عبدالله الوهيبي
25K subscribers
189 photos
5 videos
29 files
204 links
المدونة:
https://aalwhebey.com/
Download Telegram
«أعسرُ الأسرار كتمانًا على المرء هو رأيه في نفسه!».

Marcel Paul Pagnol
(1895—1974)
افتتح جون ألكسندر سميث (أستاذ الفلسفة الأخلاقية في جامعة أكسفورد) سلسلة محاضرات في عام ١٩١٤ مخاطبًا تلاميذه بهذه الكلمات:


«أيها السادة: أنتم على وشك الشروع في دراسة تمتد لعامين، وهي في مجملها مغامرة نبيلة، لكن يحسن بي أن أنبّهكم إلى أمر جوهري: بعضكم، بعد مغادرة الجامعة، سيلتحق بالكنيسة أو القضاء أو مجلس العموم، أو يعمل في الخدمة المدنية، أو ينصرف إلى سائر المهن. وربما ينضم آخرين إلى الجيش أو التجارة أو الصناعة، وقلة -أرجو أن تكون نادرة- ستنتهي إلى التعليم أو العمل الأكاديمي.
ودعوني أقول هذا بجلاء: باستثناء هذه القلة، فلن يكون لما تتعلمونه هنا نفع عملي يُذكر في حياتكم المقبلة، سوى أمر واحد: إن عملتم بجدّ وبذكاء ستغدون قادرين على تمييز الهراء وكشفه إذا سمعتموه.
وهذا، في نظري، هو الغرض الأساس، إن لم يكن الوحيد، من التعليم!».
سئل الشيخ العارف أحمد الفاروقي السرهندي (ت ١٠٣٤هـ) رحمه الله عن قول قبيح لبعض المنتسبين للتصوف، فأجاب:


«لا طاقة للفقير باستماع أمثال هذه الكلمات أصلًا، ويتحرّك عرقه الفاروقي [الشيخ ينتهي نسبه إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه] من استماعها بلا اختيار، بحيث لا يبقى مجال التأمّل وفرصة التأويل والتوجيه، سواءً كان قائلها الشيخ عبد الكريم اليمني أو الشيخ الأكبر الشامي. وإنما اللازم لنا اتباع كلام محمد العربي عليه الصلاة والسلام، دون كلام محيي الدين ابن العربي وصدر الدين القونوي وعبد الرزّاق الكاشي. نحن نتمسّك بالنصوص لا بـ”الفصوص”، وقد أغنتنا الفتوحات المدنيّة عن “الفتوحات المكّية”».

وقال رحمه الله:

«ينبغي أن يُعلم أنّه ما من مسألة اختلف فيها العلماء والصوفيّة إلا إذا لوحظ فيها حقُّ الملاحظة يوُجد الحقُّ فيها في جانب العلماء. وسرّ ذلك: أنّ نظر العلماء بواسطة متابعة الأنبياء عليهم السلام نافذٌ إلى كمالات النبوّة وعلومها، ونظر الصوفيّة مقصورٌ على كمالات الولاية ومعارفها، فلا جَرَم يكون العلمُ المأخوذ من مشكاة النبوّة أصوبَ وأصحّ من العلم المأخوذ من مرتبة الولاية».
«من يزدري الطقوس لا يدرك أنه بذلك يطلب من كل إنسان أن يُعيد اختراع التجربة البشرية من جديد!».


Nicolás Gómez Dávila
«عرفتُ ذات مرّة رجلًا شحيحًا، كان كثيرًا ما يردّد: “اذا حرصت على البنسات فالجنيهات ستعتني بنفسها!”. وهذه عبارة صائبة ومعقولة في فم بخيل. أما أنا فأنصحك أن تحرص على الدقائق، [فإن فعلت]؛ فالساعات ستنضبط من تلقاء نفسها. وأنا على يقين أن كثيرًا من الناس يُهدرون ساعتين أو ثلاثًا من يومهم، فقط لأنهم لا يعتنون بالدقائق. فلا تظنّ أبدًا أن زمنًا -مهما قَصُر- لا يُنتفع به؛ إذ في كل لحظة متّسع لشيء يُنجز، مهما بدا صغيرًا».

Philip Dormer Stanhope,
Nov. 6, 1747.
في كتابه (مُعضلة الألم) يطرح الناقد الإيرلندي الشهير سي إس لويس C.S Lewis مفارقة ساخرة يتساءَل فيها:

لماذا الإله في التصوّر المَسيحيّ الحالي، أقرب إلى أن يكون (جَد) أكثر من كونه (أب) كما يدّعي المسيحيون؟

غني عن الذكر أنّ العقيدة المسيحية بصيغتها الحالية قائمة على الثالوث، ويشيع أن نسمعهم وهم يردّدون في دعائهم ومناجاتهم:

أبانا الذي في السماء!

المفارقة التي يطرحها سي إس لويس هُنا، هي أنّ التعاطي مع الإله في الأزمنة الحديثة، يكاد يُصوّر إله مختلف تمامًا عمّا كانت عليه المسيحية في أصلها!

الأب بطبعه يشكّل الصرامة، يحاسب على الخطأ، قد يفرض بعض العقوبات، وقد يقوم بفعل بعض الأمور وأخذ بعض القرارات دون أن يوضّح مقصوده، لديه حكمة خفّية، ولديه خطوط حمراء ولديه مُعطى تربوي يسعى جاهدًا لتربية أبنائه.

الجَدّ في المقابل متسامح، يمنح أحفاده جميع ما يتمنّون من طلبات، لا يحبّ عقاب الأحفاد ويُفضّل أن يتنازل في كثير من الأحيان عن كثير من الخطوط والمبادئ الحمراء التي يرسمها الوالدان لتربية أولادهم.

بهذا المعنى تقريبًا، يتعامل المسيحيون مع إله يُشبه الجد في تعامله معهم، أكثر من إله لديه شريعة صارمة ينبغي العيش وفقها.

في عام 2005 انتبه عالم اجتماع يدعى كريستيان سميث إلى أنّ الأجيال الجديدة من المراهقين والشباب المُتديّنين في الغرب، يؤمنون ببعض الأمور التي لا تشبه عقيدتهم الأصلية، وإنّما يُعيدون إنتاج الديانة المسيحية وفق سياق مادي وعلماني، سمّاه: الربوبية العلاجية الأخلاقية Moralistic therapeutic deism (MTD)

بحسب مفهوم الربوبية العلاجية، يتحوّل الله عزّ وجل إلى كيان يُقدّم خدمات علاجية تلطيفية للمتدينين، (إله عند الطلب) يُحقّق لهم أمانيهم، ويسهّل لهم حياتهم، ويُشعرهم بالتحسّن إذا ما شعروا بالسوء حيال أنفسهم، وغايته الأساسية أن يجعلهم (سعداء)!

هذه "لسعة واضحة" لدى الإنسان المعاصر مسلم كان أو مسيحي أو بوذي أو ملحد، وهي فكرة تقول أنّ هدف الإنسان وهاجسه الأساسي اليوم هو تحويل الحياة الدنيوية إلى مكان فردوسي، مكان يكون فيه سعيد فحسب، وأنّ كل شيء بما فيه الدّين والعمل والأسرة والأصدقاء هدفهم هو:

أن يجعلونا سعداء، سعداء للغاية، وإلّا فهُم لا يستحقوننا.

هذه النزعة نحو (الدين التلطيفي والعلاجي) أشار لها نقّاد كثر، من ضمنهم عالِم لاهوت إتش ريتشارد نيبور، حين قال أن البشر في عالم اليوم، يريدون:

"إلهٌ بلا غضبٍ جاء بأُناسٍ بلا خطيئة إلى مملكةٍ فردوسية بلا دينونة"

إله يتمنّاه المتديّنون الجدد كما قال سي إس لويس:

إله يُسعِده أن يرى الشباب يستمتعون في حياتهم، وخطّته للكون تهدف فقط لإسعادهم، ويهمّه أن يُقال في نهاية كلّ يوم: “لقد قضى الجميع وقتًا طيبًا”!

من نافلة القول أنّ هذه المقاربات لفهم المولى العظيم، ليست من الدّين في شيء، تعالى الله أن يكونَ أبًا أو جدًّا أو ابنًا أو أيًا ممّن نعرفه، فالله عزّ وجلّ ليس كمثله شيء، بعيدًا عن الرغبات البدائية والطفولية للناس بإضفاء طابع مادي أو إنساني أو توثينيّ للإله كي يسهّل عليهم معتقداتهم.

وبالمقابل نستطيع أن نرصد اتجاهات كثيرة في الخطاب الديني المُعاصر للمسلمين، وخطابات تسعى لإضفاء نوع من التصوير الأحادي لله عزّ وجلّ ، أولئك الذين يُريدون أن يكون الله الرحمن الرحيم، ولكن ليس المتكبّر أو المنتقم! لكن الثابت هو أنّ لله عزّ وجلّ له الأسماء الحسنى، كلّها مجتمعة غير مجتزئة ولا منقوصة، وأنّ الإيمان يكون بكلّ الكتاب وليس ببعضه.

يُجمِع علماء المسلمين أن لله صفات الجَمَال والجلال والكمال، فالله عزّ وجلّ رحيم لطيف، لكنّه عظيم ذو انتقام، صاحب البطش الشديد، عزيز لا يقهره شيء، حليم، لكنّه عدل لا يظلم النّاس شيئًا، ولا يُهمِل حقوقهم المسلوبة، ويردّها إليهم في يومٍ لا تفوته فيها مثقال حبّة من خردل.

لكن أتحدّث تحديدًا عن نسخة مادية ودُنيوية ورغائبية من الدين، عن تدّين خدماتي وعلاجي (إله عند الطلب) يخدم رغباتنا لكنّه لا يُسائل واجباتنا، ويتحدث عما نستحقه نحن لا عما يريده هو، مثلًا يشيع أن يقول النّاس:

ليس بيننا وبين أمانينا إلّا دعوة!

دون مُسائلة لطبيعة "الأماني" التي نتمنّاها، ودون تقدير لما ستجبله علينا هذه الأماني لو تحقّقت من الويلات أو الإغواء أو الإفساد أو الإبعاد عن السلامة الأخلاقية والمسار الأسلم لمصائرنا ومساعينا. ودون اعتبار لأشكال الاستجابة المعلومة للأدعية، والتي من ضمنها أن يردّها الله لضررٍ يعلمه في مسألتنا، وأن يكتب لنا أجر الدعاء، وييسّر لنا ما فيه الخير وإن كان خارج ما تمنّيناه.

وقد تراكمت في الخبرة البشرية حكمة توارثتها أمثال شعبية قديمة، تقول فيما تقول:

احذر ما تتمنّاه!
be careful what you wish for


باختصار أقول، أنّ أخطر تحوّل يحدث للناس اليوم، هو أنّهم يُريدون:

مغفرة دون توبة
وعلاجًا دون دواء
وجنّة دون عمل
ونقاءً دون تطهّر
ونجاحًا بدون امتحان
وتزكية بدون تضحية
وتغييرًا دون أن يتغيّروا
«إن المهارة الجوهرية في عصرنا هذا ليست إتقان البرمجة، بل هي امتلاك بصيرة ناقدة تكشف الهراء. هي أن تعرف كيف يفكّر البشر وكيف يكتبون، لتستطيع أن تُدرك الزيف [نتاج أدوات الذكاء الاصطناعي] حين يُغلَّف بلغةٍ واثقة. أن تكون قد قرأت ما يكفي لتدرك متى يكون الجواب فارغًا من المضمون، حتى وإن صيغ بلغة منمّقة. إنها الفهم العميق لمجال تخصصك إلى درجة تعرف معها أي الأسئلة تطرح، والأهم؛ أي الإجابات ترفض.
نحن بحاجة إلى أن نفهم كيف يعمل الذكاء الاصطناعي، وما نوع الأجوبة التي ينتجها، كي لا نُخدع على يد من يُحسن استخدامه».


Ryan Holiday
حين سُئل المؤرخ البارز تشارلز بيرد (ت ١٩٤٨) عمّا إذا كان يستطيع تلخيص دروس التاريخ في كتاب قصير، قال إنه يستطيع فعل ذلك في أربع جمل:

١- من أراد الإله هلاكه، أغواه بسُكْر السُلْطة.
٢- العدالة الإلهية قد تتأخر، لكنها لا تفوّت شيئًا.
٣- النحلة تلقّح الزهرة التي تسرق رحيقها.
٤- عندما تشتد الظلمة، يمكنك أن ترى النجوم.
«لقد أدركتُ أن الشيخوخة، في ذاتها، لا تجلب الحكمة بالضرورة؛ فكثيرًا ما تأتي مصحوبة بالنكوص إلى سلوك الطفولة، والاتكال على الآخرين، والمرارة حيال ما فات من فرص. وحدهم الذين يواصلون تنمية الفكر والعاطفة والروح، هم من ينعمون بغنى الشيخوخة الحقيقي».

James Hollis
«على مدى ما يقارب الثلاثين عامًا من ممارستي للتحليل النفسي والعلاج النفسي، سنحت لي فرصة فريدة لمراقبة الناس وهم يكافحون لفهم حقيقتهم، وما الذي يُشكّل ذواتهم. وأدرك مرارًا، كل يوم تقريبًا، كم يصعب علينا تقبُّل حدود سيطرتنا الحقيقية على حياتنا وذواتنا. ومع ذلك، نصرّ –بوعي أو بغير وعي– على أننا نملك من التحكّم في مشاعرنا وعلاقاتنا ومصائرنا أكثر مما هو ممكن في الواقع!».

Stephen Mitchell, Can Love Last?: The Fate of Romance over Time (2003).
قال بعض الصلحاء: من لَزِم خمسًا عاش سعيدًا ومات سعيدًا.

وهي: التسمية والحوقلة في أوّل العمل، والحمدله في ختمه، والاسترجاع عند المصائب، والاستغفار عقيب كل ذنب.

ونظمها بعضهم:

سَمِّ لِفِعْلٍ رُمْتَهُ مِن أَوَّلِ
وحوِّقلَنْ بَدْءًا وخَتْمًا حَمْدَلِ

واسترجِعنَّ عندَ كُلِّ خَطْبِ
واستغفِرِ اللهَ بإثرِ الذَّنَبِ

تَعِشْ سعيدًا وتَمُتْ سعيدًا
ودُمْ على الشُّكرِ تَرَ المزيدا
«يبدو أن المؤثرات على وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام أصبحن نسخًا متطابقة من الجمال. أنت تعرفين المظهر: شفاه ممتلئة، حواجب مرسومة بإتقان، ربما بعض الآيلاينر المطبق بدقة، وكل ذلك يتوج بلمسة سخية من الإضاءة وتحديد الخدود. ببضع فرش مكياج، ولوحة كونتور، وقليل من أحمر الشفاه المطفي، يمكنك أن تبدأي رحلتك لتبدين مثل الجميع!».


هذه ملاحظة شائعة جدًا، ناقشها في سياق أوسع بكثير الكاتب أليكس موريل في مقالة رائعة بعنوان: "The Age of Average". حيث كتب:

«باتت تصاميم منازلنا، والمقاهي والمطاعم التي نرتادها، متشابهة إلى حد يصعب تجاهله. المباني التي نعيش ونعمل فيها أصبحت نسخًا مكررة. السيارات التي نقودها، بألوانها وشعاراتها، تبدو كما لو كانت من طراز واحد. ملامحنا، أزياؤنا، وحتى أساليبنا، باتت جميعها متشابهة. الأفلام التي نشاهدها، الكتب التي نقرأها، وألعاب الفيديو التي نلعبها؛ كلها تسير على نفس النسق. حتى العلامات التجارية التي نستهلكها، من إعلاناتها إلى شعاراتها وهويتها البصرية، لم تعد تميّز نفسها.
لكن المسألة لا تقف عند هذا الحد. ففي ما يمكن تسميته بعصر “Average”، أصبح التشابه سائدًا في كل شيء تقريبًا. صور إنستغرام التي ننشرها، التغريدات التي نقرأها، البرامج التي نشاهدها، أيقونات التطبيقات التي نضغط عليها، الأفق الذي يحيط بنا، المواقع الإلكترونية التي نزورها، والرسوم التي تزينها؛ كلها صارت تبدو مألوفة إلى درجة الرتابة…

هناك أسباب عديدة قد تفسّر كيف انتهى بنا المطاف إلى هذه الحالة. ربما، في أوقات الاضطراب، يميل الناس إلى الاحتماء بما هو مألوف. وربما السبب يكمن في هوسنا بالقياس والتكميم والسعي الدائم نحو التحسين الأمثل. أو لعلّها النتيجة الطبيعية لإلهام أصبح معولمًا، متاحًا للجميع، وفي كل وقت».
«التحلّي بالأحكام الشرعية بدون إمداد الباطن متعذّر، والاهتمام بالباطن مستلزمٌ للاهتمام في الظاهر. والذي يهتم بالباطن ويعجز عن الظاهر فهو ملحد، وأحواله الباطنية استدراجاته، وعلامة صحة حال الباطن تحلّي الظاهر بالأحكام الشرعية، وطريق الاستقامة هو هذا».


أحمد الفاروقي السرهندي (ت ١٠٣٤هـ) رحمه الله