«سمعتُ شيخنا شيخ الإسلام زكريا [الأنصاري ت ٩٢٦] رحمه الله يقول مرةً: "اللهم كثِّر حسَّادي!"، فقلت له: لم ذاك؟! فقال: لأنهم لا يحسدوني إلا إذا كثرت نعمة اللّٰه عليَّ. ثم قال لي: انظر إلىٰ قوله تعالى:(وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) تفهم ما أقول، فإنه تعالى ما أمرنا بالاستعاذة إلا من شرِّ الحاسد لا من وجوده، لأن وجوده مقرون بالنعمة متى زال أهل الحسد زالت النعمة!».
عبدالوهاب الشعراني ت٩٧٣
«لقد عرفتُ زيجات سعيدة كثيرة، لكنني لم أعرف زيجة متوافقة compatible حقًا؛ فغاية الزواج الأساسية أن يخوض الزوجان تلك اللحظة التي يغدو فيها عدم التوافق أمرًا لا شك فيه، وأن ينجوا منها معًا؛ فالرجل والمرأة -بطبيعتهما- غير متوافقين!».
Gilbert Keith Chesterton
(1874 – 1936)
كان برتراند راسل (ت1970) يمّر بأزمة مالية بعد خلاف مع غريب الأطوار ألبرت بارنز (ت1951) الذي كان قد تعاقد مع رسل لتدريس الفلسفة، ورأى بارنز فسخ العقد بسبب «سطحية» محاضرات رسل عن تاريخ الفلسفة الغربية، فاضطر رسل إلى إكمال مادة المحاضرات ونشرها في كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية وعلاقتها بالظروف السياسية والاجتماعية منذ أقدم العصور حتى العصر الحاضر» الذي نشر أولًا عام 1945 (ترجم للعربية بعنوان: «تاريخ الفلسفة الغربية» عام ١٩٦٧) ولم يكن يظن أن هذا الكتاب سيكون أشهر كتبه، وأكبر مصدر لدخله لسنوات كثيرة كما يحكي في مذكراته.
في كتابه هذا عقد فصلًا عن سقراط (أُعدم عام 399 ق.م.)، وأشار إلى الخلاف في بيان حاله فقد صوّره أفلاطون في صورة البطل الفلسفي، أما زينوفون فقد صوّره بصورة المعلّم المعتني بالسلوك والقيم والفضيلة، وبالغ في الدفاع عنه حتى تشكّك في ذلك أقوام، وقال لو كان سقراط كذلك، لما عمد الأثينيين إلى إعدامه، ورأى البعض أن تصوير زينوفون أدقّ، لماذا؟ قالوا لأنه «لم يكن له من الذكاء ما يُعينه على اختلاق ما ليس بصحيح!»، وكون الاختلاق يحتاج صاحبه إلى نوع ذكاء ليجعل قوله مقبولًا سائغًا عند السامع = حق معروف، ولكن يعقّب رسل أن هذه الحجة النافية للغلط بمبرر ضعف الذهن لا تستقيم، ثم يصوغ عبارة بديعة:
ويضيف متحدثًا عن نفسه: «لأن ينقل كلامي ألدّ أعدائي من بين الفلاسفة أحبُّ إليّ من أن ينقله صديقٌ لا علم له بالفلسفة!»، وهذا عين العقل والصواب.
وقد اشتكى العلماء منذ القديم من سوء فهم العامة لكلامهم، وتحريفهم له عن نقله والإخبار به، لاتساع جهلهم، وضيق عقولهم عن إدراكه حقيقته أو بعضه، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما مرةً: «يا أيها الناس، اسمعوا منّي ما أقول لكم، وأَسْمِعُونِي ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال ابن عباس، قال ابن عباس!»، فأراد أن يعيد الناقل نص كلامه قبل أن ينقله ليتأكد من فهمه وحفظه له على الصواب، ولذلك لما أراد الفاروق أن يخطب في مجمع الحج عن بعض المسائل قال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها»، ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن يتحدث لما أحسّ من قرب أجله، وكان مما قاله: «إني قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقوله فمن عَقَلَهَا ووعاها فَلْيُحَدِّثْ بها، ومن خَشِيَ أن لا يَعْقِلَهَا فلا أُحِلُّ لأحد أن يكذب عليَّ!».
وقد كثرت في زماننا الوسائط بين الإنسان والمعارف، وفاضت الملخصات والمختصرات والتقريبات والتسهيلات والخلاصات والموجزات ونحو ذلك من أصناف المحتوى في سائر العلوم والفنون، وهذه «الاختصارات» المصاغة بلسان أصحابها تدخلها الآفات الكثيرة، ومن أخصّها آفة عدم التناسب بين دقة المعنى الأصلي وكثافة عقل الملخِّص أو ضعف ذهنه كما شرح رسل، ولو كان الذكاء وحسن الفهم والبصر بالمعاني الوعرة يحصّل بالتلقين والنقل المجرد عن الأذكياء، ويستجلب بالاطلاع على كتب النبهاء؛ لما بَقِي في الأرض بليد الذهن ولا كليل النظر!
في كتابه هذا عقد فصلًا عن سقراط (أُعدم عام 399 ق.م.)، وأشار إلى الخلاف في بيان حاله فقد صوّره أفلاطون في صورة البطل الفلسفي، أما زينوفون فقد صوّره بصورة المعلّم المعتني بالسلوك والقيم والفضيلة، وبالغ في الدفاع عنه حتى تشكّك في ذلك أقوام، وقال لو كان سقراط كذلك، لما عمد الأثينيين إلى إعدامه، ورأى البعض أن تصوير زينوفون أدقّ، لماذا؟ قالوا لأنه «لم يكن له من الذكاء ما يُعينه على اختلاق ما ليس بصحيح!»، وكون الاختلاق يحتاج صاحبه إلى نوع ذكاء ليجعل قوله مقبولًا سائغًا عند السامع = حق معروف، ولكن يعقّب رسل أن هذه الحجة النافية للغلط بمبرر ضعف الذهن لا تستقيم، ثم يصوغ عبارة بديعة:
«إنّ نقلَ الرجلِ الغبيّ لما يقوله الرجلُ الذكيّ لا يكون دقيقًا أبدًا، لأن الغبيّ يترجم -بلا وعيٍ منه- ما يسمعه إلى شيءٍ يستطيع أن يفهمه!».
ويضيف متحدثًا عن نفسه: «لأن ينقل كلامي ألدّ أعدائي من بين الفلاسفة أحبُّ إليّ من أن ينقله صديقٌ لا علم له بالفلسفة!»، وهذا عين العقل والصواب.
وقد اشتكى العلماء منذ القديم من سوء فهم العامة لكلامهم، وتحريفهم له عن نقله والإخبار به، لاتساع جهلهم، وضيق عقولهم عن إدراكه حقيقته أو بعضه، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما مرةً: «يا أيها الناس، اسمعوا منّي ما أقول لكم، وأَسْمِعُونِي ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال ابن عباس، قال ابن عباس!»، فأراد أن يعيد الناقل نص كلامه قبل أن ينقله ليتأكد من فهمه وحفظه له على الصواب، ولذلك لما أراد الفاروق أن يخطب في مجمع الحج عن بعض المسائل قال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها»، ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن يتحدث لما أحسّ من قرب أجله، وكان مما قاله: «إني قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقوله فمن عَقَلَهَا ووعاها فَلْيُحَدِّثْ بها، ومن خَشِيَ أن لا يَعْقِلَهَا فلا أُحِلُّ لأحد أن يكذب عليَّ!».
وقد كثرت في زماننا الوسائط بين الإنسان والمعارف، وفاضت الملخصات والمختصرات والتقريبات والتسهيلات والخلاصات والموجزات ونحو ذلك من أصناف المحتوى في سائر العلوم والفنون، وهذه «الاختصارات» المصاغة بلسان أصحابها تدخلها الآفات الكثيرة، ومن أخصّها آفة عدم التناسب بين دقة المعنى الأصلي وكثافة عقل الملخِّص أو ضعف ذهنه كما شرح رسل، ولو كان الذكاء وحسن الفهم والبصر بالمعاني الوعرة يحصّل بالتلقين والنقل المجرد عن الأذكياء، ويستجلب بالاطلاع على كتب النبهاء؛ لما بَقِي في الأرض بليد الذهن ولا كليل النظر!
«من لطيف أخبار الدكتور عبدالله الطيب (ت١٤٢٤) أن الشيخ جعفر شيخ إدريس (ت١٤٤٧) لقيه ذات يوم خارجًا من المسجد الحرام بمكة، وهو يحمل معه كتاب سيبويه، فسأله عنه، فقال الطيّب: (قرأته في الحرم رجاء البركة)». رحمهما الله.
لا تفرّط في الكتابة بالقلم!
إن تدوين الملاحظات يدويًا يُفعّل نشاطًا دماغيًا أوسع وأعقد مما تفعله الكتابة بلوحة المفاتيح، إذ تنشط مناطق مسؤولة عن الحركة والبصر والإحساس والذاكرة، وهذا التفاعل بين الحواسّ والحركة يُسهم في تكامل الإدراك والتعلّم!
وقد ثبت ذلك في دراسة أجراها أودري فان دير مير ورود فان دير ويل من جامعة العلوم والتكنولوجيا النرويجية، وهي امتداد لدراسة سابقة جرت عام ٢٠١٤، دلّت على أن من يكتب على لوحة المفاتيح قد ينساق إلى نقل الكلام حرفيًا دون تفكير، فيدخل اللفظ من الأذن ويخرج من الإصبع دون أن يُعالج عقليًا. أما الكتابة باليد -لكونها أبطأ- فهي تحثّ الذهن على التركيز، واختيار الأهم، وربط الجديد بالمألوف، فيتوّلد عن ذلك فهم أعمق، ومعرفة أنضج.
وتعلّق صوفيا فينشي-بوهر، أستاذة علم الأعصاب التربوي بجامعة فاندربيلت؛ أن نتائج الدراسة تُوافق ما توصلت إليه أبحاث سابقة، وتُبرز كيف أن الكتابة اليدوية تُجسّد الإدراك الحسي في حركة واعية، تُعاد معالجتها بصريًا، مما يعزز ترابط الفكرة بالصورة. فالمرء حين يكتب؛ إنما يصوغ ما في ذهنه بيده، فيراه بعينه، فيثبت في ذاكرته، ويقوى أثره في نفسه!
إن تدوين الملاحظات يدويًا يُفعّل نشاطًا دماغيًا أوسع وأعقد مما تفعله الكتابة بلوحة المفاتيح، إذ تنشط مناطق مسؤولة عن الحركة والبصر والإحساس والذاكرة، وهذا التفاعل بين الحواسّ والحركة يُسهم في تكامل الإدراك والتعلّم!
وقد ثبت ذلك في دراسة أجراها أودري فان دير مير ورود فان دير ويل من جامعة العلوم والتكنولوجيا النرويجية، وهي امتداد لدراسة سابقة جرت عام ٢٠١٤، دلّت على أن من يكتب على لوحة المفاتيح قد ينساق إلى نقل الكلام حرفيًا دون تفكير، فيدخل اللفظ من الأذن ويخرج من الإصبع دون أن يُعالج عقليًا. أما الكتابة باليد -لكونها أبطأ- فهي تحثّ الذهن على التركيز، واختيار الأهم، وربط الجديد بالمألوف، فيتوّلد عن ذلك فهم أعمق، ومعرفة أنضج.
وتعلّق صوفيا فينشي-بوهر، أستاذة علم الأعصاب التربوي بجامعة فاندربيلت؛ أن نتائج الدراسة تُوافق ما توصلت إليه أبحاث سابقة، وتُبرز كيف أن الكتابة اليدوية تُجسّد الإدراك الحسي في حركة واعية، تُعاد معالجتها بصريًا، مما يعزز ترابط الفكرة بالصورة. فالمرء حين يكتب؛ إنما يصوغ ما في ذهنه بيده، فيراه بعينه، فيثبت في ذاكرته، ويقوى أثره في نفسه!
Van der Weel, F. R. R., & Van der Meer, A. L. H. (2024). Handwriting but not typewriting leads to widespread brain connectivity: a high-density EEG study with implications for the classroom. Frontiers in psychology, 14, 1219945.
«كلما أظلم الزمان بموت العلماء طولب الباقون بكثرة السُرُج العلمية ليضيئوا على الناس بها».
علي الخوّاص (ت٩٩٣)
علي الخوّاص (ت٩٩٣)
«فإن قلتَ: بأي طريق يعرف الإنسان أن مرضه عقوبة، أو كفّارة، أو رفع درجة؟
فالجواب: يعرف ذلك بالعلامة؛
- فعلامة المرض الذي هو عقوبة على ذنب وقع فيه: أن يصحبه السخط على المقدور، والضجر وعدم الصبر.
- وعلامة المرض الذي هو كفّارة: أن يصحبه الصبر على الألم، وعدم الضجر منه.
- وعلامة المرض الذي هو رفع درجات أن يصحبه انشراح الصدر به.
قاله الشيخ عبد القادر الجيلي رحمه الله في كتابه "فتوح الغيب"، والله أعلم».
فالجواب: يعرف ذلك بالعلامة؛
- فعلامة المرض الذي هو عقوبة على ذنب وقع فيه: أن يصحبه السخط على المقدور، والضجر وعدم الصبر.
- وعلامة المرض الذي هو كفّارة: أن يصحبه الصبر على الألم، وعدم الضجر منه.
- وعلامة المرض الذي هو رفع درجات أن يصحبه انشراح الصدر به.
قاله الشيخ عبد القادر الجيلي رحمه الله في كتابه "فتوح الغيب"، والله أعلم».
«الثقافة ليس مقدار ما تحفظه، ولا حتى مقدار ما تعرفه، بل هي قدرتك على التمييز بين ما تعرفه وما لا تعرفه».
William Feather, 1956
حللت دراسة جديدة محتوى الصحة النفسية على تيك توك في 500 مقطع لصناع محتوى لديهم ما مجموعه 43.4 مليون متابع وبمشاهدات إجمالية للمقاطع تصل إلى 25 مليون مشاهدة وما مجموعه 3.6 مليون إعجاب، وتبين ما يلي:
1- 83.7% من نصائح الصحة النفسية على تيك توك مضللة. بينما تتضمن 14.2% من المقاطع محتوى قد يكون ضارًا.
2- 100% من المحتوى المتعلق باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ADHD تضمن معلومات مضللة، وهي النسبة الأكبر بين جميع الحالات في الدراسة!
3- المحتوى الذي يتناول اضطراب ثنائي القطب (94.1% من المقاطع) والاكتئاب (90.3% من المقاطع) مضلل للغاية.
4- توجد بعض المعلومات الدقيقة في 54% فقط من النصائح.
5- 9.5% فقط من مستخدمي تيك توك الذين يقدمون الاستشارات على المنصة حاصلون على مؤهل مناسب، بينما يفتقر الـ 91% الباقون إلى التدريب الطبي اللازم.
1- 83.7% من نصائح الصحة النفسية على تيك توك مضللة. بينما تتضمن 14.2% من المقاطع محتوى قد يكون ضارًا.
2- 100% من المحتوى المتعلق باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ADHD تضمن معلومات مضللة، وهي النسبة الأكبر بين جميع الحالات في الدراسة!
3- المحتوى الذي يتناول اضطراب ثنائي القطب (94.1% من المقاطع) والاكتئاب (90.3% من المقاطع) مضلل للغاية.
4- توجد بعض المعلومات الدقيقة في 54% فقط من النصائح.
5- 9.5% فقط من مستخدمي تيك توك الذين يقدمون الاستشارات على المنصة حاصلون على مؤهل مناسب، بينما يفتقر الـ 91% الباقون إلى التدريب الطبي اللازم.
بواسطة Yasser Ad-Dab'bagh
«الفُرقة فرقتان: فرقة بالموت، وفرقة في الحياة، وقد تعدّ الثانية أصعب من الأولى؛ لأنها في مظنة التلاقي والمعالجة. صبّرنا اللَّه على مَا ينوب، وجعلنا ممن ينيب إليه ويتوب، ورحم الذي درج، ويسر الإياب للذي خرج».
أبو القاسم الرافعي (ت٦٢٣) بعد موت أخ له وخروج الآخر عن البلد
ربما لا تحب أن يشفق عليك الآخرون، لكنك لا تمانع من أن تشفق على ذاتك. الشفقة تعني الشعور بالأسى على النفس لكونك لم تنل حقك في مكانٍ ما، أو لتعرضك للظلم أو الإساءة بشكل أو بآخر، أو لكونك ضحية.. ضحية الظروف السيئة والمرض والمكائد والتوقيت غير الملاءم، أو ربما تكون الشفقة من نوع "أضاعوني وأي فتى أضاعوا". قرأت لأحدهم: «الشفقة على الذات هي بلا منازع أشد المخدرات تدميرًا؛ فهي تسبب الإدمان، وتمنح متعة لحظية، وتفصل الضحية عن الواقع». بشار بن برد قال مرةً:
طبعتُ على ما فيّ غير مخير
هواي، ولو خيرتُ كنتُ المهذّبا
أريد فلا أعطى، وأعطى ولم أرد
وقصّر علمي أن أنال المغيّبا !
وقد أبان في هذين البيتين عن الشفقة في صياغتها المثالية، فجمع بين الأسى على القدر السابق، والركون لجبر الطبع (تراخي الإرادة والفعل الحرّ)، والامتعاض من حوادث الوقت التي لا تجري وفق ما يشتهي، وأضاف إلى ذلك الأسى على الجهل بالغيب، وهذا الجهل من نواقص الإنسان التي يستحيل علاجها.
يبدو أن هذه الشفقة تمثل إحدى الدفاعات النفسية التي قد يلتذّ بها الإنسان المتعب من مكابدة الحياة، ويوظفها لمواجهة إحباطاته المتكررة، فهي شكل من أشكال المواساة الذاتية، لاسيما في غياب المواسي، وهي بالتأكيد «إحدى أكثر الاستجابات غير المجدية في تجارب الحياة»، فهي تضخم أوهام الذات وخيالاتها عن أهميتها وإمكاناتها، وتكرّس سوداوية المظلومية المقعِدة.
عندما سُأل خورخي بورخيس: هل ترى أن "الشفقة على الذات" سمة العصر؟ أجاب بأنه لا يدري، إلا أن الشفقة منتشرة عند الأمريكيين… «إذا واصلت الشعور بالأسف على نفسك فستكون أكثر حزنًا» كما يقول محقًا.
والمؤمن يكبح دوافع الشفقة على الذات: بترويض القلب على الرضا بالمقادير، وتقوية الإرادة على فعل الصواب، ومجافاة التفكير بالأنا والانشغال بها وبشؤونها الباطنة وخواطرها الكثيرة عن العمل المجدي والحركة الصحية والتواصل الفاضل.
طبعتُ على ما فيّ غير مخير
هواي، ولو خيرتُ كنتُ المهذّبا
أريد فلا أعطى، وأعطى ولم أرد
وقصّر علمي أن أنال المغيّبا !
وقد أبان في هذين البيتين عن الشفقة في صياغتها المثالية، فجمع بين الأسى على القدر السابق، والركون لجبر الطبع (تراخي الإرادة والفعل الحرّ)، والامتعاض من حوادث الوقت التي لا تجري وفق ما يشتهي، وأضاف إلى ذلك الأسى على الجهل بالغيب، وهذا الجهل من نواقص الإنسان التي يستحيل علاجها.
يبدو أن هذه الشفقة تمثل إحدى الدفاعات النفسية التي قد يلتذّ بها الإنسان المتعب من مكابدة الحياة، ويوظفها لمواجهة إحباطاته المتكررة، فهي شكل من أشكال المواساة الذاتية، لاسيما في غياب المواسي، وهي بالتأكيد «إحدى أكثر الاستجابات غير المجدية في تجارب الحياة»، فهي تضخم أوهام الذات وخيالاتها عن أهميتها وإمكاناتها، وتكرّس سوداوية المظلومية المقعِدة.
عندما سُأل خورخي بورخيس: هل ترى أن "الشفقة على الذات" سمة العصر؟ أجاب بأنه لا يدري، إلا أن الشفقة منتشرة عند الأمريكيين… «إذا واصلت الشعور بالأسف على نفسك فستكون أكثر حزنًا» كما يقول محقًا.
والمؤمن يكبح دوافع الشفقة على الذات: بترويض القلب على الرضا بالمقادير، وتقوية الإرادة على فعل الصواب، ومجافاة التفكير بالأنا والانشغال بها وبشؤونها الباطنة وخواطرها الكثيرة عن العمل المجدي والحركة الصحية والتواصل الفاضل.
«يَقصدُ أهلَ الفضلِ دون الورى
مصائبُ الدنيا وآفاتها
كالطير لا يُحْبسُ مِن بينها
إلا التي تُطربُ أصواتها!»
مصائبُ الدنيا وآفاتها
كالطير لا يُحْبسُ مِن بينها
إلا التي تُطربُ أصواتها!»
«مَنْ تعلم علمًا للاحتراف [يعني حرفة ومهنة للارتزاق] لم يأت عالمًا، وإنما جاء شبيهًا بالعلماء. ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر، وفظِعوا به لما بلغهم بناء المدارس ببغداد، فأقاموا للعلم مأتمًا، وقالوا كان يشتغل به أرباب الهمم العليّة والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به، فيأتون علماء يُنتفع بهم وبعلمهم، وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخِسَاء وأرباب الكسل؛ فيكون ذلك سببًا لارتفاعه».
الحكيم ابن الأكفاني (ت٧٤٩)
«كثيرًا ما يُوصف مجتمعنا [الأمريكي] بأنه مُسبِّب للسمنة obesogenic، لوفرة الطعام وندرة العمل البدني الشاقّ. واليوم، مع انتشار الآلات المفكّرة ووفرة تقنيات الترفيه السهل، لم يعد معظم الناس في حاجة إلى جهدٍ ذهني شاق، ولذا رأى بعضهم أن بيئتنا أضحت مُسبِّبة للبلادة moronogenic؛ فإذا كانت ضريبة الآلات المادية السمنة، فإن ضريبة الآلات الذكية البلادة!».
Daisy Christodoulou بتصرف