في كتابه "القومية وبدائلها" لم يستطع كارل دويتش أن يكتم ازدراءه لمن تأخذهم العصبية القومية؛ وكتب: «إن الشعب -كما يقول مَثَل أوروبي أسيف- هو جماعة من الناس يجمعهم وَهْمٌ مشترك بشأن أصولهم، وكراهية مشتركة لجيرانهم!».
«كان يختلف إلى مجلس أبي سعيد عليّ بن المستنير، وكان أبو سعيد يعرف له تقدّمه على كثير من أصحابه، وكان يرجع إلى وطأة خلق، وحسن عشرة، وحلاوة كلام، وفقر مدقع، وضرّ ظاهر، وحالة سيئة، وأمر مختلّ، ومعيشة ضيقة، وكثرة عيال ومؤونة، مع نشاط القلب، وثبات النفس، وطلاقة الوجه، والطرب والارتياح، فقرأ يومًا على أبي سعيد ديوان المرقّش، وأخذ خطّه بذلك، وعجّل الانصراف من عنده، فقال له أبو سعيد: أين عزمت؟ قال: أذهب لأصلح أمر العيال، وأتمحّل وأحتال، فدعا له بالرزق والسعة والمعونة والكفاية، وهو مع ذلك ضاحك السنّ قرير العين. فلما انصرف، قلنا له: هذا الرجل مع ما فيه لا يعرف الحزن في وجهه، ولا يشتدّ همه، ولا يقدر على دفعه!، فالتفت بعضهم فقال: أيها الشيخ وراءه حالٌ يخفيها عنّا ويطويها منا، قال: ما أظنّ الأمر على ذلك، لكنّ الرجل عاقل، والعاقل يعلو عليه همّه وحزنه فيقهرهما بعقله وعلمه، والجاهل يشتدّ همه وحزنه ويُرَى ذلك في وجهه ولا يقدر على دفعه لجهله، فاستحسنّا ذلك وأثبتناه».
أبو حيان التوحيدي
أبو حيان التوحيدي
«في ثقافة العلاج النفسي، تتحوّل كل سمة من سمات الشخصية إلى مشكلة ينبغي حلّها. وكل ما هو شديد الإنسانية -أي عادة، أو تفرّد، أو شعور قوي- يجب تصنيفه وتفسيره. ولا يزال هذا الأمر يتسع ويتفاقم على مرّ الأيام، حتى يشمل الناس كافّة، فلا يكاد يبقى أحد يُعَدُّ سَويًّا!».
Freya India-
«قرأتُ أن (التمرير المستمر في وسائل التواصل يؤثّر في تكوين الذاكرة، إذ يُدرّب العقل على أن ينبذ ما طالعه للتوّ، كي ينتقل إلى سياق جديد، مرّة بعد مرّة)؛ وأرى في هذا القول بعض الحقّ؛ فإنّ المرء إذا قرأ كتابًا، لزمه أن يستحضر ما قرأه في الصفحات السالفة ليواصل الفهم والقراءة، أمّا عند تصفّح محتوى وسائل التواصل، فلا يلزم استحضار ما تقدّم منه، بل يتعلّم الناظر أن يخلع سياقًا ويلبس آخر بسرعة، والانتقال بين السياقات يكون حادًّا أحيانًا. وهذه مهارة قد تنفع في بعض المواضع، غير أنّها قد تكون مضّرة إن أورثت المرء نسيان ما مضى!».
Lauren Wilford
«كثيرًا ما يُقابل شعور الطفل بالملل باستجابة محيّرة من البالغين: رغبتهم الملحّة بصرف انتباهه، وكأنهم يرون أن حياة الطفل ينبغي أن تكون -أو تُرى على الأقل- ممتعة على نحو دائم. ومن أشد ما يفرضه الكبار على الطفل أن يكون دائم الاهتمام، بدلًا من أن يُترك له الوقت ليكتشف، بنفسه، ما يثير اهتمامه حقًا. فالملل جزء لا يتجزأ من التمهل [الذي يسبق الاكتشاف]. والقدرة على احتمال الملل قد تُعد، في ذاتها، إنجازًا في مسيرة نمو الطفل».
Adam Phillips
«أفضلَ العلومِ: فهمُ سرِّ الحكمةِ في حُكمِ الحكيمِ؛ لأنَّه يقوَى به الإيمانُ، وفيه عونٌ على النَّفسِ، يؤيِّد ذلك قولُه تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمَا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، فإنَّ اليقينَ لا يحصلُ في الغالبِ إلَّا بالنَّظِرِ والفَهمِ والتَّدبُّر».
ابن أبي جمرة الأندلسي (ت ٦٩٥هـ) رحمه الله
ابن أبي جمرة الأندلسي (ت ٦٩٥هـ) رحمه الله
في عام ١٧٦٦ كان ديدرو قد بلغ من العمر ٥٣ عامًا، فأتاه المال فجأة بعد طول فقرٍ وشدّة؛ فقد عاش حياته مترجمًا ومحرّرًا، مع شحّ في العيش وضيق في النفقة، حتى همّ ببيع مكتبته ليُزوّج ابنته، فلما بلغ الخبر كاترين سلطانة روسيا وراعية أهل الفكر، اشترت مكتبته بمبلغ كبير، وأبقت له الانتفاع بها، وأجرت له راتبًا سنويًا، كما ينقل حكى إيان ليزلي في مقالة له، ويضيف: فلما أثرى، اشترى لنفسه رداءً فاخراً، بديلاً عن ثوبه البالي الذي لازمه دهراً. لكن ما إن لبسه، حتى استوحش مكانه، ورأى أثاثه الحقير، الكرسي البائس، والطاولة المهترئة، لا يليق بمقام الرداء. فاندفع يبدّل: سجادة من دمشق، طاولة فاخرة، كرسي جلد، ساعة مذهّبة، لوحات معلّقة، حتى تغيّر مجلسه، وتغيّر هو معه.
وحين زارَه صديق قديم فدهش من حاله، ولم يعرف فيه هيئة ديدرو الأولى، فداخل ديدرو الحزن، واشتاق إلى رداءه القديم، فكتب مقالته الشهيرة "ندامة على مفارقة ردائي القديم"، قال فيها: «كنتُ سيّد ردائي القديم، فأصبحت عبدًا لردائي الجديد!».
وفي عام ١٩٨٦ أطلق غرانت مكراكِن اسم "تأثير ديدرو Diderot effect" على هذه الظاهرة: أن يجرّك اقتناء شيء فاخر إلى سلسلة لا تنتهي من المشتريات، أي ميل النفس إذا اقتنت جديدًا أن تطلب غيره ونظائره مما يُشاكله، فتتوالى الرغبات وتكثر النفقات طلبًا للاتساق الجمالي، وقد استخدم هذا المفهوم لاحقاً آخرون للتحذير من فخّ الاستهلاك العبثي والرغبات المصطنعة!
وقد تذكرتُ حكايةً نقلها الجاحظ: «قال أبو العباس السفّاح أمير المؤمنين لأبي دلامة: سلْ! قال: كلبًا. قال: ويلك! ما تصنع بالكلب؟، قال: قلت أصيد به. قال: فلك كلب. قال: ودابة. قال: ودابة. قال: وغلامًا يركب الدابة ويصيد. قال: وغلامًا. قال: وجارية. قال: وجارية. ثم قال: يا أمير المؤمنين: كلب وغلام وجارية ودابة، هؤلاء عيال، ولا بد من دار. قال: ودار. قال: ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة. قال: أقطعناك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وأي شيء الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: أنا أقطعك خمسمائة جريب من فيافي بني أسد غامرة. قال: قد جعلنا لك المائتين عامرتين كلها!»، فإنه تلطّف بالمسألة على وفق قانون الاستهلاك في حالة ديدرو كما ترى، ولو طلب كل المذكورات ابتداء لما نالها، لكنه عَلِمَ قبول النفوس للانسجام والاتساق وإكمال الناقص، فتذرّع به.
وحين زارَه صديق قديم فدهش من حاله، ولم يعرف فيه هيئة ديدرو الأولى، فداخل ديدرو الحزن، واشتاق إلى رداءه القديم، فكتب مقالته الشهيرة "ندامة على مفارقة ردائي القديم"، قال فيها: «كنتُ سيّد ردائي القديم، فأصبحت عبدًا لردائي الجديد!».
وفي عام ١٩٨٦ أطلق غرانت مكراكِن اسم "تأثير ديدرو Diderot effect" على هذه الظاهرة: أن يجرّك اقتناء شيء فاخر إلى سلسلة لا تنتهي من المشتريات، أي ميل النفس إذا اقتنت جديدًا أن تطلب غيره ونظائره مما يُشاكله، فتتوالى الرغبات وتكثر النفقات طلبًا للاتساق الجمالي، وقد استخدم هذا المفهوم لاحقاً آخرون للتحذير من فخّ الاستهلاك العبثي والرغبات المصطنعة!
وقد تذكرتُ حكايةً نقلها الجاحظ: «قال أبو العباس السفّاح أمير المؤمنين لأبي دلامة: سلْ! قال: كلبًا. قال: ويلك! ما تصنع بالكلب؟، قال: قلت أصيد به. قال: فلك كلب. قال: ودابة. قال: ودابة. قال: وغلامًا يركب الدابة ويصيد. قال: وغلامًا. قال: وجارية. قال: وجارية. ثم قال: يا أمير المؤمنين: كلب وغلام وجارية ودابة، هؤلاء عيال، ولا بد من دار. قال: ودار. قال: ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة. قال: أقطعناك مائة جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وأي شيء الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. قال: أنا أقطعك خمسمائة جريب من فيافي بني أسد غامرة. قال: قد جعلنا لك المائتين عامرتين كلها!»، فإنه تلطّف بالمسألة على وفق قانون الاستهلاك في حالة ديدرو كما ترى، ولو طلب كل المذكورات ابتداء لما نالها، لكنه عَلِمَ قبول النفوس للانسجام والاتساق وإكمال الناقص، فتذرّع به.
«سمعتُ شيخنا شيخ الإسلام زكريا [الأنصاري ت ٩٢٦] رحمه الله يقول مرةً: "اللهم كثِّر حسَّادي!"، فقلت له: لم ذاك؟! فقال: لأنهم لا يحسدوني إلا إذا كثرت نعمة اللّٰه عليَّ. ثم قال لي: انظر إلىٰ قوله تعالى:(وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ) تفهم ما أقول، فإنه تعالى ما أمرنا بالاستعاذة إلا من شرِّ الحاسد لا من وجوده، لأن وجوده مقرون بالنعمة متى زال أهل الحسد زالت النعمة!».
عبدالوهاب الشعراني ت٩٧٣
«لقد عرفتُ زيجات سعيدة كثيرة، لكنني لم أعرف زيجة متوافقة compatible حقًا؛ فغاية الزواج الأساسية أن يخوض الزوجان تلك اللحظة التي يغدو فيها عدم التوافق أمرًا لا شك فيه، وأن ينجوا منها معًا؛ فالرجل والمرأة -بطبيعتهما- غير متوافقين!».
Gilbert Keith Chesterton
(1874 – 1936)
كان برتراند راسل (ت1970) يمّر بأزمة مالية بعد خلاف مع غريب الأطوار ألبرت بارنز (ت1951) الذي كان قد تعاقد مع رسل لتدريس الفلسفة، ورأى بارنز فسخ العقد بسبب «سطحية» محاضرات رسل عن تاريخ الفلسفة الغربية، فاضطر رسل إلى إكمال مادة المحاضرات ونشرها في كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية وعلاقتها بالظروف السياسية والاجتماعية منذ أقدم العصور حتى العصر الحاضر» الذي نشر أولًا عام 1945 (ترجم للعربية بعنوان: «تاريخ الفلسفة الغربية» عام ١٩٦٧) ولم يكن يظن أن هذا الكتاب سيكون أشهر كتبه، وأكبر مصدر لدخله لسنوات كثيرة كما يحكي في مذكراته.
في كتابه هذا عقد فصلًا عن سقراط (أُعدم عام 399 ق.م.)، وأشار إلى الخلاف في بيان حاله فقد صوّره أفلاطون في صورة البطل الفلسفي، أما زينوفون فقد صوّره بصورة المعلّم المعتني بالسلوك والقيم والفضيلة، وبالغ في الدفاع عنه حتى تشكّك في ذلك أقوام، وقال لو كان سقراط كذلك، لما عمد الأثينيين إلى إعدامه، ورأى البعض أن تصوير زينوفون أدقّ، لماذا؟ قالوا لأنه «لم يكن له من الذكاء ما يُعينه على اختلاق ما ليس بصحيح!»، وكون الاختلاق يحتاج صاحبه إلى نوع ذكاء ليجعل قوله مقبولًا سائغًا عند السامع = حق معروف، ولكن يعقّب رسل أن هذه الحجة النافية للغلط بمبرر ضعف الذهن لا تستقيم، ثم يصوغ عبارة بديعة:
ويضيف متحدثًا عن نفسه: «لأن ينقل كلامي ألدّ أعدائي من بين الفلاسفة أحبُّ إليّ من أن ينقله صديقٌ لا علم له بالفلسفة!»، وهذا عين العقل والصواب.
وقد اشتكى العلماء منذ القديم من سوء فهم العامة لكلامهم، وتحريفهم له عن نقله والإخبار به، لاتساع جهلهم، وضيق عقولهم عن إدراكه حقيقته أو بعضه، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما مرةً: «يا أيها الناس، اسمعوا منّي ما أقول لكم، وأَسْمِعُونِي ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال ابن عباس، قال ابن عباس!»، فأراد أن يعيد الناقل نص كلامه قبل أن ينقله ليتأكد من فهمه وحفظه له على الصواب، ولذلك لما أراد الفاروق أن يخطب في مجمع الحج عن بعض المسائل قال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها»، ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن يتحدث لما أحسّ من قرب أجله، وكان مما قاله: «إني قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقوله فمن عَقَلَهَا ووعاها فَلْيُحَدِّثْ بها، ومن خَشِيَ أن لا يَعْقِلَهَا فلا أُحِلُّ لأحد أن يكذب عليَّ!».
وقد كثرت في زماننا الوسائط بين الإنسان والمعارف، وفاضت الملخصات والمختصرات والتقريبات والتسهيلات والخلاصات والموجزات ونحو ذلك من أصناف المحتوى في سائر العلوم والفنون، وهذه «الاختصارات» المصاغة بلسان أصحابها تدخلها الآفات الكثيرة، ومن أخصّها آفة عدم التناسب بين دقة المعنى الأصلي وكثافة عقل الملخِّص أو ضعف ذهنه كما شرح رسل، ولو كان الذكاء وحسن الفهم والبصر بالمعاني الوعرة يحصّل بالتلقين والنقل المجرد عن الأذكياء، ويستجلب بالاطلاع على كتب النبهاء؛ لما بَقِي في الأرض بليد الذهن ولا كليل النظر!
في كتابه هذا عقد فصلًا عن سقراط (أُعدم عام 399 ق.م.)، وأشار إلى الخلاف في بيان حاله فقد صوّره أفلاطون في صورة البطل الفلسفي، أما زينوفون فقد صوّره بصورة المعلّم المعتني بالسلوك والقيم والفضيلة، وبالغ في الدفاع عنه حتى تشكّك في ذلك أقوام، وقال لو كان سقراط كذلك، لما عمد الأثينيين إلى إعدامه، ورأى البعض أن تصوير زينوفون أدقّ، لماذا؟ قالوا لأنه «لم يكن له من الذكاء ما يُعينه على اختلاق ما ليس بصحيح!»، وكون الاختلاق يحتاج صاحبه إلى نوع ذكاء ليجعل قوله مقبولًا سائغًا عند السامع = حق معروف، ولكن يعقّب رسل أن هذه الحجة النافية للغلط بمبرر ضعف الذهن لا تستقيم، ثم يصوغ عبارة بديعة:
«إنّ نقلَ الرجلِ الغبيّ لما يقوله الرجلُ الذكيّ لا يكون دقيقًا أبدًا، لأن الغبيّ يترجم -بلا وعيٍ منه- ما يسمعه إلى شيءٍ يستطيع أن يفهمه!».
ويضيف متحدثًا عن نفسه: «لأن ينقل كلامي ألدّ أعدائي من بين الفلاسفة أحبُّ إليّ من أن ينقله صديقٌ لا علم له بالفلسفة!»، وهذا عين العقل والصواب.
وقد اشتكى العلماء منذ القديم من سوء فهم العامة لكلامهم، وتحريفهم له عن نقله والإخبار به، لاتساع جهلهم، وضيق عقولهم عن إدراكه حقيقته أو بعضه، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما مرةً: «يا أيها الناس، اسمعوا منّي ما أقول لكم، وأَسْمِعُونِي ما تقولون، ولا تذهبوا فتقولوا: قال ابن عباس، قال ابن عباس!»، فأراد أن يعيد الناقل نص كلامه قبل أن ينقله ليتأكد من فهمه وحفظه له على الصواب، ولذلك لما أراد الفاروق أن يخطب في مجمع الحج عن بعض المسائل قال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: «يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها»، ولكن عمر رضي الله عنه رأى أن يتحدث لما أحسّ من قرب أجله، وكان مما قاله: «إني قائل لكم مقالة قد قُدِّر لي أن أقوله فمن عَقَلَهَا ووعاها فَلْيُحَدِّثْ بها، ومن خَشِيَ أن لا يَعْقِلَهَا فلا أُحِلُّ لأحد أن يكذب عليَّ!».
وقد كثرت في زماننا الوسائط بين الإنسان والمعارف، وفاضت الملخصات والمختصرات والتقريبات والتسهيلات والخلاصات والموجزات ونحو ذلك من أصناف المحتوى في سائر العلوم والفنون، وهذه «الاختصارات» المصاغة بلسان أصحابها تدخلها الآفات الكثيرة، ومن أخصّها آفة عدم التناسب بين دقة المعنى الأصلي وكثافة عقل الملخِّص أو ضعف ذهنه كما شرح رسل، ولو كان الذكاء وحسن الفهم والبصر بالمعاني الوعرة يحصّل بالتلقين والنقل المجرد عن الأذكياء، ويستجلب بالاطلاع على كتب النبهاء؛ لما بَقِي في الأرض بليد الذهن ولا كليل النظر!
«من لطيف أخبار الدكتور عبدالله الطيب (ت١٤٢٤) أن الشيخ جعفر شيخ إدريس (ت١٤٤٧) لقيه ذات يوم خارجًا من المسجد الحرام بمكة، وهو يحمل معه كتاب سيبويه، فسأله عنه، فقال الطيّب: (قرأته في الحرم رجاء البركة)». رحمهما الله.
لا تفرّط في الكتابة بالقلم!
إن تدوين الملاحظات يدويًا يُفعّل نشاطًا دماغيًا أوسع وأعقد مما تفعله الكتابة بلوحة المفاتيح، إذ تنشط مناطق مسؤولة عن الحركة والبصر والإحساس والذاكرة، وهذا التفاعل بين الحواسّ والحركة يُسهم في تكامل الإدراك والتعلّم!
وقد ثبت ذلك في دراسة أجراها أودري فان دير مير ورود فان دير ويل من جامعة العلوم والتكنولوجيا النرويجية، وهي امتداد لدراسة سابقة جرت عام ٢٠١٤، دلّت على أن من يكتب على لوحة المفاتيح قد ينساق إلى نقل الكلام حرفيًا دون تفكير، فيدخل اللفظ من الأذن ويخرج من الإصبع دون أن يُعالج عقليًا. أما الكتابة باليد -لكونها أبطأ- فهي تحثّ الذهن على التركيز، واختيار الأهم، وربط الجديد بالمألوف، فيتوّلد عن ذلك فهم أعمق، ومعرفة أنضج.
وتعلّق صوفيا فينشي-بوهر، أستاذة علم الأعصاب التربوي بجامعة فاندربيلت؛ أن نتائج الدراسة تُوافق ما توصلت إليه أبحاث سابقة، وتُبرز كيف أن الكتابة اليدوية تُجسّد الإدراك الحسي في حركة واعية، تُعاد معالجتها بصريًا، مما يعزز ترابط الفكرة بالصورة. فالمرء حين يكتب؛ إنما يصوغ ما في ذهنه بيده، فيراه بعينه، فيثبت في ذاكرته، ويقوى أثره في نفسه!
إن تدوين الملاحظات يدويًا يُفعّل نشاطًا دماغيًا أوسع وأعقد مما تفعله الكتابة بلوحة المفاتيح، إذ تنشط مناطق مسؤولة عن الحركة والبصر والإحساس والذاكرة، وهذا التفاعل بين الحواسّ والحركة يُسهم في تكامل الإدراك والتعلّم!
وقد ثبت ذلك في دراسة أجراها أودري فان دير مير ورود فان دير ويل من جامعة العلوم والتكنولوجيا النرويجية، وهي امتداد لدراسة سابقة جرت عام ٢٠١٤، دلّت على أن من يكتب على لوحة المفاتيح قد ينساق إلى نقل الكلام حرفيًا دون تفكير، فيدخل اللفظ من الأذن ويخرج من الإصبع دون أن يُعالج عقليًا. أما الكتابة باليد -لكونها أبطأ- فهي تحثّ الذهن على التركيز، واختيار الأهم، وربط الجديد بالمألوف، فيتوّلد عن ذلك فهم أعمق، ومعرفة أنضج.
وتعلّق صوفيا فينشي-بوهر، أستاذة علم الأعصاب التربوي بجامعة فاندربيلت؛ أن نتائج الدراسة تُوافق ما توصلت إليه أبحاث سابقة، وتُبرز كيف أن الكتابة اليدوية تُجسّد الإدراك الحسي في حركة واعية، تُعاد معالجتها بصريًا، مما يعزز ترابط الفكرة بالصورة. فالمرء حين يكتب؛ إنما يصوغ ما في ذهنه بيده، فيراه بعينه، فيثبت في ذاكرته، ويقوى أثره في نفسه!
Van der Weel, F. R. R., & Van der Meer, A. L. H. (2024). Handwriting but not typewriting leads to widespread brain connectivity: a high-density EEG study with implications for the classroom. Frontiers in psychology, 14, 1219945.