت، وملاذًا إذا تعبت، ورفيقًا إذا ضاقت بها الحياة، ولا تكن حملًا آخر تضيفه إلى أعبائها. اجعلها تشعر بأنها محبوبة لا لمصلحة، ومقدَّرة لا لمناسبة، ومصونة في حضورك وغيابك.
فالمرأة التي تجعلها ملكةً في قلبك، ستجعلك تاجًا على رأسها، وستحمل اسمك بفخر، وتصنع من وجودك حياةً أجمل، ومن بيتك جنةً صغيرة، ومن حبك قصةً لا يبهت بريقها مع الزمن.
فالمرأة ليست معادلةً معقدة، وإنما قصيدةٌ لا يقرأها إلا من أتقن لغة القلب، وعرف أن أعظم أبوابها لا تُفتح بالقوة، بل بالمحبة، والاحترام، والصدق، والوفاء.
*ثورة الروح ضدّ شحوب العالم*
في غمرة هذا الكون الذي يحاول جاهدًا أن يكسونا برداء الكآبة، وفي وجه روتينٍ يتربص بنضارة أرواحنا، تأتي *الضحكة الصادقة كأجمل ثورة يمارسها قلبان. لا تدع يوماً يمرّ دون أن تهتزّ أعماقك بضحكة دافئة؛ فهي حقّ روحك المقدس عليك، وهي ذروة الشجاعة في حياةٍ تريدنا دائماً مثقلي الخطى، منهكي الأنفاس. *سرقة الضوء من عتمة الروتين*
حين تجد من تحبه غارقاً في دوامة التعب، مستسلماً لعزلةٍ فرضتها عليه الأيام وأعباؤها، *لا تتركه لوحدته*. خذه بيده، واجذبه برفق من ذاك الغياب الصامت. اخطف منه في كل يوم ضحكةً عفوية، انتزعها انتزاعاً من بين أنياب همومه ومزاجه الكئيب. انظر في عينيه، وقل له بهمس المحبّ: "اترك هذا العالم العابث جانباً، وتعال نقتسم تفاصيلنا الطريفة، ونعيد صياغة العمر بالبهجة".ملاذات دافئة وأصدقاء مبهجون
اهرع إلى ذلك الشخص الذي يعرف كيف يمنحك الفرح دون مقابل، ذاك الذي يملك مغناطيسًا لابتسامتك. اذهب إلى رفاق الروح، أولئك الذين يحولون انكسارات الأمس ومواقفه الصعبة إلى مقالب ضاحكة وذكريات عذبة يغزلون منها ليلهم. شاركهم صخب الضحك، ودع طاقة الفرح تجدد الدماء في عروق قلبك.
أسمى رسالات الحياة*
أن نكون لبعضنا ملاذاً من وطأة الأيام، وأن نحمي من نحب من قسوة الجفاف العاطفي بضحكة نابعة من وجداننا... *هذه هي أسمى رسالات الحياة*، وهذا هو أصدق تجليات الحب وأكثرها روعاً وعمقاً.
في غمرة هذا الكون الذي يحاول جاهدًا أن يكسونا برداء الكآبة، وفي وجه روتينٍ يتربص بنضارة أرواحنا، تأتي *الضحكة الصادقة كأجمل ثورة يمارسها قلبان. لا تدع يوماً يمرّ دون أن تهتزّ أعماقك بضحكة دافئة؛ فهي حقّ روحك المقدس عليك، وهي ذروة الشجاعة في حياةٍ تريدنا دائماً مثقلي الخطى، منهكي الأنفاس. *سرقة الضوء من عتمة الروتين*
حين تجد من تحبه غارقاً في دوامة التعب، مستسلماً لعزلةٍ فرضتها عليه الأيام وأعباؤها، *لا تتركه لوحدته*. خذه بيده، واجذبه برفق من ذاك الغياب الصامت. اخطف منه في كل يوم ضحكةً عفوية، انتزعها انتزاعاً من بين أنياب همومه ومزاجه الكئيب. انظر في عينيه، وقل له بهمس المحبّ: "اترك هذا العالم العابث جانباً، وتعال نقتسم تفاصيلنا الطريفة، ونعيد صياغة العمر بالبهجة".ملاذات دافئة وأصدقاء مبهجون
اهرع إلى ذلك الشخص الذي يعرف كيف يمنحك الفرح دون مقابل، ذاك الذي يملك مغناطيسًا لابتسامتك. اذهب إلى رفاق الروح، أولئك الذين يحولون انكسارات الأمس ومواقفه الصعبة إلى مقالب ضاحكة وذكريات عذبة يغزلون منها ليلهم. شاركهم صخب الضحك، ودع طاقة الفرح تجدد الدماء في عروق قلبك.
أسمى رسالات الحياة*
أن نكون لبعضنا ملاذاً من وطأة الأيام، وأن نحمي من نحب من قسوة الجفاف العاطفي بضحكة نابعة من وجداننا... *هذه هي أسمى رسالات الحياة*، وهذا هو أصدق تجليات الحب وأكثرها روعاً وعمقاً.
ما أدري كيف كلمة كنتُ أقصدُ بها معنى واحد بس، وصلت لكِ بكل هذا المعنى الثاني. ويمكن عشان كذا أنا أكتب لك الانّ، مش عشان أدافع عن نفسي، لكن عشان أعتذر لقلب ما كان يستاهل يضيق بسبب حرف طلع مني بشكل ما قصدته.
وأقسم لكِ إني من وقتها كنتُ أريدُ أوضح لكِ قصدي، وأزيل اللبس قبل لا يكبر، لكنكِ تعرفين إني وقتها قد كنتُ سأموت بسبب الشرغ الذي سبه لي القات، وما قدرتُ أشرح لكِ الموضوع مثل ما لازم، فبقيت الكلمة لحالها، وغاب عنها التوضيح، وصار سوء الفهم أسرع من الشرح.
صدقيني... ما كان قصدي أبدًا ألمّح لعمرك، ولا أقارنك بالدكتورة أو بأي أحد ثاني من ناحية السن. اللي كنت أقصده بس هو طريقة جلوسكِ على الكرسي، لا أكثر. لكن واضح إن التعبير ما كان موفق، واللفظ خانني، ووصل لكِ بمعنى ما خطر ببالي أبدًا.
واللي يضايقني أكثر مش إني انفهِمت غلط، لكن إنك أنتِ بالذات تنزعجين بسبب كلمة طلعت مني. لأن الواحد ما يحزن بس لما يخطئ بالكلام، يحزن أكثر لما يكون خطؤه لمس قلب شخص يقدّرّه ويحترمه.
بين النية والكلمة أحيانًا مسافة، والكلمات مش دائماً تقدر توصل صدق النوايا. عشان كذا جيتكِ اليوم بقلبي قبل قلمي، وأطلبُ منكِ تشوفين قصدي، مش الكلمة لحالها. أنا أعرف عن نفسي إني ممكن أسيء التعبير، لكن ما أتعمد أبدًا أجرح أحد أحترمه.
ولو رجع الزمن لورا، كنت اخترت ألف كلمة غير هذي، بس عشان ما أشوف هذا الانزعاج في عيونكِ، ولا أحس إني كنتُ سبب في ضيق لقلب أتمنى له دائمًا الراحة والطمأنينة.
سامحيني... ليس لأن الاعتذار يمسح كل شيء، لكن لأنه يوضح لكِ حقيقة اللي في القلب. وحقيقة قلبي إني ما أردتُ الإساءة، وما شفتكِ يوم إلا بعين الاحترام والتقدير، ومكانتكِ عندي أكبر من كلمة عابرة خانها التعبير.
إذا كانت الحروف تخطئ، فخلّي للقلب فرصة يصلحها. وإذا كان سوء الفهم وقف بيننا لحظة، فأرجو ما يطول، لأن في ناس يستاهلون نعتذر لهم بصدق، ونحافظ عليهم بكل ما نقدر.
وأخيرًا... أتمنى تقبلين اعتذاري مثل ما طلع من قلبي؛ صادق، نادم على أثر الكلمة، مو على صدق النية، ومليان بكل الاحترام اللي أحمله لكِ، وبكل الأمل إنكِ ترجعين تبتسمين، وكأن هذا الموقف ما كان إلا غيمة عابرة، وراحت بسرعة وبقيت السماء صافية مثل ما كانت.
وأقسم لكِ إني من وقتها كنتُ أريدُ أوضح لكِ قصدي، وأزيل اللبس قبل لا يكبر، لكنكِ تعرفين إني وقتها قد كنتُ سأموت بسبب الشرغ الذي سبه لي القات، وما قدرتُ أشرح لكِ الموضوع مثل ما لازم، فبقيت الكلمة لحالها، وغاب عنها التوضيح، وصار سوء الفهم أسرع من الشرح.
صدقيني... ما كان قصدي أبدًا ألمّح لعمرك، ولا أقارنك بالدكتورة أو بأي أحد ثاني من ناحية السن. اللي كنت أقصده بس هو طريقة جلوسكِ على الكرسي، لا أكثر. لكن واضح إن التعبير ما كان موفق، واللفظ خانني، ووصل لكِ بمعنى ما خطر ببالي أبدًا.
واللي يضايقني أكثر مش إني انفهِمت غلط، لكن إنك أنتِ بالذات تنزعجين بسبب كلمة طلعت مني. لأن الواحد ما يحزن بس لما يخطئ بالكلام، يحزن أكثر لما يكون خطؤه لمس قلب شخص يقدّرّه ويحترمه.
بين النية والكلمة أحيانًا مسافة، والكلمات مش دائماً تقدر توصل صدق النوايا. عشان كذا جيتكِ اليوم بقلبي قبل قلمي، وأطلبُ منكِ تشوفين قصدي، مش الكلمة لحالها. أنا أعرف عن نفسي إني ممكن أسيء التعبير، لكن ما أتعمد أبدًا أجرح أحد أحترمه.
ولو رجع الزمن لورا، كنت اخترت ألف كلمة غير هذي، بس عشان ما أشوف هذا الانزعاج في عيونكِ، ولا أحس إني كنتُ سبب في ضيق لقلب أتمنى له دائمًا الراحة والطمأنينة.
سامحيني... ليس لأن الاعتذار يمسح كل شيء، لكن لأنه يوضح لكِ حقيقة اللي في القلب. وحقيقة قلبي إني ما أردتُ الإساءة، وما شفتكِ يوم إلا بعين الاحترام والتقدير، ومكانتكِ عندي أكبر من كلمة عابرة خانها التعبير.
إذا كانت الحروف تخطئ، فخلّي للقلب فرصة يصلحها. وإذا كان سوء الفهم وقف بيننا لحظة، فأرجو ما يطول، لأن في ناس يستاهلون نعتذر لهم بصدق، ونحافظ عليهم بكل ما نقدر.
وأخيرًا... أتمنى تقبلين اعتذاري مثل ما طلع من قلبي؛ صادق، نادم على أثر الكلمة، مو على صدق النية، ومليان بكل الاحترام اللي أحمله لكِ، وبكل الأمل إنكِ ترجعين تبتسمين، وكأن هذا الموقف ما كان إلا غيمة عابرة، وراحت بسرعة وبقيت السماء صافية مثل ما كانت.
للإشراقةِ وجهٌ مخدّر، وللغروبِ أنيابٌ تنهشُ الروح.
ثلاثة أيامٍ مضت بحذافيرها كأنها حلقةٌ مفرغة أُرتِبَ لي أن أدور فيها مجبراً. أستيقظ في الصباح بكامل حيويتي، أرتدي قناع النشاط وأمضي إلى دوامي بنبضٍ متزن، كأي إنسانٍ طبيعي يملك غداً ينتظره. لكن، ما إن ينتهي العمل ويعود جسدي إلى تلك الغرفة، حتى تبدأ اللعبة الخفية.
ألوذ بزواياها لحالي، رفيقتي الوحيدة هي وريقات القات الخضراء، ألوك معها الوقت والخلط الرتيب للأفكار. لستُ أشك الآن، بل أكاد أجزم أن ثمة تعويذةً سحرية، أو لعنةً غامضة غُرست في جدران هذه الغرفة؛ فهي المغناطيس الذي يبتلع إرادتي، فلا أستطيع الجلوس أو الارتياح إلا في هذا المربع الضيق، وكأن بقية العالم قد أصبحت فضاءً طارداً لي.
لكن الغريب، والمخيف حقاً، هو ذلك التوقيت الصارم الذي يجلدني به الوقت.
ما إن يرتفع أذان المغرب وتتوارى الشمس خلف الأفق، حتى ينقشع ذلك النشاط الزائف فجأة، ليحل محله ضيقٌ كونيٌّ كاسر. بؤسٌ ثقيل يربض فوق صدري، يعتصر نَفَسي حتى أكاد أسمع حشرجة روحي. في تلك الساعات المظلمة، يهمس لي الفراغ بفكرة مرعبة.. فكرة تتراقص أمام عيني كحلٍّ أخير ووحيد: الانتحار.
أتساءل بذهول يمزقه الخوف والغموض: ما الذي يحدث لي في هذه البقعة؟ وأي هاوية هذه التي أنزلق إليها كلما غربت الشمس؟
ماهر العقيلي
ثلاثة أيامٍ مضت بحذافيرها كأنها حلقةٌ مفرغة أُرتِبَ لي أن أدور فيها مجبراً. أستيقظ في الصباح بكامل حيويتي، أرتدي قناع النشاط وأمضي إلى دوامي بنبضٍ متزن، كأي إنسانٍ طبيعي يملك غداً ينتظره. لكن، ما إن ينتهي العمل ويعود جسدي إلى تلك الغرفة، حتى تبدأ اللعبة الخفية.
ألوذ بزواياها لحالي، رفيقتي الوحيدة هي وريقات القات الخضراء، ألوك معها الوقت والخلط الرتيب للأفكار. لستُ أشك الآن، بل أكاد أجزم أن ثمة تعويذةً سحرية، أو لعنةً غامضة غُرست في جدران هذه الغرفة؛ فهي المغناطيس الذي يبتلع إرادتي، فلا أستطيع الجلوس أو الارتياح إلا في هذا المربع الضيق، وكأن بقية العالم قد أصبحت فضاءً طارداً لي.
لكن الغريب، والمخيف حقاً، هو ذلك التوقيت الصارم الذي يجلدني به الوقت.
ما إن يرتفع أذان المغرب وتتوارى الشمس خلف الأفق، حتى ينقشع ذلك النشاط الزائف فجأة، ليحل محله ضيقٌ كونيٌّ كاسر. بؤسٌ ثقيل يربض فوق صدري، يعتصر نَفَسي حتى أكاد أسمع حشرجة روحي. في تلك الساعات المظلمة، يهمس لي الفراغ بفكرة مرعبة.. فكرة تتراقص أمام عيني كحلٍّ أخير ووحيد: الانتحار.
أتساءل بذهول يمزقه الخوف والغموض: ما الذي يحدث لي في هذه البقعة؟ وأي هاوية هذه التي أنزلق إليها كلما غربت الشمس؟
ماهر العقيلي
كإطارٍ منسيٍّ يَضمُّ بياضاً موحشاً، أقفُ مصلوباً على جدارِ هذا المتحفِ المهجور. أُحدقُ في الزوايا التي غسلَها العتم، وأقتاتُ على فتاتِ الوقت، علّني ألمحُ نوراً يلوح من بعيد. أنتظرُ روحاً عابرة، تقف أمامي وتتأملني ولو لمرةٍ واحدةٍ بعد كل هذه القرون من النفي أبحث عن عينين تنظران إليّ بـشغفٍ خالص، لا بـشفقةٍ باردة تزيدُني انكساراً، وتتركني مشوهاً بفراغاتٍ أخرى أضيعُ في دهاليزها، دون أن أقبضَ على معنىً لما تركوه خلفهم.
ريشةٌ تمنحُ الحياة.. أو تزيدُ العدم
أنا لا أبحث عن مجرد ألوان تطمسُ ملمسي؛ أنا أبحث عن كينونة. أريدُ أن أكونَ شرارةَ الإلهام، تلك الجاذبيةَ الغامضة التي تُغوي ريشةً متعطشة لتبني فوق صدري كوناً آخر، وحياةً نابضة، وأفكاراً تمزقُ رداءَ السكون. أريدُ لصالِحي أن يقف أمامي طويلاً، يقرأ تفاصيلي كأنه يقرأ غيباً، دون تعبٍ أو مَلل. لا أريد أن أشعر بأن الريشة تبغضُني، أو أن يديها ترتجفُ نفوراً مني، ولا أُريد أن أُهجر بهذهِ الطريقةِ المُوحشة التي تجعل عزلتي خطيئة.
أصواتُ الثقوبِ وظلالُ الغياب
خلف ثقوبِ خَشبي الهش، تتسللُ أصواتٌ مشروخة من عوالمَ غريبة؛ أصواتٌ لا تقودني إلا إلى مزيدٍ من الذعر، ومزيدٍ من الموت البطيء. والوجعُ الأكبر، الحزنُ الأعمق، يكمن في إدراكي بأن هذا الصمت الخارجي هو الحقيقة المطلقة، وأن تلك الأصوات ليست سوى صدىً لتمزقي الداخلي. تمرُّ الظلالُ من أمامي كأشباحٍ عابرة، ظلالٌ تشبهُ ظلالَ ملامحكِ أنتِ.. لكنها أشدُّ ظلماً وأكثر قسوة؛ لأنها تأتي كل يوم لتطعن براءتي بنصل الحقيقة الباردة، وتهمس لي: "لا شيء حقيقي هنا".
حتميةُ الوهم
حتى أنتِ.. يا من ظننتكِ يوماً ربيعي المُنقِذ، لستِ سوى وهمٍ نسجتْه رغبتي اليائسة في الحياة. لقد تيقنتُ أخيراً، وسط هذا السكون القاتل، أنه لن يولدَ أيُّ شيءٍ حقيقيٍّ في عالمي، ولن يلمسَ النورُ عتمتي، مادامت الفجيعة تكمن في جوهري..
مادمتُ أنا.. أنا.
ماهر العقيلي
ريشةٌ تمنحُ الحياة.. أو تزيدُ العدم
أنا لا أبحث عن مجرد ألوان تطمسُ ملمسي؛ أنا أبحث عن كينونة. أريدُ أن أكونَ شرارةَ الإلهام، تلك الجاذبيةَ الغامضة التي تُغوي ريشةً متعطشة لتبني فوق صدري كوناً آخر، وحياةً نابضة، وأفكاراً تمزقُ رداءَ السكون. أريدُ لصالِحي أن يقف أمامي طويلاً، يقرأ تفاصيلي كأنه يقرأ غيباً، دون تعبٍ أو مَلل. لا أريد أن أشعر بأن الريشة تبغضُني، أو أن يديها ترتجفُ نفوراً مني، ولا أُريد أن أُهجر بهذهِ الطريقةِ المُوحشة التي تجعل عزلتي خطيئة.
أصواتُ الثقوبِ وظلالُ الغياب
خلف ثقوبِ خَشبي الهش، تتسللُ أصواتٌ مشروخة من عوالمَ غريبة؛ أصواتٌ لا تقودني إلا إلى مزيدٍ من الذعر، ومزيدٍ من الموت البطيء. والوجعُ الأكبر، الحزنُ الأعمق، يكمن في إدراكي بأن هذا الصمت الخارجي هو الحقيقة المطلقة، وأن تلك الأصوات ليست سوى صدىً لتمزقي الداخلي. تمرُّ الظلالُ من أمامي كأشباحٍ عابرة، ظلالٌ تشبهُ ظلالَ ملامحكِ أنتِ.. لكنها أشدُّ ظلماً وأكثر قسوة؛ لأنها تأتي كل يوم لتطعن براءتي بنصل الحقيقة الباردة، وتهمس لي: "لا شيء حقيقي هنا".
حتميةُ الوهم
حتى أنتِ.. يا من ظننتكِ يوماً ربيعي المُنقِذ، لستِ سوى وهمٍ نسجتْه رغبتي اليائسة في الحياة. لقد تيقنتُ أخيراً، وسط هذا السكون القاتل، أنه لن يولدَ أيُّ شيءٍ حقيقيٍّ في عالمي، ولن يلمسَ النورُ عتمتي، مادامت الفجيعة تكمن في جوهري..
مادمتُ أنا.. أنا.
ماهر العقيلي
كنتُ أعلم، واليقين يمزقني، أن الدروب بيننا قد قُطعت حبالها قبل أن تبدأ، وأن طريقي إلى عالمكِ مستحيل ممتد بلا نهاية. ومع ذلك... لم ألتفت للوراء. أغمضتُ عيني عن المنطق، ومضيتُ إليكِ بكامل وعيي الهارب مني. ركضتُ نحوكِ بلهفة مجنونة، كمن يهرع إلى حتفه الدافئ، كأن الموت بين يديكِ هو الملاذ الأخير والوحيد الذي يمنح هذا العمر معناه.
انكسار الصوت أمام جلال حضوركِ
في حضرة أوتار صوتكِ، كان صوتي يتراجع، يتلعثم، وينهزم مستسلماً لعزفكِ الطاغي على نبضي. ورغم ذلك الانكسار، تكلّمتُ... قاومتُ هتاف الصمت بملامح مرتبكة وحروف خائفة. وفي كل مرة كنتِ تحادثيني فيها، كان هناك حوار سري يدور في أعماقي، كنتُ أنظر إليكِ وأهمس لروحي بمرارة:
"أيّ وهمٍ عذبٍ هذا الذي أسكنته تفاصيلي؟ وأي سرابٍ متقن الصنع عشتُ به ولأجله؟"
طقوس الرسم والضحكة المستحيلة
لكن الروح، يا لشقاء الروح، بقيت معلقة بكِ. وعيناي اللتان لم تعودا تبصران سواكِ، تمارسان طقسهما اليومي المقدّس: ترسمان ملامح وجهكِ الطفولي في عتمة خيالي. وكلما خططتُ تفاصيل وجهكِ، انبعث في داخلي صدى ضحكتكِ الطاغية؛ تلك الضحكة الدافئة التي تمنيتُ من كل قلبي لو أنني أستطيع تقبيلها وتجميد الزمن عندها... ولكن!
التلاشي الصادم
ولكن... يا للحسرة الكامنة خلف هذه الكلمة.
فجأة، وفي لمح بصر، ينهار كل شيء. ثانية واحدة كافية لكي يستيقظ الواقع القاسي، وينفض الغبار عن الحقيقة المُرّة: أنكِ وهمٌ وخيال.
في آن واحد، تتحول من كونكِ كل شيء، إلى "لا شيء"... لا شيء على أرض الواقع، ولكنكِ كل شيء في وجداني؛ طيف عنيد لا يغادرني، وخيال مقيم يرفض الفناء، يلتصق بروحي كظلها الذي لا يفارقها أبداً.
ماهر العقيلي
انكسار الصوت أمام جلال حضوركِ
في حضرة أوتار صوتكِ، كان صوتي يتراجع، يتلعثم، وينهزم مستسلماً لعزفكِ الطاغي على نبضي. ورغم ذلك الانكسار، تكلّمتُ... قاومتُ هتاف الصمت بملامح مرتبكة وحروف خائفة. وفي كل مرة كنتِ تحادثيني فيها، كان هناك حوار سري يدور في أعماقي، كنتُ أنظر إليكِ وأهمس لروحي بمرارة:
"أيّ وهمٍ عذبٍ هذا الذي أسكنته تفاصيلي؟ وأي سرابٍ متقن الصنع عشتُ به ولأجله؟"
طقوس الرسم والضحكة المستحيلة
لكن الروح، يا لشقاء الروح، بقيت معلقة بكِ. وعيناي اللتان لم تعودا تبصران سواكِ، تمارسان طقسهما اليومي المقدّس: ترسمان ملامح وجهكِ الطفولي في عتمة خيالي. وكلما خططتُ تفاصيل وجهكِ، انبعث في داخلي صدى ضحكتكِ الطاغية؛ تلك الضحكة الدافئة التي تمنيتُ من كل قلبي لو أنني أستطيع تقبيلها وتجميد الزمن عندها... ولكن!
التلاشي الصادم
ولكن... يا للحسرة الكامنة خلف هذه الكلمة.
فجأة، وفي لمح بصر، ينهار كل شيء. ثانية واحدة كافية لكي يستيقظ الواقع القاسي، وينفض الغبار عن الحقيقة المُرّة: أنكِ وهمٌ وخيال.
في آن واحد، تتحول من كونكِ كل شيء، إلى "لا شيء"... لا شيء على أرض الواقع، ولكنكِ كل شيء في وجداني؛ طيف عنيد لا يغادرني، وخيال مقيم يرفض الفناء، يلتصق بروحي كظلها الذي لا يفارقها أبداً.
ماهر العقيلي
في غمرة الزحام، تجد نفسك أحياناً في عُزلةٍ اختيارية، كأنك جزيرة مهجورة في وسط محيطٍ صاخب. هكذا كان يومي، حتى في ذلك الوقت الذي يُفترض أنه للمتعة والراحة. جلستُ وحيداً، ألوذ بوريقات "القات"، أمضغ معها الوقت والصمت، وأفتش في زوايا الغرفة عن ونيسٍ أو طيفِ غائب فلا أجد سوى صدى أفكاري.
امتدت بي هذه العزلة حتى السابعة والنصف مساءً. طوال تلك الساعات، أطلقتُ العنان لخيالي، فسافر بي بعيداً، وتجاوز حدود المكان والزمان. مررتُ بكل المحطات؛ ذكريات حلوة ابتسمت لها الشفاه سرّاً، وأخرى مرّة غصّ بها القلب قهراً. وهروباً من هذا الحصار النفسي، تنقلتُ بين وسائل التواصل الاجتماعي، أبحث في شاشاتها الباردة عن ملامح دافئة أو كلمات تشبهني، لكن الوجوه كانت عابرة، والسطور باهتة.
وما إن أذّن العصر، وتحديداً عند الساعة الرابعة وأربع دقائق، حتى انقطعت حبال الخيال الصامتة وتبددت الرومانسية مؤقتاً، لتعلن بوق معركةٍ طويلة ومرهقة. كان الخصم هذه المرة جماداً تبلّد نبضه؛ إنه "جهاز السنسور" التابع لأشعة الأسنان الذي قرر التمرد في وقتٍ غير مناسب.
بدأت المعركة باتصالٍ هاتفي عابر للقارات والمسافات مع المهندس في "صنعاء". كان صوته القادم من سماعة الهاتف كمرشدٍ يوجه غريقاً في بحرٍ من الأسلاك والبرمجيات. امتثلت لتعليماته بدقة، وبدأت بتحميل البرامج على كمبيوتر الأشعة، أترقب شريط التحميل وكأني أنتظر معجزة.
واستمر الكفاح... بين محاولةٍ تفشل وأخرى تبث الأمل، حتى دقت الساعة السابعة مساءً. هناك، وضعت المعركة أوزارها بفحص كامل وشامل للجهاز، وبنبرة المهندس التي حملت حكماً قاسياً:
"الشبابيك البرمجية سليمة.. لكن الجهاز تعرض للسقوط!"
كأنما السقوط لم يكن للجهاز وحده، بل لشيءٍ ما في داخلي سقط مع تلك الكلمات.. تنهيدة ثقيلة تملكتني وأنا أدرك حجم الجهد الذي ضاع.
على طريق "سناح".. وصوت فيصل علوي
غادرتُ مدينة الضالع والليل قد أرخى سدوله، والمسافات تتلوى تحت عجلات الدراجة النارية كالأيام. وعند الساعة الثامنة وخمس دقائق، وطأت أقدامي أرض "سناح".
في تلك اللحظة، كنت بحاجة إلى هروبٍ آخر، هروب يواسي هذا التعب المتراكم منذ العصر. فتحت جوالي، ولم أجد أوفى من الفن ليداوي جراح الروح. اخترت أغنية للفنان الكبير الراحل فيصل علوي، وتركت صوته الهادر والدافئ يملأ أركان المكان:
"قضيت العمر يا قلبي معذب.. ربيعك راح يا عمري هدر"
كانت الكلمات قوية ومؤثرة، نزلت على قلبي كالمطر على أرضٍ قاحلة. ضربت أوتار العود في الأغنية شغاف قلبي العارية، وشعرت بكل حرفٍ يلامس واقعي.
"ربيعك راح يا عمري هدر".. رددتها خلفه بنبرة مخنوقة بالأسى ورومانسية حزينة على سنواتٍ تمر مر السحاب. نعم، يا لها من حقيقة موجعة! مرّ ربيع العمر، تساقطت أوراقه في مهب الأيام والتفاصيل اليومية والمعارك الصغيرة، ونحن لا زلنا نركض في مضمار الحياة، دون أن نحقق شيئاً من تلك الأمنيات الكبيرة التي رسمناها يوماً على جدار الأحلام.
وصلتُ "سناح"، لكن قلبي كان لا يزال مسافراً هناك.. مع اللحن، والذكريات، والعمر الذي يمر ويسرق منا أجمل ما فينا.
ماهر العقيلي
امتدت بي هذه العزلة حتى السابعة والنصف مساءً. طوال تلك الساعات، أطلقتُ العنان لخيالي، فسافر بي بعيداً، وتجاوز حدود المكان والزمان. مررتُ بكل المحطات؛ ذكريات حلوة ابتسمت لها الشفاه سرّاً، وأخرى مرّة غصّ بها القلب قهراً. وهروباً من هذا الحصار النفسي، تنقلتُ بين وسائل التواصل الاجتماعي، أبحث في شاشاتها الباردة عن ملامح دافئة أو كلمات تشبهني، لكن الوجوه كانت عابرة، والسطور باهتة.
وما إن أذّن العصر، وتحديداً عند الساعة الرابعة وأربع دقائق، حتى انقطعت حبال الخيال الصامتة وتبددت الرومانسية مؤقتاً، لتعلن بوق معركةٍ طويلة ومرهقة. كان الخصم هذه المرة جماداً تبلّد نبضه؛ إنه "جهاز السنسور" التابع لأشعة الأسنان الذي قرر التمرد في وقتٍ غير مناسب.
بدأت المعركة باتصالٍ هاتفي عابر للقارات والمسافات مع المهندس في "صنعاء". كان صوته القادم من سماعة الهاتف كمرشدٍ يوجه غريقاً في بحرٍ من الأسلاك والبرمجيات. امتثلت لتعليماته بدقة، وبدأت بتحميل البرامج على كمبيوتر الأشعة، أترقب شريط التحميل وكأني أنتظر معجزة.
واستمر الكفاح... بين محاولةٍ تفشل وأخرى تبث الأمل، حتى دقت الساعة السابعة مساءً. هناك، وضعت المعركة أوزارها بفحص كامل وشامل للجهاز، وبنبرة المهندس التي حملت حكماً قاسياً:
"الشبابيك البرمجية سليمة.. لكن الجهاز تعرض للسقوط!"
كأنما السقوط لم يكن للجهاز وحده، بل لشيءٍ ما في داخلي سقط مع تلك الكلمات.. تنهيدة ثقيلة تملكتني وأنا أدرك حجم الجهد الذي ضاع.
على طريق "سناح".. وصوت فيصل علوي
غادرتُ مدينة الضالع والليل قد أرخى سدوله، والمسافات تتلوى تحت عجلات الدراجة النارية كالأيام. وعند الساعة الثامنة وخمس دقائق، وطأت أقدامي أرض "سناح".
في تلك اللحظة، كنت بحاجة إلى هروبٍ آخر، هروب يواسي هذا التعب المتراكم منذ العصر. فتحت جوالي، ولم أجد أوفى من الفن ليداوي جراح الروح. اخترت أغنية للفنان الكبير الراحل فيصل علوي، وتركت صوته الهادر والدافئ يملأ أركان المكان:
"قضيت العمر يا قلبي معذب.. ربيعك راح يا عمري هدر"
كانت الكلمات قوية ومؤثرة، نزلت على قلبي كالمطر على أرضٍ قاحلة. ضربت أوتار العود في الأغنية شغاف قلبي العارية، وشعرت بكل حرفٍ يلامس واقعي.
"ربيعك راح يا عمري هدر".. رددتها خلفه بنبرة مخنوقة بالأسى ورومانسية حزينة على سنواتٍ تمر مر السحاب. نعم، يا لها من حقيقة موجعة! مرّ ربيع العمر، تساقطت أوراقه في مهب الأيام والتفاصيل اليومية والمعارك الصغيرة، ونحن لا زلنا نركض في مضمار الحياة، دون أن نحقق شيئاً من تلك الأمنيات الكبيرة التي رسمناها يوماً على جدار الأحلام.
وصلتُ "سناح"، لكن قلبي كان لا يزال مسافراً هناك.. مع اللحن، والذكريات، والعمر الذي يمر ويسرق منا أجمل ما فينا.
ماهر العقيلي
لا يغرّنك المظهر، فكم من شيءٍ يشبه غيره، بينما الحقيقة تسكن في الأعماق. حتى الملح يشبه السكر، لكن مذاقهما لا يلتقيان. وكذلك البشر؛ قد تبهرك الأناقة، وتخدعك المظاهر، وقد تمرّ بجوار إنسانٍ بسيط الثياب، متواضع الهيئة، فتظنه عاديًا، بينما يحمل في قلبه من النقاء ما يعجز عنه أصحاب البهرجة، وفي عقله من الحكمة ما لا تمنحه أفخم البدلات.
لقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى الغلاف قبل أن يقرؤوا الكتاب، وأن يحكموا على الوجوه قبل أن يكتشفوا الأرواح. لكن الحياة علّمتني أن أجمل القلوب لا تُرى بالعين، وأن أصدق المشاعر لا تحتاج إلى زينة، وأن الإنسان الحقيقي لا يقاس بثمن ما يرتديه، بل بقيمة ما يحمله من أخلاق، وما يزرعه من أثرٍ جميل في قلوب الآخرين.
كم من شخصٍ بسيط المظهر، إذا تحدّث أدهشك بعقله، وإذا عاملك أسرك بأخلاقه، وإذا أحبّك منحك من الوفاء ما لا تشتريه كنوز الدنيا. وكم من آخر يلفت الأنظار بأناقته، لكنك ما إن تقترب منه حتى تكتشف أن بريقه كان مجرد انعكاسٍ خارجي، وأن القلب من الداخل كان خاليًا من الدفء.
وفي الحب أيضًا، لا تعشق العين وحدها، فالعين قد تُخدع، أما القلب الصادق فيعرف الجمال الحقيقي. الجمال أن تجد روحًا تطمئن إليها، وابتسامةً تداوي تعبك، وحديثًا ينساب إلى قلبك كالمطر على أرضٍ عطشى. الجمال أن تجد إنسانًا يرى فيك ما وراء ملامحك، ويحبك لأنك أنت، لا لأنك تبدو كما يريد الناس.
ولذلك كان أعظم الناس تواضعًا، وأكرمهم خلقًا، لا يقيسون الإنسان بمظهره، بل بما يحمله قلبه. وقد قال رسول الله ﷺ: "رُبَّ أشعثَ أغبرَ، لو أقسم على الله لأبرَّه." وهو تذكير عظيم بأن الكرامة عند الله لا تُقاس بالهيئة ولا بالمكانة الدنيوية، وإنما بالإيمان والتقوى وصدق السريرة.
فلا تجعل عينيك قاضيًا يصدر الأحكام قبل أن يعرف الحقيقة، ولا تدع المظاهر تسرق منك فرصة التعرف إلى إنسان قد يكون من أجمل هدايا الحياة. اقترب من القلوب، واستمع إلى الأرواح، فهناك فقط تكتشف أن أجمل البشر ليسوا أولئك الذين يلفتون الأنظار، بل أولئك الذين يتركون في القلب أثرًا لا يمحوه الزمن.
وتذكر دائمًا أن الورد لا يفتخر بألوانه بقدر ما يفوح بعطره، وكذلك الإنسان؛ قيمته ليست فيما يلبس، بل فيما يمنح، وليست فيما يُظهر، بل فيما يُخفي من أخلاقٍ نبيلة، ورحمةٍ صادقة، ومحبةٍ تجعل الحياة أكثر جمالًا.
ماهر العقيلي
لقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى الغلاف قبل أن يقرؤوا الكتاب، وأن يحكموا على الوجوه قبل أن يكتشفوا الأرواح. لكن الحياة علّمتني أن أجمل القلوب لا تُرى بالعين، وأن أصدق المشاعر لا تحتاج إلى زينة، وأن الإنسان الحقيقي لا يقاس بثمن ما يرتديه، بل بقيمة ما يحمله من أخلاق، وما يزرعه من أثرٍ جميل في قلوب الآخرين.
كم من شخصٍ بسيط المظهر، إذا تحدّث أدهشك بعقله، وإذا عاملك أسرك بأخلاقه، وإذا أحبّك منحك من الوفاء ما لا تشتريه كنوز الدنيا. وكم من آخر يلفت الأنظار بأناقته، لكنك ما إن تقترب منه حتى تكتشف أن بريقه كان مجرد انعكاسٍ خارجي، وأن القلب من الداخل كان خاليًا من الدفء.
وفي الحب أيضًا، لا تعشق العين وحدها، فالعين قد تُخدع، أما القلب الصادق فيعرف الجمال الحقيقي. الجمال أن تجد روحًا تطمئن إليها، وابتسامةً تداوي تعبك، وحديثًا ينساب إلى قلبك كالمطر على أرضٍ عطشى. الجمال أن تجد إنسانًا يرى فيك ما وراء ملامحك، ويحبك لأنك أنت، لا لأنك تبدو كما يريد الناس.
ولذلك كان أعظم الناس تواضعًا، وأكرمهم خلقًا، لا يقيسون الإنسان بمظهره، بل بما يحمله قلبه. وقد قال رسول الله ﷺ: "رُبَّ أشعثَ أغبرَ، لو أقسم على الله لأبرَّه." وهو تذكير عظيم بأن الكرامة عند الله لا تُقاس بالهيئة ولا بالمكانة الدنيوية، وإنما بالإيمان والتقوى وصدق السريرة.
فلا تجعل عينيك قاضيًا يصدر الأحكام قبل أن يعرف الحقيقة، ولا تدع المظاهر تسرق منك فرصة التعرف إلى إنسان قد يكون من أجمل هدايا الحياة. اقترب من القلوب، واستمع إلى الأرواح، فهناك فقط تكتشف أن أجمل البشر ليسوا أولئك الذين يلفتون الأنظار، بل أولئك الذين يتركون في القلب أثرًا لا يمحوه الزمن.
وتذكر دائمًا أن الورد لا يفتخر بألوانه بقدر ما يفوح بعطره، وكذلك الإنسان؛ قيمته ليست فيما يلبس، بل فيما يمنح، وليست فيما يُظهر، بل فيما يُخفي من أخلاقٍ نبيلة، ورحمةٍ صادقة، ومحبةٍ تجعل الحياة أكثر جمالًا.
ماهر العقيلي
منذُ ساعات الصباح الباكر، وثمّة إعصارٌ غاشم يكاد يفجّر رأسي. صداعٌ أعمى يباغتني بين الحين والآخر، ينهش في خلايا وعيي. من حولي يلحّون: "زُر الطبيب!"، فأجيبهم بابتسامة باهتة أصطنع فيها الطمأنينة: "أنا بخير، إنها مجرد الجيوب الأنفية، ضريبة إدماني على القهوة، السجائر، والسهر الطويل".
لكنها كذبة بيضاء أداري بها بركاناً لا يهدأ. حقيقة الأمر أعمق بكثير؛ هذا الصداع ليس وعكة عابرة، بل هو *حكمٌ ديكتاتوري صارم يصدره جسدي عقاباً لي*. عقابٌ على إفراطي المزمن في التفكير، على تلك الأحاديث النفسية السامة التي لا تنتهي، والمعارك الضارية التي تخوضها نفسي ضد نفسي. أنا أغلي من الداخل، مثقلٌ بتراكمات الأيام التي لم تجد مخرجاً، فصارت حِمماً بركانية تثور في جمجمتي، وتلقي بي في غيابة ألمٍ مهلك أشعر أنه سيقتلني يوماً. كل المسكنات تقف عاجزة أمام هذا الوجع، فالأمر تجاوز حدود الجسد.. *إنّه الصِّداع الذي ينبع من الصَّدْع.. صَدْع الروح من الداخل.*
وسط هذا الجحيم الداخلي، ومضتْ مساحة من الجمال المباغت؛ إذ أهداني صديقي الغالي *أحمد محمد علي مصلح* طوقاً من الفل الأخضر، يفيض نضارةً وعطراً زكياً. لَفَفْتُه حول عنقي، وكأنني أحتمي برائحته من غليان الأفكار وألم الرأس، ثم اتجهتُ صوب المنزل.
في طريقي، مررتُ بإحدى الصيدليات باحثاً عن حبة "باراسيتامول" لعلها تهدئ من روع هذا الرأس الثائر. هناك، وقعت عين أحد الحاضرين على عقد الفل الأخضر، سحرته نضارته الطرية فطلبه مني؛ لكنني رفضت بشدة، فلم أكن مستعداً للتفريط في هديةٍ تحمل عبق المودة وسط قسوة يومي.
غادرتُ المكان، واستأنفتُ طريقي على متن دراجتي النارية عبر مسارٍ وعر وملتوٍ. لكن القَدَر قرر أن يضع لمسته الدرامية الساخرة على المشهد؛ ففي لحظة خاطفة، اختلّ التوازن وانقلبت بي الدراجة!
تطاير العطر، وسقطتُ على الأرض الصلبة، ليتلقى جانبي الأيسر الصدمة كاملة؛ حيث أُصبتُ برضوض قاسية في يدي ورجلي اليسرى. وهنا.. *زاد الطين بِلّة*، واشتبك وجع الجسد برضوضه الطازجة مع ثوران الرأس القديم، ليتضاعف الألم وينفجر الصداع بشكلٍ غير مسبوق، وكأن وعورة الطريق بأكمله قد استقرت في عمق جمجمتي!
ماهر العقيلي
لكنها كذبة بيضاء أداري بها بركاناً لا يهدأ. حقيقة الأمر أعمق بكثير؛ هذا الصداع ليس وعكة عابرة، بل هو *حكمٌ ديكتاتوري صارم يصدره جسدي عقاباً لي*. عقابٌ على إفراطي المزمن في التفكير، على تلك الأحاديث النفسية السامة التي لا تنتهي، والمعارك الضارية التي تخوضها نفسي ضد نفسي. أنا أغلي من الداخل، مثقلٌ بتراكمات الأيام التي لم تجد مخرجاً، فصارت حِمماً بركانية تثور في جمجمتي، وتلقي بي في غيابة ألمٍ مهلك أشعر أنه سيقتلني يوماً. كل المسكنات تقف عاجزة أمام هذا الوجع، فالأمر تجاوز حدود الجسد.. *إنّه الصِّداع الذي ينبع من الصَّدْع.. صَدْع الروح من الداخل.*
وسط هذا الجحيم الداخلي، ومضتْ مساحة من الجمال المباغت؛ إذ أهداني صديقي الغالي *أحمد محمد علي مصلح* طوقاً من الفل الأخضر، يفيض نضارةً وعطراً زكياً. لَفَفْتُه حول عنقي، وكأنني أحتمي برائحته من غليان الأفكار وألم الرأس، ثم اتجهتُ صوب المنزل.
في طريقي، مررتُ بإحدى الصيدليات باحثاً عن حبة "باراسيتامول" لعلها تهدئ من روع هذا الرأس الثائر. هناك، وقعت عين أحد الحاضرين على عقد الفل الأخضر، سحرته نضارته الطرية فطلبه مني؛ لكنني رفضت بشدة، فلم أكن مستعداً للتفريط في هديةٍ تحمل عبق المودة وسط قسوة يومي.
غادرتُ المكان، واستأنفتُ طريقي على متن دراجتي النارية عبر مسارٍ وعر وملتوٍ. لكن القَدَر قرر أن يضع لمسته الدرامية الساخرة على المشهد؛ ففي لحظة خاطفة، اختلّ التوازن وانقلبت بي الدراجة!
تطاير العطر، وسقطتُ على الأرض الصلبة، ليتلقى جانبي الأيسر الصدمة كاملة؛ حيث أُصبتُ برضوض قاسية في يدي ورجلي اليسرى. وهنا.. *زاد الطين بِلّة*، واشتبك وجع الجسد برضوضه الطازجة مع ثوران الرأس القديم، ليتضاعف الألم وينفجر الصداع بشكلٍ غير مسبوق، وكأن وعورة الطريق بأكمله قد استقرت في عمق جمجمتي!
ماهر العقيلي
ذات صباح ..
وكما هي العادة أخرج مُتأخراً
اصعد على متنِ الحافلة نفسها كُل يوم
فبالرغم من إنها قديمة إلا إن لسائِقها ذوقٌ
موسيقي ينسابُ بنسقٍ معين بدونِ ترتيبٍ مُسبق
يُغريني لأتحمل شقاء الرِحلة ..
يُشعِرني وكأني مستمعٌ متذوقٌ في حفلةٍ لأمِ كلثوم ..
لا شكَ في أن البداية كانت من نصيبِ فيروز
إلا ان الشك في ما سمعتهُ اول لحظةٍ من جلوسي
قرب النافذة
" يا أنا يا أنا ، أنا وياك "
يا أنا ! قد سمعتُ هذا من قبل ! أذكر
انكِ ناديتِني مرة " يا أنا " ليس شكً انهُ يقين ..
فخطر على فكري بالكِ وبدأت أمواج العواطف
تلاطمُ نفسها بين مدٍ يُعيدكِ آلي وجزرٍ يأخذكِ مني ..
شعرت حينها بما قالتهُ شيرين :
" على بالي ولا انت داري بالي جرالي
والليالي سنين طويلة سبتها لي "
هل يا تُرى بالكِ يبادلني السجال ؟!
هل تشعرين ؟! هل تخافين مثلي ؟
بدت الأغنية وكأنها لوحة قديمة في مخيلتي
ثملتُ خلالها أعوام متكأً على النافذة ،
بين نُعاسي وهيامي وحرب المشاعر
يأتي جورج وسوف ويقطع سُكنتي ويقول :
" روحي يا نسمه عند الحبايب ويا الحنين "
ليأخذني الحنين في رحلةٍ طويلة تحمل بين طياتها عاصفة من الذكريات ، عاصفة لا يشعر بها الجالسون حولي ..
ليُعيدني اليكِ كمان لو كُنت طفلاً متلهفاً لحُضنِ أمه
ويرسوا بي على ضفاف نهركِ الذي رضيت الغرق فيه مؤبدا ..
يجرُ بيدي رغماً عني إلى تلكَ الزوايا المخبئة ،
إلى الطرقات التي مَررنا بها والدرابين التي
غنينا فيها
وأهل الحيّ ممن رزقهُ الله رؤيتكِ والشامتون
والمتردية والنطيحة ،
الكُل من حولي تطالع وحدتي
ولا أرى في عيونهم غيرَ" نحنُ " !
""العيون اللي انرسم فيها خيالك
والحنين الي سرى بروحي وجالك
ماهو بس أنا حبيبي
الاماكن كلها مشتاقه لك "
وأنا أتعثرُ في مشيتي، حائراً ضائعاً مُرتبك
كجنديٍ يُخيلُ له ضجيجُ الحربِ في لحظات أُنسه ،
ليأتي هيثم يوسف ويعزز حسرتي بتساؤل
مضمونه الخيبه يقول فيه :
" ايش يوصلني جنب قلبك ؟! ايش سويت أنا بروحي ؟!
ومع كل هذه النكبات التي مررت بها
والتي أودت بقلبي جثة هامدة في إطار العشق
إلا أنكِ ما زلتي مُبرري الوحيد للبقاء على هذه الأرض ..
أنتِ لا تدركين معنى أن يعيش إنساناً على قيدكِ
لا تدرين بأنكِ كلما كنتي تُدندنين مع أليسا
" يا مرايتي ياللي بتعرفي حكايتي
أنتي بتعرفي شفت ايش وبتعرفي من ايش خفت "
يأتيني طيفكِ خلسةً من دون علمكِ
يُرتب افكاري مثلما تفعلين في بيتكم ،
يمسح على رأسي حاملاً ثُقل أشواقي ..
لكن لحُسن الحظ هي لا تعكسُ المشاعر
ولا الخذلان ولا الخيبة وحدي أنا من يعرفُ
حكايتكِ ويعرفُ انك مخادعة
تكذبين عليها وترسمين من خلالها صوراً
مُزيفه في محاوله منك لإقناع مشاعركِ بالنسيان
تفعلين كما تفعل شيرين وهي تعبر عن وجعها
بالغناء !
لكن (بعد كل جملة وأخرى تأتي "لكن" صادقة
من أعماقي لِتُبرر ما تفعلين )
هكذا بلا مُبرر انا افضل اكاذيبُكِ وخداعُكِ على
الأخلاق الحميدة والصفات الجلية ..
ولأنني رجلاً قريحتهُ الأدبية لا تُسعفُه لوصف كُل ما تملكين من أنوثة جامحة وملامح مُلهمة أخاف عليكِ من قلةِ حيلتي
اعذري وهني ولكن سأستعينُ بما قالهُ القيصر في إحداهن :
"أنت امرأةٌ لا احسبها بالساعات وبالايام "
لا أُبالغُ ان قلتُ بأن كل ما غناه كاظم الساهر
من غزل لا يصفُ حُسنَ وجهكِ
ولا طرفَ مُقلتيكِ ولا لحظُ التفاتاتكِ ولا قوامُكِ ولا نبرتكِ
ولا حتى " صبغ اظافركِ" على الأقل بالنسبةِ لي ..
وهنا أستوقفني حسين الجسمي ليعبرُ عَني :
" أنا كلما نويت انساك لك الذكرى ترجعني ! "
في حضرتكِ تُصبح النوايا السيئة مثل النسيان محضَ وهمٍ
يتداوله عقلي بين الحين والأخر لإثبات كبريائه !
وبينما أنا اتحسر مع حسين الجسمي وهو يواصل
رثائه " فراقك اه يفراقك "
فززتُ من غفلتي
على صوت أحد الرُكاب وهو يطلب من السائق التوقف للنزول وإذا بي قد عبرت موقعي المحدد للنزول
والوقت قد داهمني ، فنزلت مسرعاً فاقداً للوعي
وعند الباب أوقفني نداء عبادي الجوهر مُعاتباً قلبي :
" شفت الوهم كيف خذلك ؟
ولأي حالة وصلك ؟ ما قلتلك
يا قلبي لا ، لتحب حاجة ماهي لك !"
ها أنا من جديد انزلُ وحيداً لا حول لي أو قوةً
ابتلعُ خيبة راشد الماجد حين قال :
" ماحسني فاقد حبيب ، أحسني فاقد بلد "
ثم أنّي تاركاً إياكِ خلفي
في " المُسجل " بين الأغاني والألحان
لكن منطفئة ! لا أدري إن كان هذا من فعل السائق
أم انكِ تعلمين وجودي من عدمه ..
وإن سألتِني سأختار الثانية
ومعي دليل ! وانا وحُبنا والقارئين شهود حينما
قُلتي لي " يا أنا " ولا يُخفى على أحدٍ معنى ذلك
ان روحُكِ لم تزل معي حتى في غيابكِ ..
وكما هي العادة أخرج مُتأخراً
اصعد على متنِ الحافلة نفسها كُل يوم
فبالرغم من إنها قديمة إلا إن لسائِقها ذوقٌ
موسيقي ينسابُ بنسقٍ معين بدونِ ترتيبٍ مُسبق
يُغريني لأتحمل شقاء الرِحلة ..
يُشعِرني وكأني مستمعٌ متذوقٌ في حفلةٍ لأمِ كلثوم ..
لا شكَ في أن البداية كانت من نصيبِ فيروز
إلا ان الشك في ما سمعتهُ اول لحظةٍ من جلوسي
قرب النافذة
" يا أنا يا أنا ، أنا وياك "
يا أنا ! قد سمعتُ هذا من قبل ! أذكر
انكِ ناديتِني مرة " يا أنا " ليس شكً انهُ يقين ..
فخطر على فكري بالكِ وبدأت أمواج العواطف
تلاطمُ نفسها بين مدٍ يُعيدكِ آلي وجزرٍ يأخذكِ مني ..
شعرت حينها بما قالتهُ شيرين :
" على بالي ولا انت داري بالي جرالي
والليالي سنين طويلة سبتها لي "
هل يا تُرى بالكِ يبادلني السجال ؟!
هل تشعرين ؟! هل تخافين مثلي ؟
بدت الأغنية وكأنها لوحة قديمة في مخيلتي
ثملتُ خلالها أعوام متكأً على النافذة ،
بين نُعاسي وهيامي وحرب المشاعر
يأتي جورج وسوف ويقطع سُكنتي ويقول :
" روحي يا نسمه عند الحبايب ويا الحنين "
ليأخذني الحنين في رحلةٍ طويلة تحمل بين طياتها عاصفة من الذكريات ، عاصفة لا يشعر بها الجالسون حولي ..
ليُعيدني اليكِ كمان لو كُنت طفلاً متلهفاً لحُضنِ أمه
ويرسوا بي على ضفاف نهركِ الذي رضيت الغرق فيه مؤبدا ..
يجرُ بيدي رغماً عني إلى تلكَ الزوايا المخبئة ،
إلى الطرقات التي مَررنا بها والدرابين التي
غنينا فيها
وأهل الحيّ ممن رزقهُ الله رؤيتكِ والشامتون
والمتردية والنطيحة ،
الكُل من حولي تطالع وحدتي
ولا أرى في عيونهم غيرَ" نحنُ " !
""العيون اللي انرسم فيها خيالك
والحنين الي سرى بروحي وجالك
ماهو بس أنا حبيبي
الاماكن كلها مشتاقه لك "
وأنا أتعثرُ في مشيتي، حائراً ضائعاً مُرتبك
كجنديٍ يُخيلُ له ضجيجُ الحربِ في لحظات أُنسه ،
ليأتي هيثم يوسف ويعزز حسرتي بتساؤل
مضمونه الخيبه يقول فيه :
" ايش يوصلني جنب قلبك ؟! ايش سويت أنا بروحي ؟!
ومع كل هذه النكبات التي مررت بها
والتي أودت بقلبي جثة هامدة في إطار العشق
إلا أنكِ ما زلتي مُبرري الوحيد للبقاء على هذه الأرض ..
أنتِ لا تدركين معنى أن يعيش إنساناً على قيدكِ
لا تدرين بأنكِ كلما كنتي تُدندنين مع أليسا
" يا مرايتي ياللي بتعرفي حكايتي
أنتي بتعرفي شفت ايش وبتعرفي من ايش خفت "
يأتيني طيفكِ خلسةً من دون علمكِ
يُرتب افكاري مثلما تفعلين في بيتكم ،
يمسح على رأسي حاملاً ثُقل أشواقي ..
لكن لحُسن الحظ هي لا تعكسُ المشاعر
ولا الخذلان ولا الخيبة وحدي أنا من يعرفُ
حكايتكِ ويعرفُ انك مخادعة
تكذبين عليها وترسمين من خلالها صوراً
مُزيفه في محاوله منك لإقناع مشاعركِ بالنسيان
تفعلين كما تفعل شيرين وهي تعبر عن وجعها
بالغناء !
لكن (بعد كل جملة وأخرى تأتي "لكن" صادقة
من أعماقي لِتُبرر ما تفعلين )
هكذا بلا مُبرر انا افضل اكاذيبُكِ وخداعُكِ على
الأخلاق الحميدة والصفات الجلية ..
ولأنني رجلاً قريحتهُ الأدبية لا تُسعفُه لوصف كُل ما تملكين من أنوثة جامحة وملامح مُلهمة أخاف عليكِ من قلةِ حيلتي
اعذري وهني ولكن سأستعينُ بما قالهُ القيصر في إحداهن :
"أنت امرأةٌ لا احسبها بالساعات وبالايام "
لا أُبالغُ ان قلتُ بأن كل ما غناه كاظم الساهر
من غزل لا يصفُ حُسنَ وجهكِ
ولا طرفَ مُقلتيكِ ولا لحظُ التفاتاتكِ ولا قوامُكِ ولا نبرتكِ
ولا حتى " صبغ اظافركِ" على الأقل بالنسبةِ لي ..
وهنا أستوقفني حسين الجسمي ليعبرُ عَني :
" أنا كلما نويت انساك لك الذكرى ترجعني ! "
في حضرتكِ تُصبح النوايا السيئة مثل النسيان محضَ وهمٍ
يتداوله عقلي بين الحين والأخر لإثبات كبريائه !
وبينما أنا اتحسر مع حسين الجسمي وهو يواصل
رثائه " فراقك اه يفراقك "
فززتُ من غفلتي
على صوت أحد الرُكاب وهو يطلب من السائق التوقف للنزول وإذا بي قد عبرت موقعي المحدد للنزول
والوقت قد داهمني ، فنزلت مسرعاً فاقداً للوعي
وعند الباب أوقفني نداء عبادي الجوهر مُعاتباً قلبي :
" شفت الوهم كيف خذلك ؟
ولأي حالة وصلك ؟ ما قلتلك
يا قلبي لا ، لتحب حاجة ماهي لك !"
ها أنا من جديد انزلُ وحيداً لا حول لي أو قوةً
ابتلعُ خيبة راشد الماجد حين قال :
" ماحسني فاقد حبيب ، أحسني فاقد بلد "
ثم أنّي تاركاً إياكِ خلفي
في " المُسجل " بين الأغاني والألحان
لكن منطفئة ! لا أدري إن كان هذا من فعل السائق
أم انكِ تعلمين وجودي من عدمه ..
وإن سألتِني سأختار الثانية
ومعي دليل ! وانا وحُبنا والقارئين شهود حينما
قُلتي لي " يا أنا " ولا يُخفى على أحدٍ معنى ذلك
ان روحُكِ لم تزل معي حتى في غيابكِ ..
أنتِ كالصوت عندما يُفسرهُ الفيزيائيون
لا يُعدُ صوتاً إلا اذا كان هُناك أذانٌ تسمع !
سأحمل كُل هذه " الحقائق "على كتفي
من دون إن اودعكِ
لان الوداع بيننا مثل ما عرفهُ درويش
" اسميك الوداع ولا أودع غير نفسي "
سأكتفي بندبِ القدر وشتمِ حظي
فلم تعد " بحياتي امرأة عيناها سبحان المعبود
لا يُعدُ صوتاً إلا اذا كان هُناك أذانٌ تسمع !
سأحمل كُل هذه " الحقائق "على كتفي
من دون إن اودعكِ
لان الوداع بيننا مثل ما عرفهُ درويش
" اسميك الوداع ولا أودع غير نفسي "
سأكتفي بندبِ القدر وشتمِ حظي
فلم تعد " بحياتي امرأة عيناها سبحان المعبود
كيمياء الروح
لم أكن قبل معرفتكِ سوى عنصرٍ خامل في جدول الحياة الدوري، أعيش في مداري المنعزل، أتحاشى الصدمات وأحافظ على استقراري البارد عند *الصفر المطلق*. كنت أشبه بتلك الغازات النبيلة التي تكتفي بذاتها، ولا تكترث لروابط العالم من حولها.
لكن، منذ اللحظة الأولى التي اقتربتِ فيها من مجالي، اختلّ توازني الفيزيائي والكيميائي معاً. لقد كنتِ أنتِ *"طاقة التنشيط"*التي حطمت جدار خملي، والشرارة المقدسة التي بدأت تفاعلاً لم أعهد له مثيلاً في مختبرات مشاعري. لم يكن حبنا مجرد تلامس عابر، بل كان *تفاعلاً طارداً للحرارة*، يبعث الدفء والأمان في أروقة روحي التي طالما عانت من صقيع الوحدة. بروتوكول الاندماج
نحن الآن لسنا مجرد عنصرين التقيا مصادفة، بل نحن رابطة تساهمية وثيقة ومتينة:
*المشاركة الكاملة:* لا أحد منا يسلب الآخر طاقته أو يمحو هويته، بل نتشارك كل شيء؛ أحلامنا، مخاوفنا، ولحظاتنا الصامتة.
*الذوبان التام:لقد ذبنا في بعضنا البعض حتى استحلنا محلولاً متجانساً، لا يمكن لأعتى قوى الفصل أو الطرد المركزي أن تميز تفاصيلنا المغتربة عن بعضها.
*الثبات:* مركبنا الجديد أكثر استقراراً من حالتنا المنفردة، كأننا خُلقنا لنصل معاً إلى هذه الحالة من الكمال.
إنني أعلنها اليوم بقلبٍ يملؤه اليقين: حبنا تفاعلٌ **غير عكسي*، يسير في اتجاه واحد فقط نحو الامتزاج الأبدي، ولا يمكن لأي عامل مساعد في هذا الكون أن يفكك ما ارتبط بـ *روابط تساهمية قوية*.
ومهما تغيرت الضغوط المحيطة بنا، أو تقلبت درجات حرارة الأيام وظروفها، سنظل دائماً في حالة *اتزان ديناميكي*، يجدد نفسه تلقائياً ليحمي هذا المركب الفريد الذي أسميناه... "نحن".
ماهر العقيلي
لم أكن قبل معرفتكِ سوى عنصرٍ خامل في جدول الحياة الدوري، أعيش في مداري المنعزل، أتحاشى الصدمات وأحافظ على استقراري البارد عند *الصفر المطلق*. كنت أشبه بتلك الغازات النبيلة التي تكتفي بذاتها، ولا تكترث لروابط العالم من حولها.
لكن، منذ اللحظة الأولى التي اقتربتِ فيها من مجالي، اختلّ توازني الفيزيائي والكيميائي معاً. لقد كنتِ أنتِ *"طاقة التنشيط"*التي حطمت جدار خملي، والشرارة المقدسة التي بدأت تفاعلاً لم أعهد له مثيلاً في مختبرات مشاعري. لم يكن حبنا مجرد تلامس عابر، بل كان *تفاعلاً طارداً للحرارة*، يبعث الدفء والأمان في أروقة روحي التي طالما عانت من صقيع الوحدة. بروتوكول الاندماج
نحن الآن لسنا مجرد عنصرين التقيا مصادفة، بل نحن رابطة تساهمية وثيقة ومتينة:
*المشاركة الكاملة:* لا أحد منا يسلب الآخر طاقته أو يمحو هويته، بل نتشارك كل شيء؛ أحلامنا، مخاوفنا، ولحظاتنا الصامتة.
*الذوبان التام:لقد ذبنا في بعضنا البعض حتى استحلنا محلولاً متجانساً، لا يمكن لأعتى قوى الفصل أو الطرد المركزي أن تميز تفاصيلنا المغتربة عن بعضها.
*الثبات:* مركبنا الجديد أكثر استقراراً من حالتنا المنفردة، كأننا خُلقنا لنصل معاً إلى هذه الحالة من الكمال.
إنني أعلنها اليوم بقلبٍ يملؤه اليقين: حبنا تفاعلٌ **غير عكسي*، يسير في اتجاه واحد فقط نحو الامتزاج الأبدي، ولا يمكن لأي عامل مساعد في هذا الكون أن يفكك ما ارتبط بـ *روابط تساهمية قوية*.
ومهما تغيرت الضغوط المحيطة بنا، أو تقلبت درجات حرارة الأيام وظروفها، سنظل دائماً في حالة *اتزان ديناميكي*، يجدد نفسه تلقائياً ليحمي هذا المركب الفريد الذي أسميناه... "نحن".
ماهر العقيلي
لم تكن تلك السطور السعيدة مجرد تفاؤل عابر لتُعجبي به، ولا هذا السواد الممتد في حبري محاولةً لدفِعكِ بعيداً عني. كل ما في الأمر أنني أكتب إليكِ لأكشف عورة روحي؛ لتري بنفسكِ هذا الإعصار من التناقض الذي يمزق تفكيري. أنتِ لستِ مجرد قارئة.. أنتِ الشاهدة الوحيدة على شتاتي. أستيقظ في بعض الأيام وفي قلبي فيضان من الحب، رغبة طفولية جارفة في أن أحتضن كل من أراه في طريقي، كأنني أملك حناناً يكفي لترميم انكسارات الأرض جمعاء. وفي أيام أخرى، ينطفئ كل شيء في عيني، فلا أطيق صوتاً ولا وجهاً، وأتمنى لو أنني لا أعرف أحداً سوى نفسي الهاربة. يوماً أكون لكِ *جنةً وارفة الأظلال*، ويوماً يتطاير الشرر من صمتي. يوماً يخيّل إليّ أنني بكلمة منكِ سأحتل العالم وأغير قدره، ويوماً أشعر أنني أضعف من أن أزيح عن صدركِ نسمة هواء ثقيلة. لم أطلب يوماً ما يرهق قلبي أو يطفئ بريقه، كنتُ فقط أبحث عما يجعلني أحيا.. عما يربطني بنبضكِ. لكن الحياة، بطريقتها القاسية المعتادة، منحتني كل ما كنتُ أخشاه. أحياناً أشعر أن حزني يشبه مرضاً أصاب جسداً عليلاً بالفعل؛ حتى لو داوتني معجزة حبكِ من هذا الألم الطارئ، سأظل خائفاً من أن أعود إلى طبيعتي الأولى.. *مريضاً بالخوف، ومثقلاً بالشتات*. أنا أرتجف .. أرتجف من هول ما أكتشفه في نفسي من تقلبات. أرجوكِ، لا تنبشي في زواياي المظلمة، دعيني في عينيكِ ذاك الشخص النقي الذي تظنينه الأفضل. فرغم أنني لست كذلك، ورغم أنني أرى نفسي أحياناً أسوأ من في الأرض، إلا أنني لا أتحمل أن تنكسر صورتي الجميلة في خيالكِ. ولكن، خذي هذا النبض عهداً قاطعاً: إن استطعتِ الصمود أمام عواصفي، وإن اخترتِ البقاء بجانبي دون أن تخدش قسوتي رقة قلبكِ أو تلوث عتمتي بياض أيامكِ.. أعدكِ، بل أقسم لكِ، أنني سأخوض حرباً طاحنة ضد شياطيني من أجلكِ، *سأحرقهم واحداً تلو الآخر، حتى وإن كانوا هم كل ما أملك في هذا العالم الموحش*
ماهر العقيلي
ماهر العقيلي
شظايا العزلة.. وتراتيل المدار الأخير
حين يرخي الليل سدوله الثقيلة على غرفتي الباردة، لا يأتيني الصمت كصديق مواسٍ، بل كخصم متربص يتقن الانتظار. أرقب الجدار المتهالك في عتمتي، وأعلم بقلبٍ يرتجف أن هناك، خلف ثقب صغير وضيق، عيناً زجاجية باردة لا تنام.. إنه *اليأس*.
يتلصص عليّ في كل ليلة، يمد أصابعه الظلامية النحيلة ليتحسس مواضع الضعف في روحي، يتربص بنبضي، وينتظر بشغف مريض تلك اللحظة التي تنحني فيها قامات صبري لأعلن انكساري التام وأسقط في هاويته.
وفي تلك اللحظات الحرجة، حيث يوشك سقف الغرفة أن يطبق على أنفاسي، وحيث يكاد اليأس يقتحم حصوني المتهدمة، لا أجد مفرّاً سوى التوسل بملامحكِ الراسخة في ذاكرتي. ألوذ بطيفكِ كمن يلوذ بآخر طوق نجاة في بحر لجيّ، ألتف برائحة أمانكِ الغائب، وأحتمي بكِ من هذا الغول الجاثم على صدري. بكِ أنتِ وحدكِ، وبجرعة الضوء الهاربة من عينيكِ، أستجمع شتات نفسي المبعثرة، وأقف على قدمين مرتجفتين لأواجه هذا العراء الخالي. لولاكِ لكنت قشة تذروها رياح العدم، وبكِ أنتِ فقط.. لا زلت أستطيع الوقوف، ولا زلت أملك صوتاً يرفض الاستسلام
لكنني، في حقيقة الأمر، أعيش عاصفة صامتة لا تهدأ، أتنفس قلقاً خالصاً يمزق أحشائي ويسرق النوم من جفوني. أتقلب في وضع عاصف وغير مستقر بالمرة، يجلدني فيه سياج الوحدة، ويقتلني كوني هائماً بلا مرسى، ومطروحاً على أرصفة الحياة دون أن أكون مرتبطاً بأي حد؛ إنها وحشة الوجود العاري من أي انتماء.
أجدني أشبه تماماً، في أوج عزلتي وانكساري، *ذرة صوديوم* منفردة وضائعة في فراغ كوني سحيق.. ذرة بائسة حُكم عليها بنفيٍ أبدي، تحمل في مدارها الأخير والمنعزل إلكتروناً واحداً حائراً، يتيماً، ومضطرباً.
هذا الإلكترون الوحيد ليس ميزة، بل هو لعنتي المستمرة؛ يضعني في حالة استنفار قصوى، ويسلب مني سكينتي، ليجعلني نفساً قابلة للاشتعال السريع، وكياناً هشاً ينفجر غضباً وحزناً مع أبسط احتكاك بهذا الواقع الخشن المرير.
أتحرك بتخبط جنوني في هذا الفراغ الموحش، تائه القبلة، تتجاذبني الظلمات والحرائق الداخلية. لست أبحث عن رفاهية العاطفة، بل أندفع برغبة عارمة، يائسة، وبجوع مفرط للارتباط والالتحام بأي ذرة أخرى، بأي روح عابرة، بأي كتف يشاركني ثقل هذا الوجود الإنساني المنهك.
أبحث عن ذلك الالتحام لا لشيء، ولا طمعاً في خلود أو مجد.. بل فقط رغبةً في بلوغ السكينة الغائبة، وبحثاً عن استقرار كيميائي يوقف هذا التفتت الروحي، وعسى أن تخمد -ولو قليلاً- تلك الفوضى الحارقة والمستعرة التي تأكل أحشائي في كل ليلة، وتحيل أيامي إلى رماد بارد.
ماهر العقيلي
حين يرخي الليل سدوله الثقيلة على غرفتي الباردة، لا يأتيني الصمت كصديق مواسٍ، بل كخصم متربص يتقن الانتظار. أرقب الجدار المتهالك في عتمتي، وأعلم بقلبٍ يرتجف أن هناك، خلف ثقب صغير وضيق، عيناً زجاجية باردة لا تنام.. إنه *اليأس*.
يتلصص عليّ في كل ليلة، يمد أصابعه الظلامية النحيلة ليتحسس مواضع الضعف في روحي، يتربص بنبضي، وينتظر بشغف مريض تلك اللحظة التي تنحني فيها قامات صبري لأعلن انكساري التام وأسقط في هاويته.
وفي تلك اللحظات الحرجة، حيث يوشك سقف الغرفة أن يطبق على أنفاسي، وحيث يكاد اليأس يقتحم حصوني المتهدمة، لا أجد مفرّاً سوى التوسل بملامحكِ الراسخة في ذاكرتي. ألوذ بطيفكِ كمن يلوذ بآخر طوق نجاة في بحر لجيّ، ألتف برائحة أمانكِ الغائب، وأحتمي بكِ من هذا الغول الجاثم على صدري. بكِ أنتِ وحدكِ، وبجرعة الضوء الهاربة من عينيكِ، أستجمع شتات نفسي المبعثرة، وأقف على قدمين مرتجفتين لأواجه هذا العراء الخالي. لولاكِ لكنت قشة تذروها رياح العدم، وبكِ أنتِ فقط.. لا زلت أستطيع الوقوف، ولا زلت أملك صوتاً يرفض الاستسلام
لكنني، في حقيقة الأمر، أعيش عاصفة صامتة لا تهدأ، أتنفس قلقاً خالصاً يمزق أحشائي ويسرق النوم من جفوني. أتقلب في وضع عاصف وغير مستقر بالمرة، يجلدني فيه سياج الوحدة، ويقتلني كوني هائماً بلا مرسى، ومطروحاً على أرصفة الحياة دون أن أكون مرتبطاً بأي حد؛ إنها وحشة الوجود العاري من أي انتماء.
أجدني أشبه تماماً، في أوج عزلتي وانكساري، *ذرة صوديوم* منفردة وضائعة في فراغ كوني سحيق.. ذرة بائسة حُكم عليها بنفيٍ أبدي، تحمل في مدارها الأخير والمنعزل إلكتروناً واحداً حائراً، يتيماً، ومضطرباً.
هذا الإلكترون الوحيد ليس ميزة، بل هو لعنتي المستمرة؛ يضعني في حالة استنفار قصوى، ويسلب مني سكينتي، ليجعلني نفساً قابلة للاشتعال السريع، وكياناً هشاً ينفجر غضباً وحزناً مع أبسط احتكاك بهذا الواقع الخشن المرير.
أتحرك بتخبط جنوني في هذا الفراغ الموحش، تائه القبلة، تتجاذبني الظلمات والحرائق الداخلية. لست أبحث عن رفاهية العاطفة، بل أندفع برغبة عارمة، يائسة، وبجوع مفرط للارتباط والالتحام بأي ذرة أخرى، بأي روح عابرة، بأي كتف يشاركني ثقل هذا الوجود الإنساني المنهك.
أبحث عن ذلك الالتحام لا لشيء، ولا طمعاً في خلود أو مجد.. بل فقط رغبةً في بلوغ السكينة الغائبة، وبحثاً عن استقرار كيميائي يوقف هذا التفتت الروحي، وعسى أن تخمد -ولو قليلاً- تلك الفوضى الحارقة والمستعرة التي تأكل أحشائي في كل ليلة، وتحيل أيامي إلى رماد بارد.
ماهر العقيلي
ماذا لو تعب العقل أخيرًا من حراسة الروح، وألقى مفاتيح الحذر جانبًا، ثم قدّم استقالته بصمتٍ لا ضجيج فيه؟ ماذا لو نهض القلب من مقعده الخلفي، وتولّى قيادة الحياة وحده؟
حينها سأعيش كما تُولد الأغنيات؛ بلا حساباتٍ دقيقة، ولا خرائط نجاة، ولا أسئلةٍ تُفسد دهشة البدايات. سأقترب ممن أحب دون أن أخشى المسافة التي قد تتركها الخيبة، وسأمدّ يدي نحو المشاعر كما يمدّ الطفل يده نحو الضوء، مؤمنًا به قبل أن يفهمه.
سأقول ما أشعر به كما هو، دون أن أعيد ترتيب الكلمات عشرات المرات خوفًا من سوء الفهم أو ثقل الاعتراف. سأحبّ دون شروط، وأشتاق دون كبرياء، وأمنح من قلبي ما ظلّ العقل طويلًا يحتفظ به في أدراج التردّد.
لكن القلب، على جماله، لا يعرف فنون النجاة. إنه كائنٌ خُلِق ليشعر، لا ليحتمي. لذلك سأحمل معه أثقالًا أخرى؛ سأفرح أكثر، لكنني سأحزن أكثر أيضًا. سأبكي بحرقةٍ أكبر، وأتعلّق بما أحب بعمقٍ مُرهق، وسأغفر أخطاءً كثيرة لأن القلب لا يجيد الحساب، ولا يحفظ سجلات الخسائر كما يفعل العقل.
سأغرق في الناس، وفي الذكريات، وفي الأحلام، حتى آخر قطرة من الشعور. فالقلب لا يتقن الوقوف على الشاطئ، بل يعرف فقط كيف يلقي بنفسه في البحر، مهما كانت العاصفة.
وربما لن أكون أكثر حكمة إذا استقال العقل، وربما سأرتكب من الأخطاء ما يكفي لعمرٍ كامل، لكنني بالتأكيد سأكون أكثر صدقًا، وأكثر دفئًا، وأكثر إنسانية.
فبعض الحياة لا يُعاش بالعقل وحده، وبعض النجاة ليست إلا شكلًا آخر من أشكال الموت البطيء. أما القلب، ورغم كل جراحه، فإنه يعرف سرًا لا يدركه العقل دائمًا: أن الحياة الحقيقية ليست أن نتجنّب الغرق، بل أن نمتلك الشجاعة لنشعر بكل شيء حتى النهاية.
ماهر العقيلي
حينها سأعيش كما تُولد الأغنيات؛ بلا حساباتٍ دقيقة، ولا خرائط نجاة، ولا أسئلةٍ تُفسد دهشة البدايات. سأقترب ممن أحب دون أن أخشى المسافة التي قد تتركها الخيبة، وسأمدّ يدي نحو المشاعر كما يمدّ الطفل يده نحو الضوء، مؤمنًا به قبل أن يفهمه.
سأقول ما أشعر به كما هو، دون أن أعيد ترتيب الكلمات عشرات المرات خوفًا من سوء الفهم أو ثقل الاعتراف. سأحبّ دون شروط، وأشتاق دون كبرياء، وأمنح من قلبي ما ظلّ العقل طويلًا يحتفظ به في أدراج التردّد.
لكن القلب، على جماله، لا يعرف فنون النجاة. إنه كائنٌ خُلِق ليشعر، لا ليحتمي. لذلك سأحمل معه أثقالًا أخرى؛ سأفرح أكثر، لكنني سأحزن أكثر أيضًا. سأبكي بحرقةٍ أكبر، وأتعلّق بما أحب بعمقٍ مُرهق، وسأغفر أخطاءً كثيرة لأن القلب لا يجيد الحساب، ولا يحفظ سجلات الخسائر كما يفعل العقل.
سأغرق في الناس، وفي الذكريات، وفي الأحلام، حتى آخر قطرة من الشعور. فالقلب لا يتقن الوقوف على الشاطئ، بل يعرف فقط كيف يلقي بنفسه في البحر، مهما كانت العاصفة.
وربما لن أكون أكثر حكمة إذا استقال العقل، وربما سأرتكب من الأخطاء ما يكفي لعمرٍ كامل، لكنني بالتأكيد سأكون أكثر صدقًا، وأكثر دفئًا، وأكثر إنسانية.
فبعض الحياة لا يُعاش بالعقل وحده، وبعض النجاة ليست إلا شكلًا آخر من أشكال الموت البطيء. أما القلب، ورغم كل جراحه، فإنه يعرف سرًا لا يدركه العقل دائمًا: أن الحياة الحقيقية ليست أن نتجنّب الغرق، بل أن نمتلك الشجاعة لنشعر بكل شيء حتى النهاية.
ماهر العقيلي
لم تكن العتمةُ يومًا هي السبب في ضياعنا، فالدربُ كان مكشوفًا بما يكفي لتراه عينٌ غافلة، فكيف بقلبٍ يملكُ حاسّة التنبؤ؟ المشكلة لم تكمن أبدًا في انعدام الرؤية، بل في تلك الجسارة الغريبة—والوقحة أحيانًا—التي تدفعنا لإنكار ما يبصره الوجدان ناصعًا، مفضلين عطبًا واقعيًا نلمس جراحه، على نجاةٍ ملوثة باعترافٍ مرير بالخطأ.
"الحدس ليس مجرد هاجس عابر؛ إنه صراخ الروح الصامت قبل أن ترتطم الجثة بالأرض، لكننا نصر على اعتباره تشويشًا يجب إسكاته."
لطالما أشارَ الحدسُ إلينا بنبضه الخفي ونحن نسلك دربنا المعتاد نحو الهاوية. كان يشدّ أكمامنا، يزرع غصة في الحلق، ويرسل رجفة تحذيرية تحت الجلد. لكننا، وبإصرارٍ عجيب، كنا نتعامل مع هذه التحذيرات الداخلية كأنها ضوضاء بيضاء، مجرد طنين مزعج يجب التغلب عليه لنكمل المسير بـ "ثقة" مزيفة، لا كإشارات توقف حمراء تستوجب الامتثال الفوري.
إننا—وبكامل قوانا العقلية ونضجنا المزعوم—نختار أحيانًا النهاية الفاجعة المعروفة سلفًا؛ ليس حبًا في الألم، بل لأن مشقة التراجع، والالتفاف للوراء، وإعلان الهزيمة أمام أنفسنا وأمام الآخرين، تبدو في نظر كبريائنا أثقل حملًا من ثمن السقوط نفسه. فضّلنا الارتطام على كسر العناد.
وحين نصل أخيرًا إلى القاع، لا نتفاجأ. لا تتسع أعيننا بدهشة الصدمة، بل نسترخي هناك في جوف المأساة كمن وصل إلى موعده المحدد بدقة.
هنالك، وسط الحطام، ندرك متأخرين أن الكارثة لم تكن في لحظة النهاية ذاتها، بل في **تلك المسافة الطويلة والمضنية التي قضيناها ونحن نُكذّب نبوءةً نعرف—في أعماق أعماقنا—أنها أصدق ما شَعرنا به يوماً.*
ماهر العقيلي
"الحدس ليس مجرد هاجس عابر؛ إنه صراخ الروح الصامت قبل أن ترتطم الجثة بالأرض، لكننا نصر على اعتباره تشويشًا يجب إسكاته."
لطالما أشارَ الحدسُ إلينا بنبضه الخفي ونحن نسلك دربنا المعتاد نحو الهاوية. كان يشدّ أكمامنا، يزرع غصة في الحلق، ويرسل رجفة تحذيرية تحت الجلد. لكننا، وبإصرارٍ عجيب، كنا نتعامل مع هذه التحذيرات الداخلية كأنها ضوضاء بيضاء، مجرد طنين مزعج يجب التغلب عليه لنكمل المسير بـ "ثقة" مزيفة، لا كإشارات توقف حمراء تستوجب الامتثال الفوري.
إننا—وبكامل قوانا العقلية ونضجنا المزعوم—نختار أحيانًا النهاية الفاجعة المعروفة سلفًا؛ ليس حبًا في الألم، بل لأن مشقة التراجع، والالتفاف للوراء، وإعلان الهزيمة أمام أنفسنا وأمام الآخرين، تبدو في نظر كبريائنا أثقل حملًا من ثمن السقوط نفسه. فضّلنا الارتطام على كسر العناد.
وحين نصل أخيرًا إلى القاع، لا نتفاجأ. لا تتسع أعيننا بدهشة الصدمة، بل نسترخي هناك في جوف المأساة كمن وصل إلى موعده المحدد بدقة.
هنالك، وسط الحطام، ندرك متأخرين أن الكارثة لم تكن في لحظة النهاية ذاتها، بل في **تلك المسافة الطويلة والمضنية التي قضيناها ونحن نُكذّب نبوءةً نعرف—في أعماق أعماقنا—أنها أصدق ما شَعرنا به يوماً.*
ماهر العقيلي
أريدُ أن اموت بطريقة مختصرة
بلا احتضار أو ألم...
هكذا أتوسدُ ركبتك في المساء
وبينما تمسحين على شعري
تفيضُ روحي بهدوء
كما لو أنني استسلمت للنوم!
بعد ذلكَ...
أتمنى أن لا تكون لي جنازةٌ كبيرة
كلُ ما احتاجه بسيط جدًا
مطر غزير لا يتوقف
أطفال قريتي يمدون أيديهم من نوافذ البيوت؛
الفقراء في الرصيف أمام السيارات
الطيور المبلّلة على الأسلاك
ورائحة التراب الأبدية...
لا أريدُ ضجيجًا ولا مئات الناس من حولي...
دسّوني في شبرٍ من النسيان وامضوا.*
ماهر العقيلي
بلا احتضار أو ألم...
هكذا أتوسدُ ركبتك في المساء
وبينما تمسحين على شعري
تفيضُ روحي بهدوء
كما لو أنني استسلمت للنوم!
بعد ذلكَ...
أتمنى أن لا تكون لي جنازةٌ كبيرة
كلُ ما احتاجه بسيط جدًا
مطر غزير لا يتوقف
أطفال قريتي يمدون أيديهم من نوافذ البيوت؛
الفقراء في الرصيف أمام السيارات
الطيور المبلّلة على الأسلاك
ورائحة التراب الأبدية...
لا أريدُ ضجيجًا ولا مئات الناس من حولي...
دسّوني في شبرٍ من النسيان وامضوا.*
ماهر العقيلي
العاشرة وأربع وأربعون دقيقة: توقيت قلبي
لم تكن مجرد دقيقة عابرة على عقارب الساعة، بل كانت اللحظة التي توقف فيها الزمان ليعلن ولادة فصل جديد من فصول عشقي لكِ. عند العاشرة وأربع وأربعين دقيقة من ليلة أمس، أضاءت شاشة هاتفي برسالة من محبوبتي الغالية.. لم تكن كلمات مكتوبة، بل كان مقطعاً صوتياً يحمل نبرات "الست" أم كلثوم وهي تشدو بقلبٍ يفيض لوعة:
"ولا إحنا قد الشوق وليالي الشوق.. ولا قلبي قد عذابه.. معرفش إزاي حبيتك"
في تلك اللحظة، سافرتُ في حالة من السكر العاطفي والانشراح العارم، وانتشت روحي بفرحة غامرة لم يسعها مدي الكلمات. امتزجت عذوبة صوت أم كلثوم بنقاء طيفكِ الذي لا يفارقني، فصار صوت "الست" يأسرني، ورسالتكِ تتوّجني ملكاً على عرش العشاق.
لكن العاطفة الجياشة كانت أكبر من أن تحويها التكنولوجيا؛ إذ خانتني بطارية هاتفي وانطفأ الجهاز فجأة، مستنفذاً طاقته في اللحظة التي كنت أبحث فيها عن أحرف تليق بمقام فرحتي وعميق امتناني. عجزتُ عن الكتابة، وبقيتُ ليلتي أردد صدى الأغنية في أعماقي، وأترجم ذلك الصمت الإجباري إلى نبضات تتغنى باسمكِ في عتمة الليل.
واليوم، وأنا في مبنى المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بمحافظة الضالع، أمارس تفاصيل عملي في مختبر مراقبة جودة مياة الشرب، كنتُ كعادتي أستمع إلى بعض الأنغام لتهدئة صخب اليوم. وفجأة، ودون سابق إنذار، انبعثتْ من بين الدقائق الأغنية ذاتها: "ولا إحنا قد الشوق وليالي الشوق...".
يا لِسحر المصادفة! كيف للمكان والزمان أن يتواطآ مجدداً لإحياء تلك النشوة؟ في ثوانٍ معدودة، عادت بي الذاكرة طائرة إلى تفاصيل ليلة أمس، وتجسدت أمامي ملامح صوتكِ وهديتكِ.
ورغم أنكِ يا حبيبتي لا تفارقين بالي أبداً، ويسكن طيفكِ في كل زاوية من روحي، إلا أن لصوت "الست" في هذه اللحظة سحراً خاصاً، كأنه يفتح مجاري الحنين الموصدة، ويجعل الشوق يتدفق في قلبي بغزارة تفوق كل ينابيع المياه التي تحيط بي في هذا المبنى.
أنتِ معي في كل مكان، وفي كل نغمة، وفي كل نبضة.. بالأمس غلبني الشوق صامتاً بسبب جفاف البطارية، واليوم أكتبه لكِ بوادٍ من المشاعر يتدفق حباً وحنيناً من قلب "الضالع" إلى روحكِ الطاهرة.
ماهر العقيلي
لم تكن مجرد دقيقة عابرة على عقارب الساعة، بل كانت اللحظة التي توقف فيها الزمان ليعلن ولادة فصل جديد من فصول عشقي لكِ. عند العاشرة وأربع وأربعين دقيقة من ليلة أمس، أضاءت شاشة هاتفي برسالة من محبوبتي الغالية.. لم تكن كلمات مكتوبة، بل كان مقطعاً صوتياً يحمل نبرات "الست" أم كلثوم وهي تشدو بقلبٍ يفيض لوعة:
"ولا إحنا قد الشوق وليالي الشوق.. ولا قلبي قد عذابه.. معرفش إزاي حبيتك"
في تلك اللحظة، سافرتُ في حالة من السكر العاطفي والانشراح العارم، وانتشت روحي بفرحة غامرة لم يسعها مدي الكلمات. امتزجت عذوبة صوت أم كلثوم بنقاء طيفكِ الذي لا يفارقني، فصار صوت "الست" يأسرني، ورسالتكِ تتوّجني ملكاً على عرش العشاق.
لكن العاطفة الجياشة كانت أكبر من أن تحويها التكنولوجيا؛ إذ خانتني بطارية هاتفي وانطفأ الجهاز فجأة، مستنفذاً طاقته في اللحظة التي كنت أبحث فيها عن أحرف تليق بمقام فرحتي وعميق امتناني. عجزتُ عن الكتابة، وبقيتُ ليلتي أردد صدى الأغنية في أعماقي، وأترجم ذلك الصمت الإجباري إلى نبضات تتغنى باسمكِ في عتمة الليل.
واليوم، وأنا في مبنى المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي بمحافظة الضالع، أمارس تفاصيل عملي في مختبر مراقبة جودة مياة الشرب، كنتُ كعادتي أستمع إلى بعض الأنغام لتهدئة صخب اليوم. وفجأة، ودون سابق إنذار، انبعثتْ من بين الدقائق الأغنية ذاتها: "ولا إحنا قد الشوق وليالي الشوق...".
يا لِسحر المصادفة! كيف للمكان والزمان أن يتواطآ مجدداً لإحياء تلك النشوة؟ في ثوانٍ معدودة، عادت بي الذاكرة طائرة إلى تفاصيل ليلة أمس، وتجسدت أمامي ملامح صوتكِ وهديتكِ.
ورغم أنكِ يا حبيبتي لا تفارقين بالي أبداً، ويسكن طيفكِ في كل زاوية من روحي، إلا أن لصوت "الست" في هذه اللحظة سحراً خاصاً، كأنه يفتح مجاري الحنين الموصدة، ويجعل الشوق يتدفق في قلبي بغزارة تفوق كل ينابيع المياه التي تحيط بي في هذا المبنى.
أنتِ معي في كل مكان، وفي كل نغمة، وفي كل نبضة.. بالأمس غلبني الشوق صامتاً بسبب جفاف البطارية، واليوم أكتبه لكِ بوادٍ من المشاعر يتدفق حباً وحنيناً من قلب "الضالع" إلى روحكِ الطاهرة.
ماهر العقيلي