القناة الرسمية للشيخ علي بن مختار آل علي الرملي
13.5K subscribers
1.36K photos
44 videos
23 files
151 links
الدين القيم
Download Telegram
*أمهات النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه وأخوته من الرضاعة*

قال ابن القيم في زاد المعاد:
فَمِنْهُنَّ ثويبة مولاة أبي لهب، أَرْضَعَتْهُ أَيَّامًا وَأَرْضَعَتْ مَعَهُ أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي بِلَبَنِ ابْنِهَا مسروح، وَأَرْضَعَتْ مَعَهُمَا عَمَّهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ حليمة السعدية بِلَبَنِ ابْنِهَا عبد الله أَخِي أنيسة وجدامة وَهِيَ الشيماء أَوْلَادِ الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي، وَاخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِ أَبَوَيْهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَأَرْضَعَتْ مَعَهُ ابْنَ عَمِّهِ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ عَمُّهُ حمزة مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ فَأَرْضَعَتْ أُمُّهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا وَهُوَ عِنْدَ أُمِّهِ حليمة، فَكَانَ حمزة رَضِيعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ ثويبة، وَمِنْ جِهَةِ السعدية.

قلت: أما ثويبة مولاة عمه أبي لهب؛ فجاء في الصحيحين عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ؟ فَقَالَ: «أَفْعَلُ مَاذَا؟» قُلْتُ: تَنْكِحُهَا، قَالَ: «أَوَ تُحِبِّينَ ذَلِكِ؟» قُلْتُ: لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي، قَالَ: «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي»، قُلْتُ: فَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ، وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ».
فثبت بهذا أن ثويبة مرضعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا سلمة أخوه من الرضاعة .
وأبناءها أخوته من الرضاعة.

وفي الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي، إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ».
ثبت بهذا أن عمه حمزة بن عبد المطلب أخوه من الرضاعة .

وأما حليمة السعدية ففي صحيح مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ "، قَالَ أَنَسٌ: «وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ».
قلت: الظئر هي المرضعة ، وفي رواية عند الحاكم من طريق ابن إسحاق: أنها من بني سعد بن بكر، وحليمة السعدية من بني سعد بن بكر .
وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: ومِنَ الدَّلِيلِ علَى أنَّ الخُمُسَ لِنَوائِبِ المُسْلِمِينَ مَا سَأَلَ هَوازِنُ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِرَضَاعِهِ فِيهِم.
قلت: وبني سعد بن بكر من قبيلة هوازن .
قال الحافظ ابن حجر : وَقَوْلُهُ بِرَضَاعِهِ أَيْ بِسَبَبِ رَضَاعِهِ؛ لِأَنَّ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةَ مُرْضِعَتَهُ كَانَتْ مِنْهُمْ ، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ سُؤَالِ هَوَازِنَ مِنْ طَرِيقِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ مَوْصُولَةً، وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِذِكْرِ الرَّضَاعِ.
وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِيمَا أخرجه ابن إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، وَفِيهَا شِعْرُ زُهَيْرِ بْنِ صُرَدَ حَيْثُ قَالَ فِيهِ:
امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ...إِذْ فُوكُ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ. انتهى .

فأبناؤها أخوته من الرضاعة .

كتبه أبو الحسن علي الرملي
١ / ١١ / ١٤٣٩ هجري
*في ختانه صلى الله عليه وسلم* 

والختان هو قطع الجلدة التي تغطي حشفة الذكر .

قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد :

"وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال : 

أحدها : أنه ولد مختوناً مسروراً، وروي في ذلك حديث لا يصح ، ذكره أبو الفرج بن الجوزي في " الموضوعات " وليس فيه حديث ثابت ، وليس هذا من خواصه ، فإن كثيراً من الناس يولد مختوناً ." 

ثم ذكر ما يدل على ولادة أولاد مختونين ثم قال: "والناس يقولون لمن ولد كذلك : ختنه القمر ، وهذا من خرافاتهم . 

القول الثاني : أنه ختن صلى الله عليه وسلم يوم شق قلبه الملائكة عند ظئره حليمة . 

القول الثالث : أن جده عبد المطلب ختنه يوم سابعه وصنع له مأدبة وسماه محمداً. 

قال أبو عمر بن عبد البر : - ذكر إسناده- عن ابن عباس ، أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه ، وجعل له مأدبة وسماه محمداً صلى الله عليه وسلم ، قال يحيى بن أيوب : طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري .

وقد وقعت هذه المسألة بين رجلين فاضلين صنف أحدهما مصنفا في أنه ولد مختونا ، وأجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام ، وهو كمال الدين بن طلحة .
فنقضه عليه كمال الدين بن العديم ، وبين فيه أنه صلى الله عليه وسلم ختن على عادة العرب ، وكان عموم هذه السُّنة للعرب قاطبة مغنيا عن نقل معين فيها ، والله أعلم ". انتهى كلام ابن القيم باختصار .

قلت : مما تقدم تعلم أنه لا يثبت في ختانه صلى الله عليه وسلم حديث خاص .
ولكن عادة العرب في الجاهلية كانوا يختنون أبناءهم كما دل عليه حديث هرقل قال: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر ، فمن يختتن من هذه الأمة؟ ....إلى أن سأل عن العرب فقال له أحد ملوك العرب الغساسنة: هم يختتنون . انتهى متفق عليه .
فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم اختتن على عادة العرب. والله أعلم

كتبه أبو الحسن علي الرملي
٢ / ١١ / ١٤٣٩ هجري .
كنت أسمع من العلماء بحب الرياسة والتصدر وأنه داء موجود في قلوب بعض طلبة العلم، ولكنني كنت أظنه في القليل منهم، وبعد مجالستهم وسماع كلام الكثير منهم وخاصة في حروبهم فيما بينهم، علمت أنه داء منتشر ، ولما قرأت كلام الشيخ النجمي رحمه الله علمت أنه منتشر جداً بشكل مفسد، ومضر على الدعوة.
قال ابن القيم في عدة الصابرين:
"ولا تنس ذنب إبليس وسببه حب الرياسة التي محبتها شر من محبة الدنيا، وبسببها كفر فرعون وهامان وجنودهما ، وأبو جهل وقومه ، واليهود؛ فحب الدنيا والرياسة هو الذى عمر النار بأهلها ، والزهد فى الدنيا والرياسة هو الذى عمر الجنة بأهلها".
وقال في كتاب آخر: "وَهَذَا بِخِلَاف طلب الرياسة فَإِن طلابها يسعون فِي تَحْصِيلهَا لينالوا بهَا أغراضهم من الْعُلُوّ فِي الأَرْض وَتعبد الْقُلُوب لَهُم وميلها إِلَيْهِم ومساعدتهم لَهُم على جَمِيع أغراضهم مَعَ كَونهم عالين عَلَيْهِم قاهرين لَهُم فترتب على هَذَا الْمطلب من الْمَفَاسِد مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله من الْبَغي والحسد والطغيان والحقد وَالظُّلم والفتنة وَالْحمية للنَّفس دون حق الله وتعظيم من حقره الله واحتقار من أكْرمه الله وَلَا تتمّ الرياسة الدُّنْيَوِيَّة إِلَّا بذلك وَلَا تنَال إِلَّا بِهِ وبأضعافه من الْمَفَاسِد".
*شق قلب النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام واستخراج حظ الشيطان منه*

أخرج مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لَأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي ظِئْرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ "، قَالَ أَنَسٌ: «وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ».

(الغلام): الصَّبِيّ من حِين يُولد إِلَى أَن يشب.
(صرعه): طرحه على الأرض .
(فشق عن قلبه): فتح صدره وأخرج القلب؛ كما يفعل في العمليات الجراحية .
(فاستخرج منه عَلَقة): أي: دما غليظا، وهو أم المفاسد والمعاصي في القلب.
(فقال: هذا حظ الشيطان منك) أي: نصيبه لو دام معك.
(طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ): الطست إناء كبير، لا يزال الناس عندنا في الشام يسمونه "طست".
(ثُمَّ لَأَمَهُ): أصلحه .
(ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ ) أي: القلب المخرج أعاده إلى الصدر.
(يَعْنِي ظِئْرَهُ) أي مرضعته وهي حليمة السعدية .
(فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ): (فاستقبلوه) أي: توجه جمع من قومها إليه فرأوه (وهو منتقع اللون) أي: متغيره ، يقال انتقع لونه إذا تغير من حزن أو فزع.
(قال أنس: فكنت أرى أثر المخيط) أي: الإبرة في صدره .

قال أهل العلم: وهذا كان في حال صغره، وإنما بقي أثر ذلك ليذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ويذكره من يراه، ويعلم أن حظ الشيطان قد نزع من قلبه، فلا يكون عنده - صلى الله عليه وسلم - ريب فيما يقذفه الله تعالى من حق في قلبه، وإن هذا الحديث هو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صورة ومعنى.
أقول: فكله حقيقي واقع حسا .
وقالوا : وفيه أيضًا تنبيه لأمته أنهم إنما يخلصون من أن يكون للشيطان فيهم حظ، بأن يغسلوا بيد الشرع مواضع آثار وساوسه، فإذا عرض الشيطان لأحدهم بوسواس أزال نجاسة الشيطان من قلبه بالطاهر من ماء الشريعة.

كتبه أبو الحسن علي الرملي
٤ / ١١ / ١٤٣٩ هجري
إعانة نشء البلاد على فهم لمعة الاعتقاد
من صحيح السيرة النبوية

*خروجه عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب*
وهو دليل من دلائل صدق نبوته صلى الله عليه وسلم وهو أن أهل الكتاب كانوا يعرفونه بصفاته التي ذكرت في كتبهم .

أخرج الترمذي في جامعه عن أبي موسى الأشعري قال: «خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش( ١)، فلما أشرفوا( ٢)على الراهب( ٣) هبطوا فحلوا رحالهم( ٤)، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت». قال: " فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم( ٥) الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين "، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك، فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به وكان هو في رِعْية( ٦) الإبل، قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة( ٧) تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم وهو يناشدهم( ٨) أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه.
فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا، إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره فبعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه قال: أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوده الراهب من الكعك والزيت " قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه». انتهى .
---------------
( ١) أكابرهم شرفاً أو سناً.
( ٢) اطلعوا عليه من مكان مرتفع .
( ٣) عابد من عباد النصارى ، وجاء في رواية اسمه بحيرى .
( ٤) حلوا الأحمال التي على ظهور الإبل .
( ٥) أي أخذ يمشي فيما بين القوم يبحث عن شخص.
( ٦) أي في رعايتها.
( ٧) السحابة .
( ٨) أي يقسم عليهم ، ويطلب منهم ذلك .



هذا الحديث صحيح، صححه جمع من العلماء ، ولكن فيه قوله: (وبعث معه أبو بكر بلالاً) أشكلت على العلماء؛ لأن من المقرر عندهم أن عمر النبي صلى الله عليه وسلم وقتها اثنا عشرة سنة، فالبعض ضعفه لأجل هذه الزيادة، والبعض ضعف الزيادة فقط، والبعض صححها وأجاب عن الإشكال .
قال شيخنا الوادعي رحمه الله في الصحيح المسند من دلائل النبوة :
قال المباركفوري رحمه الله : "قال الجزري: إسناده صحيح ، رجاله رجال الصحيح أو أحدهما، وذِكرُ أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ، وعده أئمتنا وهماً وهو كذلك ؛ فإن سن النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك اثنا عشرة سنة، وأبو بكر أصغر منه بسنتين، وبلال لعله لم يكن ولد في ذلك الوقت" انتهى.
وقال في ميزان الاعتدال: قيل مما يدل على بطلان هذا الحديث قوله وبعث معه أبو بكر بلالاً ، وبلال لم يخلق بعد ، وأبو بكر كان صبياً. انتهى، وضعف الذهبي هذا الحديث لقوله: وبعث معه أبو بكر بلالاً؛ فإن أبا بكر إذ ذاك ما اشترى بلالاً.
وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: رجاله ثقات، وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة ، فيحتمل أنها مدرجة فيه، مقتطعة من حديث آخر؛ وهماً من أحد رواته.انتهى كذا في المواهب اللدنية.
وقال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: ثم كفله عمه أبو طالب، واستمرت كفالته له، فلما بلغ ثنتي عشرة سنة خرج به عمه إلى الشام، وقيل كانت سنه تسع سنين، وفي هذه الخرجة رآه بحيرا الراهب، وأمر عمه أن لا يقدم به إلى الشام خوفاً عليه من اليهود ، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة.
ووقع في كتاب الترمذي وغيره أنه بعث معه بلالاً ، وهو من الغلط الواضح؛ فإن بلالاً إذ ذاك لعله لم يكن موجوداً ، وإن كان؛ فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر، وذكر البزار في مسنده هذا الحديث، ولم يقل: وأرسل معه عمه بلالاً، ولكن قال رجلاً. انتهى من التحفة.انتهى كلام شيخنا الوادعي رحمه الله .
وأما الإمام الالباني رحمه الله في حاشية على صحيح السيرة ؛ فصحح الحديث واللفظة أيضاً، ورد كون عمر النبي صلى الله عليه وسلم وقتها كان ثنتي عشرة سنة ، وقال: هذا غير محفوظ؛ فإنه ذكره مقيداً بهذا الواقدي كما قال المؤلف والواقدي متروك متهم فمن الممكن أن تكون القصة وقعت بعد ذلك بسنين فلا يجوز إعلالها بمثل قول الواقدي المنكر .انتهى باختصار .
قلت: والصواب ما قاله ابن القيم وتؤيده رواية البزار، فحتى لو سلمنا بعدم ثبوت السن فالنكارة باقية ، فبلال لم يكن وقتها مع أبي بكر، والله أعلم .

كتبه أبو الحسن علي الرملي
‏5‏/11‏/1439هجري
عملي معكم هو إرشادكم إلى طريق الحق الذي بينه ربنا في كتابه وسنة نبيه وكان عليه الصحابة رضي الله عنهم وتعليمكم ما علمنيه من علم وأمرني بتبليغه
ولا أنتظر من الناس مدحا ولا مالا ولا جاها ولا شهرة ولست بحمد الله صاحب حزب ولا سياسيا ولا قائدا ولا جامع مال أو دنيا ولا طالب جاه وشهرة ولا رئيس جماعة أحرص على تكثير عددها .
أنا واحد من المسلمين وظيفتي نشر العلم فقط لا غير ولن أقول إلا ما أعتقد أنه يرضي الله إن شاء الله أسأل الله أن يعينني على ذلك
قال هلال بن خباب: قلت لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟
قال: إذا ذهب علماؤهم .انتهى من السير .
قلت: فكيف بمن يرزقهم الله علماء في التوحيد والسنة ويحرصون كل الحرص على إسقاطهم والطعن فيهم وتنفير الناس عنهم، فيميتون التوحيد والسنة في بلادهم ؟!
هل تجدون عدوا للسنة أعظم من هؤلاء أو حمقا أعظم من هذا ؟!!

٦ - ١١ - ١٤٣٩
أبو الحسن علي الرملي
قال الإمام ابن عثيمين رحمه الله : ونصيحتي للأمة أن يتفقوا على دين الله ولا يتفرقوا فيه، وإذا رأوا من شخص أو طائفة خروجًا عن ذلك نصحوه، وبينوا له الحق، وحذروه من المخالفة، وبينوا له أن الاجتماع على الحق أقرب إلى
السداد والفلاح من التفرق.
وإذا كان الخلاف عن اجتهاد سائغ فإن الواجب ألا تتفرق القلوب وتختلف من أجل ذلك، فإن الصحابة الكرام- رضي الله عنهم- حصل بينهم خلاف في الاجتهاد في عهد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وبعده، ولم يحصل بينهم اختلاف في القلوب أو تفرق، فليكن لنا فيهم أسوة،
فإن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها.
وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه.
مجموع الفتاوى له (26/ 433)
*حال الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم*

قال المغيرة بن شعبة لعامل كسرى -أي قائد جيشه-: «نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ العَرَبِ، *كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلاَءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الجُوعِ، وَنَلْبَسُ الوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالحَجَرَ*، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ - إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا، أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ». أخرجه البخاري .

وقال أبو رجاء العُطارِدي: «كنا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ، وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ( ١)، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ( ٢)، فَلاَ نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، وَلاَ سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ، إِلَّا نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ ».

وعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: " أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ، *وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ( ٣) كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ( ٤) عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا( ٥)، وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ( ٦) عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ*( ٧)، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ....»إلخ أخرجه مسلم

وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي موْلَايَ: أَنَّ أَهْلَهُ بَعَثُوا مَعَهُ بِقَدَحٍ فِيهِ زُبْدٌ وَلَبَنٌ إِلَى آلِهَتِهِمْ، قالَ: فَمَنَعَنِي أَنْ آكُلَ الزُّبْدَ لِمَخَافَتِهَا، قَالَ: " فَجَاءَ كَلْبٌ فَأَكَلَ الزُّبْدَ وَشَرِبَ اللَّبَنَ، ثُمَّ بَالَ عَلَى الصَّنَمِ وَهُوَ: إِسَافٌ، وَنَائِلَةُ ". قَالَ هَارُونُ :كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا سَافَرَ، حَمَلَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ أَحْجَارٍ ثَلَاثَةٌ لِقِدْرِهِ( ٨) وَالرَّابِعُ يَعْبُدُهُ، وَيُرَبِّي كَلْبَهُ، وَيَقْتُلُ وَلَدَهُ( ٩). أخرجه أحمد والدارمي .

قلت: هذه الأحاديث وغيرها كثير من الكتاب والسنة، يدل على أن العرب كانوا في شر حال قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا دنيا ولا دين، كانوا في فقر وحاجة، وكان يقتل بعضهم بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً، ويحرمون ما شاءوا ويحلون ما شاءوا ، وكانوا يعبدون غير الله من الأصنام وغيرها ؛ يطوفون حولها ويتقربون إليها بأنواع القرب من اللبن والزبد والذبح والنذر ، ويدعونها ويستغيثون بها ويطوفون بها، ويخافونها كما يخافون الله، كما نفعل نحن في عبادة الله وحده.
هذا معنى الشرك ، حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم ففتح الله عليهم بأنواع الخيرات الدينية والدنيوية ، فوحدوا الله وعبدوه وأقاموا شرعه في الأرض كما يحب ويرضى ؛ ففتح عليهم ورزقهم كنوز فارس والروم ، كما وعدهم .
واليوم رجع الكثير منهم إلى ما كانوا عليه في الجاهلية في أمور دينهم من عبادة الأولياء والقبور، يتقربون إليها بأنواع القرب من ذبح ونذر واستغاثة ودعاء؛ فأشرك الكثير منهم مع الله غيره في عبادته ، وتركوا الكثير من شرعه ودينه إلا من رحم الله منهم، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا سيحصل فحصل كما أخبر عليه الصلاة والسلام؛ بل بعضهم فاق حتى أهل الجاهلية بأنواع الدعوات الكفرية كالعلمانية والشيوعية؛ لذلك أذلهم الله وسلط عليهم الأمم؛ لأن عزة هذه الأمة وفوزها بالدارين متعلق بتمسكهم بشرع ربهم فقط، فليسوا كبقية الأمم . والله المستعان .

كتبه أبو الحسن علي الرملي
٨ / ١١ / ١٤٣٩ هجري
*عَملُ النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة*
عَمِل النبي صلى الله عليه وسلم هو وجميع الأنبياء في *رعي الغنم*
قال عليه الصلاة والسلام : «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ».أخرجه البخاري.
قال الحافظ ابن حجر: قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة؛ ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها؛ فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها.
فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة؛ لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم.
وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقياداً من غيرها.
وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله؛ ما كان عليه من عظيم التواضع لربه، والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. انتهى من فتح الباري.

وعمل عليه الصلاة والسلام في *التجارة*
ذكر ذلك الزهري وابن إسحاق وغيرهما من أهل السير من غير نكير من أحد منهم فيما وقفت عليه.
وورد في حديث جابر والسائب وغيرها، ولا يصح.
والتجارة عمل آبائه وأجداده، وثبت أن عمه أبا طالب خرج به وهو صغير في تجارة إلى الشام، وقد تقدم. والله أعلم

كتبه أبو الحسن علي الرملي
٩ / ١١ / ١٤٣٩ هجري
المشايخ الذين رأيتهم دخلوا السياسة للإصلاح -زعموا- انتهى بهم الأمر إلى أن فسدوا هم، أفسدتهم السياسة.
لم يأخذوا بنصائح العلماء من السلف والخلف فضلوا وأضلوا .
وهذا حال من يتبع هواه ويطلب الدنيا ولا يبالي بنصائح الناصحين العالمين المتقين .
لا تضع نفسك يا مسكين في بيئة من الوحل والقذارة ثم تقول لن أتلطخ .
فالنصيحة النافعة التي نُصِح بها قاتل المائة نفس:
"انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ" . متفق عليه .
فدعك من السياسة وخذ بهذه النصيحة إذا أردت النجاة:
قال الله تعالى : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)
[سورة الكهف 28]
احذروا حب الرياسة والسعي إليها يا طلبة العلم؛ فإنه يقود إلى الحسد، والحسد يوصل إلى البغي والظلم والعدوان والكذب
وعاقبته إلى سوء وخسران
راقبوا الله في قلوبكم ونظفوها أولا بأول
واتقوا الله في دين الله ودعوته وفي أنفسكم وإخوانكم
*شهود النبي صلى الله عليه وسلم حلف(1) الفُضُول*

أخرج الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في الأدب المفرد، وابن حبان في صحيحه وغيرهم حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلامٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ(2)، وَأَنِّي أَنْكُثُهُ(3)».
وله شاهد متصل من حديث أبي هريرة، ومرسل عن طلحة بن عبد الله بن عوف، لا بأس بهما كشاهدين.

قال البيهقي بعد إخراج هذه الأحاديث والشواهد في سننه الكبرى:
قال القتيبي فيما بلغني عنه: وكان سبب الحلف أن قريشاً كانت تتظالم بالحرم، فقام عبد الله بن جدعان والزبير بن عبد المطلب فدعاهم إلى التحالف على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، فأجابهما بنو هاشم وبعض القبائل من قريش. قال الشيخ: قد سماهم ابن إسحاق بن يسار قال: بنو هاشم بن عبد مناف، وبنو المطلب بن عبد مناف، وبنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة.
قال القتيبي: فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان، فسموا ذلك الحلف حلف الفضول تشبيهاً له بحلف كان بمكة أيام جُرهُم(4) على التناصف والأخذ للضعيف من القوي، وللغريب من القاطن(5)، قام به رجال من جرهم يقال لهم: الفضل بن الحارث، والفضل بن وداعة، والفضل بن فضالة، فقيل حلف الفضول جمعاً لأسماء هؤلاء.
قال غير القتيبي في أسماء هؤلاء: فضل وفضال وفضيل وفضالة.
قال القتيبي: والفضول جمع فضل، كما يقال: سعد وسعود، وزيد وزيود.
والذي في حديث عبد الرحمن بن عوف حلف المُطَيَّبين(6).
قال القتيبي: أحسبه أراد حلف الفُضُول؛ للحديث الآخر، ولأن المطيبين هم الذين عقدوا حلف الفضول.
قال: وأي فضل يكون في مثل التحالف الأول، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم " ولكنه أراد حلف الفضول الذي عقده المطيبون.
قال محمد بن نصر المروزي: قال بعض أهل المعرفة بالسير وأيام الناس: إن قوله في هذا الحديث: حلف المطيبين، غلط، إنما هو حلف الفضول؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين؛ لأن ذلك كان قديماً قبل أن يولد بزمان. انتهى باختصار.

قلت: حلف المطيبين حلف آخر غير حلف الفضول.
قال الطحاوي في مشكل الآثار: وكان حلف المطيبين عند أهل الأنساب جميعا كان قبل عام الفيل بمدة طويلة، وكان ذلك الحلف في ثمانية أبطن من قريش، وهم: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل بنو عبد مناف، وتيم بن مرة، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، والحارث بن فهر، لما حاول بنو عبد مناف إخراج السقاية(7) واللواء(8) من بني عبد الدار، فتحالفت هذه الثمانية الأبطن على ذلك، وبعثت إليهم أم حكيم بنت عبد المطلب بجفنة(9) فيها طيب، فغمسوا فيها أيديهم، ثم ضربوا بها الكعبة توكيدا لحلفهم ذلك، فسموا بذلك المطيبين، ثم تركوا ما كان في بني عبد الدار في أيديهم كما كان، لما خافوا أن يقع في ذلك قتال أن يدخل عليهم العرب، وكان مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في عام الفيل.... ثم ذكر ما يدل على أن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم كان عام الفيل، ثم ذكر قصة يمني ظلم في مكة أخذ العاص بن وائل السهمي بضاعته منه ظلماً وقام في مكة يشكو، ثم قال:
فلما سمعت قريش ذلك أعظمت ما عمل السهمي، فتحالفوا عند ذلك حلف الفضول، وكان الذي تعاقدوه...ثم ذكر بإسناده عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: " وأما حلف الفضول، فإن قبائل من قريش اجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتعاقدوا وتحالفوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها، ومن غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه، حتى يردوا عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وكان أهله المذكورون في هذا الحديث مطيبين جميعاً، لأنهم من المطيبين الذين كانوا في الحلف الأول الذي ذكرناه منهم " .
فكان قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رويناه: " شهدت مع عمومتي حلف المطيبين "، هو حلف الفضول الذي تحالفه المطيبون، وهم هؤلاء النفر الذين كانوا في الحلف الأول الذي لم يشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبان بحمد الله: أن ذلك الحديث لم يكن بمخالف إذ كان له هذا الوجه الذي قد ذكرناه. انتهى كلام الطحاوي. والله أعلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحلف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق.
(2) حُمْر النَّعَم: الإبل الحمراء وكانت أفضل الأموال وأحبها إلى العرب.
(3) أنكثه: أي أنقضه، أُبطله، يقال: نَكَثَ العَهْدَ: أي نَقضَهُ، أَبطله.
(4) قبيلة من قبائل العرب، سكنت مكة أيام إسماعيل عليه السلام وأمه.
(5) قَطَنَ بالمكان يَقْطُنُ: أقام به وتوطنه، فهو قاطن، يعني من أهل البلد، وليس من الغرباء.
(6) هما حلفان: حلف المُطَيَّبين وكان قبل ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان تحالفاً بسبب نزاع بين بطون القبائل على
الرياسة والجاه والشرف، وحلف الفُضُول الذي شهده النبي صلى الله عليه وسلم، وكان تحالفاً لنصرة المظلوم فهو أفضل من الأول، وسيأتي إن شاء الله إيضاحه .
(7) السقاية: سقي الحجاج، كانوا يتفاخرون بمثل هذا، ويعتبرونه شرفاً للقبيلة التي تقوم به.
(8) اللواء: مثل الراية إلا أنه يلف لفاً لا يرفرف كالراية، وهو لواء الحرب .
قال الزُّبيرُ بْن بَكّار: قَسَم قُصيٌّ -أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم- مكارمَه بين ولده، فأعطى عبْدَ مناف – جد جد النبي صلى الله عليه وسلم- السِّقايةَ والنَّدْوةَ، وأعطى عَبْدَ الدارِ الحجابةَ واللِّواءَ، وأعطى عَبْدَ العُزَّى الرِّفادةَ، وأعطى عبْدَ بْن قُصَيٍّ جَلْهَتي الوادِي – أي جانبيه-. قَالَ الزُّبَيْر: ثُمَّ اصطلحتْ قُريش عَلَى أن وَلِي هاشم بْن عَبْد مناف السّقايةَ والرِّفادةَ، وأُقِرَّت الحِجابةُ في بني عَبْد الدَّار.
والرِّفادةُ: الضِّيافة، وكان هاشمُ بْن عَبْد مناف يُخرِجُ في كلّ مَوْسمٍ من مواسم الحَجِّ مالًا كبيرًا من أطيب ماله، ويترافدُ سائِر القبائل من قُريش، فتُرسِل كلُّ قبيلة بشيء ثُمَّ يَجمعُونه فيَشْتَرون بِهِ الجُزُر- جمع جَزور، وهو ما يصلُح لأن يُذبح من الإبل- والكعك والسويق، فينحرونها ويطعمون الحاجَّ ويَسْقُونهم، وكانوا يقولون: نحن أهْلُ اللهِ وجِيرانُ بيْتِه، والحاجُّ وفْدُ الله وأَضْيافُه، فنحن أوْلى بقِراهُم، وإنما سُمّي هاشمًا واسْمُهُ عَمْرو لأنّه هَشَم الثَّريدَ وأطعم في عام جَدْبٍ. انتهى من غريب الحديث للخطابي.
(9) الجفنة: إناء كبير .


كتبه أبو الحسن علي الرملي
11 / 11/ 1439 هجري
في هذا من الفقه جواز التحالف مع الكفار فيما تجيزه الشريعة ويعود على الناس بالخير .