آلاء سيف.
3.89K subscribers
62 photos
20 videos
33 links
أقيّدُ هنا كلَّ ما رقّت لهُ بناتُ أَلبُبِي..
تصويري:t.me/+9I-4s6u9vcdhMDdk
صدقة جارية https://whatsapp.com/channel/0029VbBWI02JENxvlSkwYc0g
Download Telegram
تمضي الأيام على سُنّةٍ عجيبة، كأنّها سلاسلُ من أوجاعٍ يتوارثُ بعضها بعضًا، فلا يكاد المرءُ يودّع ألمًا حتى يستقبله آخرُ في صورةٍ غير التي ألفها، حتى تُنشئ في قلبه فقهًا خفيًّا لمعاني الابتلاء، وتُورثه بصيرةً في خبايا النفس ومكامن الضعف.

ويُدهشني حالُ من أرهقه وجعٌ طال به المقام، فتعلّق قلبُه بزواله ولو على أيّ وجه، فإذا بالعافية تأتيه في ثوبٍ مُثقَلٍ بألمٍ جديد، كأنّها تُعلّمه أنّ الفرج لا يخلو من كُلفة، وأنّ الشفاء ليس دائمًا سكونًا خالصًا.

فيبقى واقفًا بين حالين: أيسعد بانقضاء ما أثقل صدره، أم يجزع لما أقبل عليه من وجعٍ لم يألفه بعد؟ كأنّه يُساق ليدرك أنّ الحياة ليست خلوًّا من الألم، بل حُسنُ العبور بين أنواعه، وفهمُ رسائلها.
آلاء سيف.
ليالي أكثر ما فيها قلوبٌ تُردد بصوتٍ خافت مبحوح، وأعين منكسرة: "يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا..". «قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أي: جئنا ببضاعةٍ…
رمضان يُغادرنا، اللهم دعواتنا وما فاضت به قلوبنا، نستودعك إيّاها يا من لا تضيع عندك الودائع، اللهم اجعلنا ممّن قبلتهم، ورحمتهم، وجبرتهم، ومن الذين عتقتهم من نارك، وبشّرتهم بجنّاتك جنّات النعيم، اللهم إنّك قلت وقولك الحقّ؛ ادعوني أستجب لكم، وقُلت وقولك الحقّ؛ فما ظنّكم بربّ العالمين، ولا نظن بك إلا خيرًا، وجودًا، ورحمةً، وغفرانا، اللهم نسألك بجودك وغناك، أن تجود علينا بما عندك من هبات، وأن تغفرلنا ما كان من الزلل والسيّئات، رحل عنّا شهرك الفضيل، فاغفرلنا ما كان من التقصير.. اللهم وأعِده علينا أعوامًا عديدة، وأزمنةٍ مديدة، ونحن ومن نُحب بأحسن حال.
أحيانًا تعمق الصداقة والمحبة حتى يكونا وهما اثنين نفسًا واحدة، تفرح لفرحه وفي قلبك أنها فرحتك أنت، وتحزن لكربته وفي نفسك أنه بلاؤك أنت..

ولله أبو الطيب لمّا قال:
بِنا مِنكَ فَوقَ الرَملِ ما بِكَ في الرَملِ
وَهَذا الَّـذي يُـضني كَــذاكَ الَّذي يُبلي

«يقول الواحدي: «بنا منك ونحن فوق الأرض الذي بك وأنت فيها، يعني أنٌا أمواتٌ حزنّا عليك كما أنك ميتٌ في الأرض.
وتفسير هذا الشطر ما ذكره في الشطر الثاني وهو قوله: (وَهَذا الَّـذي يُـضني) أي هذا الحزن الذي يهزل كالموت الذي يُبلي الإنسان.

وهو مأخوذٌ مِن قولِ يعقوبَ بن الربيع في مرثيةٍ جاريةٍ له تُسمى ملكا:
يا ملكُ إن كنتِ تحتَ الأرضِ باليةً
فإنني فـوقــها بــالٍ مــن الحـــزنِ»

وبقطع النظر عن ذلك فإنّ أنفسنا تجد من الأذى والبلى ما يمرُّ به أحباؤنا على وزان قول أبي فراس الحمداني:
"بي مِثلُ مابِكَ مِن حُزنٍ وَمِن جَزَعٍ
وَقَـد لَجَـأتُ إِلـى صَبرٍ فَـلَــم أَجِـــدِ

لَم يَنتَقِصنِيَ بُعدي عَنكَ مِن حُزُنٍ
هِيَ المُواسـاةُ في قُربٍ وَفي بُعُـدِ"

وقوله:
"وَلا أُسَوِّغُ نَفـسي فَرحَةً أَبَـــدًا
وَقَد عَرَفتُ الَّذي تَلقاهُ مِن كَمَدِ"

أحباؤنا: بنا منكم ونحن بعيدون عن البلاء ما بكم وأنتم فيه..
الحقيقة التي تأباها نفسك أنّ الحياة ماضية لا يعترضها شيء..
فالشّمس ستظلُّ تجري في مستقرها وتشرقُ من مشرقها، وعقاربُ ساعاتك سارية في كلّ لحظةٍ رثيت على حالك أم رضيت..
فلا تذهب نفسك حسرات، وكابد وجاهد..
واعلم أنّ ما قصُرَت عنه الأيدي أدركته هممُ الصابرين، وما استعصى على السعي فتحته عزائمُ الموقنين، ومن صدق في الطلب بلغ، وإن طال به الطريق.
يَعدو الزَّمانُ وَنَحنُ صَرعى وَهمِنا
نَغتَرُّ وَالأَيّامُ فينا تَقطَعُ

نَبني الأَمانِيَّ العِظامَ وَإِنَّما
بِيدِ الرَّدى ما شِئْتَ يَوماً يُصنَعُ

نَلهو كَأَنَّ المَوتَ لَيسَ بِقادِمٍ
وَكَأَنَّ كُلَّ مُؤَمَّلٍ سَيُجمَعُ

حَتّى إِذا وافى الأَجَلُ انكَشَفَ الغِطا
وَرَأَيتَ ما كُنتَ الجُموعَ تُخادِعُ..
- ويمضي العُمرُ مِنّا والحُزنُ ماضٍ فينا!
مُستراحِي.
Video
صوتُهُ عَذبٌ لأنّي أنا من صوَّرتُهُ، ولولا أن التقطتُهُ بعدستي ما بدا بهذه العذوبة😁♥️
تعودُ الطيورُ لأوكارها، وتلوذُ القلوبُ بما ألفت، نُسَكِّنُ فينا صخبَ الحنين ونُداوي جراحَ الذكرى، نُرَبِّي في الصدرِ فسيلةَ أملٍ ونَطْوِي على جمرِ اليأس حينًا، ثم لا نلبثُ أن نَهوي في مهاوي القنوط فنخاصمُ الرجاء مرّةً ونستأنسُ به أُخرى. نُهَذِّبُ ملامحَ وجعِنا مع إشراقةِ الصباح، فإذا أقبل الليلُ بعثر ما رمَّمناه، وأيقظ فينا ما حسبناه اندثر.

تؤرِّقُنا خيباتٌ صامتة، ونأوي إلى نومٍ ثقيل كأنّه سترٌ على انكسارٍ لا يُقال، نتعلَّمُ كيف نُساوِمُ العمرَ على ما بقي، فنربحُ درايةَ الأيام ونخسرُ شيئًا من خفَّة البدايات، نُؤجِّلُ ما نشتهي ونستبقُ ما نخاف، نُزيِّنُ لحظاتِنا الوضيئة في صدرِ الروح ونُوارِي سواها في طيّاتِ ذاكرةٍ مُجدِبة.

نزعمُ أنّ التجاربَ أقامت فينا رشدًا، وأنّ الحماقاتِ صارت وراءنا، ثم نُباغَتُ حين تعودُ ذاتُ العثرات بوجوهٍ جديدة، فنقعُ كما وقعنا أولَ مرّة، غيرَ أنّا هذه المرّة نعرفُ الطريقَ إلى السقوط.

ثمّةَ أشياءُ لا تَبرَحُ مواضعَها، وإن تبدّلت وجوهُها… وقلوبٌ نظنُّها تعلَّمت، فإذا بها ما زالت تُصدِّقُ الوهمَ بذاتِ البراءة.
قلوبٌ كالماء الرقراقِ بل أرق وأرواح كالزجاجِ بل أدق، تلك الثُلّة تخور قواها لحمل ضغينة، لا تراها إلا وقد تلحف الابتسام مُحيّاها، تُبادر بالعفو والصفح، وتُمِرُّ الحياة برفق.
تُوحِشُكَ الحياةُ إذ تَكْفَهِرُّ في وجهِكَ كصحراءَ جَرْداء، ويُوحِشُكَ الطريقُ إذا التَبَسَت مَعالِمُه، فلا هادٍ يُؤنِس، ولا رفيقٌ يُواسي، ويُوحِشُكَ قلبُكَ بين جَنْبَيْكَ كأنّه نازحٌ عن ديارِه، قد أضلَّ موردَه، وجفَّ مَعينُه… فتبيتُ وفي الصدرِ لَفْحُ القيظ، وفي الروحِ هُيامُ التِّيه،كأنّكَ في مَهْمَهٍ لا نَجعةَ فيها ولا ظِلّ.

وتظنُّ أنَّ الأُنسَ في خَلْقٍ يَخون، أو في دُنيا تَغور، أو في طُرُقٍ تَخدَعُ سالِكها… وما علمتَ أنّ الأُنسَ كلَّه عندَ مَن بيده المفاوِزُ والمَهالِك، وأنّ السَّكَنَ الحقَّ في ظِلِّ ربٍّ إذا دَعوتَه أجاب، وإذا قَصَدتَه آواك، وإذا أقبلتَ عليه احتواكَ بلطفٍ لا يَخيب.

فإذا استبدَّت بك الوَحشة، فاعمِد إلى بابِه، واطْرُقْهُ طَرْقَ المُضطَرِّ الذي لا مَلاذَ له سواه، واذكُرْهُ ذِكرَ الظامئِ لموردٍ عَذْب، وارجُهُ رجاءَ الغريبِ لِمَأوى… فإنّه واللهِ ما ضلَّ عبدٌ لاذَ به، ولا هلكَ من احتمى بجانبه.

فدعْ عنكَ التعلُّقَ بما يَفنى، وامضِ إلى مَن لا يَفنى، واجعلْ قلبَكَ رَهْنَ قُربِه؛ فإنّ القلوبَ إذا لم تُعَمَّرْ بذكرِه، خَرِبَت كديارٍ عَفَتْ عليها الرّياح، وإن عُمِّرَت به، صارت كالرَّوضِ بعد القَحط، يَخْضَرُّ بعد الذُّبول، ويَحيا بعد المَوات.
وما بين بطشِ العدوّ وصمتِ العالم، تقفُ أمّةٌ أرهقها التفرّق، لا يُؤلمها ضعفُ عدوّها بقدر ما يفتكُ بها خذلانُ أهلها، كأنّها طللٌ دارس، تعصفُ به الرّياح فلا ينهض، وتنعاهُ الدهور فلا يُجاب.

ويُلوَّح اليوم بقرارٍ يقطر دمًا قبل أن يُسفك، وتُرفَع سيوفُ الإعدام فوق رقاب الأسرى، لا تنفيذًا بعدُ، بل وعيدًا يُختبر به صمتُ العالم، ويُقاس به نبضُ هذه الأمّة: أفيها بقيّةُ حياة، أم استمرأت السكون حتى ألفت القيود؟

أيُجعَل التهديدُ بالقتل سياسة، ويُتَّخذ الدمُ ورقةَ ضغطٍ تُلوَّح في وجوه المستضعفين؟!
هيهات… فإنّ للدمِ حُرمةً وإن لم يُهرق، وللظلمِ حدًّا وإن لم يبلغه بعد.

أمّةٌ ترى النُّذُر ولا ترتعد، وتُبصر السيف قبل أن يقع فلا تتحرّك، كأنّها تعاهدت مع الخوف أن يُقيّدها، ومع الوهن أن يُثبّطها، حتى غدا عدوّها يختبر صبرها بالتهديد، كما كان بالأمس يبطش بالفعل.

ألا إنّ ما يُلوَّح به اليوم إن تُرِك، صار غدًا واقعًا لا يُدفع، وإنّ السكوت على الوعيد تمهيدٌ للتنفيذ، وغضّ الطرف عن الظلم إقرارٌ له وإن لم يُقال.

فلا تركنوا إلى صمتٍ يُميت، ولا تنتظروا وقوع الفاجعة لتبكوا، فإنّ الدم إذا سُفك لا يُستدرك، والحقّ إذا ضاع لا يُسترجع إلّا بثمن.

اختاروا لأنفسكم صفًّا قبل أن يُفرَض عليكم الاختيار، فإنّ الحياد في مواطن الوعيد خذلان، كما هو في مواطن الدم سواء.

وقد قال رسول الله ﷺ:
"سيكونُ في آخرِ الزمانِ دُعاةٌ على أبوابِ جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها."

فإنّ وراء هذا التهديد ابتلاءً، ووراء هذا الابتلاء غربلة، ولن يبقى في الميدان إلا من صدق، وسيعلم الذين يلوّحون بالسيف أنّ أمّةً تُختبر لا تموت… ولكنها إن انتفضت، كسرت السيوف قبل أن تُسَلّ.
كتاب صوتي | وصية الموفق ابن قدامة رحمه الله | راشد الحليبة
بوح | راشد الحليبة
وصية ابن قدامة تقرع القلوب كضرب السيف، صاغها بخبرة الزهد ويقين القلب.
تزيح عن النفس غرورها، وتضيء دروب الحق كنجمة في ليل دامس.
من اعتصم بها هدى، ومن غفل عنها تاه..
هذه الدُّنيا التي إن أبصرتَها بعينِ اليقين، علمتَ أن زينتَها غرور، وأن بقاءَها فتور، وأن صفوَها لا يدوم، وأن سرورَها يعقبه الهمُّ والغموم؛ دارٌ تضحكُ حينًا لتُبكي أحيانًا، وتُعطي لتمنع، وتُقبل لتُدبر، لا تثبتُ على حال، ولا تصفو على مثال.
من اغترَّ بها أهلكته، ومن ركن إليها أضلَّته، ومن طمع فيها أتعبته، ومن نافس عليها أشقَته، ومن آثرها على الآخرة خسر صفقتَه، ومن جعلها أكبرَ همِّه فرَّقت عليه أمرَه.
هي دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرّ، وساعةُ ابتلاءٍ لا مقامُ جزاء؛ من عرف حقيقتَها زهد فيها، ومن جهلها أقبل عليها، حتى إذا انكشفت له حقيقتُها، ندم حيث لا ينفع الندم.
نصٌّ يفيضُ رقّةً وأنسًا بالله، كأنّ كلماته قُطفت من بساتين القلوب المطمئنّة.
فيه من صفاء المعاني ما يسكّن الفؤاد، ومن علوّ المقصد ما يرفع الروح عن ثقل الدنيا.
هو ليس كلامًا يُقرأ فحسب، بل حالٌ يُذاق… ونورٌ يُستشعر.
هنيئًا لمن آنس قلبه بمثل هذا، فقد أصاب من الجمال أصدقه، ومن السكينة أعمقها.
ما دام في أعماقِ كلِّ نفسٍ سرٌّ مصون، لا تبلغهُ الأبصارُ ولا تُحيطُ بهِ العقول، ولا يُفشيهِ لصاحبهِ إلا صمتُ الليالي ووحشةُ الخلوات، فاعلم أنّ كلَّ إنسانٍ تلقاهُ إنما تُبصرُ منهُ ظاهرًا، وتغيبُ عنكَ منهُ عوالمُ لو كُشِفَت لبدّلت حكمكَ عليه، أو زادتكَ بهِ حيرةً.
فليس المرءُ ما يُبديه من بسمةٍ أو كلمة، بل ما يطويهِ في صدرهِ من وجعٍ مكتوم، وما يؤجِّلهُ من بوحٍ أثقلتهُ الأيام، وما يدفنهُ من حكاياتٍ لم تجدْ لها سمعًا ولا صدرًا يحتملها. كم من ضاحكٍ يخفي انكسارًا، وكم من صامتٍ تضجُّ في داخلهِ معاركُ لا تهدأ، وكم من قريبٍ تظنُّكَ بلغتَ كُنههُ، وهو أبعدُ عنكَ من ظنِّك.
إنّ الأرواحَ طبقات، والقلوبَ مدائنُ مُغلقة، لا تُفتحُ أبوابُها لكلِّ عابر، ولا تُمنَحُ مفاتيحُها لكلِّ مُحبّ. وربما جاورتَ إنسانًا دهرًا، ثم أدركتَ أنّك ما عرفتَ منهُ إلا ظِلَّه، وأنّ فيهِ من الخفايا ما لو اطّلعتَ عليهِ لتبدّلَ في عينيكَ ألفُ معنى.
فلا تغترَّ بقُربٍ، ولا تجزمْ بمعرفة، ولا تُحاكمْ إنسانًا بما بدا لكَ منه؛ فإنّ وراء كلِّ ظاهرٍ باطنًا، ووراء كلِّ سكونٍ ضجيجًا، ووراء كلِّ إنسانٍ تعرفهُ إنسانٌ آخر… لا تعرفه.
المليشيا الإلكترونية ليست إلا سرابَ قوةٍ يتشبّث به من عجز عن حمل سلاح الفِكر، فيستعيض عنه بزيف الصورة، وضجيج التزوير. هم قومٌ اتّخذوا الفوتوشوب عقلًا، والادّعاء منهجًا، يلوذون بظلال الشاشات كما يلوذ الجبانُ بجدارٍ آيلٍ للسقوط، لا يثبت لهم رأيٌ إن طُولبوا بالحُجّة، ولا يقوم لهم بنيانٌ إن عُرِضوا على ميزان العلم.

يحسبون أنفسهم صُنّاع وعيٍ، وما هم إلا صدىً أجوف، يكرّر ما لا يفقه، ويتصدّر بما لا يُحسن، فإذا خمد التيار، وانطفأت الأنوار، انكشف سترهم، وتهاوت دولتهم كبيتٍ من دخان، لا يُبقي من سلطانهم إلا ذكرى زائفة، يتندّر بها أهل البصائر.

هم طموحُ كلّ خاوٍ، وملاذُ كلّ مُعدمٍ من الفهم، يُجيد الحيلة ولا يُدرك الحقيقة، يلمع في العيون حينًا، ثم يخبو كوميضٍ كاذبٍ في ليلٍ بهيم؛ فلا أثرَ يُذكر، ولا علمَ يُنشر، بل جهلٌ متصدّر، وضلالٌ مُزخرف، كأنما كُتب عليه أن يعيش عالةً على وهْمٍ، حتى إذا صُفِع بالواقع، تلاشى كأن لم يكن.
(هَل أتى على الإنسانِ حينٌ من الدهرِ لم يكن شيئًا مذكورًا)

يا ابنَ الفلاةِ، ما لكَ تُشمِخُ بأنفِكَ شُمُوخَ الجبال، وتختالُ اختيالَ المُتخمِ بزهوِه، كأنّكَ سيِّدُ هذا الدهرِ وربُّ نواصي أيّامه! تُزكّي نفسَكَ بمدحِ العابرين، وتستكثرُ على الورى ما هو في كفِّكَ عاريةٌ مُستردّة، وتُباهي بما لا يثبتُ على كرِّ الليالي ولا صَرْفِ الزمان!

أما علمتَ أنّكَ كنتَ هَبَاءً في مَهَبِّ الرِّيح، لا اسمٌ يُنادى، ولا ذِكرٌ يُرتجى، ولا أثرٌ يُقتفى؟! ثمّ أُنشِئتَ من ضعفٍ، وحُملتَ على ظهرِ الفناء، تُساقُ كما تُساقُ الظِّعائنُ في القفار، لا تملكُ من أمركَ مِعشارَ نَفَس!

تلك "الأنا" التي تَجْمحُ جموحَ الجيادِ العِتاق، لو أُبصِرَتْ بعينِ البصيرة لارتدّت ذليلةً، تعلمُ أنّ ما بها عاريةٌ، وأنّ ما عندها إلى زوال، وأنّها بين مبدأٍ كان عدمًا، ومنقلبٍ يكونُ رَمادًا تَذْروهُ الرِّياح!

فأيُّ فخارٍ يُرجى لابنِ تُراب؟! وأيُّ عُجبٍ يثبتُ لمن تُكفِّنهُ الأيّامُ وتَطويهِ اللّيالي؟! إنّما أنتَ نَفَسٌ معقودٌ بأجل، فإن انحلَّ، صرتَ خبرًا بعد عين!
في مشهدٍ طريفٍ لا يخلو من ظرفٍ خفيّ، حدّثتني صديقتي عن “استراتيجيةٍ احترازية” ابتكرتها في الرؤية الشرعية؛ إذ قررت أن تخرج بالنقاب، لا لشيءٍ إلا لتُبقي “ورقة الوجه” مؤجّلة، فإن لم يطمئنّ قلبها، فلا موجب لأن يُكافأ كلُّ مارٍّ بعرضٍ مجاني!
تقول: خرجتُ مرّةً على هذه الهيئة، فإذا بشابٍ يفاجأ بالمشهد ويقول: “ ما هذا؟!”
فلم تتردد، بل أجابته بجدٍّ يُغلفه عبثٌ لطيف: “بصراحة… أردتُ أن أرى هل يوجد قبول بيني وبينك أم لا، فإن لم يوجد، فلا حاجة لأن ترى وجهي فضحك شاب ..

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فبين حياءٍ مقصود، وحساباتٍ دقيقةٍ لا تخلو من طرافة، تحوّلت الرؤية الشرعية إلى ما يشبه “مرحلة تصفية أولية”، يُؤجَّل فيها الكشف إلى حين ثبوت الجدارة!
هو موقفٌ يبعث على الضحك، ويكشف كيف يمكن للعفوية أن تمتزج بشيءٍ من “الدهاء البريء”، فتخرج لنا بحكايةٍ تُروى، لا لغرابتها فحسب، بل لخفة ظلّ ..

أهلًا بك في صُحبةِ المجانين^-^