أصبح الإنسان يخشى الاختلاف أكثر مما يخشى الجهل لأن الرأي المخالف لم يعد يُنظر إليه بوصفه طريقًا إلى فهمٍ أوسع بل تهديدًا لما اعتاده من قناعاتٍ وما ورثه من أفكار، فكلما ضاقت مساحة الحوار اتسعت مساحة التعصب، وكلما غاب السؤال حضرت الأحكام الجاهزة، حتى أصبح كثيرٌ من الناس يدافعون عن آرائهم وكأنها جزءٌ من وجودهم لا مجرد أفكارٍ قابلةٍ للمراجعة، ولم يعد البحث عن الحقيقة هو الغاية بل البحث عما يؤكد الموقف ويطمئن النفس، فأصبح الاتفاق راحةً وأصبح الاختلاف خصومةً، ومع مرور الوقت يفقد الإنسان قدرته على الإصغاء ويستبدل فضيلة الفهم برغبةِ الانتصار، مع أن الأفكار لا تنضج إلا إذا واجهت ما يخالفها، والعقول لا تتسع إلا حين تعترف بأن الحقيقة أكبر من أن تُرى من زاويةٍ واحدة .