آلاء سيف.
3.88K subscribers
66 photos
20 videos
34 links
أقيّدُ هنا كلَّ ما رقّت لهُ بناتُ أَلبُبِي..
تصويري:t.me/+9I-4s6u9vcdhMDdk
صدقة جارية https://whatsapp.com/channel/0029VbBWI02JENxvlSkwYc0g
Download Telegram
يأخذُ القلبَ حديثُ ربِّ العالمين مع سيّدنا عيسى عليه السلام في أواخر سورة المائدة :))

{إن كنتُ قلتُه فقد علمتَه تعلمُ ما في نفسي ولا أعلمُ ما في نفسكَ}
سورة الزمر، سورة حبيبة إلى نفسي، وكلّما كدتُ أختار منها موضعًا ترجع إليّ كاملة من بدايتها إلى نهايتها، وأحبّها كلّ مرّة، وألتمس جلالها وعظمتها ولذّة معانيها بغير انتهاء، خمسٌ وسبعون آية تحملني إلى أفق ينقشع فيه عن روحي ضبابها وغيم كآبتها.
يتكرر في السورة لفظ العبودية بكلّ مشتقاته من الأصل (عبد)، ويعاد فيها نداء ربّنا الرحيم (يا عبادي) موسِّعًا ضيق المكان في داخلي حنونًا مخففًا رحيمًا، سبحانه، (أليس الله بكافٍ عبده؟) بلى والله، وذا من أحب مواضع الزمر إليّ أيضًا.
لطالما أسرني جوهر العبوديّة لله وحده، إذ يتسامى بضعف العبد وفقره ونقصه إلى حال من سوية النفس رغم تضارب معطيات الدنيا حولها، هالة ترتسم بنور أشدّ وضوحًا كلّما خضع العبد لربِّه مسلّمًا موقنًا، (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربّه).

تختم سورة الزمر بموضع جلل، (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا)، هذه الآية العظيمة، كم تثير في روحي رجاءً ومهابة وتوقًا، يا الله! هذا ما أجده أول نعيم الآخرة، أن يُساق العبد مع أهله وأحبته وصحبه في زمرة واحدة لا ينكرونه ولا ينكرهم يوم يفرّ المرء من أخيه وصاحبته وبنيه، أن يُساقوا جميعًا في زُمر المتّقين، جميعًا، إلى الجنة.. إنّه أملي، وكلّ نعيم أرجوه.

اللهمّ سُقنا مع أحبتنا إلى الجنة زُمرًا يا رب، واجعلنا في زمرة سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، احشرنا تحت لوائه، زُمرًا.
تربكني الأيام العجولة. الأيام التي يتصدر فيها اللهاث وراء إتمام المهام على أكمل وجه دون السكون. أيام تتجاوزني، كامرأة مطمئنة عالقة في زمن جميل، تعيشه بإيقاع بطيء.
أواسي فيها نفسي ب : "طلب العلم عبادة ؛ طلب العلم رباط على ثغر"
أُتابعُ قناةً لصاحبٍ ابتُلي بمرضٍ شديد، لا أعلم كُنهَه ولا حقيقته، غير أنّ قلبي ينقبض كلّما وقع بصري عليه؛ كأنّ البلاء نزل بساحتي، وكأنّي أنا المُصابة لا هو.
تأخذني رِقّةٌ لا أملك لها دفعًا، فيغلبني الحزن، ويستبدّ بي الأسى، حتى كأنّ بيني وبين كلّ مبتلى نسبًا خفيًّا من وجعٍ وشعور.

وقد قال النبي ﷺ:
«مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى»؛
فكأنّ القلب إذا شهد وجعًا في غيره، لم يطق أن يقف منه موقف المتفرّج، بل يهتزّ له كما يهتزّ الجسد كلّه لعلّة عضوٍ منه.

دعواتكم له بالشفاء
اسمع مني أيها المرء؛

دع عنك كلَّ من يحدِّثك أن قدرك لا يقوم إلا إن عُرفت، ولا تُحسب لك منزلة حتى تتصدَّر وتُذكر، ويملأ سمعك بخطاب الأثر والتمكين والقيادة، حتى يضيق صدرك إن خفيت، وتظن أن همَّتك قصَّرت إن لم يلتفت إليك الناس، فتقع أسير المقارنات، وتبخس نفسك قدرها.

ما خُلق الخلق كلهم لصدارةٍ ولا رياسة، وما كان المؤمنون جميعًا على موضع الظهور، بل في الخمول عبادٌ لو أقسم أحدهم على الله لأبرَّه، تُحفظ بهم ثغور الدين، وتُستنزل بدعائهم الرحمات، وهم عند الناس مغمورون.

يقيمون أمر الله في أنفسهم، ويصلحون سرائرهم، ويثبتون على الطاعة في خفاء، فلا يُرى لهم ذكر، ولا يُرفع لهم صوت، ولكن الله يعلم موضعهم.

فالزم الثغر الذي أقامك الله فيه، وإن رآه الناس هينًا، فإن الثغور لا تُعرف بعيون الخلق ولكن بعلم الله، واحرس قلبك من التفاتٍ إلى المدح أو الأسماع، وفتِّش عن إخلاصك في كل حين.

ولا يغرَّنك ما ترى من علوِّ الأصوات وكثرة المتصدّرين؛ فربَّ خاملٍ في الأرض، مشهورٍ في السماء، وربَّ خفيض الصوت عند الناس يسمعه الله فوق سبع سماوات.

حسب المرء من الدنيا أن يلقى الله وليس عليه تبعة، وقد سلم له دينه، ورضي عنه ربّه.

فذلك — والله — الغنم كلّه، والفوز الذي لا يعدله فوز.
ليالي أكثر ما فيها قلوبٌ تُردد بصوتٍ خافت مبحوح، وأعين منكسرة:
"يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ
مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ
وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ
فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا..".


«قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
أي: جئنا ببضاعةٍ قليلةٍ رديئةٍ لا تُقبَل غالبًا.» اهـ.

رَبِّ الواحدُ مِنَّا يستحي من الطلب وهو في أداء شكر ما عنده مقصر، لكنِّا نسألك أن تجبر الكسر وتقيل العثرة، وأن تعيننا بمنِّك وكرمِك على ذِكرِك وشُكرِك وحُسن عبادتك، وألّا نخرج من رمضان بمثل القلب الذي دخلنا به.
Forwarded from آلاء سيف.
قد ترى نفسك في مكان تودّ لو مكثت في غيرها، أو طريق أخرى تراها أحرى منها، أو اشياء من أقدارك تروم عنها حِولا وترضى بغيرها بدلا..

حسبك مما ترى من سالف أقدارك؛ أنها وردت من حكيم عزيز، فاعرض عن أمانيك، وتنازل عن مرادك عند مراده، واعلم أنه أعلم بحالك منك، واعلم أنّه مالم يقع لك في سابق القدر فليس لك؛ فلا تنظر لما فات على أنّه ضائع وفائت، إذ أنّه ليس لك حتّىٰ يضيع!
هكذا الدُّنيا!
وجوهٌ تُقبِل حينًا ثم تُعرِض، وقلوبٌ تتوقَّد بمودّةٍ ساعةً ثم تخبو كجَذوةٍ أصابها الرماد، ونفوسٌ يستهويها القُرب ما دامت المنفعة قائمة، فإذا انقضت ولَّت كأن لم يكن بينك وبينها عهدٌ ولا خُلّة.

هي دارُ تقلّبٍ لا يثبت لها حال، تُريك من ألوانها ما يسرّ الناظر، ثم لا تلبث أن تكشف عن وجهٍ آخر فيه من الغدر ما فيه.
فيها من الناس من يلقاك بوجهٍ طلقٍ ولسانٍ عذب، فإذا غبتَ طوى ذكرك، وكأنما كان الودّ بينكما سرابًا لاح في الفلاة ثم تبدّد.
وفيها – وما أقلّهم – رجالٌ صفت سرائرهم، فكان ودّهم خالصًا لا تشوبه المِنّة ولا تعكره الأهواء.

تتباين مساعي الخلق فيها تباين المشارب؛
فهذا جعل الدنيا أكبر همّه، يسعى خلف ظلٍّ لا يُدرك، ويطارد سرابًا كلما ظنّه ماءً خاب ظنّه.
وذاك عرف قدرها، فزهد في زخرفها، وأمسك قلبه عن التعلّق بما يزول، وجعل همّه في صلاح نفسه ونجاة روحه.

والدنيا – وإن زخرفت طرقها وأغرَت بزخارفها – لا تزال تُري أهلها عاقبة التعلّق بها؛
تُضحكهم حينًا ثم تبكيهم حينًا، وتقرّبهم ساعةً ثم تُلقي بينهم أسباب الفُرقة.
فكأنها سوقٌ تضطرب فيه الوجوه، وتختلف فيه المقاصد، فلا يستقرّ فيه صاحبُ لبٍّ على ركون.

وقد صدق القائل إذ قال:
"ومن يَكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ
يَجِد مُرًّا بهِ الماءَ الزُّلالا"

فالناسُ في نظرهم إلى الأشياء سواءٌ في الظاهر، غير أن القلوب تختلف؛
فمن صفا قلبه رأى الصفاء في الناس، ومن اعتلّ باطنه لم يرَ إلا العيب والنقص.

فاعرف الدنيا على حقيقتها، ولا تجعل قلبك أسيرًا لتقلّب الوجوه ولا لاختلاف النفوس؛
فكم من مودّةٍ ظنّ صاحبها أنها باقية فإذا بها عاريةُ زمنٍ تُسترد،
وكم من صلةٍ ظُنَّ أنها واهية فإذا بها أثبت من الجبال.

فقل لقلبك – إذا رأيت تقلّب الناس وتباين مساعيهم –: اسكن واهدأ،
فليس الخلق على دربٍ واحد، ولا القلوب على ميزانٍ واحد.
وما يجري في هذه الدنيا إنما هو سُنّةُ الاختلاف التي جُبلت عليها النفوس،
والعاقل من عرف طباع الناس، فلم يطلب من الدنيا ما ليس فيها،
ولم يحمّل القلوب ما لا تطيق.

فدع عنك التعلّق بما يزول، وأمسك قلبك عمّا يتقلّب؛
فإنما الدنيا ظلٌّ زائل، وسفرٌ قصير،
والفطن من عبرها خفيف القلب، سليم الصدر، لا يأسى على ما فات، ولا يغترّ بما أقبل.
من أبدع التَّشبيهات في نَظري، قول لبيد بن ربيعة العامري -رضي اللّٰه عنه- مختصرًا حياة الإنسان في بيتٍ واحد:

وَما المَرءُ إلَّا كَالشِّهابِ وَضَوئِهِ
يَحورُ رَمادًا بَعدَ إذ هُوَ ساطِعُ
تمضي الأيام على سُنّةٍ عجيبة، كأنّها سلاسلُ من أوجاعٍ يتوارثُ بعضها بعضًا، فلا يكاد المرءُ يودّع ألمًا حتى يستقبله آخرُ في صورةٍ غير التي ألفها، حتى تُنشئ في قلبه فقهًا خفيًّا لمعاني الابتلاء، وتُورثه بصيرةً في خبايا النفس ومكامن الضعف.

ويُدهشني حالُ من أرهقه وجعٌ طال به المقام، فتعلّق قلبُه بزواله ولو على أيّ وجه، فإذا بالعافية تأتيه في ثوبٍ مُثقَلٍ بألمٍ جديد، كأنّها تُعلّمه أنّ الفرج لا يخلو من كُلفة، وأنّ الشفاء ليس دائمًا سكونًا خالصًا.

فيبقى واقفًا بين حالين: أيسعد بانقضاء ما أثقل صدره، أم يجزع لما أقبل عليه من وجعٍ لم يألفه بعد؟ كأنّه يُساق ليدرك أنّ الحياة ليست خلوًّا من الألم، بل حُسنُ العبور بين أنواعه، وفهمُ رسائلها.
آلاء سيف.
ليالي أكثر ما فيها قلوبٌ تُردد بصوتٍ خافت مبحوح، وأعين منكسرة: "يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا..". «قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: جئنا ببضاعةٍ…
رمضان يُغادرنا، اللهم دعواتنا وما فاضت به قلوبنا، نستودعك إيّاها يا من لا تضيع عندك الودائع، اللهم اجعلنا ممّن قبلتهم، ورحمتهم، وجبرتهم، ومن الذين عتقتهم من نارك، وبشّرتهم بجنّاتك جنّات النعيم، اللهم إنّك قلت وقولك الحقّ؛ ادعوني أستجب لكم، وقُلت وقولك الحقّ؛ فما ظنّكم بربّ العالمين، ولا نظن بك إلا خيرًا، وجودًا، ورحمةً، وغفرانا، اللهم نسألك بجودك وغناك، أن تجود علينا بما عندك من هبات، وأن تغفرلنا ما كان من الزلل والسيّئات، رحل عنّا شهرك الفضيل، فاغفرلنا ما كان من التقصير.. اللهم وأعِده علينا أعوامًا عديدة، وأزمنةٍ مديدة، ونحن ومن نُحب بأحسن حال.
أحيانًا تعمق الصداقة والمحبة حتى يكونا وهما اثنين نفسًا واحدة، تفرح لفرحه وفي قلبك أنها فرحتك أنت، وتحزن لكربته وفي نفسك أنه بلاؤك أنت..

ولله أبو الطيب لمّا قال:
بِنا مِنكَ فَوقَ الرَملِ ما بِكَ في الرَملِ
وَهَذا الَّـذي يُـضني كَــذاكَ الَّذي يُبلي

«يقول الواحدي: «بنا منك ونحن فوق الأرض الذي بك وأنت فيها، يعني أنٌا أمواتٌ حزنّا عليك كما أنك ميتٌ في الأرض.
وتفسير هذا الشطر ما ذكره في الشطر الثاني وهو قوله: (وَهَذا الَّـذي يُـضني) أي هذا الحزن الذي يهزل كالموت الذي يُبلي الإنسان.

وهو مأخوذٌ مِن قولِ يعقوبَ بن الربيع في مرثيةٍ جاريةٍ له تُسمى ملكا:
يا ملكُ إن كنتِ تحتَ الأرضِ باليةً
فإنني فـوقــها بــالٍ مــن الحـــزنِ»

وبقطع النظر عن ذلك فإنّ أنفسنا تجد من الأذى والبلى ما يمرُّ به أحباؤنا على وزان قول أبي فراس الحمداني:
"بي مِثلُ مابِكَ مِن حُزنٍ وَمِن جَزَعٍ
وَقَـد لَجَـأتُ إِلـى صَبرٍ فَـلَــم أَجِـــدِ

لَم يَنتَقِصنِيَ بُعدي عَنكَ مِن حُزُنٍ
هِيَ المُواسـاةُ في قُربٍ وَفي بُعُـدِ"

وقوله:
"وَلا أُسَوِّغُ نَفـسي فَرحَةً أَبَـــدًا
وَقَد عَرَفتُ الَّذي تَلقاهُ مِن كَمَدِ"

أحباؤنا: بنا منكم ونحن بعيدون عن البلاء ما بكم وأنتم فيه..
الحقيقة التي تأباها نفسك أنّ الحياة ماضية لا يعترضها شيء..
فالشّمس ستظلُّ تجري في مستقرها وتشرقُ من مشرقها، وعقاربُ ساعاتك سارية في كلّ لحظةٍ رثيت على حالك أم رضيت..
فلا تذهب نفسك حسرات، وكابد وجاهد..
واعلم أنّ ما قصُرَت عنه الأيدي أدركته هممُ الصابرين، وما استعصى على السعي فتحته عزائمُ الموقنين، ومن صدق في الطلب بلغ، وإن طال به الطريق.
يَعدو الزَّمانُ وَنَحنُ صَرعى وَهمِنا
نَغتَرُّ وَالأَيّامُ فينا تَقطَعُ

نَبني الأَمانِيَّ العِظامَ وَإِنَّما
بِيدِ الرَّدى ما شِئْتَ يَوماً يُصنَعُ

نَلهو كَأَنَّ المَوتَ لَيسَ بِقادِمٍ
وَكَأَنَّ كُلَّ مُؤَمَّلٍ سَيُجمَعُ

حَتّى إِذا وافى الأَجَلُ انكَشَفَ الغِطا
وَرَأَيتَ ما كُنتَ الجُموعَ تُخادِعُ..
- ويمضي العُمرُ مِنّا والحُزنُ ماضٍ فينا!
مُستراحِي.
Video
صوتُهُ عَذبٌ لأنّي أنا من صوَّرتُهُ، ولولا أن التقطتُهُ بعدستي ما بدا بهذه العذوبة😁♥️
تعودُ الطيورُ لأوكارها، وتلوذُ القلوبُ بما ألفت، نُسَكِّنُ فينا صخبَ الحنين ونُداوي جراحَ الذكرى، نُرَبِّي في الصدرِ فسيلةَ أملٍ ونَطْوِي على جمرِ اليأس حينًا، ثم لا نلبثُ أن نَهوي في مهاوي القنوط فنخاصمُ الرجاء مرّةً ونستأنسُ به أُخرى. نُهَذِّبُ ملامحَ وجعِنا مع إشراقةِ الصباح، فإذا أقبل الليلُ بعثر ما رمَّمناه، وأيقظ فينا ما حسبناه اندثر.

تؤرِّقُنا خيباتٌ صامتة، ونأوي إلى نومٍ ثقيل كأنّه سترٌ على انكسارٍ لا يُقال، نتعلَّمُ كيف نُساوِمُ العمرَ على ما بقي، فنربحُ درايةَ الأيام ونخسرُ شيئًا من خفَّة البدايات، نُؤجِّلُ ما نشتهي ونستبقُ ما نخاف، نُزيِّنُ لحظاتِنا الوضيئة في صدرِ الروح ونُوارِي سواها في طيّاتِ ذاكرةٍ مُجدِبة.

نزعمُ أنّ التجاربَ أقامت فينا رشدًا، وأنّ الحماقاتِ صارت وراءنا، ثم نُباغَتُ حين تعودُ ذاتُ العثرات بوجوهٍ جديدة، فنقعُ كما وقعنا أولَ مرّة، غيرَ أنّا هذه المرّة نعرفُ الطريقَ إلى السقوط.

ثمّةَ أشياءُ لا تَبرَحُ مواضعَها، وإن تبدّلت وجوهُها… وقلوبٌ نظنُّها تعلَّمت، فإذا بها ما زالت تُصدِّقُ الوهمَ بذاتِ البراءة.
قلوبٌ كالماء الرقراقِ بل أرق وأرواح كالزجاجِ بل أدق، تلك الثُلّة تخور قواها لحمل ضغينة، لا تراها إلا وقد تلحف الابتسام مُحيّاها، تُبادر بالعفو والصفح، وتُمِرُّ الحياة برفق.
تُوحِشُكَ الحياةُ إذ تَكْفَهِرُّ في وجهِكَ كصحراءَ جَرْداء، ويُوحِشُكَ الطريقُ إذا التَبَسَت مَعالِمُه، فلا هادٍ يُؤنِس، ولا رفيقٌ يُواسي، ويُوحِشُكَ قلبُكَ بين جَنْبَيْكَ كأنّه نازحٌ عن ديارِه، قد أضلَّ موردَه، وجفَّ مَعينُه… فتبيتُ وفي الصدرِ لَفْحُ القيظ، وفي الروحِ هُيامُ التِّيه،كأنّكَ في مَهْمَهٍ لا نَجعةَ فيها ولا ظِلّ.

وتظنُّ أنَّ الأُنسَ في خَلْقٍ يَخون، أو في دُنيا تَغور، أو في طُرُقٍ تَخدَعُ سالِكها… وما علمتَ أنّ الأُنسَ كلَّه عندَ مَن بيده المفاوِزُ والمَهالِك، وأنّ السَّكَنَ الحقَّ في ظِلِّ ربٍّ إذا دَعوتَه أجاب، وإذا قَصَدتَه آواك، وإذا أقبلتَ عليه احتواكَ بلطفٍ لا يَخيب.

فإذا استبدَّت بك الوَحشة، فاعمِد إلى بابِه، واطْرُقْهُ طَرْقَ المُضطَرِّ الذي لا مَلاذَ له سواه، واذكُرْهُ ذِكرَ الظامئِ لموردٍ عَذْب، وارجُهُ رجاءَ الغريبِ لِمَأوى… فإنّه واللهِ ما ضلَّ عبدٌ لاذَ به، ولا هلكَ من احتمى بجانبه.

فدعْ عنكَ التعلُّقَ بما يَفنى، وامضِ إلى مَن لا يَفنى، واجعلْ قلبَكَ رَهْنَ قُربِه؛ فإنّ القلوبَ إذا لم تُعَمَّرْ بذكرِه، خَرِبَت كديارٍ عَفَتْ عليها الرّياح، وإن عُمِّرَت به، صارت كالرَّوضِ بعد القَحط، يَخْضَرُّ بعد الذُّبول، ويَحيا بعد المَوات.