ابن تيمية.. والإمداد الفلسفي للسلفية: مراجعة كتاب «نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» ليوسف سمرين
"إلحاد السمنية المعلن حوى في أحشائه نظرية تتفق مع الإيمان السليم، وتحت إيمان الجهم المعلن كان الإلحاد متربعا على عرش نظرياته المثالية." [١]
بهذا النص اختتم المؤلف كتابه الذي يقع في أكثر من ٥٠٠ صفحة، والذي كان لا بد من أن أكتب مراجعة مفصلة عنه.
المحتوى:
قُسِّمَ الكتاب إلى ١٩ فصلا [٢] سطّرت بعناية ورتّبت باهتمام؛ ففي الفصل الأول تكلم المؤلف بإيجاز عن دخول الفلسفات الإغريقية (خاصة الأرسطية) على الفرق الإسلامية المتناحرة آنذاك، وكيف تم توظيفها فكريا في ذاك الصراع.
يعرجُ المؤلف في الفصلين الثاني والثالث إلى الموقف الرافض للفلسفة باعتبارها سبيلا للكفر والضلال، كما هي حال ابن الصلاح والذهبي من "المتقدمين" والألباني وابن باز من المتأخرين، ليقارن المؤلف ويفارق بين هذا الموقف وموقف ابن تيمية الذي لطالما اعتبِر رمزًا وعَلَمًا للسلفية؛ فابن تيمية يقرّ باختلاف أقول الفلاسفة وتباينها، وأن هناك فلسفة صحيحة تقتضي اتباع ما جاءت به الرسل. وفي الفصل الرابع يبين المؤلف التطور الفكري الذي مرٌ به ابن تيمية، والنضوج العقلي الذي وصل له.
في الفصل الخامس يتعرض الكاتب لما يسمى "المسألة الأساسية في الفلسفة"، عارضا طرفي الصراع: المادية والمثالية بشقيها الموضوعي والذاتي.. مبينا أن المادة تعني الوجود المعين، المتغير المحسوس، وهي ما تنطلق المادية منه، وأن المثال هو الوعي، أي الأحاسيس والأفكار في ذاتها، وهي ما تنطلق منه المثالية الذاتية والمثالية الموضوعية على التوالي. يشرح المؤلف أن المقصود بالمحسوس هو ما يقبل الحس وإن لم يقع عليه بعد، وهو الشيء الخارجي وليس الانطباع الحسي نفسه. ينبه المؤلف على أن المادية لا تهمل المعارف العقلية بل تعتبرها علوما تختلف نوعيا عمٌا يعلم بالحس، وإن كانت تشترطه. في الفصل السادس يعرض موقف ابن تيمية من تلك المسألة، وكيف أنه كان ماديا في تعامله مع الموجودات. هذا الفصل كان مجملا إجمالا لا يخل، ومع ذلك فصّل لاحقا في الفصل الخامس عشر. ويقف المؤلف في الفصل السابع على العداء الذي قوبلت به المادية، والتشويه الذي افتعلته الفرق المثالية موظفةً الإيمان.
الفصول ٨-١١ تحكي قصةً مهمة: تطور المثالية في اليونان ودخولها الرسمي عن طريق الترجمة إلى العرب، الحدث الذي كانت تنتظره تلك البذرة التي زرعها جهم في نفوس غالب الفرق آنذاك، حيث أصبحت المثالية هي الدين، ومن يبتغ غيرها ديننا فهو في ضلال مبين. يعرض المؤلف عدة مشكلات واجهت التصور المثالي للإله: منها المعضلة الزباء والداهية الدهياء، وتجدد علم ما لا تقوم به الحوادث عندهم. يتحدث الفصل الثاني عشر عن المثالية في اليهودية والنصرانية، ويبين الفصل الثالث عشر أن الإلحاد هو النتيجة المنطقية الأكثر اتساقا مع المثالية.
الفصل الرابع عشر يتحدث عن قصة أخرى لا تقل أهمية: الصراع مع المثالية قبل ابن تيمية. سلّط المؤلف الضوء على البذور المادية عند عدد من كبار الحديث، ليبرز بعدها اسم الدارمي: الفيلسوف الذي التزم المادية ليصارع بها مثالية جهم، والذي سيوصي بكتبه من بعد ذلك ابن تيمية.. في الفصل الذي يليه سيعرض يوسف سمرين موقف ابن تيمية من الوجود والمعرفة بشكل مفصل، وسيرد في الفصلين اللاحقين على أكثر ما يستدل به خصوم المادية: الروح والفطرة. في الفصل الثامن عشر سيوظف المؤلف نظرية ابن تيمية في نقد ما أسماه بالمنهج الميتافيزيقي، وسيدافع عن الموقف التيمي من المجاز وينتقد الديالكتيك، أما في الفصل الأخير فسيستعرض يوسف ما تفرع عن نظرية ابن تيمية من مواضيع.
===
التعليق:
لغة الكتاب سهلة وسلسة، وأسلوب القصص الذي اتبعه المؤلف سيجذب القارئ وسييسر له فهم الأصول الفلسفية التي انطلقت منها كثير من الفرق الإسلامية.
بلغ عدد المراجع التي استخدمها المؤلف فوق الـ ٦٠٠ مرجع، وكان أغلبها مصادر أولية اقتبس منها بشكل منظم ولم يكرر إلا متى دعت إليه الحاجة.
أما كثرة من انتقدهم المؤلف فكان لا بد منه؛ إذ سبقوه فتكلموا فيما تكلم هو به، ونصروا ما كان يخطّئهُ ويعاديه. ولم يمنع ذلك المؤلف من تصحيح من رآه قد وافق الحق ممن سبقه.
إن النتيجة التي وصل إليها المؤلف لم يسبقه إليها أحد، والكتاب خطوة لا بد منها نحو بناء فلسفة إسلامية معاصرة وأصيلة. قراءة الكتاب واجبة على من هو مهتم في هذه المباحث، بغض النظر عن موقفه من النتيجة التي أصّل لها الكاتب.
إن السؤال الذي يطرحه الكتاب -بنظري- هو: أما آن للسلفية أن تأخذ بهذا الحبل الذي حبكه ابن تيمية؟ أم أن السلفية في جوهرها "ذهبية" تعادي الفلسفة، متخبطةً في سيرها لترتمي بعد ذلك في أحضان المثالية، كما هي حال الدعجاني الذي اعتبر طرح ابن تيمية متفقا مع فلسفة كانط؟
[١] صفحة ٥١٤، وهي ضمن الخاتمة.
[٢] استثنيتُ المقدمة والخاتمة وقائمة المصادر والمراجع.
"إلحاد السمنية المعلن حوى في أحشائه نظرية تتفق مع الإيمان السليم، وتحت إيمان الجهم المعلن كان الإلحاد متربعا على عرش نظرياته المثالية." [١]
بهذا النص اختتم المؤلف كتابه الذي يقع في أكثر من ٥٠٠ صفحة، والذي كان لا بد من أن أكتب مراجعة مفصلة عنه.
المحتوى:
قُسِّمَ الكتاب إلى ١٩ فصلا [٢] سطّرت بعناية ورتّبت باهتمام؛ ففي الفصل الأول تكلم المؤلف بإيجاز عن دخول الفلسفات الإغريقية (خاصة الأرسطية) على الفرق الإسلامية المتناحرة آنذاك، وكيف تم توظيفها فكريا في ذاك الصراع.
يعرجُ المؤلف في الفصلين الثاني والثالث إلى الموقف الرافض للفلسفة باعتبارها سبيلا للكفر والضلال، كما هي حال ابن الصلاح والذهبي من "المتقدمين" والألباني وابن باز من المتأخرين، ليقارن المؤلف ويفارق بين هذا الموقف وموقف ابن تيمية الذي لطالما اعتبِر رمزًا وعَلَمًا للسلفية؛ فابن تيمية يقرّ باختلاف أقول الفلاسفة وتباينها، وأن هناك فلسفة صحيحة تقتضي اتباع ما جاءت به الرسل. وفي الفصل الرابع يبين المؤلف التطور الفكري الذي مرٌ به ابن تيمية، والنضوج العقلي الذي وصل له.
في الفصل الخامس يتعرض الكاتب لما يسمى "المسألة الأساسية في الفلسفة"، عارضا طرفي الصراع: المادية والمثالية بشقيها الموضوعي والذاتي.. مبينا أن المادة تعني الوجود المعين، المتغير المحسوس، وهي ما تنطلق المادية منه، وأن المثال هو الوعي، أي الأحاسيس والأفكار في ذاتها، وهي ما تنطلق منه المثالية الذاتية والمثالية الموضوعية على التوالي. يشرح المؤلف أن المقصود بالمحسوس هو ما يقبل الحس وإن لم يقع عليه بعد، وهو الشيء الخارجي وليس الانطباع الحسي نفسه. ينبه المؤلف على أن المادية لا تهمل المعارف العقلية بل تعتبرها علوما تختلف نوعيا عمٌا يعلم بالحس، وإن كانت تشترطه. في الفصل السادس يعرض موقف ابن تيمية من تلك المسألة، وكيف أنه كان ماديا في تعامله مع الموجودات. هذا الفصل كان مجملا إجمالا لا يخل، ومع ذلك فصّل لاحقا في الفصل الخامس عشر. ويقف المؤلف في الفصل السابع على العداء الذي قوبلت به المادية، والتشويه الذي افتعلته الفرق المثالية موظفةً الإيمان.
الفصول ٨-١١ تحكي قصةً مهمة: تطور المثالية في اليونان ودخولها الرسمي عن طريق الترجمة إلى العرب، الحدث الذي كانت تنتظره تلك البذرة التي زرعها جهم في نفوس غالب الفرق آنذاك، حيث أصبحت المثالية هي الدين، ومن يبتغ غيرها ديننا فهو في ضلال مبين. يعرض المؤلف عدة مشكلات واجهت التصور المثالي للإله: منها المعضلة الزباء والداهية الدهياء، وتجدد علم ما لا تقوم به الحوادث عندهم. يتحدث الفصل الثاني عشر عن المثالية في اليهودية والنصرانية، ويبين الفصل الثالث عشر أن الإلحاد هو النتيجة المنطقية الأكثر اتساقا مع المثالية.
الفصل الرابع عشر يتحدث عن قصة أخرى لا تقل أهمية: الصراع مع المثالية قبل ابن تيمية. سلّط المؤلف الضوء على البذور المادية عند عدد من كبار الحديث، ليبرز بعدها اسم الدارمي: الفيلسوف الذي التزم المادية ليصارع بها مثالية جهم، والذي سيوصي بكتبه من بعد ذلك ابن تيمية.. في الفصل الذي يليه سيعرض يوسف سمرين موقف ابن تيمية من الوجود والمعرفة بشكل مفصل، وسيرد في الفصلين اللاحقين على أكثر ما يستدل به خصوم المادية: الروح والفطرة. في الفصل الثامن عشر سيوظف المؤلف نظرية ابن تيمية في نقد ما أسماه بالمنهج الميتافيزيقي، وسيدافع عن الموقف التيمي من المجاز وينتقد الديالكتيك، أما في الفصل الأخير فسيستعرض يوسف ما تفرع عن نظرية ابن تيمية من مواضيع.
===
التعليق:
لغة الكتاب سهلة وسلسة، وأسلوب القصص الذي اتبعه المؤلف سيجذب القارئ وسييسر له فهم الأصول الفلسفية التي انطلقت منها كثير من الفرق الإسلامية.
بلغ عدد المراجع التي استخدمها المؤلف فوق الـ ٦٠٠ مرجع، وكان أغلبها مصادر أولية اقتبس منها بشكل منظم ولم يكرر إلا متى دعت إليه الحاجة.
أما كثرة من انتقدهم المؤلف فكان لا بد منه؛ إذ سبقوه فتكلموا فيما تكلم هو به، ونصروا ما كان يخطّئهُ ويعاديه. ولم يمنع ذلك المؤلف من تصحيح من رآه قد وافق الحق ممن سبقه.
إن النتيجة التي وصل إليها المؤلف لم يسبقه إليها أحد، والكتاب خطوة لا بد منها نحو بناء فلسفة إسلامية معاصرة وأصيلة. قراءة الكتاب واجبة على من هو مهتم في هذه المباحث، بغض النظر عن موقفه من النتيجة التي أصّل لها الكاتب.
إن السؤال الذي يطرحه الكتاب -بنظري- هو: أما آن للسلفية أن تأخذ بهذا الحبل الذي حبكه ابن تيمية؟ أم أن السلفية في جوهرها "ذهبية" تعادي الفلسفة، متخبطةً في سيرها لترتمي بعد ذلك في أحضان المثالية، كما هي حال الدعجاني الذي اعتبر طرح ابن تيمية متفقا مع فلسفة كانط؟
[١] صفحة ٥١٤، وهي ضمن الخاتمة.
[٢] استثنيتُ المقدمة والخاتمة وقائمة المصادر والمراجع.
• لينين: "العقل وظيفة الدماغ".
• ابن تيمية: "مبدأ الفكر والنظر في الدماغ".
• لينين: "إن احساساتنا وادراكنا ليست غير صورة عن العالم الخارجي، وغني عن البيان أن الانعكاس لا يمكن أن يوجد بدون المعكوس في حين أن المعكوس يوجد بصورة مستقلة عن العاكس".
• ابن تيمية: "الحقائق الخارجية مستغنية عنا وليست تابعة لتصوراتنا بل تصوراتنا هي التابعة لها".
• لينين: "إن نشاط الإنسان العملي يفضي إلى تكرار الأشكال المنطقية آلاف الملايين من المرات في الوعي البشري حتى تمتلك هذه الأشكال دلالة البديهيات".
• ابن تيمية: "فكلما كان المعلوم مما يحسه الإنسان ويعقله بديهةً كان أعلم به، لا سيما مع تكرر إحساسه به وعقله له".
#منشور_قديم
• ابن تيمية: "مبدأ الفكر والنظر في الدماغ".
• لينين: "إن احساساتنا وادراكنا ليست غير صورة عن العالم الخارجي، وغني عن البيان أن الانعكاس لا يمكن أن يوجد بدون المعكوس في حين أن المعكوس يوجد بصورة مستقلة عن العاكس".
• ابن تيمية: "الحقائق الخارجية مستغنية عنا وليست تابعة لتصوراتنا بل تصوراتنا هي التابعة لها".
• لينين: "إن نشاط الإنسان العملي يفضي إلى تكرار الأشكال المنطقية آلاف الملايين من المرات في الوعي البشري حتى تمتلك هذه الأشكال دلالة البديهيات".
• ابن تيمية: "فكلما كان المعلوم مما يحسه الإنسان ويعقله بديهةً كان أعلم به، لا سيما مع تكرر إحساسه به وعقله له".
#منشور_قديم
قرأت نقدًا على كتاب «نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» تحت عنوان «التعليق الودود على كتاب نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» يقع في ١٩ صفحة. يمكن أن تختصر أوجه النقد في ٣ نقاط:
١. الفطرة والفلسفة: يقول الناقد أن إنكار المادية قول المثاليين بوجود ما لا يقبل الحس إنما هو راجع في الحقيقة لموافقتهم الفطرة لا لأصلهم المادي.
النقد: هذا خلط بين الفطرة والفلسفة، فالفلسفة بناءٌ فكريٌ عام ينطلق من الفطرة أو ينقطع عنها. وقد يتفق بناءان في موقفهما من الفطرة ويختلفان اختلافا جذريا: فالماديون مثلا يساوون بين الفطرة والواقعية الساذجة ومن ثم يبنون عليها (مثل لينين)، وقد انطلق باركلي من الفطرة «الحس المشترك» وزعم أن فلسفته موافقة لها كما في أطروحته عن مبادئ المعرفة الإنسانية. إذًا، الفطرة -مثل الحس- توظفها فلسفات مختلفة، وكما وظف الحس في المادية (قابلية الحس) والمثالية الذاتية (آنية الحس)، فيمكن توظيف الفطرة في فلسفات متناقضة.
===
٢. رفض الماديين [الماركسيين] الاعتراف بمادية المؤمنين: فعنده المادية تستلزم ضرورةً الإلحاد، ولا يمكن أن يوفق المرء بين المادية والإيمان باتساق.
النقد:
الوجه الأول: لا أعلم أي الماديين يقصد، فماركس نفسه في «نقد النقد النقدي» المعروف بـ «العائلة المقدسة» نسب تأسيس المادية الإنجليزية إلى فرانسيس بيكون (المسيحي)، قبل أن يطورها توماس هوبز. وسترى الماركسيين ينسبون إلى المادية بعض من قال بوحدة الوجود: كهيراقليط واسبينوزا (مع أنهم لم ينسبوا هيجل إليها، وهنا إشارة إلى أن المادية لا تعارض مطلق الإيمان). بل نسب ماركس تخليص مادية بيكون من اللاهوت إلى جوزيف بريستلي، العالم الكيميائي والفيلسوف المادي والمسيحي الموحد!
الوجه الثاني: على فرض أن الماديين لا يعتبرون المؤمن الذي وافق أصلهم منهم، فما لنا ولهم؟ أيحسب الناقد أن المادية دين لها شريعة ونبي؟ أم أنه توجه فلسفي له أصول تاريخية يوافقها المادي ويخالف بعضها أو كلها المثالي؟ خذ الماركسية مثالا، فهي أخذت المادية عن فويرباخ والديالكتيك عن هيجل، مع أن الأول يخالف الديالكتيك فيعتبره لاهوتا مسيحيا، والثاني يخالف المادية إذ إنها تعارض أصوله. أينفي اختلاف كل من فويرباخ وهيجل مع الماركسيين ماديتهم وديالكتيكهم؟ هل مخالفة ماركس لفويرباخ يجعله مثاليا؟ ما هكذا تصنف الفلسفات.
===
٢. الإلحاد في المادية فعل لا ردة فعل: يعترض الناقد على توصيف سمرين العلاقة بين المادية والإلحاد، فيرى أن الإلحاد لازم من لوازم المادية بمعزل عن التصور المثالي للإله.
النقد: استشهد الناقد بنقولات عن الماركسيين ليبرر موقفه هذا، ويظهر هذا أن الرجل لا يمتلك نظرة تاريخية لتطور الفلسفات؛ فلو أنه استحضر، كما قلنا، أن مادية الماركسيين مستفادة من فويرباخ، وأن فويرباخ كان قبل اعتناقه للمادية هيجليا مؤمنا، لعلم أن الإلحاد في ماديته ما هو إلا ردة فعل على التصور المثالي للإله، ودفع له إلى آخر نتائجه المنطقية.
لننظر الآن إلى السياق الأعم، ألم تسيطر الكنيسة بفلسفتها التوماوية المثالية على أوروبا في العصور الوسطى؟ ألم يتعطل البحث العلمي بسبب هذه الفلسفة وتسترها خلف الإله؟ ألم تحدث الثورة العلمية مع صعود الفلسفات المادية في عصر التنوير؟ ثم يقال أن المادية لم تكن ردة فعل! حقا، إنه لمن القبيح الخوض فيما لا يجيده المرء.
باختصار، لم يستطع الناقد أن يفند مقدمة واحدة من المقدمات التي بنى عليها خصمه طرحه، ولم يستحضر التطور التاريخي للأفكار على الوجه الصحيح، ولعل سبب امتعاض الكثير من الكتاب هو لفظ «المادية». فإن كان هذا هو الحال، إن كان مبرر الخلاف هو اللفظ والاصطلاح، فلعل الألفاظ مثل «الشيئية» و«التعيينية» و«الجسمية العامة» التي أطلقها الفيلسوف البولندي تادوش كوتاربينسكي على فلسفته المادية تخفف عمّن يختبئ من بعبع الألفاظ.
١. الفطرة والفلسفة: يقول الناقد أن إنكار المادية قول المثاليين بوجود ما لا يقبل الحس إنما هو راجع في الحقيقة لموافقتهم الفطرة لا لأصلهم المادي.
النقد: هذا خلط بين الفطرة والفلسفة، فالفلسفة بناءٌ فكريٌ عام ينطلق من الفطرة أو ينقطع عنها. وقد يتفق بناءان في موقفهما من الفطرة ويختلفان اختلافا جذريا: فالماديون مثلا يساوون بين الفطرة والواقعية الساذجة ومن ثم يبنون عليها (مثل لينين)، وقد انطلق باركلي من الفطرة «الحس المشترك» وزعم أن فلسفته موافقة لها كما في أطروحته عن مبادئ المعرفة الإنسانية. إذًا، الفطرة -مثل الحس- توظفها فلسفات مختلفة، وكما وظف الحس في المادية (قابلية الحس) والمثالية الذاتية (آنية الحس)، فيمكن توظيف الفطرة في فلسفات متناقضة.
===
٢. رفض الماديين [الماركسيين] الاعتراف بمادية المؤمنين: فعنده المادية تستلزم ضرورةً الإلحاد، ولا يمكن أن يوفق المرء بين المادية والإيمان باتساق.
النقد:
الوجه الأول: لا أعلم أي الماديين يقصد، فماركس نفسه في «نقد النقد النقدي» المعروف بـ «العائلة المقدسة» نسب تأسيس المادية الإنجليزية إلى فرانسيس بيكون (المسيحي)، قبل أن يطورها توماس هوبز. وسترى الماركسيين ينسبون إلى المادية بعض من قال بوحدة الوجود: كهيراقليط واسبينوزا (مع أنهم لم ينسبوا هيجل إليها، وهنا إشارة إلى أن المادية لا تعارض مطلق الإيمان). بل نسب ماركس تخليص مادية بيكون من اللاهوت إلى جوزيف بريستلي، العالم الكيميائي والفيلسوف المادي والمسيحي الموحد!
الوجه الثاني: على فرض أن الماديين لا يعتبرون المؤمن الذي وافق أصلهم منهم، فما لنا ولهم؟ أيحسب الناقد أن المادية دين لها شريعة ونبي؟ أم أنه توجه فلسفي له أصول تاريخية يوافقها المادي ويخالف بعضها أو كلها المثالي؟ خذ الماركسية مثالا، فهي أخذت المادية عن فويرباخ والديالكتيك عن هيجل، مع أن الأول يخالف الديالكتيك فيعتبره لاهوتا مسيحيا، والثاني يخالف المادية إذ إنها تعارض أصوله. أينفي اختلاف كل من فويرباخ وهيجل مع الماركسيين ماديتهم وديالكتيكهم؟ هل مخالفة ماركس لفويرباخ يجعله مثاليا؟ ما هكذا تصنف الفلسفات.
===
٢. الإلحاد في المادية فعل لا ردة فعل: يعترض الناقد على توصيف سمرين العلاقة بين المادية والإلحاد، فيرى أن الإلحاد لازم من لوازم المادية بمعزل عن التصور المثالي للإله.
النقد: استشهد الناقد بنقولات عن الماركسيين ليبرر موقفه هذا، ويظهر هذا أن الرجل لا يمتلك نظرة تاريخية لتطور الفلسفات؛ فلو أنه استحضر، كما قلنا، أن مادية الماركسيين مستفادة من فويرباخ، وأن فويرباخ كان قبل اعتناقه للمادية هيجليا مؤمنا، لعلم أن الإلحاد في ماديته ما هو إلا ردة فعل على التصور المثالي للإله، ودفع له إلى آخر نتائجه المنطقية.
لننظر الآن إلى السياق الأعم، ألم تسيطر الكنيسة بفلسفتها التوماوية المثالية على أوروبا في العصور الوسطى؟ ألم يتعطل البحث العلمي بسبب هذه الفلسفة وتسترها خلف الإله؟ ألم تحدث الثورة العلمية مع صعود الفلسفات المادية في عصر التنوير؟ ثم يقال أن المادية لم تكن ردة فعل! حقا، إنه لمن القبيح الخوض فيما لا يجيده المرء.
باختصار، لم يستطع الناقد أن يفند مقدمة واحدة من المقدمات التي بنى عليها خصمه طرحه، ولم يستحضر التطور التاريخي للأفكار على الوجه الصحيح، ولعل سبب امتعاض الكثير من الكتاب هو لفظ «المادية». فإن كان هذا هو الحال، إن كان مبرر الخلاف هو اللفظ والاصطلاح، فلعل الألفاظ مثل «الشيئية» و«التعيينية» و«الجسمية العامة» التي أطلقها الفيلسوف البولندي تادوش كوتاربينسكي على فلسفته المادية تخفف عمّن يختبئ من بعبع الألفاظ.
على هامش الهامش
قد رد صاحب «التعليق الودود على كتاب نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» على نقدي الذي نشر أمس، سأذكر أوجه تعقيبه وأرد عليها:
١. الفطرة: ينقل الرجل عن كتاب يوسف سمرين أن المثاليين "استحضروا فطرة جديدة" و"إمكانية حصول تحريف للفطرة ؛ لأنها غير معصومة من ذلك"، "لا يلغي حجيتها".
الرد: أنا متفق مع المعقب، غير أني لم أقل ذلك بتاتا. بل قلت أن الفطرة توظف في بناء فلسفات متناقضة كما الحس، ولا يعني ذلك أن الحس لا حجية له باعتباره مصدرا للمعرفة، الأمر ينسحب على الفطرة. ولكي نحقق "أن الفطرة في صف أحد الفريقين دون الآخر ، وأن هناك فطرة صحيحة وفطرة مصطنعة" لا بد من فلسفة تدرس هذه الفطرة. باختصار، الفطرة ليست بديلا عن الفلسفة، وتسمية مقولة ابن تيمية بالضرورية البديهية والفطرية ليست إجابةً عن السؤال، بل هروبًا منه.
===
٢. المادية إلحادية: يعيد الناقد ما قاله في مراجعته من أن الإلحاد داخل في ماهية المادية، أما من حاول الجمع بين المادية والإيمان فـ"قد يكون للرجل انتماء إلى مذهب ما ، ولا يحقق هذا المذهب تحقيقا تاما ؛ لتلفيقه بينه وبين قضايا يثبتها من خارج هذا المذهب". يستشهد بالموسوعة الماركسية، مرة ببيير غاسيندي ومرة بفرانسيس بيكون.
الرد: عدا عن جعله الماركسيين هم الحكم على المادية، وهو ما سأتعرض له لاحقا، فالرجل لم يستوعب استشهادي بهؤلاء. أما بيكون فقد قلتُ أن هوبز طور ماديته وأكملها، وأن بريستلي قد ساهم بتخليص مادية هوبز من اللاهوت، ومع ذلك فالماركسيون قد اعتبروه ماديا، وهو ما حدث مع غاسيندي، فاعتبروه ماديا مع أن تصوره للإله كان مثاليا تابعا لتصور الكنيسة (وليس مجرد إثبات الإله والخلق هو من جعله مثاليا كما حاول الرجل تصوير المدخل). دعنا نستخدم نفس المصدر، ماذا قال السوفييت عن هيراقليط (ص ٥٥٨)؟ قالوا إنه مادي. ماذا عن سبينوزا (ص ٢٤٢-٢٤٣)؟ قالوا إنه مادي وإن كان ميتافيزيقيا. طيب ماذا قالوا بريستلي الذي لم يقل بوحدة الوجود وكان موحدا متدينا (ص ٨٤)؟ قالوا إنه مادي! طبعا، هذا عدا عن الربوبيين الذين أقر الماركسيون ماديتهم. لا وزن لهؤلاء عند الناقد، لأنهم لم يكونوا ملحدين.
===
٣- الماركسية مرحلة: يتفق معي في أن المادية "توجه فلسفي له أصول تاريخية"* ليصادر بعدها على المطلوب، ويقول أن المادية مذهب إلحادي، فيظن أنه بتكرار المطلوب مرارا سيسلم له به، وسنؤمن بما يقوله! ليذهب بعدها إلى نقد الماركسيين على فويرباخ، وأن ماديته قاصرة. فهل فويرباخ مثالي لأن الماركسيين انتقدوه؟ وهل الماركسية فلسفة مثالية لأن ماريو بونخي انتقدها؟ إن كان الجواب لا، فالتطوير الفلسفي للمادية لا "يلغي وجود قدر مشترك بين جميع الماديين"، إذًا، فعلى الباحث المنصف أن ينظر في هذا القدر المشترك، ولا يقصي مسبقا المؤمنين بالله من هذا البحث ليثبت نتيجة يحلم أن يثبتها. وعلى الباحث أن ينظر إلى الماركسية على أنها مرحلة من مراحل تطور الفلسفة المادية، لا أن يجعلها الحكم على كل الفلسفات المادية السابقة واللاحقة.
===
٤. أمور متفرقة: اعترض الرجل على "الإلحاد في المادية فعل لا ردة فعل" تصويرا لموقفه، فـ "التأثير المثالي ثابت وصحيح ، لكنه لا يكفي للتعليل"، وكأنه لم يكمل قراءة التوصيف "الإلحاد لازم من لوازم المادية بمعزل عن التصور المثالي للإله". وبما أن المثالية ليست علة تامة لظهور الإلحاد المادي، إذًا سبب إلحاد الماديين داخلي وإلا لألحد الجميع!
يقول أن "دعوى أن مادية الماركسية مأخوذة حصرا من مادية فيورباخ أو اللف على هذا المعنى إزراء بالماركسية عجيب"، وهي دعوى لم يدعيها أحد! بل هو نفسه قد قال أن من "الطبيعي أن يكون احتكاك الأخيرين قويا بفلسفة فيورباخ المعاصر لزمنهم ووطنهم أكثر من بقية الماديين السابقين عليه". أما رسالة ماركس الجامعية عن فلسفة الطبيعة عند ديمقريطس وأبيقور فقد كتبها وهو مثالي، يعلم ذلك من قرأ مقدمتها، ولا يعني هذا ألا تأثير لها عليه، ولكن التأثير الأكبر يرجع لفويرباخ كما هو معروف. لنرى ما يقوله إنجلز: "كذلك حسبت أن علينا دين شرف لم نوفه، هو الاعتراف الكامل بالتأثير الذي أثره فينا فويرباخ في مرحلتنا، مرحلة الزوبعة والهجمة، أكثر من أي فيلسوف آخر بعد هيجل" (لودفيغ فويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، دار روافد للنشر والتوزيع، ص ٨)، ويقول أيضا: "وفي ذلك الوقت ظهر مؤلف فويرباخ «جوهر المسيحية»، فسحق بضربة واحدة هذا التناقض، معلنا من جديد وبكل صراحة، انتصار المادية... جميعا، غدونا، بلحظة، من أنصار فويرباخ. ويمكن للمرء أن يتصور، بعد قراءة «العائلة المقدسة»، بأي حماسة رحب ماركس بالمفهوم الجديد، وإلى أي درجة -رغم كل اللحظات النقدية- قد تأثر به". (المرجع نفسه، ص ٢٥-٢٦).
يستشهد أخيرًا بنقل عن السوفييت بخصوص فلسفة ديموقريطوس، ويستخلص منه عدة فوائد:
• «اعتماد الماركسيين للفلسفة المادية السابقة على فيورباخ ، وذلك من بدايتها في اليونان ، لا بمع
قد رد صاحب «التعليق الودود على كتاب نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» على نقدي الذي نشر أمس، سأذكر أوجه تعقيبه وأرد عليها:
١. الفطرة: ينقل الرجل عن كتاب يوسف سمرين أن المثاليين "استحضروا فطرة جديدة" و"إمكانية حصول تحريف للفطرة ؛ لأنها غير معصومة من ذلك"، "لا يلغي حجيتها".
الرد: أنا متفق مع المعقب، غير أني لم أقل ذلك بتاتا. بل قلت أن الفطرة توظف في بناء فلسفات متناقضة كما الحس، ولا يعني ذلك أن الحس لا حجية له باعتباره مصدرا للمعرفة، الأمر ينسحب على الفطرة. ولكي نحقق "أن الفطرة في صف أحد الفريقين دون الآخر ، وأن هناك فطرة صحيحة وفطرة مصطنعة" لا بد من فلسفة تدرس هذه الفطرة. باختصار، الفطرة ليست بديلا عن الفلسفة، وتسمية مقولة ابن تيمية بالضرورية البديهية والفطرية ليست إجابةً عن السؤال، بل هروبًا منه.
===
٢. المادية إلحادية: يعيد الناقد ما قاله في مراجعته من أن الإلحاد داخل في ماهية المادية، أما من حاول الجمع بين المادية والإيمان فـ"قد يكون للرجل انتماء إلى مذهب ما ، ولا يحقق هذا المذهب تحقيقا تاما ؛ لتلفيقه بينه وبين قضايا يثبتها من خارج هذا المذهب". يستشهد بالموسوعة الماركسية، مرة ببيير غاسيندي ومرة بفرانسيس بيكون.
الرد: عدا عن جعله الماركسيين هم الحكم على المادية، وهو ما سأتعرض له لاحقا، فالرجل لم يستوعب استشهادي بهؤلاء. أما بيكون فقد قلتُ أن هوبز طور ماديته وأكملها، وأن بريستلي قد ساهم بتخليص مادية هوبز من اللاهوت، ومع ذلك فالماركسيون قد اعتبروه ماديا، وهو ما حدث مع غاسيندي، فاعتبروه ماديا مع أن تصوره للإله كان مثاليا تابعا لتصور الكنيسة (وليس مجرد إثبات الإله والخلق هو من جعله مثاليا كما حاول الرجل تصوير المدخل). دعنا نستخدم نفس المصدر، ماذا قال السوفييت عن هيراقليط (ص ٥٥٨)؟ قالوا إنه مادي. ماذا عن سبينوزا (ص ٢٤٢-٢٤٣)؟ قالوا إنه مادي وإن كان ميتافيزيقيا. طيب ماذا قالوا بريستلي الذي لم يقل بوحدة الوجود وكان موحدا متدينا (ص ٨٤)؟ قالوا إنه مادي! طبعا، هذا عدا عن الربوبيين الذين أقر الماركسيون ماديتهم. لا وزن لهؤلاء عند الناقد، لأنهم لم يكونوا ملحدين.
===
٣- الماركسية مرحلة: يتفق معي في أن المادية "توجه فلسفي له أصول تاريخية"* ليصادر بعدها على المطلوب، ويقول أن المادية مذهب إلحادي، فيظن أنه بتكرار المطلوب مرارا سيسلم له به، وسنؤمن بما يقوله! ليذهب بعدها إلى نقد الماركسيين على فويرباخ، وأن ماديته قاصرة. فهل فويرباخ مثالي لأن الماركسيين انتقدوه؟ وهل الماركسية فلسفة مثالية لأن ماريو بونخي انتقدها؟ إن كان الجواب لا، فالتطوير الفلسفي للمادية لا "يلغي وجود قدر مشترك بين جميع الماديين"، إذًا، فعلى الباحث المنصف أن ينظر في هذا القدر المشترك، ولا يقصي مسبقا المؤمنين بالله من هذا البحث ليثبت نتيجة يحلم أن يثبتها. وعلى الباحث أن ينظر إلى الماركسية على أنها مرحلة من مراحل تطور الفلسفة المادية، لا أن يجعلها الحكم على كل الفلسفات المادية السابقة واللاحقة.
===
٤. أمور متفرقة: اعترض الرجل على "الإلحاد في المادية فعل لا ردة فعل" تصويرا لموقفه، فـ "التأثير المثالي ثابت وصحيح ، لكنه لا يكفي للتعليل"، وكأنه لم يكمل قراءة التوصيف "الإلحاد لازم من لوازم المادية بمعزل عن التصور المثالي للإله". وبما أن المثالية ليست علة تامة لظهور الإلحاد المادي، إذًا سبب إلحاد الماديين داخلي وإلا لألحد الجميع!
يقول أن "دعوى أن مادية الماركسية مأخوذة حصرا من مادية فيورباخ أو اللف على هذا المعنى إزراء بالماركسية عجيب"، وهي دعوى لم يدعيها أحد! بل هو نفسه قد قال أن من "الطبيعي أن يكون احتكاك الأخيرين قويا بفلسفة فيورباخ المعاصر لزمنهم ووطنهم أكثر من بقية الماديين السابقين عليه". أما رسالة ماركس الجامعية عن فلسفة الطبيعة عند ديمقريطس وأبيقور فقد كتبها وهو مثالي، يعلم ذلك من قرأ مقدمتها، ولا يعني هذا ألا تأثير لها عليه، ولكن التأثير الأكبر يرجع لفويرباخ كما هو معروف. لنرى ما يقوله إنجلز: "كذلك حسبت أن علينا دين شرف لم نوفه، هو الاعتراف الكامل بالتأثير الذي أثره فينا فويرباخ في مرحلتنا، مرحلة الزوبعة والهجمة، أكثر من أي فيلسوف آخر بعد هيجل" (لودفيغ فويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، دار روافد للنشر والتوزيع، ص ٨)، ويقول أيضا: "وفي ذلك الوقت ظهر مؤلف فويرباخ «جوهر المسيحية»، فسحق بضربة واحدة هذا التناقض، معلنا من جديد وبكل صراحة، انتصار المادية... جميعا، غدونا، بلحظة، من أنصار فويرباخ. ويمكن للمرء أن يتصور، بعد قراءة «العائلة المقدسة»، بأي حماسة رحب ماركس بالمفهوم الجديد، وإلى أي درجة -رغم كل اللحظات النقدية- قد تأثر به". (المرجع نفسه، ص ٢٥-٢٦).
يستشهد أخيرًا بنقل عن السوفييت بخصوص فلسفة ديموقريطوس، ويستخلص منه عدة فوائد:
• «اعتماد الماركسيين للفلسفة المادية السابقة على فيورباخ ، وذلك من بدايتها في اليونان ، لا بمع
نى أنهم لا ينقدونها بشيء ، بل بمعنى الاعتبار المدرسي»، وهو صحيح، ولا ينفي هذا الدور المركزي الذي لعبته مادية فويرباخ في بناء الفلسفة الماركسية.
• «أن هذه الفلسفة المادية تؤخذ عندهم برمتها دون تجزئة ، أي فلسفة وعلما معا» وهذا هذيان، إذ أن ديموقريطوس كان مؤمنا بالأرض المسطحة، فهل هذا جزء من الفلسفة المادية؟ وهل أخذها عنه السوفييت؟ ثم في النقل نفسه "وفي مذهب ديمقريطس تجلت الرابطة العميقة التي تجمع بين الفلسفة المادية وبين العلوم الطبيعية"، فالربط يكون في مبحثين مستقلين، والمادية كفلسفة تبحث في الوجود والمعرفة لها ارتباط وثيق بالعلوم، لكنها ليست علما.
• «أن المثاليين هم كذلك كانوا يقومون في المقابل بمجابهة المادية السابقة عليهم ، وأي مادية هنا ؟ مادية ديمقريطس اليونانية التي سبقتهم بقرون طوال !» وهنا الرد عليه من وجهين: الأول أن المبحث أخص، وهو طروء الإلحاد في المادية لا المادية نفسها. والوجه الثاني (على سبيل التنزل) هو عدم أمانة الناقد في النقل، ففي مقدمة المدخل يذكر السوفييت أن المذهب الذري كان ردا على حجة بارمنيدس وزينون المثالية في نفي الحركة.
مرة أخرى، لا جديد تحت الشمس.
* بيد أنه يرى التوصيف ناقصا، فالمادية عنده توجه فلسفي علمي، ولا أدري ما الذي يقصده بالعلمية هنا. أيقصد أن المادية أقرب لروح العلوم إذ إنها تجعل الموجودات تقبل الحس وبالتالي الدراسة؟ نعم، هي كذلك. أم يقصد أن المادة مصطلح علمي في الأساس؟ وهو غير صحيح، وكنت قد طلبت منه توصيفا للمادة متفقا عليه في المجامع العلمية فلم يأتِ به. العلوم تدرس أصنافا معينة من المادة، لكن المادة ككل مصطلح فلسفي، وبالتالي المادية هي توجه فلسفي في المقام الأول.
• «أن هذه الفلسفة المادية تؤخذ عندهم برمتها دون تجزئة ، أي فلسفة وعلما معا» وهذا هذيان، إذ أن ديموقريطوس كان مؤمنا بالأرض المسطحة، فهل هذا جزء من الفلسفة المادية؟ وهل أخذها عنه السوفييت؟ ثم في النقل نفسه "وفي مذهب ديمقريطس تجلت الرابطة العميقة التي تجمع بين الفلسفة المادية وبين العلوم الطبيعية"، فالربط يكون في مبحثين مستقلين، والمادية كفلسفة تبحث في الوجود والمعرفة لها ارتباط وثيق بالعلوم، لكنها ليست علما.
• «أن المثاليين هم كذلك كانوا يقومون في المقابل بمجابهة المادية السابقة عليهم ، وأي مادية هنا ؟ مادية ديمقريطس اليونانية التي سبقتهم بقرون طوال !» وهنا الرد عليه من وجهين: الأول أن المبحث أخص، وهو طروء الإلحاد في المادية لا المادية نفسها. والوجه الثاني (على سبيل التنزل) هو عدم أمانة الناقد في النقل، ففي مقدمة المدخل يذكر السوفييت أن المذهب الذري كان ردا على حجة بارمنيدس وزينون المثالية في نفي الحركة.
مرة أخرى، لا جديد تحت الشمس.
* بيد أنه يرى التوصيف ناقصا، فالمادية عنده توجه فلسفي علمي، ولا أدري ما الذي يقصده بالعلمية هنا. أيقصد أن المادية أقرب لروح العلوم إذ إنها تجعل الموجودات تقبل الحس وبالتالي الدراسة؟ نعم، هي كذلك. أم يقصد أن المادة مصطلح علمي في الأساس؟ وهو غير صحيح، وكنت قد طلبت منه توصيفا للمادة متفقا عليه في المجامع العلمية فلم يأتِ به. العلوم تدرس أصنافا معينة من المادة، لكن المادة ككل مصطلح فلسفي، وبالتالي المادية هي توجه فلسفي في المقام الأول.
هذا هو سد ذي القرنين الذي ظهر في نشرة «القناة التاسعة» عند استضافتها لـ«زغلول النجار»*، والذي تحدث عن اكتشاف هذا السد والعين الحمئة ومطلع الشمس ومغربها. هذه الصورة التي "التقطها العلماء" هي في الحقيقة لمشروع منتجع جبل جيس في رأس الخيمة - الإمارات.
وصّل سلامي للعلماء.
* العلّامة المعروف المتبحر في علوم الأرض والسماء!
وصّل سلامي للعلماء.
* العلّامة المعروف المتبحر في علوم الأرض والسماء!
المادية والمسيحية التوحيدية...
من مساوئ منصات التواصل الاجتماعي هو أنها تفتح مجالًا لكل من العالم والجاهل للتكلم فيما يريد. وإذا ما احتد النقاش بينهما -أي بين العالم والجاهل- في مسألة من المسائل فإن الغلبة لا تكون للأوفر عقلا والأدمغ حجة -كما قد يتوقع الكثير- بل تكون للأكثر شعبية والأغزر متابعة.
إن هذا المنشور يتعرض صراحة إلى أولئك المهتمين بالرد على الإلحاد، الذي كان جلّ ما يصنعون في كفاحهم المزري هو ترجمة ما يقرره علماء اللاهوت؛ يأخذون عنهم الغثّ والسمين -وهو قليل- بلا تمحيص، ولولا حلم الله عليهم لاتخذوا عقيدة من التثليث!
يزعمون بجهل أن المادية والإلحاد شيء واحد، وقد قيل لهم مرارا أن من الفلاسفة من كان مثاليا وهو في الوقت نفسه جاحد. فكيف إذا عرفوا أن المادية كانت البذرة التي بعثت منها المسيحية التوحيدية بعد أن تسلطت عليها الكنيسة؟ أتراهم يراجعون مواقفهم أم أن قلوبهم قد أشربت المثالية؟
جوزيف بريستلي Joseph Priestley عالم طبيعي وفيلسوف و"لاهوتي"... إسهاماته في العلوم الطبيعية غزيرة جدًا: كان أول من اكتشف خصائص الأكسجين وأول من تعرف على ثاني أكسيد الكربون وأول من اخترع السوائل المكربنة (المشروبات الغازية) وأول من تعرف على العمليات الأساسية في البناء الضوئي... ما لا يعرفه الكثير هو أنه كان ماديًّا وأنه بماديته أحيا المسيحية التوحيدية. فما قصة الرجل؟
باختصار، بريستلي كان ثوريا منذ البداية: أنكر وجود الحرية التي تعارض الحتمية (الـ Libertarianism التي تثبت الإرادة الحرة على حساب الحتمية)، واعتنق المادية بحذر وتروي. أما ما جعله يلتزم المادية بشكل جذري هو رحلته في أرجاء أوروبا والتي اشتملت على إقامة في باريس. هناك التقى بالماديين الفرنسيين -الذين كانوا ملحدين-، أهمهم كان بارون دولباخ Baron d'Holbach الذي زاره بريستلي مع صديق السفر اللورد شيلبيرن Lord Shelburne. مع أن بريستلي كان متعاطفا مع كثير من الآراء الفلسفية التي قابلها، إلا أنه اعتبر النظرة المناهضة للمسيحية غير منصفة لأنها لم تستطع أن ترى الجوهر الحقيقي للمسيحية، الجوهر الذي شوهته الكنيسة. هنا بريستلي -على عكس أصحابنا الذين لا يعرفون شيئا من التدقيق والتمحيص- عالج المعضلة بموضوعية وتوصل إلى أن "إن تعزيز المنفعة الحقيقية للمسيحية بهدم العمادات الضعيفة والمتعفنة لا يقل أهمية عن تزويدها -أي المسيحية- بعمادات أصلب وأمتن".
إن مادية بريستلي جعلته يقرر بكل صراحة أن المسيح ما هو إلا رجل مثلنا؛ فالمادية تعارض جوهر التثليث. أما عن طبيعة الله، فيقول أننا لا نعرف ذات الله فلا نستطيع أن نقيس ذواتنا عليها، فإن كان نفي المادية عن الله يقصد به نفي كيفياتنا المادية فلا يرى بريستلي مانعا. أما إذا كان يقصد منها نفي أي قدر مشترك مادي بين ذاته وذواتنا فهذا مما عارضه بريستلي؛ فالإله غير المادي لا يقدر على التأثير في خلقه. كأن بريستلي يقول للرادين على الإلحاد: نفي المادية عن الله يقتضي أن يكون مجرد فكرة!
إن هذا العرض المختصر والمجحف بحق جوزيف بريستلي يجيب عن التساؤل: هل المادية تنفي الإله؟ والجواب: إن كان إلهك مثاليا لا يحس ولا يشار له، فالجواب نعم. أما إن كان تصورك للإله مادي مثبتا فيه صفات العظمة والجلال له، فلا أرى أي موقف فلسفي بإمكانه الدفاع عن هذا التصور غير المادية..
#إعادة_نشر
من مساوئ منصات التواصل الاجتماعي هو أنها تفتح مجالًا لكل من العالم والجاهل للتكلم فيما يريد. وإذا ما احتد النقاش بينهما -أي بين العالم والجاهل- في مسألة من المسائل فإن الغلبة لا تكون للأوفر عقلا والأدمغ حجة -كما قد يتوقع الكثير- بل تكون للأكثر شعبية والأغزر متابعة.
إن هذا المنشور يتعرض صراحة إلى أولئك المهتمين بالرد على الإلحاد، الذي كان جلّ ما يصنعون في كفاحهم المزري هو ترجمة ما يقرره علماء اللاهوت؛ يأخذون عنهم الغثّ والسمين -وهو قليل- بلا تمحيص، ولولا حلم الله عليهم لاتخذوا عقيدة من التثليث!
يزعمون بجهل أن المادية والإلحاد شيء واحد، وقد قيل لهم مرارا أن من الفلاسفة من كان مثاليا وهو في الوقت نفسه جاحد. فكيف إذا عرفوا أن المادية كانت البذرة التي بعثت منها المسيحية التوحيدية بعد أن تسلطت عليها الكنيسة؟ أتراهم يراجعون مواقفهم أم أن قلوبهم قد أشربت المثالية؟
جوزيف بريستلي Joseph Priestley عالم طبيعي وفيلسوف و"لاهوتي"... إسهاماته في العلوم الطبيعية غزيرة جدًا: كان أول من اكتشف خصائص الأكسجين وأول من تعرف على ثاني أكسيد الكربون وأول من اخترع السوائل المكربنة (المشروبات الغازية) وأول من تعرف على العمليات الأساسية في البناء الضوئي... ما لا يعرفه الكثير هو أنه كان ماديًّا وأنه بماديته أحيا المسيحية التوحيدية. فما قصة الرجل؟
باختصار، بريستلي كان ثوريا منذ البداية: أنكر وجود الحرية التي تعارض الحتمية (الـ Libertarianism التي تثبت الإرادة الحرة على حساب الحتمية)، واعتنق المادية بحذر وتروي. أما ما جعله يلتزم المادية بشكل جذري هو رحلته في أرجاء أوروبا والتي اشتملت على إقامة في باريس. هناك التقى بالماديين الفرنسيين -الذين كانوا ملحدين-، أهمهم كان بارون دولباخ Baron d'Holbach الذي زاره بريستلي مع صديق السفر اللورد شيلبيرن Lord Shelburne. مع أن بريستلي كان متعاطفا مع كثير من الآراء الفلسفية التي قابلها، إلا أنه اعتبر النظرة المناهضة للمسيحية غير منصفة لأنها لم تستطع أن ترى الجوهر الحقيقي للمسيحية، الجوهر الذي شوهته الكنيسة. هنا بريستلي -على عكس أصحابنا الذين لا يعرفون شيئا من التدقيق والتمحيص- عالج المعضلة بموضوعية وتوصل إلى أن "إن تعزيز المنفعة الحقيقية للمسيحية بهدم العمادات الضعيفة والمتعفنة لا يقل أهمية عن تزويدها -أي المسيحية- بعمادات أصلب وأمتن".
إن مادية بريستلي جعلته يقرر بكل صراحة أن المسيح ما هو إلا رجل مثلنا؛ فالمادية تعارض جوهر التثليث. أما عن طبيعة الله، فيقول أننا لا نعرف ذات الله فلا نستطيع أن نقيس ذواتنا عليها، فإن كان نفي المادية عن الله يقصد به نفي كيفياتنا المادية فلا يرى بريستلي مانعا. أما إذا كان يقصد منها نفي أي قدر مشترك مادي بين ذاته وذواتنا فهذا مما عارضه بريستلي؛ فالإله غير المادي لا يقدر على التأثير في خلقه. كأن بريستلي يقول للرادين على الإلحاد: نفي المادية عن الله يقتضي أن يكون مجرد فكرة!
إن هذا العرض المختصر والمجحف بحق جوزيف بريستلي يجيب عن التساؤل: هل المادية تنفي الإله؟ والجواب: إن كان إلهك مثاليا لا يحس ولا يشار له، فالجواب نعم. أما إن كان تصورك للإله مادي مثبتا فيه صفات العظمة والجلال له، فلا أرى أي موقف فلسفي بإمكانه الدفاع عن هذا التصور غير المادية..
#إعادة_نشر
Forwarded from يوسف سمرين
"يسير الناس في النهاية إلى أقدارهم التي رسمها الله عز وجل سبحانه وتعالى، ولكنهم مع ذلك يسيرون إليها طواعية من دون أن يجبرهم أحد!
ولكن كيف ذلك؟
كيف أن الله اختار لهم سلفًا مصيرًا هم سائرون إليه، ثم مع ذلك هم اختاروا بإرادتهم الحرة هذا المصير؟!
كيف لم يحدث ولو مرة واحدة ولو على سبيل الخطأ، ولو على سبيل الاستثناء أن يكون اختيارهم الحر خارجًا عن اختيار الله؟
الإجابة: لا أدري!
وأنت أيضًا لا تدري، وكل البشر لا يدري!" [١]
____
بهذه الطريقة: هو لا يدري، ولم يقل لعل غيري يدري، ويصوب لي، بل يجزم بكل تواضع بأن كل البشر لا يدرون!
أدنى مطلع على هذا المبحث في العقائد الإسلامية يعلم أن مبحث القدر من المباحث التي أفاض في بيانها العلماء، واستعمل اصطلاحًا لم يرد فيها بل يوجد في كتب الفلسفة وكتب اللاهوت النصراني (الإرادة الحرة) ويقابله في المباحث الكلامية (مبحث الإرادة والفعل-خلق أفعال العباد)، وبيانه يظهر عدم تصوره للمسألة، فقد صوّر المسألة غلطًا في البداية حين افترض أن هناك نقطة محددة سلفًا في القدر يصل إليها البشر طواعية وكأن اختيارهم خارجٌ عن مبحث العلم الإلهي والخلق، ثم يصل إلى تلك النقطة المحددة سلفًا.
ويقول: كيف لم تخرج إرادتهم ولو بالخطأ عن إرادة الله، سيجيبه المتكلمون في هذا لأن هذا (مستحيل) يعني: ندرك امتناعه؛ لامتناع أن يجهل الله الغيب، وامتناع أن يكون في ملكه ما لا يخلقه.
وأهل الحديث يثبتون أفعال الله عز وجل، ففعل الخلق يقوم به، وأما أفعال العباد فمفعول الله، وبهذا لا يحصل تنازع بين فعل العبد وفعل البشر كما يصوره الكاتب، حيث رأى أن اختيار الله [الذي هو فعله] يتحد مع اختيار الإنسان [الذي هو مفعوله] ويقول بدون جبر!
فلو كان فعل الله هو فعل العبد لكان هذا الجبر بعينه كما قال جهم بن صفوان.
ولو كان فعل الله هو مفعوله، لامتناع قيام الحوادث فيه، كما قال الأشعري وهو خالقه للزمه الجبر، كما ألزمه المعتزلة وابن تيمية وغيرهم له.
وحتى يفر المعتزلة من هذا قالوا بعدم خلق أفعال العباد من الله.
وكلهم يسلم أن هذا مدرك بالعقل، مهما كان جوابهم، لا أنهم يقولون بأنهم لا يدرون وكل البشر لا يدرون.
مبحث [الإرادة الحرة] من المباحث التي قال كانط فيها: نسلمها دون قدرة من العقل المحض على إثباتها بل نسلمها قبليًّا، والكاتب يقترب من هذا حين يقول: لا يدري، ومع ذلك يثبتها، فكيف يثبتها؟ إن كان بالنص فليس في النص ذكر للإرادة الحرة، وإن كان بالعقل فلابد أن يدري ما يقول المرء قبل إثباته أو نفيه.
____
[١] الإجابة القرآنية؛ كيف أجاب القرآن عن أسئلتك الوجودية؟ مهاب السعيد، عصير الكتب للنشر والتوزيع، ص٣٢٩.
ولكن كيف ذلك؟
كيف أن الله اختار لهم سلفًا مصيرًا هم سائرون إليه، ثم مع ذلك هم اختاروا بإرادتهم الحرة هذا المصير؟!
كيف لم يحدث ولو مرة واحدة ولو على سبيل الخطأ، ولو على سبيل الاستثناء أن يكون اختيارهم الحر خارجًا عن اختيار الله؟
الإجابة: لا أدري!
وأنت أيضًا لا تدري، وكل البشر لا يدري!" [١]
____
بهذه الطريقة: هو لا يدري، ولم يقل لعل غيري يدري، ويصوب لي، بل يجزم بكل تواضع بأن كل البشر لا يدرون!
أدنى مطلع على هذا المبحث في العقائد الإسلامية يعلم أن مبحث القدر من المباحث التي أفاض في بيانها العلماء، واستعمل اصطلاحًا لم يرد فيها بل يوجد في كتب الفلسفة وكتب اللاهوت النصراني (الإرادة الحرة) ويقابله في المباحث الكلامية (مبحث الإرادة والفعل-خلق أفعال العباد)، وبيانه يظهر عدم تصوره للمسألة، فقد صوّر المسألة غلطًا في البداية حين افترض أن هناك نقطة محددة سلفًا في القدر يصل إليها البشر طواعية وكأن اختيارهم خارجٌ عن مبحث العلم الإلهي والخلق، ثم يصل إلى تلك النقطة المحددة سلفًا.
ويقول: كيف لم تخرج إرادتهم ولو بالخطأ عن إرادة الله، سيجيبه المتكلمون في هذا لأن هذا (مستحيل) يعني: ندرك امتناعه؛ لامتناع أن يجهل الله الغيب، وامتناع أن يكون في ملكه ما لا يخلقه.
وأهل الحديث يثبتون أفعال الله عز وجل، ففعل الخلق يقوم به، وأما أفعال العباد فمفعول الله، وبهذا لا يحصل تنازع بين فعل العبد وفعل البشر كما يصوره الكاتب، حيث رأى أن اختيار الله [الذي هو فعله] يتحد مع اختيار الإنسان [الذي هو مفعوله] ويقول بدون جبر!
فلو كان فعل الله هو فعل العبد لكان هذا الجبر بعينه كما قال جهم بن صفوان.
ولو كان فعل الله هو مفعوله، لامتناع قيام الحوادث فيه، كما قال الأشعري وهو خالقه للزمه الجبر، كما ألزمه المعتزلة وابن تيمية وغيرهم له.
وحتى يفر المعتزلة من هذا قالوا بعدم خلق أفعال العباد من الله.
وكلهم يسلم أن هذا مدرك بالعقل، مهما كان جوابهم، لا أنهم يقولون بأنهم لا يدرون وكل البشر لا يدرون.
مبحث [الإرادة الحرة] من المباحث التي قال كانط فيها: نسلمها دون قدرة من العقل المحض على إثباتها بل نسلمها قبليًّا، والكاتب يقترب من هذا حين يقول: لا يدري، ومع ذلك يثبتها، فكيف يثبتها؟ إن كان بالنص فليس في النص ذكر للإرادة الحرة، وإن كان بالعقل فلابد أن يدري ما يقول المرء قبل إثباته أو نفيه.
____
[١] الإجابة القرآنية؛ كيف أجاب القرآن عن أسئلتك الوجودية؟ مهاب السعيد، عصير الكتب للنشر والتوزيع، ص٣٢٩.
