«إن حسّ الدُّعابةِ، ولا سيّما قدرة المرء على تقبّل عاداته وتصرفاته الغريبة بروح مرحة؛ طالما اعتُبر عنصرًا أساسيًا في الصحة النفسية. وغَالِبًا ما يَكونُ ظهور الدُّعابةِ لدى مَريضٍ كانَ قَبلَ ذَلِكَ عَابِسًا أو مغتمًّا؛ أَوَّلَ مؤشر على حُدوثِ تَغْيّرٍ داخِلِيٍّ جَوْهَرِيّ».
Dr. Nancy McWilliams
Dr. Nancy McWilliams
«كم من أمرٍ يُقال عن طِيب نِيّة في معرض الحديث عن شأنٍ من الشؤون ما كان ليخطر لصاحبه لو اكتفى بمعرفته، ولم ينطق به! فإن الفكر إذا سخن بحرارة القول، أخرج ما لا يُخرجه نور العقل وحده. والكلام، وإن كان سبيلًا إلى الزلل، قد يفضي بصاحبه إلى بعض الحقائق، فللكلام أجنحة، تبلغ بصاحبها مواضع لا يصلها بدونه!».
Joseph Joubert (1754 – 1824)
الإنسان ضعيف. يصعب عليه أن يتجاوز منظوره المحدود جدًا عن العالم. إذا دهمه الفرح تغيّر كل شيء في نظره. تصبح الحياة جميلة فجأة، كل شيء فيها يبرق، والألوان من حوله تزداد تألقًا، الشمس تصبح ودودة، والقمر يطلّ بحنان أخّاذ. تجتاحه عاطفة جياشة تجاه البشر، ويكاد يحتضن كل من يمرّ بطريقه. وإذا حزن اسوّد كل شيء في عينيه، وصار كأنه يتنفس من رأس إبرة، وينسى كل مبرر للضحك، ويحنّ للعدم الأول، ويشعر أن التعاسة هي طبيعة الأشياء. أما إذا كان المرء -وقاك الله- مبتلى بتقلّب المزاج، فإنه يعيش كل هذا الصخب الوجداني في اليوم الواحد، بل ربما في الساعة الواحدة.
ماذا إذًا؟ يمكن للإنسان أن يطوّر إدراكه بدوام تأمل المنظورات الآتية:
- منظور الحجم: هذا الشعور الكلي المهيمن يرافقه تضخم في رؤية الذات، الإنسان حينها ينسى أنه لا يشغل حيزًا ذا بال في أي سياق، فبالنسبة للمجرات هو أقل من هباءة لا تُرى حتى بالمناظير، وفي محيط الأرض هو أشبه بنملة أو ذرة ضئيلة. تستطيع التأكد من ذلك بمشاهدة أي وثائقي يشرح تمدد الكون.
- منظور الزمن: كل عمر الإنسان مهما طال أشبه بثانية في عمر التاريخ العام، فماذا يعني أن تضيق نفسه في ليلة أو يشقى في صبح عارض في ميزان القرون المتطاولة من لدن آدم إلى قيام الساعة؟. لا شيء في أية مقاييس موضوعية، بل حتى في ميزان عمره القصير، تظل ضئيلة للغاية وإن استطالت. ومن جهة أخرى فكل زمن -وإن بدا طويلًا- فهو لايذكر في منظور زمن الخلود الأخروي.
- منظور الموت: تأمل الموت يصغّر كل التضخّمات العارضة، كل ما يسعد أو يبهج، كل ما يخيف، كل ما يؤلم، كل طموح مجهض، كل إحباط، كل خيبة أمل غائرة، كل ذلك يتلاشى أمام الحقيقة الأخيرة. في القبر لا شيء يستحق الاهتمام ولا الفرح ولا الألم إلا ركعة خاشعة، وصدقة خفيّة، وقلب مملوء بحبّ الله وحده وإجلاله.
إن الاستحضار الدائم للموت ليس عرضًا اكتئابيًا، ولا نزوة سوداوية عابرة، بل ضرورة عقلانية لاحتمال الوجود، وحتمية روحانية لترتيب الأولويات النفسية.
جزى الله عنا الموت خيرًا فإنه
أبرُّ بنا من كل برٍّ وأرأفُ
يعجّل تخليص النفوس من الأذى
ويدني من الدار التي هي أشرفُ
وهكذا، فالحيز الذي يشغله الفرد في الزمان والمكان قريب من العدم، وكل الأنظمة الربانية للوجود تسير بمعزل عن إرادته، وليس أمامه إلا أن «يبادر لعمله، ويسوّف بأمله، ويستعدّ لأجله» كما يقول يحيى بن معاذ رحمه الله.
ماذا إذًا؟ يمكن للإنسان أن يطوّر إدراكه بدوام تأمل المنظورات الآتية:
- منظور الحجم: هذا الشعور الكلي المهيمن يرافقه تضخم في رؤية الذات، الإنسان حينها ينسى أنه لا يشغل حيزًا ذا بال في أي سياق، فبالنسبة للمجرات هو أقل من هباءة لا تُرى حتى بالمناظير، وفي محيط الأرض هو أشبه بنملة أو ذرة ضئيلة. تستطيع التأكد من ذلك بمشاهدة أي وثائقي يشرح تمدد الكون.
- منظور الزمن: كل عمر الإنسان مهما طال أشبه بثانية في عمر التاريخ العام، فماذا يعني أن تضيق نفسه في ليلة أو يشقى في صبح عارض في ميزان القرون المتطاولة من لدن آدم إلى قيام الساعة؟. لا شيء في أية مقاييس موضوعية، بل حتى في ميزان عمره القصير، تظل ضئيلة للغاية وإن استطالت. ومن جهة أخرى فكل زمن -وإن بدا طويلًا- فهو لايذكر في منظور زمن الخلود الأخروي.
- منظور الموت: تأمل الموت يصغّر كل التضخّمات العارضة، كل ما يسعد أو يبهج، كل ما يخيف، كل ما يؤلم، كل طموح مجهض، كل إحباط، كل خيبة أمل غائرة، كل ذلك يتلاشى أمام الحقيقة الأخيرة. في القبر لا شيء يستحق الاهتمام ولا الفرح ولا الألم إلا ركعة خاشعة، وصدقة خفيّة، وقلب مملوء بحبّ الله وحده وإجلاله.
إن الاستحضار الدائم للموت ليس عرضًا اكتئابيًا، ولا نزوة سوداوية عابرة، بل ضرورة عقلانية لاحتمال الوجود، وحتمية روحانية لترتيب الأولويات النفسية.
جزى الله عنا الموت خيرًا فإنه
أبرُّ بنا من كل برٍّ وأرأفُ
يعجّل تخليص النفوس من الأذى
ويدني من الدار التي هي أشرفُ
وهكذا، فالحيز الذي يشغله الفرد في الزمان والمكان قريب من العدم، وكل الأنظمة الربانية للوجود تسير بمعزل عن إرادته، وليس أمامه إلا أن «يبادر لعمله، ويسوّف بأمله، ويستعدّ لأجله» كما يقول يحيى بن معاذ رحمه الله.
كنت أتأمل مؤخرًا بعض الحكايات والأوصاف عن سعة الدعاوى وشؤمها في كتب التراجم ونحوها (المراد بسعة الدعوى -وقاني الله وإياك- نسبة المرء لنفسه علمًا أو عملًا زائدًا عن حقيقة حاله).
ومما وقفت عليه؛ سرعة انكشاف الدعوى، فقد نقل عن قتادة رحمه الله أنه قال مرةً: ما نسيت شيئًا!، ثم قال لغلامه: ناولني نعلي. فأجابه: نعلك في رجلك!، يعلّق الذهبي: «هذه الحكاية عبرة، فإن الدعاوي لا تثمر خيرًا!»، وصدق.
كما عيب جملة من الفضلاء والعلماء بهذا العيب، فقيل عن بعضهم: «كان إمامًا، عالمًا، لَسِنًا، فصيحًا… إلا أنه كان كثير الدعَاوَى»، وبعضهم تتفاقم به الحال، جاء في بعض التراجم عن أحد الفقهاء أنه قال مرةً «على كل حال؛ أنا شيخ الإسلام». والأقبح ارتباط سعة الدعوى بضيق العلم، وهذا معروف وله شواهد، وقد قيل عن بعضهم: «كثير الدعاوى قليل العلم»، وقيل عن آخر: «كثير الدعاوى، وهو بليد ناقص الفضيلة».
ونكتة الباب ما قاله بعض صلحاء المتقدمين: «ما زالت الدعاوى مشؤومة على أربابها مذ قال إبليس: أنا خير منه!».
ومما وقفت عليه؛ سرعة انكشاف الدعوى، فقد نقل عن قتادة رحمه الله أنه قال مرةً: ما نسيت شيئًا!، ثم قال لغلامه: ناولني نعلي. فأجابه: نعلك في رجلك!، يعلّق الذهبي: «هذه الحكاية عبرة، فإن الدعاوي لا تثمر خيرًا!»، وصدق.
كما عيب جملة من الفضلاء والعلماء بهذا العيب، فقيل عن بعضهم: «كان إمامًا، عالمًا، لَسِنًا، فصيحًا… إلا أنه كان كثير الدعَاوَى»، وبعضهم تتفاقم به الحال، جاء في بعض التراجم عن أحد الفقهاء أنه قال مرةً «على كل حال؛ أنا شيخ الإسلام». والأقبح ارتباط سعة الدعوى بضيق العلم، وهذا معروف وله شواهد، وقد قيل عن بعضهم: «كثير الدعاوى قليل العلم»، وقيل عن آخر: «كثير الدعاوى، وهو بليد ناقص الفضيلة».
ونكتة الباب ما قاله بعض صلحاء المتقدمين: «ما زالت الدعاوى مشؤومة على أربابها مذ قال إبليس: أنا خير منه!».
عبدالله الوهيبي
https://www.instagram.com/reel/DKr1ZvkMz2c/?igsh=bGZldHh1dWx2aTVr قصتك عن نفسك، كيف ترويها؟
YouTube
قصتك عن نفسك، كيف ترويها؟ || عبد الله الوهيبي
قصتك عن نفسك، كيف ترويها؟
- عبد الله الوهيبي
حساب الأستاذ عبد الله الوهيبي على تليجرام:
https://t.me/aalwhebey
مواضيع الفيديو :
* [00:00:00] مقدمة: شرح موجز لمفهوم السردية الذاتية وأهميتها في الصحة النفسية.
* [00:01:24] ما هي السردية الذاتية وكيف تتكون؟:…
- عبد الله الوهيبي
حساب الأستاذ عبد الله الوهيبي على تليجرام:
https://t.me/aalwhebey
مواضيع الفيديو :
* [00:00:00] مقدمة: شرح موجز لمفهوم السردية الذاتية وأهميتها في الصحة النفسية.
* [00:01:24] ما هي السردية الذاتية وكيف تتكون؟:…
«من يختلق كذبة لا يعي هول ما أقدم عليه؛ إذ سيضطر إلى اختلاق عشرين كذبة أخرى ليستقيم بها بنيان كذبته الأولى!».
Jonathan Swift (1667 – 1745)
Jonathan Swift (1667 – 1745)
بعد فحص ما يربو على ٦٤,٠٠٠ عنوان رسالة علمية بين دكتوراه وماجستير، تبين أن المؤلفين المنتسبين إلى جامعات متدنية التصنيف أميل إلى استعمال الألفاظ المصطلحية في عناوين أبحاثهم وتعقيد العبارة وكثرة استعمال الاختصارات acronyms وذلك على خلاف ما ظهر من صنيع أقرانهم في الجامعات ذات التصنيف الأعلى.
وربما يشير ذلك إلى وجود علاقة وثيقة بين استخدام المرء للمصطلحات المتخصصة ومستوى مكانته الاجتماعية،
ويحتمل أن تشير هذه العلاقة الإحصائية من جهة أخرى إلى أن الجامعات الرفيعة تجذب طلابًا أكفأ، يستعملون بيانًا أوضح وأبعد عن التحذلق.
Brown, Z. C., Anicich, E. M., & Galinsky, A. D. (2020). Compensatory conspicuous communication: Low status increases jargon use. Organizational Behavior and Human Decision Processes, 161, 274–290.
وربما يشير ذلك إلى وجود علاقة وثيقة بين استخدام المرء للمصطلحات المتخصصة ومستوى مكانته الاجتماعية،
وقد يؤكد ذلك الفرضية التي ترى في هذا السلوك شكلًا من أشكال التعويض عن تدني المكانة، والذي أطلق عليه بعض الباحثين : “التواصل الاستعراضي التعويضي compensatory conspicuous communication".
ويحتمل أن تشير هذه العلاقة الإحصائية من جهة أخرى إلى أن الجامعات الرفيعة تجذب طلابًا أكفأ، يستعملون بيانًا أوضح وأبعد عن التحذلق.
Brown, Z. C., Anicich, E. M., & Galinsky, A. D. (2020). Compensatory conspicuous communication: Low status increases jargon use. Organizational Behavior and Human Decision Processes, 161, 274–290.
رصدت بعض الدراسات انخفاضًا في استعمال الكلمات المرتبطة بالقيم الأخلاقية الجماعية في الكتب الأمريكية بين عامي 1960 و 2008، بما في ذلك: الفضيلة، والضمير، والأمانة، والصبر، والرحمة. وفي المقابل، كثُر استعمال الكلمات والعبارات ذات الطابع الفرداني مثل: (hunique, personalize, I am special). كما زاد استعمال الضمائر الشخصية المفردة: (I, me, mine)، وتراجع استعمال ضمائر الجمع (we, us).
وأظهرت تحليلات كلمات الأغاني الأمريكية التي تصدّرت قائمة أفضل 20 أغنية في تصنيفات (بيلبورد) بين عامي 1980 و2007 تحولاً واضحًا نحو التركيز على الذات، حيث قلّ استعمال الكلمات الاجتماعية (كالحبّ) وزاد استعمال الكلمات الغاضبة والمعادية للمجتمع (كالقتل والكره).
Kesebir, P., & Kesebir, S. (2012). The cultural salience of moral character and virtue declined in twentieth century America. The Journal of Positive Psychology, 7(6), 471–480.
وأظهرت تحليلات كلمات الأغاني الأمريكية التي تصدّرت قائمة أفضل 20 أغنية في تصنيفات (بيلبورد) بين عامي 1980 و2007 تحولاً واضحًا نحو التركيز على الذات، حيث قلّ استعمال الكلمات الاجتماعية (كالحبّ) وزاد استعمال الكلمات الغاضبة والمعادية للمجتمع (كالقتل والكره).
DeWall, C. N., Pond, R. S., Jr., Campbell, W. K., & Twenge, J. M. (2011, March 21). Tuning in to psychological change: Linguistic markers of psychological traits and emotions over time in popular U.S. song lyrics. Psychology of Aesthetics, Creativity, and the Arts.
«الفرقَ بين [المعنى اللغويِّ والتفسيريّ] واضحٌ للمتأملِ، وإن خَفِي علىٰ كثيرٍ من الأغبياءِ، وهو أنَّ اللُّغويَّ شأنُه أن يَذكُرَ ما يجوزُ لغةً استعمالُ اللفظِ له، وأمّا المفسِّرُ: فيعيِّنُ تارةً ما أراده المتكلِّمُ من بين تلك الوجوهِ الجائزةِ لغةً، وتارةً ما يناسِبُ أن يريدَه منها ذاك المتكلَّمُ بخصوصه، وتارةً ما يناسب المتكلَّمَ وذاك السياقَ منها، ومَنشأً كثرةِ الأقوالِ التفسيريّةِ هذان الأخيران غالبًا؛ ولذلك يقولُ بعضُ المحقِّقين في كثيرٍ منها: (إِنَّ اللفظَ مُتَناوِلٌ جميعَها)، أو (مُستعمَلٌ في قدْرٍ مشترَكِ بين جميعِها)».
ولي الدين محمد بن أحمد الديباجي ت٧٧٥هـ رحمه الله
ولي الدين محمد بن أحمد الديباجي ت٧٧٥هـ رحمه الله
حكى أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا روبرت هاين في سيرته الذاتية (وهي سيرة فريدة، لأن مؤلفها عايش العمى مدة 15 عامًا، ثم أجريت له عملية جراحية فاستعاد بصره جزئيًا مرةً أخرى) عن حالات الاكتئاب التي تصيب غالبية المتعافين من العمى، لأن المبصر حديثًا يعاني من ضرورة تنظيم انطباعاته عن الحس الجديد، وتحمّل مسؤولياته بوصفه مبصرًا، وربما ينزعج جراء زوال الاهتمام (أو التميّز) أو الإعجاب الذي كان يحظى به.
ويشير هاين إلى ملحظ دقيق يولّد هذا الشعور الممض في النفس، فالأعمى كان يتخيّل –والخيال ميدانه الأرحب- ما ينتظره من المباهج ولذّات العيون اللامتناهية لو أبصر يومًا، فإذا أنعم الله عليه بذلك لا يجد الواقع كما كان يبدو في خياله، بهيًّا برّاقًا؛ فيحزن بسبب «خيبات الأمل التي يراها، بالمقارنة مع ما تخيّله سابقًا في مقدار ما فاته خلال سنوات العمى» كما يقول.
وهو يعبّر بوضوح عن شوقه لأيام العمى، ويذكر سببًا هامًا لهذا الشوق، وهذا السبب يمثّل -في الوقت نفسه- مصدرًا من مصادر الكآبة الناجمة عن عودة الإبصار، وهو دور العيون في تشتيت الانتباه وفقدان التركيز، «وصعوبة العثور على العالم الداخلي»، فالنفس في هذه الحالة يكثر اضطرابها «لوفرة المنبهات [المرئية] الفائقة، والتيار المستمر من الانطباعات المتزامنة» المتولّدة عن ذلك، وهذا معروف ذائع، وإنما يغيب عن حسّ معظم المبصرين وشعورهم؛ بسبب طول الاعتياد، وتبّلد الذهن حياله، وإلا فإن انفلات البصر يشوّش النفس ويبعثرها، و«نحن نرى الإنسان إذا أراد أن يتذكّر شيئا نسيه، أغمض عينيه وفكّر، فيقع على ما شرد من حافظته» كما يلاحظ صلاح الدين الصفدي (ت764هـ)، إلا أن حداثة تجربة المبصر بعد عمى بهذا التشوش والتبعثر تكون أشدّ وأعظم بلا ريب.
ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد، أن الفقهاء حين اختلفوا في المقارنة بين إمامة الأعمى والبصير في الصلاة، ذهب الفقيه الكبير أبو إسحاق الشيرازي (ت476هـ) رحمه الله إلى أن الأعمى أولى بإمامة الناس من المبصر؛ «لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله، فيكون أبعد عن تفرّق القلب وأخشع»، والخشوع –كما لا يخفى- هو لبّ الصلاة ومقصودها، ولذا اختار بعض الفقهاء من الشافعية وغيرهم أنه لا يكره تغميض العينين في الصلاة لمن احتاج إلى ذلك، بل ذهب العز بن عبدالسلام (ت660هـ) إلى أنه يندب التغميض لمن صلّى وأمامه ما يشوّش فكره ويفرّق قلبه؛ كزخارف السجاد والحوائط ونحوها.
من تدوينة سابقة بعنوان «الأصابع المبصرة».
ويشير هاين إلى ملحظ دقيق يولّد هذا الشعور الممض في النفس، فالأعمى كان يتخيّل –والخيال ميدانه الأرحب- ما ينتظره من المباهج ولذّات العيون اللامتناهية لو أبصر يومًا، فإذا أنعم الله عليه بذلك لا يجد الواقع كما كان يبدو في خياله، بهيًّا برّاقًا؛ فيحزن بسبب «خيبات الأمل التي يراها، بالمقارنة مع ما تخيّله سابقًا في مقدار ما فاته خلال سنوات العمى» كما يقول.
وهو يعبّر بوضوح عن شوقه لأيام العمى، ويذكر سببًا هامًا لهذا الشوق، وهذا السبب يمثّل -في الوقت نفسه- مصدرًا من مصادر الكآبة الناجمة عن عودة الإبصار، وهو دور العيون في تشتيت الانتباه وفقدان التركيز، «وصعوبة العثور على العالم الداخلي»، فالنفس في هذه الحالة يكثر اضطرابها «لوفرة المنبهات [المرئية] الفائقة، والتيار المستمر من الانطباعات المتزامنة» المتولّدة عن ذلك، وهذا معروف ذائع، وإنما يغيب عن حسّ معظم المبصرين وشعورهم؛ بسبب طول الاعتياد، وتبّلد الذهن حياله، وإلا فإن انفلات البصر يشوّش النفس ويبعثرها، و«نحن نرى الإنسان إذا أراد أن يتذكّر شيئا نسيه، أغمض عينيه وفكّر، فيقع على ما شرد من حافظته» كما يلاحظ صلاح الدين الصفدي (ت764هـ)، إلا أن حداثة تجربة المبصر بعد عمى بهذا التشوش والتبعثر تكون أشدّ وأعظم بلا ريب.
ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد، أن الفقهاء حين اختلفوا في المقارنة بين إمامة الأعمى والبصير في الصلاة، ذهب الفقيه الكبير أبو إسحاق الشيرازي (ت476هـ) رحمه الله إلى أن الأعمى أولى بإمامة الناس من المبصر؛ «لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله، فيكون أبعد عن تفرّق القلب وأخشع»، والخشوع –كما لا يخفى- هو لبّ الصلاة ومقصودها، ولذا اختار بعض الفقهاء من الشافعية وغيرهم أنه لا يكره تغميض العينين في الصلاة لمن احتاج إلى ذلك، بل ذهب العز بن عبدالسلام (ت660هـ) إلى أنه يندب التغميض لمن صلّى وأمامه ما يشوّش فكره ويفرّق قلبه؛ كزخارف السجاد والحوائط ونحوها.
من تدوينة سابقة بعنوان «الأصابع المبصرة».
«ذم الله تعالى في القرآن ثلاثة أنواع من المجادلة:
١- ذمّ صاحب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق: فقال تعالى:"وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ".
٢- وذمّ المجادلة في الحق بعد ما تبيّن: فقال تعالى:"يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ".
٣- وذمّ المحاجة فيما لا يعلم المحاجّ: فقال:"هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ"».
ابن تيميّة رحمه الله
١- ذمّ صاحب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق: فقال تعالى:"وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ".
٢- وذمّ المجادلة في الحق بعد ما تبيّن: فقال تعالى:"يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ".
٣- وذمّ المحاجة فيما لا يعلم المحاجّ: فقال:"هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ"».
ابن تيميّة رحمه الله
«لقد درستُ علم النفس الاجتماعي على مدى خمسٍ وعشرين سنة، وأُؤكّد لك أنّ ما تشعر به في أعماق نفسك إزاء العالَم لا يُطابق دائمًا ما تثبته لنا الأبحاث. تخيل أنك ربحت اليانصيب واختفَت جميع مشاكلك المالية، وأصبح بمقدورك فجأةً شراء كل ما ترغب فيه تقريبًا. أليس هذا رائعًا؟ لكن الأبحاث تؤكد أن الأمر ربّما لن يكون على قدر ما تتصوّره من الروعة. فالمرء لا يحسن التنبّؤ بما سيشعر به حين يُقبل على أحوال جديدة. وغالبًا ما يُبالغ في تقدير الأمور في كلا الجانبين: يظنّ أن الشدائد ستكون أقسى مما هي عليه حقًّا، ويتوقّع أن المسرّات ستُغمره ببهجة أعظم مما سيجدها عليه في الواقع!».
Brian Lowery
Brian Lowery
«في نهاية المطاف، لا يخرج التعلّم عن كونه ضربًا من الحفظ، ولا يتحقق الفهم إلا إذا تمكّن الحفظ واستحكم، وصارت المعاني مترابطة في الذهن ترابطًا يثريها، ومتشربة في النفس تشربًا يُثبّتها. فإذا قيل إن المرء “يحفظ فحسب ولا يفهم”، فالحقيقة أنه لم يبلغ من تراكم المعارف في ذاكرته مبلغًا يُنبت الفهم ويغذيه؛ إذ إن الربط بين المفاهيم إنما هو حفظٌ في جوهره، تُخزّن روابطه كما تُخزّن المفردات.
وهذا، وإن بدا ظاهرًا لكل ذي عقل، إلا أن كثيرًا من المتعلمين لا يفقهون ما يلزمه. فإن لم يُدرِك الطالب أن التعلم هو الحفظ، فلن يُدرِك أن أعظم طرائقه نفعًا هي تلك التي تُقوّي الذاكرة وتُغذيها، كالمراجعة المتقطعة، والاسترجاع المتكرر، والتدريب المتنوع.
ومن غلبت عليه الغفلة، توهّم أن “الفهم الحق” مخالف لـ”الحفظ”، فزهد في أساليب التعلّم القائمة على تقوية الذاكرة، واستبدل بها طرائق يسيرة ممتعة، لكنها ضعيفة الجدوى، فلا يلبث أن يخرج بعلم ضامر، وقد أضاع كثير جهدٍ فيما لا يُغني ولا يُثمر»
- Justin Skycak
وهذا، وإن بدا ظاهرًا لكل ذي عقل، إلا أن كثيرًا من المتعلمين لا يفقهون ما يلزمه. فإن لم يُدرِك الطالب أن التعلم هو الحفظ، فلن يُدرِك أن أعظم طرائقه نفعًا هي تلك التي تُقوّي الذاكرة وتُغذيها، كالمراجعة المتقطعة، والاسترجاع المتكرر، والتدريب المتنوع.
ومن غلبت عليه الغفلة، توهّم أن “الفهم الحق” مخالف لـ”الحفظ”، فزهد في أساليب التعلّم القائمة على تقوية الذاكرة، واستبدل بها طرائق يسيرة ممتعة، لكنها ضعيفة الجدوى، فلا يلبث أن يخرج بعلم ضامر، وقد أضاع كثير جهدٍ فيما لا يُغني ولا يُثمر»
- Justin Skycak
«يمضي الذكاء الاصطناعي قُدمًا في تقويض جوانب جوهرية من التجربة الإنسانية. ومن بين أشدّ جرائمه وقعًا حتى الآن: اغتياله لطقس معرفي مفصلي لطالما شكّل مرحلة تأسيسية في حياة الطلاب حول العالم: السعي إلى استيعاب معلومات معقدة وصياغتها في نص تحليلي متماسك.
لقد كانت هذه المهمة بمثابة ساحة تدريب للملكات البشرية الأصيلة، حيث تلتقي مهارة التفكير النقدي بإتقان اللغة كأداة للفهم والتواصل.
وإن أردت أن تكتشف حقيقة رأيك في موضوعٍ ما، فاكتبه. إذ إن الكتابة كاشف صارم للأفكار الضبابية والتراكيب المرتبكة. وهذا بالضبط ما نخسره مع ظهور "شات جي بي تي"، فمن الوهم الظن بأن الغاية هي إنشاء كلمات مصفوفة في نسق منطقي، بل القيمة الحقيقية كامنة في الجهد المعرفي الذي يولّد هذه الكلمات، لا الكلمات ذاتها».
- brian klaas
لقد كانت هذه المهمة بمثابة ساحة تدريب للملكات البشرية الأصيلة، حيث تلتقي مهارة التفكير النقدي بإتقان اللغة كأداة للفهم والتواصل.
وإن أردت أن تكتشف حقيقة رأيك في موضوعٍ ما، فاكتبه. إذ إن الكتابة كاشف صارم للأفكار الضبابية والتراكيب المرتبكة. وهذا بالضبط ما نخسره مع ظهور "شات جي بي تي"، فمن الوهم الظن بأن الغاية هي إنشاء كلمات مصفوفة في نسق منطقي، بل القيمة الحقيقية كامنة في الجهد المعرفي الذي يولّد هذه الكلمات، لا الكلمات ذاتها».
- brian klaas