يودعنا اليوم* الفيزيائي والفيلسوف الأرجنتيني ماريو بونخي Mario Bunge عن عمر ناهز المئة عاما. كان ماريو من الكتاب القليلين الذين عكفت على قراءة كتبهم دون غيرها لمدة أشهر (حتى كتب الطب لم أفتحها وقتها). وكانت بيننا مراسلات كثيرة لم يتوانى فيها بالرد على تساؤلاتي وإحالتي إلى مراجع مختلفة ولم يبخل عليّ بإرفاق عدة أوراق له لم أستطع الظفر بها (خاصة بعدما علم أني من فلسطين التي لا يدخلها الكتاب إلا بعد أن يعاد طباعته عدة مرات). موته في هذا الوقت الذي تطغى فيه النزعات المثالية والميول المعادية للعلم هو حقا خسارة.
====
* كُتب المنشور قبل عام
====
* كُتب المنشور قبل عام
"الألم غير المعالج قد يبقى حاضرًا في الدماغ لمدة أطول من الأذى الذي تسبب به؛ إن ذاكرة الألم، كذاكرة طرف ضائع، قد تبقى منقوشةً لمدى الحياة في النسيج العصبي. لذلك، الفلسفة السيئة قد تصيبك بألم مزمن."
~ ماريو بونخي.
#إعادة_نشر
~ ماريو بونخي.
#إعادة_نشر
"حالما يتمتع الفقير بثمارات تعبه ويضحي حرًا، بعد تخليصه من عبء الضرائب، ويجد مصدرًا أكثر أمنًا في عمله بدلَ تكريس نفسه لخدمة غني لم يعد بإمكانه دفع أجرته.. وحالما يُقيَّد الغني بثروة متوسطة لا يمكنه المزيد عليها إلا تدريجيًا بعمله هو، عندها لن يصبح كسل الفقير وبطالة الغني أمرًا مؤرقًا."
~ كوندورسيه.
~ كوندورسيه.
Forwarded from يوسف سمرين
نحو اليمين!
كثير من الأمور قد تبدو بريئة، هل عندك مشكلة مع اللون الأحمر، أو الأسود؟ هكذا يناقش بعض الناس، لكن الأمر ليس مجرد لون، بل هو توليفة معينة يتكوّن منها العَلم النازي!
العديد من الذين وصلوا إلى مناصب عليا في الحزب النازي، حين سألوهم لماذا انضممتم إليه؟ لا نعرف، كان هناك احتفال جميل، ورائع، وبدا الجميع مسرورًا وألمانيا متعافية فقررت الانضمام، بهذه السذاجة فحسب، أوصلت أقوامًا إلى ما أسمته حنا آرنت: بـ"تفاهة الشر".
ولذا فإن الرياضة التي كان يمارسها الأبطال الرياضيون، الموسيقى التي عزفها فاغنر، النسر المنحوت الضخم، الأضواء العالية كلها لا عيبَ فيها منفردة، لكنها هنا اجتمعت، وطرحت أسئلة: ما علاقة التسويق للسياحة مثلًا بمشهد عسكري؟ ما علاقة الطقوس التي تحمل مضامين لاهوتية وأيدلوجية سياسية بالآثار الوطنية؟ ما علاقة برلين الجديدة ببناياتها، وهندستها، بالرموز الموحدة التي تلتف بها الدولة إنها دعاية اليمين القومي في ألمانيا.
الحكم سهل جدًا بعد هزيمة ألمانيا: بأنه الجنون، لكنَّ الشأن كل الشأن في المواقف في البدايات، بدتْ ألمانيا متعافية تحت الفوهرر، جرى التساهل مع تحميل بعض الأمور فوق حجمها، عن تلك الأساطير المشكِّلة لتفوق الألمان على العالم، لكنها لم تعد تبدو مزحة ساعة اختبارها.
العديد من الذين كانوا يصفون مواقفهم بالتحررية من أي تعصب ديني أو عرقي، وجدهم الناس يرفعون أيديهم لتحية الفوهرر، فالتفكير في وسط الجموع دومًا أصعب، إذ تغري الجماعة بالمحاكاة والتقليد، وتعطل الحس النقدي للأفراد.
لم يعد للدعاية القومية النازية بصورة حرفية مساحة اليوم في الفضاء السياسي، ولكن المضامين ليست بعيدًا كثيرًا عن الخطاب اليميني، بل تجد بعض [الملحدين] الذين يتكلمون صباح مساء عن التحرر، والليبرالية، ينساقون بسرعة خلف العواطف التي تبعثها الطقوس المشبعة بالإيدلوجيات القومية، كأشد متعصب لاهوتي، تلك الخطابات التي تدفع الجماهير نحو اعتقاد الأفضلية، والتماهي مع الدولة، والربط بين الدولة والوطن، ثم القيادة والوطن.
يتمدد هذا الخطاب ليشغل المساحات الفارغة التي تركها فراغ البرامج السياسية، بنظرة ماضوية، توحي بالأفضلية لتتبعها وعود عن المستقبل المشرق، ويصل هذا الخطاب إلى المناطق نفسها التي تعمل على تخديرها التعاويذ الكنسية وهي تعطل نقد المسحوقين لأوضاعهم الاجتماعية، لتجعل من الإيدلوجيا القومية معتقدًا لاهوتيًا.
كثير من الأمور قد تبدو بريئة، هل عندك مشكلة مع اللون الأحمر، أو الأسود؟ هكذا يناقش بعض الناس، لكن الأمر ليس مجرد لون، بل هو توليفة معينة يتكوّن منها العَلم النازي!
العديد من الذين وصلوا إلى مناصب عليا في الحزب النازي، حين سألوهم لماذا انضممتم إليه؟ لا نعرف، كان هناك احتفال جميل، ورائع، وبدا الجميع مسرورًا وألمانيا متعافية فقررت الانضمام، بهذه السذاجة فحسب، أوصلت أقوامًا إلى ما أسمته حنا آرنت: بـ"تفاهة الشر".
ولذا فإن الرياضة التي كان يمارسها الأبطال الرياضيون، الموسيقى التي عزفها فاغنر، النسر المنحوت الضخم، الأضواء العالية كلها لا عيبَ فيها منفردة، لكنها هنا اجتمعت، وطرحت أسئلة: ما علاقة التسويق للسياحة مثلًا بمشهد عسكري؟ ما علاقة الطقوس التي تحمل مضامين لاهوتية وأيدلوجية سياسية بالآثار الوطنية؟ ما علاقة برلين الجديدة ببناياتها، وهندستها، بالرموز الموحدة التي تلتف بها الدولة إنها دعاية اليمين القومي في ألمانيا.
الحكم سهل جدًا بعد هزيمة ألمانيا: بأنه الجنون، لكنَّ الشأن كل الشأن في المواقف في البدايات، بدتْ ألمانيا متعافية تحت الفوهرر، جرى التساهل مع تحميل بعض الأمور فوق حجمها، عن تلك الأساطير المشكِّلة لتفوق الألمان على العالم، لكنها لم تعد تبدو مزحة ساعة اختبارها.
العديد من الذين كانوا يصفون مواقفهم بالتحررية من أي تعصب ديني أو عرقي، وجدهم الناس يرفعون أيديهم لتحية الفوهرر، فالتفكير في وسط الجموع دومًا أصعب، إذ تغري الجماعة بالمحاكاة والتقليد، وتعطل الحس النقدي للأفراد.
لم يعد للدعاية القومية النازية بصورة حرفية مساحة اليوم في الفضاء السياسي، ولكن المضامين ليست بعيدًا كثيرًا عن الخطاب اليميني، بل تجد بعض [الملحدين] الذين يتكلمون صباح مساء عن التحرر، والليبرالية، ينساقون بسرعة خلف العواطف التي تبعثها الطقوس المشبعة بالإيدلوجيات القومية، كأشد متعصب لاهوتي، تلك الخطابات التي تدفع الجماهير نحو اعتقاد الأفضلية، والتماهي مع الدولة، والربط بين الدولة والوطن، ثم القيادة والوطن.
يتمدد هذا الخطاب ليشغل المساحات الفارغة التي تركها فراغ البرامج السياسية، بنظرة ماضوية، توحي بالأفضلية لتتبعها وعود عن المستقبل المشرق، ويصل هذا الخطاب إلى المناطق نفسها التي تعمل على تخديرها التعاويذ الكنسية وهي تعطل نقد المسحوقين لأوضاعهم الاجتماعية، لتجعل من الإيدلوجيا القومية معتقدًا لاهوتيًا.
"إن سلاح الجمهورية هو الرعب، وقوتها هي الفضيلة، أما الفضيلة؛ فلأن الرعب دونها مدمِّر، وأما الرعب؛ فلأن الفضيلة دونه عاجزة، إن الرعب هو انبعاث الفضيلة، هو العدل في أنقى صوره: سريع صارم لا يحيد.
يقولون إن الرعب هو سلاح الطغاة؛ فحينها يكون حكمنا مماثلا للطغيان، بالتأكيد هو كذلك! هو كالسيف الذي في يد مقاتلٍ من أجل الحرية يماثل نظيره في يد نصيرٍ لطاغية.
فإذا هيمن المستبد على رعاياه وأذاقهم الذل والمهانة فهذا من حقه بوصفه مستبدا، كذلك، يحق لكم بوصفكم مؤسسي الجمهورية أن تحطموا بالرعب أعداء الحرية، إن الحكومة الثورية هي استبداد الحرية ضد الطغيان."
~ جيورج بوخنر على لسان ماكسيميليان روبسبيير، موت دانتون. وهو مستوحى من خطاب لروبسبيير.
يقولون إن الرعب هو سلاح الطغاة؛ فحينها يكون حكمنا مماثلا للطغيان، بالتأكيد هو كذلك! هو كالسيف الذي في يد مقاتلٍ من أجل الحرية يماثل نظيره في يد نصيرٍ لطاغية.
فإذا هيمن المستبد على رعاياه وأذاقهم الذل والمهانة فهذا من حقه بوصفه مستبدا، كذلك، يحق لكم بوصفكم مؤسسي الجمهورية أن تحطموا بالرعب أعداء الحرية، إن الحكومة الثورية هي استبداد الحرية ضد الطغيان."
~ جيورج بوخنر على لسان ماكسيميليان روبسبيير، موت دانتون. وهو مستوحى من خطاب لروبسبيير.
Forwarded from يوسف سمرين
شيء جيّد!
لا أخفيكم أن هذا الانجراف نحو الأشعرية في الأزهر، والتمسك بأهداب المنطق الأرسطي، وإحياء الجبرية باسم المؤسسة، الدعوة إلى إقصاء الطلبة المخالفين، كل هذا يدفع نحو تلوّن المؤسسة بلون معين محدد، لا يخاصم السلفيين فحسب، بل الكوكب الذي نحيا فيه في القرن ٢١.
إنه يكشف المآل الحقيقي لعشرات الخطابات التي تنطلق على ألسنتهم، الانحراف، والضلال، كلها أدوات [حرمان] لزيادة نفوذ هذا اللون الجبري، الأرسطي، هي معركتهم هم، في الدفاع عن مصالحهم ونفوذهم، التي يمكنهم ملاحظة أنهم يقدرون على استعمال كل الأدوات التي يقدرون عليها، ويمكننا بدورنا أن نلحظ أن التاريخ لا يساعدهم فيها.
ما يجري يدفع لمزيد من التمايز، بما يفوق عشرات الكتب المصنفة، يصبح حيًا مكشوفًا، لا يحتاج التأكيد عليه رفع صوت، بل النظر في الواقع لا أكثر، إنه لشيء جيّد أن تشاهد إعادة تجربة الكاثوليكية، فليكن إذن، فقد فرحت الكنيسة مرارًا، وهي تنتصر على خصومها، لكن كل الانتصارات الجزئية، كانت مادة للانتصار التام عليها في نهاية الأمر.
إن الكاثوليكية ارتبطت ارتباطًا لا فصام عنه مع الأمر الواقع في عصرها، مع البارونات، وانتصاراتها الجزئية كانت مهمة لخصومها: إنها فرصتهم لتخليص أنفسهم من الأفكار الغبية التي تعوقهم، من المواقف الانفعالية التي كانت تصب بالمجان منافعها في جيب الكنيسة، ليصبحوا أذكى، وأقدر على الرؤية، ليطوروا فكرهم وفلسفتهم بعيدًا عن الأرسطية.
كانت فرصة خصوم الكنيسة تتشكل في الناس، في أولئك الذين لا يمكن لمؤسسة القرون الوسطى أن تحتويهم، ولا أن تنفق عليهم، إنما تقدم لهم التسويغ للواقع الذي يحيون فيه، وتعطل ملكاتهم النقدية حتى حين، إن هذه الإعادة لهذه التجربة جيدة، لا يسعني فيها إلا أن أتمنى لها التمام حتى النضج.
لا أخفيكم أن هذا الانجراف نحو الأشعرية في الأزهر، والتمسك بأهداب المنطق الأرسطي، وإحياء الجبرية باسم المؤسسة، الدعوة إلى إقصاء الطلبة المخالفين، كل هذا يدفع نحو تلوّن المؤسسة بلون معين محدد، لا يخاصم السلفيين فحسب، بل الكوكب الذي نحيا فيه في القرن ٢١.
إنه يكشف المآل الحقيقي لعشرات الخطابات التي تنطلق على ألسنتهم، الانحراف، والضلال، كلها أدوات [حرمان] لزيادة نفوذ هذا اللون الجبري، الأرسطي، هي معركتهم هم، في الدفاع عن مصالحهم ونفوذهم، التي يمكنهم ملاحظة أنهم يقدرون على استعمال كل الأدوات التي يقدرون عليها، ويمكننا بدورنا أن نلحظ أن التاريخ لا يساعدهم فيها.
ما يجري يدفع لمزيد من التمايز، بما يفوق عشرات الكتب المصنفة، يصبح حيًا مكشوفًا، لا يحتاج التأكيد عليه رفع صوت، بل النظر في الواقع لا أكثر، إنه لشيء جيّد أن تشاهد إعادة تجربة الكاثوليكية، فليكن إذن، فقد فرحت الكنيسة مرارًا، وهي تنتصر على خصومها، لكن كل الانتصارات الجزئية، كانت مادة للانتصار التام عليها في نهاية الأمر.
إن الكاثوليكية ارتبطت ارتباطًا لا فصام عنه مع الأمر الواقع في عصرها، مع البارونات، وانتصاراتها الجزئية كانت مهمة لخصومها: إنها فرصتهم لتخليص أنفسهم من الأفكار الغبية التي تعوقهم، من المواقف الانفعالية التي كانت تصب بالمجان منافعها في جيب الكنيسة، ليصبحوا أذكى، وأقدر على الرؤية، ليطوروا فكرهم وفلسفتهم بعيدًا عن الأرسطية.
كانت فرصة خصوم الكنيسة تتشكل في الناس، في أولئك الذين لا يمكن لمؤسسة القرون الوسطى أن تحتويهم، ولا أن تنفق عليهم، إنما تقدم لهم التسويغ للواقع الذي يحيون فيه، وتعطل ملكاتهم النقدية حتى حين، إن هذه الإعادة لهذه التجربة جيدة، لا يسعني فيها إلا أن أتمنى لها التمام حتى النضج.