‏مركز الدليل العقائدي/ فرع البصرة
83 subscribers
28 photos
10 videos
8 files
‌‏ ‌‏مركز بحثي وعلمي متخصص في الرد على شبهات المخالفين برعاية مكتب المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة
‎جميع الإجابات الفكرية والعقدية بقلم السيد مهدي الموسوي الجابري
Download Telegram
السؤال/ الشبهة: هل يُحرم ولد الزنا من الجنّة بذنب أبويه؟
لماذا لا يدخل ابن الزنا الجنة، أو لا يجوز تقديمه للصلاة وهو لم يرتكب ذنبا بنفسه، وإنما ذنب والديه؟

الجواب
بسم اللّه الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
للجواب عن السؤال ينبغي التفريق بين الحكمين؛ فإن القول بحرمان ولد الزنا من الجنة بسبب ولادته قد استند فيه بعض الفقهاء إلى روايات وقع الخلاف في اعتبارها ودلالتها، ولم يثبت ما يوجب حرمانه من الجنة إذا كان مؤمنًا عاملاً بالصالحات.
وأما عدم جواز تقديمه لإمامة الجماعة، فهو حكم فقهي دلّت عليه روايات خاصة، ولا يستلزم أن يكون ولد الزنا كافرًا أو مذنبًا أو مستحقًا للعقاب؛ فإن الشارع قد يشترط في إمام الجماعة أموراً زائدة على صحة الإيمان والعبادة.
فلا يصح جعل الحكمين عقوبة على زنا الأبوين؛ إذ لم يثبت دليل الحرمان من الجنة، وأما المنع من إمامة الجماعة فله دليله الخاص، ولا يدل على فساد إيمان ولد الزنا أو مؤاخذته بفعل غيره.
ولبيان ذلك نذكر أدلة كل حكم، وما أُورد عليها، ثم كلمات الفقهاء في المسألة.
أولًا: أدلة القائلين بعدم دخول ولد الزنا الجنة ومناقشتها الدليل الأول: رواية (أنت شر الثلاثة).
روى الشيخ الصدوق عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، مرفوعًا إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، أن ولد الزنا يقول: ((يا رب ما ذنبي، فما كان لي في أمري صنع))، فيأتيه الجواب: ((أنت شر الثلاثة، أذنب والداك فنبت عليهما، وأنت رجس، ولن يدخل الجنة إلا طاهر)) [علل الشرائع، ج2، ص564، الباب363، الحديث الثاني].
ووجه الاستدلال إن وصف ولد الزنا بالرجس، واشتراط الطهارة لدخول الجنة، يدلان بحسب ظاهر الرواية على حرمانه من دخول الجنة بسبب ولادته.
ونوقش هذا الاستدلال بأن الرواية ضعيفة السند؛ فقد ضعّف النجاشي "محمد بن سليمان الديلمي"، بقوله: ((ضعيف جدًا لا يعول عليه في شيء)) لتنقيح المقال، للمامقاني، ج3، ص١٢٣]، وطعن في أبيه أيضًا، فضلا عن كون الرواية مرفوعة. ثم إن الولد لم يرتكب الزنا، ولم يكن له اختيار في ولادته، فلا يصح جعله مستحقًا للعقاب بسبب فعل أبويه.
الدليل الثاني: رواية سائح بني إسرائيل
روي عن أبي خديجة، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن كان أحد من أولاد الزنانجا لنجا سائح بني إسرائيل)). ثم ذكر أن السائح كان عابدًا، فقيل له: ((إن ولد الزنا لا يطيب أبدًا ولا يقبل اللّٰه منه عملًا))، فخرج يقول: ((ما ذنبي؟)) [المحاسن، للبرقي، ج1، ص109-108، الحديث
100].
ووجه الاستدلال إن الرواية نفت النجاة عن ولد الزنا، مع كون السائح عابدًا، فيستفاد منها أن عبادته لا تنفعه بسبب ولادته.
ونوقش بأن عبارة ((لا يقبل اللّٰه منه عملًا)) وردت حكاية عما قيل للسائح، من غير بيان القائل. وأما صدر الرواية، فظاهره نفي النجاة، غير أن حمله على حرمان المؤمن المطيع من الجنة يحتاج إلى دليل يصح الاعتماد عليه في مقابل الوعد القرآني.
وقد ناقش المحقق آغا ضياء الدين العراقي الرواية بقوله: ((ثم من الذي قال لهذا المسكين: أن إعماله لا تقبل لذنب اقترفه أبواه: حتى هاج في وجه الأرض؟!)) [شرح تبصرة المتعلمين، كتاب القضاء، ص302].
الدليل الثالث: رواية طهارة الولادة
روى الصدوق عن سعد بن عمر الجلاب، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن اللّٰه تعالى خلق الجنة طاهرة مطهرة فلا يدخلها إلا من طابت ولادته)). [علل الشرائع، ج2، ص564، الباب 363، الحديث الأول].
ووجه الاستدلال إن الرواية ظاهرة في اشتراط طهارة المولد لدخول الجنة.
ونوقش بأنه لم يثبت اعتبار سند الرواية، إذ في طريقها من لم تثبت وثاقته. وأما دلالتها على الحصر فهي ظاهرة، غير أن الحكم بحرمان المؤمن من الجنة لا يثبت بمجرد رواية لم تتم حجيتها، ولا سيما مع قوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْتَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْحُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124]. فهذه الآية تثبت الوعد بدخول الجنة للمؤمن العامل بالصالحات، ولا يصح إخراج ولد الزنا المؤمن من حكمها بغير دليل معتبر .
ثانيًا: أقوال فقهاء الإمامية في صحة إيمانه
قال المحقق الحلي في "المعتبر"، ردًّا على من حكم بكفر ولد الزنا: ((ونحن نمنع ذلك ونطالبه بدليل دعواه. ولو ادعى الإجماع - كما ادعاه بعض الأصحاب - كانت المطالبة باقية، فإنا لا نعلم ما ادعاه)) [المعتبر، ج1، ص98].
فالمحقق الحلي لم يقبل دعوى كفر ولد الزنا، ولا الإجماع المدعى عليها.
وقال السيد عبد اللّٰه شبر في "مصابيح الأنوار": ((هذا الخبر بظاهره لا يوافق قانون العدلية، وما عليه العدلية من أن ولد الزناكسائر الناس مكلف بأصول الدين وفروعه، ويجرى عليه أحكام المسلمين مع إظهار الإسلام، ويثاب على الطاعات، ويعاقب على المعاصي)) [مصابيح الأنوار في حل لشكلات الأخبار، للسيد عبد اللّه شبر، ج١، ص٣٥٨].
❤1
وبيّن أن مؤاخذته بما لم يختره مخالفة للعدل؛ فإن كان مختارًا استحق الثواب على الطاعة، وإن لم يكن مختارًا لم يصح عقابه.
وقال صاحب جواهر الكلام: ((وليس من الكافر ولد الزنا قطعًا)) [جواهر الكلام، ج6، ص68]. وهذه الكلمات تدفع دعوى أن ولد الزناكافر بسبب ولادته، وتؤيد صحة إسلامه وإيمانه إذا تحقق منه الاعتقاد المعتبر شرعًا.
وقال السيد محسن الحكيم (قدس سره) في المستمسك، عند الكلام في طهارة ولد الزنا من المسلمين: ((كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل لم يعرف الخلاف فيها إلا من الصدوق والسيد والحلي . بناء منهم على كفره)). [مستمسك العروة الوثقى، ج1، ص385]. ثم ناقش الأخبار المستدل بها على نجاسته وكفره، ولم يقبل دلالتها على خلاف الحكم بالطهارة.
ويستفاد من كلامه (قدس سره) أن القول بطهارة ولد الزنا هو المشهور بين فقهاء الإمامية شهرة عظيمة، وأن منشأ الخلاف يرجع إلى دعوى كفره، وهي دعوى لم يثبتها بتلك الأخبار.
وناقش السيد الخوئي (قدس سره) في بحوث الطهارة الأخبار التي استُدل بها على كفر ولد الزنا ونجاسته، ومنها الأخبار الواردة في ذمه وعدم دخوله الجنة، ثم انتهى إلى قوله: ((فالصحيح أن ولد الزنا محكوم بالطهارة والإسلام)) [فقه الشيعة - كتاب الطهارة - دروس في فقه الشيعة ألقاها السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، السيد محمد مهدي الموسوي الخلخالي، ج٣، ص١٢٩]. وكلامه (قدس سره) صريح في رفض الحكم بكفر ولد الزنا بسبب ولادته، وأن ما ورد في ذمه لا يثبت خروجه عن الإسلام. وورد في "التعليقة على العروة الوثقى" للسيد السيستاني (دام ظله)، في مبحث النجاسات، المسألة 198، قوله: ((الأقوى طهارة ولد الزنا من المسلمين سواء كان من طرف أو طرفين، بل وإن كان أحد الأبوين مسلماً كما مر))، كما ورد في "المسائل المنتخبة"، في شروط إمام الجماعة: ((طهارة المولد، فلا يجوز الائتمام بولد الزنا)).
يتضح أن السيد السيستاني (دام ظله) يحكم بطهارة ولد الزنا من المسلمين، وفي الوقت نفسه يشترط طهارة المولد في إمام الجماعة.
ثالثًا: الرواية المثبتة لثواب ولد الزنا وعقابه
روى ثقة الإسلام الشيخ الكليني عن عبد اللّٰه بن أبي يعفور، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((إن ولد الزنا يُستعمل إن عمل خيرًا جُزِيَّ بِه وإن عمل شرًا جُزِيَّ بِه)). [الكافي، ج8، ص238، الحديث322].
وقد استدل بها المحقق العراقي، ووصف سندها بالصحة، ثم قال: ((هذا الحديث الشريف نص في مساواة ولد الزنا مع غيره في التكليف والثواب والعقاب، وهو موافق لأصول المذهب ولعموم الكتاب والسنة القطعية، فهو الحجة وغيره ساقط لا محالة)). [شرح تبصرة المتعلمين، كتاب القضاء، ص304].
ويُستفاد من الرواية أن الجزاء تابع لعمل ولد الزنا، فيثاب على طاعته ويعاقب على معصيته، ولا تكون ولادته سببًا لسقوط ثواب أعماله.
رابعًا: دليل عدم جواز تقديمه لإمامة الجماعة
روى الكليني عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام): ((خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم، والأبرص، والمجنون، وولد الزنا، والأعرابي)) [الكافي، ج3، ص375]، كما ورد في صحيحة زرارة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): ((لا يصلين أحدكم خلف المجذوم والأبرص والمجنون والمحدود وولد الزنا)) [الكافي، ج3، ص376].
وجه الاستدلال بالروايتين أنهما تدلان على عدم جواز تقديم ولد الزنا لإمامة الجماعة، ولذلك اشترط مشهور فقهاء الإمامية طهارة المولد في الإمام.
ونوقش بأن المنع من إمامة الجماعة لا يدل على الكفر أو استحقاق العقوبة؛ فإن الرواية ذكرت المجذوم والأبرص أيضًا، مع إمكان كونهما مؤمنين صالحين. فالحكم متعلق بأهلية الشخص لإمامة المصلين، ولا يدل على فساد اعتقاده، كما أن المنع من إمامة ولد الزنا لا يعني بطلان صلاته؛ فإن صلاته تصح مع استكمال شروطها، وإنما لا يصح اقتداء الآخرين به.
تحصل من جميع ما تقدم أن ولد الزنا لا يحمل ذنب أبويه؛ فإن آمن وعمل صالحًا شمله الوعد الإلهي بالثواب، وإن عصى حوسب على معصيته.
وأما فقدانه شرط طهارة المولد في إمامة الجماعة، فلا يجعل منه مذنبًا ولا يمنع صحة إيمانه.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى اللّٰه وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
السؤال / الشبهة:
الأمم السابقة والسالفة التي أصابها العذاب وقضي عليها بشكل كامل، ألم يكن من ضمنهم أطفال صغار وحيوانات أبرياء لا دخل لهم في معاصي الآخرين. فلماذا عذب هؤلاء بذنب هؤلاء؟ أليس هذا مخالف لمقتضى العدالة الإلهية؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين مصابيح الظلام، وهداة الأنام.
إن الله سبحانه لا يعاقب أحدا على ذنب غيره، وقد صرح القرآن الكريم بذلك في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
ومعنى الآية أن الإنسان لا يتحمل ذنب غيره، فلا يجوز أن يعاقب الطفل على كفر أبيه أو معصيته.
ولكن السائل يتصور أن الأطفال والحيوانات قد هلكوا مع الأمم السابقة، وأن الله سبحانه عاقبهم على ذنوب الكبار، إلا أن هذا يحتاج إلى إثبات؛ لأن القرآن الكريم عندما يذكر هلاك أمة من الأمم، لا يذكر بالضرورة أن أطفالها وحيواناتها قد هلكوا معها.
وقد جاء في روايات أئمة الهدى (عليهم السلام) جواب عن هذا السؤال نفسه، فقد سأل عبد الله بن صالح الهروي الإمام الرضا (عليه السلام) عن طوفان نوح، فقال: «لأي علة أغرق الله عز وجل الدنيا كلها في زمن نوح (عليه السلام)؟».
فأجابه الإمام (عليه السلام): «ما كان فيهم الأطفال، لأن الله عز وجل أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاما، فانقطع نسلهم، فلم ينبتوا طفلا فيهم، ما كان الله تعالى ليهلك بعذابه من لا ذنب له». ثم بيّن الإمام (عليه السلام) أن الذين أغرقوا كانوا ممن كذبوا نوحا (عليه السلام)، أو رضوا بتكذيبه. [علل الشرائع، للشيخ الصدوق، ج1، ص30، الباب الثالث والعشرون، الحديث الأول].
فالإمام (عليه السلام) لم يقبل القول بوجود أطفال بين الذين نزل عليهم العذاب في زمن نوح، بل أجاب بأن نسل القوم قد انقطع قبل الطوفان، فلم يكن بينهم أطفال حين نزل العذاب. وأما الحكم، وهو أن الله سبحانه لا يعاقب الأطفال بذنوب آبائهم، فقد ورد التصريح به عن الإمام الرضا (عليه السلام) في قوله: «ولا يأخذ الله عز وجل البريء بالسقيم، ولا يعذب الله تعالى الأطفال بذنوب الآباء، ولا تزر وازرة وزر أخرى». [عيون أخبار الرضا، للشيخ الصدوق، ج2، ص132].
وهو واضح في أن الطفل لا يتحمل ذنب أبيه، ولا يعاقبه الله سبحانه على معصية لم يرتكبها. وقد بيّن القرآن الكريم أن الله سبحانه كان ينجي المؤمنين عندما ينزل العذاب على أقوامهم، كما في قصة قوم لوط، حيث قال جل وعلا: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 35].
فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه لم يهلك جميع من كان موجودا في موضع العذاب، بل أنجى المؤمنين. ولذلك لا يصح الاعتقاد بأن كل من عاش بين القوم الظالمين قد هلك معهم.
وأما الذين لم يرتكبوا المعصية بأيديهم، ولكنهم رضوا بها وأيدوا أصحابها، فقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) سبب شمول العذاب لهم، فقال: «وإنما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضا». [نهج البلاغة، الخطبة 201، ص319].
فالذي قتل الناقة كان رجلا واحدا، ولكن قومه رضوا بفعله، فشملهم العذاب. وهذا لا يشمل الأطفال الذين لا يتخذون معاصي آبائهم موقفا من الرضا والتأييد.
وأما الحيوانات، فهي غير مكلفة، ولا ترتكب المعاصي التي يرتكبها الإنسان، ولذلك لا يصح القول إن الله سبحانه عاقب الحيوانات على كفر أصحابها.
وقد تسأل فتقول: إذا كانت الحيوانات بريئة، فلماذا تموت عند نزول العذاب على الظالمين؟
والجواب: إن موت الحيوان لا يعني أنه عوقب على ذنب؛ لأن الحيوانات تموت بسبب المرض والحريق والفيضانات وغيرها، ولا يقول أحد إن كل حيوان يموت يكون مستحقا للعقوبة. نعم، قد يتألم الحيوان قبل موته.
وهنا يأتي السؤال: هل يترك الله سبحانه ذلك الألم من غير عوض؟
أجاب الشيخ المفيد (قده) عن هذه المسألة في كتاب «أوائل المقالات»، فقال: «وأقول: إنه واجب في جود الله تعالى وكرمه تعويض البهائم على ما أصابها من الآلام في دار الدنيا، سواء كان ذلك الألم من فعله ـ جل اسمه ـ أم من فعل غيره؛ لأنه إنما خلقها لمنفعتها فلو حرمها العوض على آلامها لكان قد خلقها لضررها، والله جل عن خلق شيء لمحض الضرر، وإيلامه لغير نفع يوصله إليه، لأن ذلك لا يقع إلا من سفيه ظالم، والله سبحانه عدل كريم حكيم عالم. فأما الاقتصاص منها فغير جائز؛ لأنها غير مكلفة ولا مأمورة ولا عالمة بقبح القبيح، والقصاص ضرب من العقوبة وليس بحكيم من عاقب غير مكلف ولا منته عن فعل القبيح. ولو جاز الاقتصاص من بعضها لبعض لجاز عقابها على جناياتها على بعض، ولوجب ثوابها على إحسانها إلى ما أحسنت إليه من بعض، وذلك كله محال. وهذا مذهب كثير من أهل العدل وقد خالف فيه بعضهم وجماعة من سواهم». [أوائل المقالات، للشيخ المفيد، ص110].
ومعنى كلام الشيخ المفيد (قده) أن الله سبحانه يعوض الحيوان عما أصابه من ألم، سواء كان بسبب حادثة طبيعية أم بسبب اعتداء الإنسان عليه، فلا يكون ما أصابه من ألم قد ذهب من غير عوض.
وقد تقول: إذا كان الله قادرا على إنقاذ الأطفال والحيوانات، فلماذا لا ينقذهم جميعا من الحوادث التي يهلك فيها الظالمون؟
والجواب: أن الله سبحانه لم يجعل الحياة الدنيا دائمة لأحد، بل جعل لكل حي أجلا ينتهي عنده عمره. فقد يموت الطفل بسبب المرض، وقد يموت بسبب الفيضانات، وقد يموت مع أبيه في حادثة واحدة، ولا يعني ذلك أن الطفل يعاقب على ذنب أبيه.
فلو مات رجل ظالم مع طفله في حادثة غرق، فهل يجوز أن نقول إن الطفل عوقب على ظلم أبيه؟ من الواضح أن الجواب هو النفي؛ لأن اشتراكهما في الموت لا يعني اشتراكهما في الذنب.
وهذا هو الفرق الذي ينبغي الالتفات إليه في محل السؤال؛ فإن موت الطفل عند نزول العذاب على قومه، لا يعني بالضرورة أن الله سبحانه عاقبه على كفر قومه. ثم إن الطفل الذي يموت لا تنتهي حياته بالموت، بل ينتقل إلى الآخرة، والله سبحانه لا يظلمه ولا يضيع حقه. فلا يصح الحكم بأن الطفل قد ظلم لأنه مات صغيرا، لأن الحياة الدنيا ليست غاية أمر الإنسان.
ونخلص من جميع ذلك إلى أن السائل يعتقد أن الأطفال والحيوانات قد ماتوا مع جميع الأمم التي نزل عليها العذاب، ثم تصور أن موتهم كان عقوبة لهم على ذنوب غيرهم، وبنى على هذين الأمرين اعتراضه على العدالة الإلهية.
والصحيح أن القرآن الكريم لم يثبت هلاك الأطفال والحيوانات في كل حادثة، وقد ورد في شأن قوم نوح أنهم لم يكونوا موجودين عند نزول الطوفان، كما ذكر القرآن الكريم نجاة المؤمنين من قوم لوط.
ولو ثبت أن بعض الأطفال والحيوانات قد ماتوا عند نزول العذاب على الظالمين، فلا يلزم من ذلك أنهم عوقبوا على ذنوب غيرهم؛ لأن الموت لا يدل بنفسه على استحقاق العقوبة، وما يصيب البريء من ألم لا يضيعه الله سبحانه.
فبيّن لنا أن هلاك الأمم الظالمة لا يثبت أن الله سبحانه عاقب أطفالها وحيواناتها بذنوب المكلفين البالغين، وأن الله سبحانه لا يظلم أحدا، كما قال عز من قائل: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
هل خلق الله سبحانه الشر والظلم والأشياء المستقذرة؟
نص السؤال / الشبهة:
هل الله تعالى خالق كل شيء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل نستنتج أن الشر والظلم والظلام والأشياء المستقذرة - كالروائح الكريهة والفضولات - هي من خلق الله المباشر؟ أم أنها أمور ناتجة عن غياب مقابلاتها كالعدل والنور، وبالتالي طبيعة لنظام الخلق؟ أيهما أصح قولا: إن هذه الأمور ناتجة عن غياب مرادفاتها ومقابلاتها الوجودية، أم أن الله خلقها بصفاتها هذه؟ وحاشا لله العلي العظيم عن كل نقص.

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله الطاهرين، وهداة الأنام.
إن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، كما قال في كتابه الكريم: {اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62]، ولكن ليس كل ما يكرهه الإنسان أو يتضرر منه يكون خلقه قبيحاً؛ لأن كراهة الشيء لا تعني أن وجوده شر، كما أن الضرر الذي قد يحصل منه لا يدل على أن الله سبحانه قد فعل قبيحاً بخلقه.
وهنا نسأل: هل خلق النار قبيح لأنها تحرق؟ وهل خلق الماء قبيح لأنه قد يتسبب في غرق الإنسان؟ وهل خلق الحيوانات المفترسة قبيح لأنها قد تقتل الإنسان؟
من الواضح أن الجواب بالنفي؛ لأن هذه المخلوقات لها فوائد، ووجود الضرر فيها لا يجعل خلقها قبيحاً. فلا يصح أن نقول: إن هذا الشيء يضر الإنسان، فلابد أن يكون خلقه قبيحاً؛ إذ ليس كل ما يضر الإنسان يكون وجوده قبيحاً.
وأما الظلم، فهو يختلف عن هذه الأمور؛ لأن الظلم فعل يختاره الإنسان بنفسه، والله تبارك وتعالى لم يأمر الإنسان بالظلم، ولم يجبره عليه، وإنما خلقه وأعطاه القدرة على فعل الخير والشر، وأمره بالعدل ونهاه عن الاعتداء على الآخرين، فلو اعتدى رجل على غيره، فإن الشخص المعتدي هو الذي اختار الظلم، ولا يصح أن نسب هذا الاعتداء إلى الله جل وعلا بحجة أنه خلق الإنسان وأعطاه القدرة على الفعل.
وقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: ((إن الله عز وجل لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه))، ثم قال (عليه السلام): ((وإن أتموا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل وإن لم يفعل وفعلوا فليس هو الذي أدخلهم فيه)) [التوحيد، للشيخ الصدوق، ص 361، باب نفي الجبر والتفويض، الحديث 7].
ومعنى ذلك أن الله سبحانه قادر على منع الإنسان من المعصية، ولكنه لم يجبره على تركها، فإذا اختار الإنسان الظلم كان مسؤولاً عن فعله، ولا يكون الله عز وجل ظالماً لأنه لم يمنع منه.
وأما الشر، فلابد من معرفة المراد منه؛ لأنه ليس على نحو واحد؛ فقد يكون ظلماً يرتكبه الإنسان باختيار، وقد يكون مرضاً أو ألماً يصيبه من غير اختياره. ولكل منهما حكمه؛ فإن الإنسان مسؤول عن الظلم الذي يرتكبه، وأما المرض والألم فليس وقوعهما دليلاً على ظلم الله جل وعلا.
ولا يصح أن نسب ظلم الإنسان إلى الله سبحانه بحجة أنه خلق الإنسان وأعطاه القدرة على الفعل؛ لأن إعطاء القدرة على الفعل لا يعني الإجبار على استعمالها في المعصية.. فلو أعطى أب ابنه مالاً لينفقه في الحلال، فاختار الابن أن يشتري به شيئاً محرماً، لم يصح نسب فعل الابن إلى أبيه لأنه أعطاه المال؛ لأن الأب لم يأمره بالحرام، وإنما الابن هو الذي اختار إنفاق المال فيما حرم الله سبحانه.
وكذلك الله سبحانه - وله المثل الأعلى - خلق الإنسان وأعطاه القدرة على الطاعة والمعصية، وأمره بالطاعة ونهاه عن المعصية، وترك له اختيار أفعاله، ولذلك يستحق المحسن الثواب والمسيء العقاب.. وليس معنى أن الله سبحانه خلق الإنسان وأعطاه القدرة على الفعل أنه أجبره على الظلم، كما أن عدم منعه من ارتكاب الظلم لا يعني أنه رضي بظلمه أو آمره به. وإنما الظلم فعل الإنسان الذي اختاره بنفسه، والله سبحانه منزه عن الظلم وفعل القبيح.
وأما الظلام، فهو عدم النور؛ فلو أطفأنا المصباح في غرفة، أصبحت الغرفة مظلمة، وليس معنى ذلك أن شيئاً جديداً دخل الغرفة اسمه الظلام، وإنما فقدت الغرفة الضوء الذي كان فيها. فالظلام بهذا المعنى ليس شيئاً موجوداً مستقلاً عن النور، بل هو فقدان النور.
ولكن هل يصح أن نقول إن الفضولات والروائح الكريهة أيضاً فقدان لأشياء أخرى؟
الجواب: لا؛ لأن الفضولات مواد موجودة حقيقية، وليست فقدان النظافة، وكذلك الروائح الكريهة ليست فقدان الرائحة الطيبة؛ فإن لها أسباباً مادية تؤثر في حاسة الشم. وهذه المواد من خلق الله عز وجل، ولا يلزم من ذلك أن يكون خلقها قبيحاً؛ لأن الله سبحانه جعل في جسم الإنسان أجهزة لهضم الطعام، وجعل من آثار الهضم خروج الفضولات، وخروجها ضروري لصحة الإنسان. فهل يصح أن نجعل ما يحتاج إليه الجسم للمحافظة على صحته دليلاً على قبح الخلق؟ من الواضح أن ذلك غير صحيح.. كما أن كون هذه المواد تتكون بأسباب طبيعية لا يعني أنها خارجة عن خلق الله تبارك وتعالى؛ لأنه سبحانه خلق الجسم، وخلق فيه أسباب الهضم، وجعل هذه الأسباب آثارها.
ومما ذكرناه ظهر أن الأشياء المستقذرة نشأت من أسباب طبيعية لا ينفي كونها من خلق الله سبحانه؛ لأن الأسباب الطبيعية نفسها مخلوقة له سبحانه.
وقد يقال: إذا كان الله سبحانه قد خلق الأشياء المستقذرة، فهل يعني ذلك أن هذه الصفات القبيحة تنسب إليه؟
الجواب: إن صفات المخلوق لا يلزم أن تكون صفات للخالق، فالله جل وعلا خلق الإنسان، والإنسان يمرض ويضعف ويموت، ولا يعني ذلك أن الله سبحانه يتصف بالمرض والضعف والموت، وكذلك خلق الأشياء التي يستقذرها الإنسان لا يعني أن الله عز وجل يتصف بما يستقذره الإنسان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقد يعارض معارض فيقول: إن الله سبحانه خلق النار، وقد تحرق النار طفلاً بريئاً لم يرتكب ذنباً، فكيف لا يكون ذلك ظلماً؟
والجواب: أن إحراق الطفل مصيبة مؤلمة بلا شك، ولكن وقوع المصيبة لا يكفي للحكم بوجود الظلم؛ لأن الضرر شيء، والظلم شيء آخر.. فقد يقطع الطبيب عضواً من جسم المريض لإنقاذ حياته، فيتألم المريض ألماً شديداً، ومع ذلك لا يكون الطبيب ظالماً، بل يقع لسبب صحيح.
ويترتب على ذلك أن من أراد إثبات الظلم، فلا يكفي أن يقول إن هناك ألماً أو ضرراً، بل لابد أن يثبت أن ذلك الضرر وقع بغير حق.. وأما القرآن الكريم فقد نفى الظلم عن الله سبحانه، بقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].
نعم، قد تسأل عن الحكمة من وقوع بعض المصائب، ولماذا يصاب الإنسان البريء بالألم والمرض، وما الذي يعوضه الله سبحانه عما أصابه؟ هذه مسائل تتعلق بعدل الله عز وجل وحكمته وما أعده لعباده من الثواب والجزاء، ولا يصح أن نحكم بوقوع الظلم لأننا لا نعرف الحكمة من بعض المصائب.
ونخلص من جميع ما تقدم إلى أن الله سبحانه خالق جميع الموجودات، بما لها من صفات وخصائص، سواء أوجدها ابتداء أم جعل لها أسباباً تتكون منهاوليس صحيحاً أن جميع الأمور المذكورة في السؤال هي فقدان لأشياء أخرى؛ فالظلام فقدان النور، وأما الفضولات والمواد المسببة للروائح الكريهة فهي أشياء موجودة حقيقة، ومن خلق الله عز وجل. 
وأما بالنسبة إلى الشر، فإن أريد به المرض والألم والضرر، فليس كل ذلك ظلماً أو فعلاً قبيحاً، وإن أريد به المعصية والاعتداء على الآخرين، فالله عز وجل لم يأمر بهما ولم يُجبر الإنسان عليهما، وإنما الإنسان هو الذي يختارها ويتحمل مسؤوليتها. 
وبذلك يتبين أن قوله سبحانه: {اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} لا ينافي عدله وحكمته؛ لأن خلق الشيء الذي يكرهه الإنسان لا يكون قبيحاً لكراهته، ووجود الضرر لا يعني وقوع الظلم، والله سبحانه منزه عن الظلم وفعل القبيح، ولا يلزم من خلق الأشياء الضارة أو المستقذرة أن يتصف خالقها بصفاتها. 
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
❤3
هل ستكون دولة الإمام المهدي (عليه السلام) إسلامية أم إنسانية؟

نص السؤال/الشبهة:
هل ستكون دولة الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إسلامية أم إنسانية؟ وهل سيكون الدين أساسًا للحكم فيها؟ وهل سيدخل أصحاب الديانات الأخرى في الإسلام والمذهب الجعفري؟ وهل الاعتقاد بذلك من التعصب المذهبي الذي ذمه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53، الروم: 32]؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفی، محمد وآله المطهرين مصابيح الظلام، وهداة الأنام.
إن دولة الإمام المهدي (عليه السلام) دولة إسلامية، قائمة على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله)، ويعم عدلها جميع الناس. ومن الخطأ جعل إسلامية الدولة في مقابل العدل؛ لأن الإسلام والعدل لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث يكون الحكم بالإسلام على الوجه الذي أمر الله سبحانه به، يكون الحكم بالعدل، وحيث يقع الظلم تكون هناك مخالفة لأحكام الإسلام، وإن كان الحاكم مسلما. وهذا أمر ينبغي الالتفات إليه قبل البحث عن صفة دولة الإمام (عليه السلام)؛ لأن الإسلام ما جاء ليقيم حكمًا للمسلمين يُباح فيه ظلم غير المسلمين، بل أوجب العدل بين الناس جميعا، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
فإن الله عز وجل أوجب الحكم بالعدل بين الناس، ولم يجعل اختلاف الدين موجبا لسقط حق الإنسان في العدل. بل قال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، فأمر سبحانه بالعدل حتى مع من يبغضهم الإنسان.
إذن، فإن إسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تقابل إنسانيتها من جهة العدل وحفظ الحقوق؛ لأن العدل الذي سيقيمه الإمام (عليه السلام) هو حكم من أحكام الإسلام نفسه. فالإمام (عليه السلام) لا يكون عادلاً بترك أحكام الدين، بل يكون عادلاً بإقامتها على الوجه الذي أراده الله عز وجل.
ويمكن أن يقال: إن جعل العدل في مقابل الإسلام يستلزم أمرا لا يصح الالتزام به، وهو أن أحكام الإسلام لا تكفي لإقامة العدل، وأن الإمام المهدي (عليه السلام) يحتاج إلى تركها ليحكم بين الناس بالعدل. وهذا مخالف لما دل عليه القرآن الكريم من الأمر بالحكم بما أنزل الله سبحانه، قال عز من قائل: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].
فإذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مأمورا بالحكم بما أنزل الله سبحانه، فكيف يصح القول بأن الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو خليفته والقائم بإحياء دينه، ستكون دولته قائمة على غير ذلك الدين؟
ويؤكد هذا المعنى ما رواه الشيخ الطوسي في تهذيب الأحكام، عن محمد بن مسلم، قال: ((سألت أبا جعفر عليه السلام عن القائم إذا قام بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال: بسيرة ما سار به رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يظهر الإسلام. قلت: وما كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله؟

قال: أبطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم إذا قام يبطل ما كان في الهدنة مما كان في أيدي الناس، ويستقبل بهم العدل)) [تهذيب الأحكام، ج 6، ص 154، ح 270].
وقد نقله الحر العاملي في وسائل الشيعة، بإسناد الشيخ الطوسي عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير ومحمد بن عبد الله بن هلال، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم. [وسائل الشيعة، ج 11، ص 57]. ورجال طريق جعفر بن بشير عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم من الموثقين.
وقد استدل بهذا الخبر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في "أنوار الفقاهة"، في بحثه المتعلق بأحكام الإمام القائم (عليه السلام). [ينظر: أنوار الفقاهة، ص 79].
والرواية صريحة في محل الكلام؛ فإن الإمام الباقر (عليه السلام) سئل عن كيفية حكم القائم (عليه السلام) بين الناس، فأجاب بأنه يسير بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يظهر الإسلام، ثم بين أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبطل أحكام الجاهلية واستقبل الناس بالعدل، وأن القائم (عليه السلام) يفعل كذلك.
فالإمام الباقر (عليه السلام) جمع بين إظهار الإسلام وإقامة العدل، وجعل كليهما من سيرة القائم (عليه السلام). وعليه، فإن إسلامية دولته (عليه السلام) وشمول عدلها هما من صفات دولته الثابتة بالنصوص.
وأما ظهور الإسلام في دولته، فقد قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 33]. فالآية تدل على أن الله سبحانه يظهر دين الحق الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) على سائر الأديان.
وقد ورد عن أئمة الهدى (عليهم السلام) ارتباط تمام هذا الظهور بقيام الإمام المهدي (عليه السلام)، كما ورد في خبر الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في الكافي، الذي نص على أن القائم يسير بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى يظهر الإسلام. [ينظر: الكافي، ج 1، ص 432].
وأما اعتناق أصحاب الديانات الأخرى للإسلام، فينبغي التمييز بين ظهور الإسلام على سائر الأديان وبين دخول جميع أهل الأرض فيه. فإن ظهور دين الإسلام وثبوت حكمه على الأرض لا يستلزم بالضرورة اعتناق كل إنسان له؛ لأن ظهور الدين أمر، ودخول الناس فيه أمر آخر.
وقد ورد في أخبار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يدل على دخول أهل الأديان في الإسلام، كما ورد ما يدل على بقاء أهل الكتاب في دولة الإمام (عليه السلام). فقد روى محمد بن جعفر المشهدي في المزار، ص 135، عن أبي بصير، أنه سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن أهل الذمة عند القائم، فقال: ((يسالمهم كما سالمهم رسول الله صلى الله عليه وآله ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون)) [المزار، ص 135]. وهذا الخبر ظاهر في بقاء أهل الكتاب في دولة الإمام (عليه السلام) وإجراء أحكام أهل الذمة عليهم.
وقد تعرض الشيخ الطبرسي (ره) لهذه المسألة في "إعلام الورى"، فقال في رد دعوى أن القائم لا يقبل الجزية من أهل الكتاب: ((أنا لم نعرف ما تضمنه السؤال من أنه عليه السلام لا يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، فإن كان ورد بذلك خبر فهو مقطوع به)) [إعلام الورى، ج 2، ص 310].
وكلام الشيخ الطبرسي (ره) صريح في أن عدم قبول الجزية من أهل الكتاب عند ظهور الإمام (عليه السلام) ليس من الأمور الثابتة عنده. فلا يصح جعل دعوى انتهاء جميع الأديان واعتناق جميع أهل الأرض الإسلام أمراً مقطوعاً به.
والذي تثبته الأدلة هو أن الإسلام يظهر في دولة الإمام (عليه السلام)، وأن حكمه يكون بما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأن دعوته تشمل الناس جميعاً.

وأما القول بأن جميع أهل الأديان سيصبحون مسلمين، فليس ذلك لازما لظهور الإسلام، ولم يثبت من الأخبار المذكورة حصول ذلك لجميع أهل الأرض.
وأما المذهب الجعفري، فإن الإمام المهدي (عليه السلام) هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين تعتقد الشيعة الإمامية بعصمتهم ووجوب طاعتهم، وأنهم المبيتون لأحكام رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومن الواضح أن الإمام المهدي (عليه السلام) لا يدعو الناس إلى اعتقاد يخالف ما بيّنه أئمة أهل البيت (عليه السلام)؛ لأنه واحد منهم، وقوله حجة كما أن أقوال آبائه الطاهرين (عليهم السلام) حجة.
وأما اعتناق جميع أهل الأرض المذهب الجعفري، فقد يستدل بما رواه الشيخ النعماني في كتاب "الغيبة"، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في حديث النداء السماوي: ((لا يبقى في الأرض يومئذ أحد إلا خضع، وذلت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألا إن الحق في علي بن أبي طالب عليه السلام وشيعته)). ثم ذكر (عليه السلام) أن إبليس ينادي بخلاف ذلك، فقال: ((فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحق، وهو النداء الأول، ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، والمرض والله عداوتنا، فعند ذلك يتبرءون منا ويتبرأوننا)) [الغيبة، النعماني، ص 267-268].
فهذه الرواية وإن دلت على إيمان أهل الأرض بحق أمير المؤمنين (عليه السلام) وشيعته عند سماع النداء السماوي، فإن ذيلها صريح في أن بعض الناس يرتابون ويتبرؤون من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
وعليه، فلا يصح الاستدلال بهذه الرواية على اعتناق جميع أهل الأرض المذهب الجعفري؛ لأن الرواية نفسها تثبت وجود من يرفض الحق الذي يدعو إليه الإمام (عليه السلام).
وأما الاستدلال بقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ على الاعتقاد بإسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) من التعصب المذهبي، فهو استدلال في غير محله؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: 30-32]. فهذه الآيات تأمر باتباع الدين الحق، وتذم من فرقوا دينهم واتبعوا ما عندهم من غير حجة.
وجاء عن الشيخ الطبرسي في "مجمع البيان"، في تفسير قوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾: ((كل أهل ملة بما عندهم من الدين راضون))، ثم نقل قولاً آخر: ((كل فريق بدينهم معجبون مسرورون، يظنون أنهم على حق)) [مجمع البيان، ج 8، ص 60].
فليست الآية في مقام ذم من اتبع الحق وآمن بصحته، وإنما جاءت في ذم التفرق في الدين والاغترار بما عليه أهل البطل.
إن اعتقاد الإنسان بصحة دينه لا يدل على التعصب؛ فإن المسلم يعتقد أن الإسلام هو الدين الحق، ويعتقد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نبي مرسل من عند الله سبحانه.
فلو كان الاعتقاد بصحة الدين موجبا للذم، لزم أن يكون الإيمان بالإسلام نفسه من التعصب المذموم، بل يلزم من ذلك أن يكون ما دعا إليه الأنبياء (عليهم السلام) من الإيمان بدين الله سبحانه وترك ما خالفه، داخلاً في الذم المذكور، مع أن الله عز وجل أرسلهم لإقامة الحجة ودعوة الناس إلى الحق.
ومن ذلك يظهر لنا وجه الخطأ في الاستدلال بالآية؛ فإن القرآن الكريم لا يذم المؤمن لاعتقاده بصحة ما أنزل الله سبحانه، وإنما يذم من يتمسك باعتقاده مع مخالفته للحق. والفرق بين الأمرين واضح؛ لأن صحة الاعتقاد تثبت بالدليل، لا بانتساب الإنسان إلى طائفة، كما أن مخالفته لاعتقاد الآخرين لا تجعله باطلاً.
فنحصل لنا من جميع ما ذكرناه أن دولة الإمام المهدي (عليه السلام) دولة إسلامية عادلة، تقوم على أحكام الإسلام التي أوجب الله سبحانه فيها العدل بين الناس جميعا، ويظهر فيها الإسلام على سائر الأديان، ويجب على الناس الإيمان بإمامته (عليه السلام واتباعه.

وأما اعتناق جميع أهل الأرض الإسلام والمذهب الجعفري، فقد ورد في بعض الروايات ما يدل على وجود من يرتاب ويرفض اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، فلا يثبت إيمان جميع الناس بمذهبهم. والاعتقاد بإسلامية دولة الإمام المهدي (عليه السلام) فهو من مقتضيات إمامته وقيامه بأمر الله عز وجل، وقد قامت عليه الأدلة الشرعية، فلا يصح الاستدلال بالآية التي ذمت التفرق في الدين على وصف هذا الاعتقاد بالتعصب المذهبي.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
هل تبلغ محبة أمير المؤمنين (ع) حدّ قتل النفس؟
انتشرت مسالة الانتحار حتى اصبحت ظاهرة خطيرة تطال فئة كبيرة من المجتمع وخاصة شريحة الشباب ذكور وإناث، وظاهر الأمر ان بعض دوافع هذه الظاهرة دينية عقائدية ومنها ما يسمى بالقربان حيث يساهم البعض في قرعة ومن يظهر اسمه فيها عليه قتل نفسه قربان لأمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، اثباتا لحبه وولائه سلام اللّٰه عليه.
منظركم هل هذه الدوافع حقيقة وهي ان يصل الإنسان إلى الذوبان في حب علي عليه السلام حتى يصل الأمر الى ان يقتل الإنسان نفسه وما هي نتائج قتل النفس التي حرم اللّه سبحانه وتعالى، واذا ثبت ذلك ام لم يثبت كيف تعالج هذه المسالة الخطيرة في المجتمع المسلم.
الجواب
بسم اللّه الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
لا شك أن محبة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من الإيمان، وقد تبلغ بالإنسان مبلغاً عظيماً، حتى يكون مستعداً لبذل نفسه في نصرته والدفاع عنه. غير أن بذل النفس في سبيل اللّٰه يختلف عن قتل الإنسان نفسه بدعوى المحبة؛ فإن الأول يكون في مورد أذن به اللّٰه عزّ وجل، وأما الثاني فهو من المحرمات التي نهى اللّٰه سبحانه عنها وتوعّد فاعلها بالعذاب، فقال جلّ شأنه:
{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [النساء: 29]، وقال بعد ذلك: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا } [النساء:30].
ومحبة أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تجعل الإنسان مأذوناً في مخالفة أحكام اللّٰه جلّ وعلا، ولا تكون شدة المحبة سبباً لجواز ما حرّمه اللّٰه سبحانه؛ لأن الإمام المعصوم لا يأمر بمعصية اللّٰه ولا يرضى بها.. فدعوى التقرب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بقتل النفس تستلزم نسبة الرضا بالمعصية إليه، وهذا ينافي عصمته وما نعتقده في مقام الإمامة. فالذي يقتل نفسه بهذا الاعتقاد لا يكون قد امتثل أمراً للإمام، وإنما يكون قد ارتكب فعلاً محرّماً، ثم نسبه إلى محبة الإمام من دون دليل.. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((هلك في رجلان محب غال ومبغض قال)). [نهج البلاغة، الحكمة 117، ص489].
والمعنى أن المحبة قد تحمل صاحبها على تجاوز الحق إذا لم يلتزم بما أمر اللّه سبحانه به. وقد جاء عنه (عليه السلام) أيضاً: ((وسيهلك في صنفان: محب مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق)) [نهج البلاغة، الخطبة 127، ص184].
وأما القول بأن بعض الأشخاص يبلغون من شدة محبة أمير المؤمنين (عليه السلام) حد قتل أنفسهم.. فإن وقوع ذلك ممكن؛ فقد يعتقد الإنسان اعتقاداً فاسداً، ثم يقدم على فعل محرّم وهو يظن أنه من أعظم الطاعات. إلا أن صدق الإنسان في محبته لا يدل على صحة اعتقاده أو فعله. لذلك فإن الانتحار ليس دليلاً على صحة العقيدة، حتى لو ثبت أن المحبة كانت الدافع إلى الإقدام عليه.
وأما عاقبة الانتحار، فقد روى الشيخ الكليني في "الكافي" أن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: ((من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها)). [الكافي، ج7، ص45]. وهذا الوعيد يدل على شدة حرمة الانتحار وعظم الجناية فيه.
هذا، ولم يثبت في الإسلام تشريع قتل الإنسان نفسه قرباناً لله سبحانه أو لأحد أنبيائه وأوصيائه. وقد عرف التاريخ تقديم البشر قرابين عند بعض الأمم التي عبدت الأصنام وغيرها من الآلهة الباطلة، اعتقاداً منها أن ذلك يجلب رضا آلهتها أو يدفع غضبها.
وقد ذكر الشيخ جعفر السبحاني في كتاب "سيد المرسلين"، ما نصه: ((وجرت عادة بعض القبائل آنذاك أن تختار من بين أفرادها كل سنة شخصا في مراسيم خاصة ثم تذبحه عند أقدام أصنامها، وتقبر جسده على مقربة من المذبح)) [سيد المرسلين، ج1، ص55] .
فقد كان تقديم الإنسان قرباناً معروفاً في بعض الطقوس الوثنية.. ومجرد تسمية القتل قرباناً لا يغيّر حقيقته ولا يجعله مشروعاً.
ومن منطلق المسؤولية فإننا نحذر الشباب أشدّ التحذير من الانتماء إلى هذه الجماعات المتطرفة، أو مجرد الاستجابة لدعواتها والجلوس مع من ينتمون إليها؛ فقد وقفنا على معلومات خطيرة تفيد بأن الشاب قد يقع في شباكهم منذ اللقاء الأول، حين يُظهر استحسانه لأفكارهم أو استعداده لمجاراتهم، فيسعون إلى معرفة تفاصيل حياته وأسماء أفراد أسرته وعنوان سكنه، حتى إذا جاءت القرعة ووقع الاختيار عليه، ثم تردد في قتل نفسه أو امتنع عن التنفيذ، هددوه بقتل أبيه أو إخوته، فيجد نفسه أمام تهديد خطير يدفعه إلى تنفيذ ما يطلبونه خوفاً على أهله.
وهنا ينبغي أن يعلم الشباب أن المسألة، وفق هذه المعلومات، لا تقف عند نشر اعتقاد فاسد، بل قد تصل إلى التهديد والابتزاز والإكراه على قتل النفس..
لذلك نحن نحذّر كل شاب وفتاة من الاستهانة باللقاء الأول أو مجاراة أصحاب هذه الدعوات بدافع الفضول؛ فإن من يسعى إلى خداعك باسم محبة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم يهددك بقتل أهلك، لا يريد بك خيراً ولا يدعوك إلى دين، وإنما يريد إيقاعك في الهلاك. وإذا تعرض أحد لمثل هذا التهديد، فلا ينبغي أن يستسلم له أو ينفذ ما يُطلب منه، وعليه أن يخبر أهله ومن يثق بهم، وأن يلجأ إلى الجهات الأمنية لحماية نفسه وأسرته.
فاحذر ممن يستدرجك باسم الدين، ولا تجعل الفضول سبباً لوقوعك في أيدي من لا يتورعون عن تهديد حياتك وحياة أهلك.
وقبل ذلك قف واسأل نفسك، وإن لم تعرف الجواب فاسأل أباك:
هل شرّع اللّٰه سبحانه أن يقتل الإنسان نفسه قرباناً لأحد من خلقه؟
وهل ورد في شريعة الإسلام أو الشرائع السابقة أن محبة الأنبياء والأوصياء تثبت بقتل الإنسان نفسه؟ ثم اسأل نفسك سؤالاً آخر: لماذا لا تشمل قرعة الموت الأشخاص الذين يشرفون عليها ويدعون الشباب إليها؟ ولماذا لا يقتلون أنفسهم قرباناً أمام الناس، ليكونوا قدوة لمن يدعونهم إلى ذلك؟ فإن كانوا يعتقدون أن قتل النفس من أعظم القربات، فلماذا يطلبون من الشباب ما لا يفعلونه بأنفسهم؟ ولماذا يبقى أصحاب الدعوة أحياء، بينما يموت من صدّقهم واتبعهم؟ ألا يدعوك هذا إلى الشك في صدق دعواهم والتفكير في الغاية التي يريدون الوصول إليها؟
واحذر أن تنخدع بمن يتقرب إليك باسم الدين ومحبة أهل البيت (عليهم السلام)؛ فقد يستغل أصحاب هذه الدعوات وجودهم في المساجد والحسينيات والمآتم لكسب ثقة الشباب، ويتجنبون مناقشة الكبار، ويتوجهون إلى صغار السن ممن يسهل التأثير عليهم.
فلا تستغرب وجود أحدهم في مسجد أو حسينية أو مجلس عزاء، ولا تجعل وجوده في هذه الأماكن دليلاً على صحة اعتقاده أو سلامة مقصده؛ فإن حرمة المكان لا تمنح كل من يرتاده صفة الورع والتقوى، ولا تجعل كل ما يقوله حقا وصدقا.
فانتبه جيداً، ولا تسمح لأحد أن يستدرجك إلى لقاءات خاصة أو يأخذ معلوماتك ومعلومات أسرتك، ولا تخف من إخبار أبيك أو من تثق به إذا حاول أحد إقناعك بهذه الأفكار أو هددك.
واعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يحتاج إلى موتك لتثبت محبتك له، وإنما يريد منك أن تكون مطيعاً لله سبحانه.. فاحذر ممن يجعل محبة الإمام وسيلة لخداعك، ومن يتخذ الأماكن المقدسة طريقاً للوصول إليك؛ فهذه وسيلته لاستدراجك وإيقاعك في شباكه.
فلا تنخدع بتسمية القتل قرباناً، ولا تظن أن كل ما أُلبس لباس الدين صار من الدين؛ فإن العبرة بما أمر اللّٰه سبحانه به، لا بالأسماء التي يضعها الناس لأفعالهم. واحذر ممن يريد أن يجعلك قرباناً، بينما يبقى هو حياً يشرف على موتك باسم محبة أمير المؤمنين (عليه السلام ).
وأما عن مسؤولية الأسرة، ولا سيما الأب والأم؛ فإن من أعظم الأخطاء أن يترك الوالدان أبناءهما من دون متابعة أو تربية دينية، وأن يُسمح للشاب بالخروج متى شاء، والعودة في ساعات متأخرة من الليل، من دون أن يسأله أحد: أين كنت؟ ومع من جلست؟ ومن هم الأشخاص الذين ترافقهم؟ وما الأفكار التي تسمعها منهم؟
فهل تنحصر مسؤولية الأب في توفير الطعام والملبس والمال، ثم يترك ولده عرضة لكل من يريد خداعه؟ وهل يكفي أن تحرص الأم على صحة ولدها وطعامه وراحته، ثم لا تعرف مع من يجلس، ولا ما يتعلمه، ولا من يؤثر في اعتقاده وسلوكه؟ إن مسؤولية الوالدين لا تنتهي بتوفير حاجات الأبناء المادية، بل تشمل تربيتهم وتعليمهم أحكام دينهم، وحمايتهم من أصحاب العقائد الفاسدة، ومعرفة من يصاحبون ومن يأخذون عنه أفكارهم. قال اللّه تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارَا} [التحريم:6]. فكيف يطلب اللّه سبحانه من المؤمن أن يقي أهله النار، ثم لا يهتم بمعرفة من يصاحب ولده، ومن بدعوه إلى أفكار قد تنتهي بقتله؟
وينبغي أن تكون علاقة الأب والأم بأبنائهما قائمة على الثقة وحسن المعاملة، حتى يستطيع الشاب أن يخبرهما إذا تعرض لدعوة مشبوهة أو تهديد، من غير خوف من الضرب أو الإهانة.
فلا تنتظر حتى تفقد ولدك، ثم تسأل: من الذي خدعه؟ وأين تعرّف على هؤلاء؟ اسأل عنه وهو بين يديك، واعرف أصحابه، واستمع إلى مشكلاته، وعلّمه دينه قبل أن يأتي من يعلّمه الباطل باسم الدين.
فإن من المؤلم أن يعرف الغرباء تفاصيل حياة الشاب وأسرته ومكان سكنه، بينما لا يعرف أبوه وأمه أسماء الأشخاص الذين يرافقهم ولا حقيقة ما يدور بينهم،
لذا، فإن حماية الأبناء تبدأ من داخل البيت، بالتربية الدينية الصحيحة، والمتابعة الحكيمة، وحسن المعاملة، لا بعد وقوع المصيبة وفوات فرصة إنقاذهم.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى اللّٰه وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله ):
في مظلومية فاطمة عليها السلام
(..وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها ..) المصدر امالي الصدوق