على هامش الهامش
قد رد صاحب «التعليق الودود على كتاب نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» على نقدي الذي نشر أمس، سأذكر أوجه تعقيبه وأرد عليها:
١. الفطرة: ينقل الرجل عن كتاب يوسف سمرين أن المثاليين "استحضروا فطرة جديدة" و"إمكانية حصول تحريف للفطرة ؛ لأنها غير معصومة من ذلك"، "لا يلغي حجيتها".
الرد: أنا متفق مع المعقب، غير أني لم أقل ذلك بتاتا. بل قلت أن الفطرة توظف في بناء فلسفات متناقضة كما الحس، ولا يعني ذلك أن الحس لا حجية له باعتباره مصدرا للمعرفة، الأمر ينسحب على الفطرة. ولكي نحقق "أن الفطرة في صف أحد الفريقين دون الآخر ، وأن هناك فطرة صحيحة وفطرة مصطنعة" لا بد من فلسفة تدرس هذه الفطرة. باختصار، الفطرة ليست بديلا عن الفلسفة، وتسمية مقولة ابن تيمية بالضرورية البديهية والفطرية ليست إجابةً عن السؤال، بل هروبًا منه.
===
٢. المادية إلحادية: يعيد الناقد ما قاله في مراجعته من أن الإلحاد داخل في ماهية المادية، أما من حاول الجمع بين المادية والإيمان فـ"قد يكون للرجل انتماء إلى مذهب ما ، ولا يحقق هذا المذهب تحقيقا تاما ؛ لتلفيقه بينه وبين قضايا يثبتها من خارج هذا المذهب". يستشهد بالموسوعة الماركسية، مرة ببيير غاسيندي ومرة بفرانسيس بيكون.
الرد: عدا عن جعله الماركسيين هم الحكم على المادية، وهو ما سأتعرض له لاحقا، فالرجل لم يستوعب استشهادي بهؤلاء. أما بيكون فقد قلتُ أن هوبز طور ماديته وأكملها، وأن بريستلي قد ساهم بتخليص مادية هوبز من اللاهوت، ومع ذلك فالماركسيون قد اعتبروه ماديا، وهو ما حدث مع غاسيندي، فاعتبروه ماديا مع أن تصوره للإله كان مثاليا تابعا لتصور الكنيسة (وليس مجرد إثبات الإله والخلق هو من جعله مثاليا كما حاول الرجل تصوير المدخل). دعنا نستخدم نفس المصدر، ماذا قال السوفييت عن هيراقليط (ص ٥٥٨)؟ قالوا إنه مادي. ماذا عن سبينوزا (ص ٢٤٢-٢٤٣)؟ قالوا إنه مادي وإن كان ميتافيزيقيا. طيب ماذا قالوا بريستلي الذي لم يقل بوحدة الوجود وكان موحدا متدينا (ص ٨٤)؟ قالوا إنه مادي! طبعا، هذا عدا عن الربوبيين الذين أقر الماركسيون ماديتهم. لا وزن لهؤلاء عند الناقد، لأنهم لم يكونوا ملحدين.
===
٣- الماركسية مرحلة: يتفق معي في أن المادية "توجه فلسفي له أصول تاريخية"* ليصادر بعدها على المطلوب، ويقول أن المادية مذهب إلحادي، فيظن أنه بتكرار المطلوب مرارا سيسلم له به، وسنؤمن بما يقوله! ليذهب بعدها إلى نقد الماركسيين على فويرباخ، وأن ماديته قاصرة. فهل فويرباخ مثالي لأن الماركسيين انتقدوه؟ وهل الماركسية فلسفة مثالية لأن ماريو بونخي انتقدها؟ إن كان الجواب لا، فالتطوير الفلسفي للمادية لا "يلغي وجود قدر مشترك بين جميع الماديين"، إذًا، فعلى الباحث المنصف أن ينظر في هذا القدر المشترك، ولا يقصي مسبقا المؤمنين بالله من هذا البحث ليثبت نتيجة يحلم أن يثبتها. وعلى الباحث أن ينظر إلى الماركسية على أنها مرحلة من مراحل تطور الفلسفة المادية، لا أن يجعلها الحكم على كل الفلسفات المادية السابقة واللاحقة.
===
٤. أمور متفرقة: اعترض الرجل على "الإلحاد في المادية فعل لا ردة فعل" تصويرا لموقفه، فـ "التأثير المثالي ثابت وصحيح ، لكنه لا يكفي للتعليل"، وكأنه لم يكمل قراءة التوصيف "الإلحاد لازم من لوازم المادية بمعزل عن التصور المثالي للإله". وبما أن المثالية ليست علة تامة لظهور الإلحاد المادي، إذًا سبب إلحاد الماديين داخلي وإلا لألحد الجميع!
يقول أن "دعوى أن مادية الماركسية مأخوذة حصرا من مادية فيورباخ أو اللف على هذا المعنى إزراء بالماركسية عجيب"، وهي دعوى لم يدعيها أحد! بل هو نفسه قد قال أن من "الطبيعي أن يكون احتكاك الأخيرين قويا بفلسفة فيورباخ المعاصر لزمنهم ووطنهم أكثر من بقية الماديين السابقين عليه". أما رسالة ماركس الجامعية عن فلسفة الطبيعة عند ديمقريطس وأبيقور فقد كتبها وهو مثالي، يعلم ذلك من قرأ مقدمتها، ولا يعني هذا ألا تأثير لها عليه، ولكن التأثير الأكبر يرجع لفويرباخ كما هو معروف. لنرى ما يقوله إنجلز: "كذلك حسبت أن علينا دين شرف لم نوفه، هو الاعتراف الكامل بالتأثير الذي أثره فينا فويرباخ في مرحلتنا، مرحلة الزوبعة والهجمة، أكثر من أي فيلسوف آخر بعد هيجل" (لودفيغ فويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، دار روافد للنشر والتوزيع، ص ٨)، ويقول أيضا: "وفي ذلك الوقت ظهر مؤلف فويرباخ «جوهر المسيحية»، فسحق بضربة واحدة هذا التناقض، معلنا من جديد وبكل صراحة، انتصار المادية... جميعا، غدونا، بلحظة، من أنصار فويرباخ. ويمكن للمرء أن يتصور، بعد قراءة «العائلة المقدسة»، بأي حماسة رحب ماركس بالمفهوم الجديد، وإلى أي درجة -رغم كل اللحظات النقدية- قد تأثر به". (المرجع نفسه، ص ٢٥-٢٦).
يستشهد أخيرًا بنقل عن السوفييت بخصوص فلسفة ديموقريطوس، ويستخلص منه عدة فوائد:
• «اعتماد الماركسيين للفلسفة المادية السابقة على فيورباخ ، وذلك من بدايتها في اليونان ، لا بمع
قد رد صاحب «التعليق الودود على كتاب نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» على نقدي الذي نشر أمس، سأذكر أوجه تعقيبه وأرد عليها:
١. الفطرة: ينقل الرجل عن كتاب يوسف سمرين أن المثاليين "استحضروا فطرة جديدة" و"إمكانية حصول تحريف للفطرة ؛ لأنها غير معصومة من ذلك"، "لا يلغي حجيتها".
الرد: أنا متفق مع المعقب، غير أني لم أقل ذلك بتاتا. بل قلت أن الفطرة توظف في بناء فلسفات متناقضة كما الحس، ولا يعني ذلك أن الحس لا حجية له باعتباره مصدرا للمعرفة، الأمر ينسحب على الفطرة. ولكي نحقق "أن الفطرة في صف أحد الفريقين دون الآخر ، وأن هناك فطرة صحيحة وفطرة مصطنعة" لا بد من فلسفة تدرس هذه الفطرة. باختصار، الفطرة ليست بديلا عن الفلسفة، وتسمية مقولة ابن تيمية بالضرورية البديهية والفطرية ليست إجابةً عن السؤال، بل هروبًا منه.
===
٢. المادية إلحادية: يعيد الناقد ما قاله في مراجعته من أن الإلحاد داخل في ماهية المادية، أما من حاول الجمع بين المادية والإيمان فـ"قد يكون للرجل انتماء إلى مذهب ما ، ولا يحقق هذا المذهب تحقيقا تاما ؛ لتلفيقه بينه وبين قضايا يثبتها من خارج هذا المذهب". يستشهد بالموسوعة الماركسية، مرة ببيير غاسيندي ومرة بفرانسيس بيكون.
الرد: عدا عن جعله الماركسيين هم الحكم على المادية، وهو ما سأتعرض له لاحقا، فالرجل لم يستوعب استشهادي بهؤلاء. أما بيكون فقد قلتُ أن هوبز طور ماديته وأكملها، وأن بريستلي قد ساهم بتخليص مادية هوبز من اللاهوت، ومع ذلك فالماركسيون قد اعتبروه ماديا، وهو ما حدث مع غاسيندي، فاعتبروه ماديا مع أن تصوره للإله كان مثاليا تابعا لتصور الكنيسة (وليس مجرد إثبات الإله والخلق هو من جعله مثاليا كما حاول الرجل تصوير المدخل). دعنا نستخدم نفس المصدر، ماذا قال السوفييت عن هيراقليط (ص ٥٥٨)؟ قالوا إنه مادي. ماذا عن سبينوزا (ص ٢٤٢-٢٤٣)؟ قالوا إنه مادي وإن كان ميتافيزيقيا. طيب ماذا قالوا بريستلي الذي لم يقل بوحدة الوجود وكان موحدا متدينا (ص ٨٤)؟ قالوا إنه مادي! طبعا، هذا عدا عن الربوبيين الذين أقر الماركسيون ماديتهم. لا وزن لهؤلاء عند الناقد، لأنهم لم يكونوا ملحدين.
===
٣- الماركسية مرحلة: يتفق معي في أن المادية "توجه فلسفي له أصول تاريخية"* ليصادر بعدها على المطلوب، ويقول أن المادية مذهب إلحادي، فيظن أنه بتكرار المطلوب مرارا سيسلم له به، وسنؤمن بما يقوله! ليذهب بعدها إلى نقد الماركسيين على فويرباخ، وأن ماديته قاصرة. فهل فويرباخ مثالي لأن الماركسيين انتقدوه؟ وهل الماركسية فلسفة مثالية لأن ماريو بونخي انتقدها؟ إن كان الجواب لا، فالتطوير الفلسفي للمادية لا "يلغي وجود قدر مشترك بين جميع الماديين"، إذًا، فعلى الباحث المنصف أن ينظر في هذا القدر المشترك، ولا يقصي مسبقا المؤمنين بالله من هذا البحث ليثبت نتيجة يحلم أن يثبتها. وعلى الباحث أن ينظر إلى الماركسية على أنها مرحلة من مراحل تطور الفلسفة المادية، لا أن يجعلها الحكم على كل الفلسفات المادية السابقة واللاحقة.
===
٤. أمور متفرقة: اعترض الرجل على "الإلحاد في المادية فعل لا ردة فعل" تصويرا لموقفه، فـ "التأثير المثالي ثابت وصحيح ، لكنه لا يكفي للتعليل"، وكأنه لم يكمل قراءة التوصيف "الإلحاد لازم من لوازم المادية بمعزل عن التصور المثالي للإله". وبما أن المثالية ليست علة تامة لظهور الإلحاد المادي، إذًا سبب إلحاد الماديين داخلي وإلا لألحد الجميع!
يقول أن "دعوى أن مادية الماركسية مأخوذة حصرا من مادية فيورباخ أو اللف على هذا المعنى إزراء بالماركسية عجيب"، وهي دعوى لم يدعيها أحد! بل هو نفسه قد قال أن من "الطبيعي أن يكون احتكاك الأخيرين قويا بفلسفة فيورباخ المعاصر لزمنهم ووطنهم أكثر من بقية الماديين السابقين عليه". أما رسالة ماركس الجامعية عن فلسفة الطبيعة عند ديمقريطس وأبيقور فقد كتبها وهو مثالي، يعلم ذلك من قرأ مقدمتها، ولا يعني هذا ألا تأثير لها عليه، ولكن التأثير الأكبر يرجع لفويرباخ كما هو معروف. لنرى ما يقوله إنجلز: "كذلك حسبت أن علينا دين شرف لم نوفه، هو الاعتراف الكامل بالتأثير الذي أثره فينا فويرباخ في مرحلتنا، مرحلة الزوبعة والهجمة، أكثر من أي فيلسوف آخر بعد هيجل" (لودفيغ فويرباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، دار روافد للنشر والتوزيع، ص ٨)، ويقول أيضا: "وفي ذلك الوقت ظهر مؤلف فويرباخ «جوهر المسيحية»، فسحق بضربة واحدة هذا التناقض، معلنا من جديد وبكل صراحة، انتصار المادية... جميعا، غدونا، بلحظة، من أنصار فويرباخ. ويمكن للمرء أن يتصور، بعد قراءة «العائلة المقدسة»، بأي حماسة رحب ماركس بالمفهوم الجديد، وإلى أي درجة -رغم كل اللحظات النقدية- قد تأثر به". (المرجع نفسه، ص ٢٥-٢٦).
يستشهد أخيرًا بنقل عن السوفييت بخصوص فلسفة ديموقريطوس، ويستخلص منه عدة فوائد:
• «اعتماد الماركسيين للفلسفة المادية السابقة على فيورباخ ، وذلك من بدايتها في اليونان ، لا بمع
نى أنهم لا ينقدونها بشيء ، بل بمعنى الاعتبار المدرسي»، وهو صحيح، ولا ينفي هذا الدور المركزي الذي لعبته مادية فويرباخ في بناء الفلسفة الماركسية.
• «أن هذه الفلسفة المادية تؤخذ عندهم برمتها دون تجزئة ، أي فلسفة وعلما معا» وهذا هذيان، إذ أن ديموقريطوس كان مؤمنا بالأرض المسطحة، فهل هذا جزء من الفلسفة المادية؟ وهل أخذها عنه السوفييت؟ ثم في النقل نفسه "وفي مذهب ديمقريطس تجلت الرابطة العميقة التي تجمع بين الفلسفة المادية وبين العلوم الطبيعية"، فالربط يكون في مبحثين مستقلين، والمادية كفلسفة تبحث في الوجود والمعرفة لها ارتباط وثيق بالعلوم، لكنها ليست علما.
• «أن المثاليين هم كذلك كانوا يقومون في المقابل بمجابهة المادية السابقة عليهم ، وأي مادية هنا ؟ مادية ديمقريطس اليونانية التي سبقتهم بقرون طوال !» وهنا الرد عليه من وجهين: الأول أن المبحث أخص، وهو طروء الإلحاد في المادية لا المادية نفسها. والوجه الثاني (على سبيل التنزل) هو عدم أمانة الناقد في النقل، ففي مقدمة المدخل يذكر السوفييت أن المذهب الذري كان ردا على حجة بارمنيدس وزينون المثالية في نفي الحركة.
مرة أخرى، لا جديد تحت الشمس.
* بيد أنه يرى التوصيف ناقصا، فالمادية عنده توجه فلسفي علمي، ولا أدري ما الذي يقصده بالعلمية هنا. أيقصد أن المادية أقرب لروح العلوم إذ إنها تجعل الموجودات تقبل الحس وبالتالي الدراسة؟ نعم، هي كذلك. أم يقصد أن المادة مصطلح علمي في الأساس؟ وهو غير صحيح، وكنت قد طلبت منه توصيفا للمادة متفقا عليه في المجامع العلمية فلم يأتِ به. العلوم تدرس أصنافا معينة من المادة، لكن المادة ككل مصطلح فلسفي، وبالتالي المادية هي توجه فلسفي في المقام الأول.
• «أن هذه الفلسفة المادية تؤخذ عندهم برمتها دون تجزئة ، أي فلسفة وعلما معا» وهذا هذيان، إذ أن ديموقريطوس كان مؤمنا بالأرض المسطحة، فهل هذا جزء من الفلسفة المادية؟ وهل أخذها عنه السوفييت؟ ثم في النقل نفسه "وفي مذهب ديمقريطس تجلت الرابطة العميقة التي تجمع بين الفلسفة المادية وبين العلوم الطبيعية"، فالربط يكون في مبحثين مستقلين، والمادية كفلسفة تبحث في الوجود والمعرفة لها ارتباط وثيق بالعلوم، لكنها ليست علما.
• «أن المثاليين هم كذلك كانوا يقومون في المقابل بمجابهة المادية السابقة عليهم ، وأي مادية هنا ؟ مادية ديمقريطس اليونانية التي سبقتهم بقرون طوال !» وهنا الرد عليه من وجهين: الأول أن المبحث أخص، وهو طروء الإلحاد في المادية لا المادية نفسها. والوجه الثاني (على سبيل التنزل) هو عدم أمانة الناقد في النقل، ففي مقدمة المدخل يذكر السوفييت أن المذهب الذري كان ردا على حجة بارمنيدس وزينون المثالية في نفي الحركة.
مرة أخرى، لا جديد تحت الشمس.
* بيد أنه يرى التوصيف ناقصا، فالمادية عنده توجه فلسفي علمي، ولا أدري ما الذي يقصده بالعلمية هنا. أيقصد أن المادية أقرب لروح العلوم إذ إنها تجعل الموجودات تقبل الحس وبالتالي الدراسة؟ نعم، هي كذلك. أم يقصد أن المادة مصطلح علمي في الأساس؟ وهو غير صحيح، وكنت قد طلبت منه توصيفا للمادة متفقا عليه في المجامع العلمية فلم يأتِ به. العلوم تدرس أصنافا معينة من المادة، لكن المادة ككل مصطلح فلسفي، وبالتالي المادية هي توجه فلسفي في المقام الأول.
هذا هو سد ذي القرنين الذي ظهر في نشرة «القناة التاسعة» عند استضافتها لـ«زغلول النجار»*، والذي تحدث عن اكتشاف هذا السد والعين الحمئة ومطلع الشمس ومغربها. هذه الصورة التي "التقطها العلماء" هي في الحقيقة لمشروع منتجع جبل جيس في رأس الخيمة - الإمارات.
وصّل سلامي للعلماء.
* العلّامة المعروف المتبحر في علوم الأرض والسماء!
وصّل سلامي للعلماء.
* العلّامة المعروف المتبحر في علوم الأرض والسماء!
المادية والمسيحية التوحيدية...
من مساوئ منصات التواصل الاجتماعي هو أنها تفتح مجالًا لكل من العالم والجاهل للتكلم فيما يريد. وإذا ما احتد النقاش بينهما -أي بين العالم والجاهل- في مسألة من المسائل فإن الغلبة لا تكون للأوفر عقلا والأدمغ حجة -كما قد يتوقع الكثير- بل تكون للأكثر شعبية والأغزر متابعة.
إن هذا المنشور يتعرض صراحة إلى أولئك المهتمين بالرد على الإلحاد، الذي كان جلّ ما يصنعون في كفاحهم المزري هو ترجمة ما يقرره علماء اللاهوت؛ يأخذون عنهم الغثّ والسمين -وهو قليل- بلا تمحيص، ولولا حلم الله عليهم لاتخذوا عقيدة من التثليث!
يزعمون بجهل أن المادية والإلحاد شيء واحد، وقد قيل لهم مرارا أن من الفلاسفة من كان مثاليا وهو في الوقت نفسه جاحد. فكيف إذا عرفوا أن المادية كانت البذرة التي بعثت منها المسيحية التوحيدية بعد أن تسلطت عليها الكنيسة؟ أتراهم يراجعون مواقفهم أم أن قلوبهم قد أشربت المثالية؟
جوزيف بريستلي Joseph Priestley عالم طبيعي وفيلسوف و"لاهوتي"... إسهاماته في العلوم الطبيعية غزيرة جدًا: كان أول من اكتشف خصائص الأكسجين وأول من تعرف على ثاني أكسيد الكربون وأول من اخترع السوائل المكربنة (المشروبات الغازية) وأول من تعرف على العمليات الأساسية في البناء الضوئي... ما لا يعرفه الكثير هو أنه كان ماديًّا وأنه بماديته أحيا المسيحية التوحيدية. فما قصة الرجل؟
باختصار، بريستلي كان ثوريا منذ البداية: أنكر وجود الحرية التي تعارض الحتمية (الـ Libertarianism التي تثبت الإرادة الحرة على حساب الحتمية)، واعتنق المادية بحذر وتروي. أما ما جعله يلتزم المادية بشكل جذري هو رحلته في أرجاء أوروبا والتي اشتملت على إقامة في باريس. هناك التقى بالماديين الفرنسيين -الذين كانوا ملحدين-، أهمهم كان بارون دولباخ Baron d'Holbach الذي زاره بريستلي مع صديق السفر اللورد شيلبيرن Lord Shelburne. مع أن بريستلي كان متعاطفا مع كثير من الآراء الفلسفية التي قابلها، إلا أنه اعتبر النظرة المناهضة للمسيحية غير منصفة لأنها لم تستطع أن ترى الجوهر الحقيقي للمسيحية، الجوهر الذي شوهته الكنيسة. هنا بريستلي -على عكس أصحابنا الذين لا يعرفون شيئا من التدقيق والتمحيص- عالج المعضلة بموضوعية وتوصل إلى أن "إن تعزيز المنفعة الحقيقية للمسيحية بهدم العمادات الضعيفة والمتعفنة لا يقل أهمية عن تزويدها -أي المسيحية- بعمادات أصلب وأمتن".
إن مادية بريستلي جعلته يقرر بكل صراحة أن المسيح ما هو إلا رجل مثلنا؛ فالمادية تعارض جوهر التثليث. أما عن طبيعة الله، فيقول أننا لا نعرف ذات الله فلا نستطيع أن نقيس ذواتنا عليها، فإن كان نفي المادية عن الله يقصد به نفي كيفياتنا المادية فلا يرى بريستلي مانعا. أما إذا كان يقصد منها نفي أي قدر مشترك مادي بين ذاته وذواتنا فهذا مما عارضه بريستلي؛ فالإله غير المادي لا يقدر على التأثير في خلقه. كأن بريستلي يقول للرادين على الإلحاد: نفي المادية عن الله يقتضي أن يكون مجرد فكرة!
إن هذا العرض المختصر والمجحف بحق جوزيف بريستلي يجيب عن التساؤل: هل المادية تنفي الإله؟ والجواب: إن كان إلهك مثاليا لا يحس ولا يشار له، فالجواب نعم. أما إن كان تصورك للإله مادي مثبتا فيه صفات العظمة والجلال له، فلا أرى أي موقف فلسفي بإمكانه الدفاع عن هذا التصور غير المادية..
#إعادة_نشر
من مساوئ منصات التواصل الاجتماعي هو أنها تفتح مجالًا لكل من العالم والجاهل للتكلم فيما يريد. وإذا ما احتد النقاش بينهما -أي بين العالم والجاهل- في مسألة من المسائل فإن الغلبة لا تكون للأوفر عقلا والأدمغ حجة -كما قد يتوقع الكثير- بل تكون للأكثر شعبية والأغزر متابعة.
إن هذا المنشور يتعرض صراحة إلى أولئك المهتمين بالرد على الإلحاد، الذي كان جلّ ما يصنعون في كفاحهم المزري هو ترجمة ما يقرره علماء اللاهوت؛ يأخذون عنهم الغثّ والسمين -وهو قليل- بلا تمحيص، ولولا حلم الله عليهم لاتخذوا عقيدة من التثليث!
يزعمون بجهل أن المادية والإلحاد شيء واحد، وقد قيل لهم مرارا أن من الفلاسفة من كان مثاليا وهو في الوقت نفسه جاحد. فكيف إذا عرفوا أن المادية كانت البذرة التي بعثت منها المسيحية التوحيدية بعد أن تسلطت عليها الكنيسة؟ أتراهم يراجعون مواقفهم أم أن قلوبهم قد أشربت المثالية؟
جوزيف بريستلي Joseph Priestley عالم طبيعي وفيلسوف و"لاهوتي"... إسهاماته في العلوم الطبيعية غزيرة جدًا: كان أول من اكتشف خصائص الأكسجين وأول من تعرف على ثاني أكسيد الكربون وأول من اخترع السوائل المكربنة (المشروبات الغازية) وأول من تعرف على العمليات الأساسية في البناء الضوئي... ما لا يعرفه الكثير هو أنه كان ماديًّا وأنه بماديته أحيا المسيحية التوحيدية. فما قصة الرجل؟
باختصار، بريستلي كان ثوريا منذ البداية: أنكر وجود الحرية التي تعارض الحتمية (الـ Libertarianism التي تثبت الإرادة الحرة على حساب الحتمية)، واعتنق المادية بحذر وتروي. أما ما جعله يلتزم المادية بشكل جذري هو رحلته في أرجاء أوروبا والتي اشتملت على إقامة في باريس. هناك التقى بالماديين الفرنسيين -الذين كانوا ملحدين-، أهمهم كان بارون دولباخ Baron d'Holbach الذي زاره بريستلي مع صديق السفر اللورد شيلبيرن Lord Shelburne. مع أن بريستلي كان متعاطفا مع كثير من الآراء الفلسفية التي قابلها، إلا أنه اعتبر النظرة المناهضة للمسيحية غير منصفة لأنها لم تستطع أن ترى الجوهر الحقيقي للمسيحية، الجوهر الذي شوهته الكنيسة. هنا بريستلي -على عكس أصحابنا الذين لا يعرفون شيئا من التدقيق والتمحيص- عالج المعضلة بموضوعية وتوصل إلى أن "إن تعزيز المنفعة الحقيقية للمسيحية بهدم العمادات الضعيفة والمتعفنة لا يقل أهمية عن تزويدها -أي المسيحية- بعمادات أصلب وأمتن".
إن مادية بريستلي جعلته يقرر بكل صراحة أن المسيح ما هو إلا رجل مثلنا؛ فالمادية تعارض جوهر التثليث. أما عن طبيعة الله، فيقول أننا لا نعرف ذات الله فلا نستطيع أن نقيس ذواتنا عليها، فإن كان نفي المادية عن الله يقصد به نفي كيفياتنا المادية فلا يرى بريستلي مانعا. أما إذا كان يقصد منها نفي أي قدر مشترك مادي بين ذاته وذواتنا فهذا مما عارضه بريستلي؛ فالإله غير المادي لا يقدر على التأثير في خلقه. كأن بريستلي يقول للرادين على الإلحاد: نفي المادية عن الله يقتضي أن يكون مجرد فكرة!
إن هذا العرض المختصر والمجحف بحق جوزيف بريستلي يجيب عن التساؤل: هل المادية تنفي الإله؟ والجواب: إن كان إلهك مثاليا لا يحس ولا يشار له، فالجواب نعم. أما إن كان تصورك للإله مادي مثبتا فيه صفات العظمة والجلال له، فلا أرى أي موقف فلسفي بإمكانه الدفاع عن هذا التصور غير المادية..
#إعادة_نشر
Forwarded from يوسف سمرين
"يسير الناس في النهاية إلى أقدارهم التي رسمها الله عز وجل سبحانه وتعالى، ولكنهم مع ذلك يسيرون إليها طواعية من دون أن يجبرهم أحد!
ولكن كيف ذلك؟
كيف أن الله اختار لهم سلفًا مصيرًا هم سائرون إليه، ثم مع ذلك هم اختاروا بإرادتهم الحرة هذا المصير؟!
كيف لم يحدث ولو مرة واحدة ولو على سبيل الخطأ، ولو على سبيل الاستثناء أن يكون اختيارهم الحر خارجًا عن اختيار الله؟
الإجابة: لا أدري!
وأنت أيضًا لا تدري، وكل البشر لا يدري!" [١]
____
بهذه الطريقة: هو لا يدري، ولم يقل لعل غيري يدري، ويصوب لي، بل يجزم بكل تواضع بأن كل البشر لا يدرون!
أدنى مطلع على هذا المبحث في العقائد الإسلامية يعلم أن مبحث القدر من المباحث التي أفاض في بيانها العلماء، واستعمل اصطلاحًا لم يرد فيها بل يوجد في كتب الفلسفة وكتب اللاهوت النصراني (الإرادة الحرة) ويقابله في المباحث الكلامية (مبحث الإرادة والفعل-خلق أفعال العباد)، وبيانه يظهر عدم تصوره للمسألة، فقد صوّر المسألة غلطًا في البداية حين افترض أن هناك نقطة محددة سلفًا في القدر يصل إليها البشر طواعية وكأن اختيارهم خارجٌ عن مبحث العلم الإلهي والخلق، ثم يصل إلى تلك النقطة المحددة سلفًا.
ويقول: كيف لم تخرج إرادتهم ولو بالخطأ عن إرادة الله، سيجيبه المتكلمون في هذا لأن هذا (مستحيل) يعني: ندرك امتناعه؛ لامتناع أن يجهل الله الغيب، وامتناع أن يكون في ملكه ما لا يخلقه.
وأهل الحديث يثبتون أفعال الله عز وجل، ففعل الخلق يقوم به، وأما أفعال العباد فمفعول الله، وبهذا لا يحصل تنازع بين فعل العبد وفعل البشر كما يصوره الكاتب، حيث رأى أن اختيار الله [الذي هو فعله] يتحد مع اختيار الإنسان [الذي هو مفعوله] ويقول بدون جبر!
فلو كان فعل الله هو فعل العبد لكان هذا الجبر بعينه كما قال جهم بن صفوان.
ولو كان فعل الله هو مفعوله، لامتناع قيام الحوادث فيه، كما قال الأشعري وهو خالقه للزمه الجبر، كما ألزمه المعتزلة وابن تيمية وغيرهم له.
وحتى يفر المعتزلة من هذا قالوا بعدم خلق أفعال العباد من الله.
وكلهم يسلم أن هذا مدرك بالعقل، مهما كان جوابهم، لا أنهم يقولون بأنهم لا يدرون وكل البشر لا يدرون.
مبحث [الإرادة الحرة] من المباحث التي قال كانط فيها: نسلمها دون قدرة من العقل المحض على إثباتها بل نسلمها قبليًّا، والكاتب يقترب من هذا حين يقول: لا يدري، ومع ذلك يثبتها، فكيف يثبتها؟ إن كان بالنص فليس في النص ذكر للإرادة الحرة، وإن كان بالعقل فلابد أن يدري ما يقول المرء قبل إثباته أو نفيه.
____
[١] الإجابة القرآنية؛ كيف أجاب القرآن عن أسئلتك الوجودية؟ مهاب السعيد، عصير الكتب للنشر والتوزيع، ص٣٢٩.
ولكن كيف ذلك؟
كيف أن الله اختار لهم سلفًا مصيرًا هم سائرون إليه، ثم مع ذلك هم اختاروا بإرادتهم الحرة هذا المصير؟!
كيف لم يحدث ولو مرة واحدة ولو على سبيل الخطأ، ولو على سبيل الاستثناء أن يكون اختيارهم الحر خارجًا عن اختيار الله؟
الإجابة: لا أدري!
وأنت أيضًا لا تدري، وكل البشر لا يدري!" [١]
____
بهذه الطريقة: هو لا يدري، ولم يقل لعل غيري يدري، ويصوب لي، بل يجزم بكل تواضع بأن كل البشر لا يدرون!
أدنى مطلع على هذا المبحث في العقائد الإسلامية يعلم أن مبحث القدر من المباحث التي أفاض في بيانها العلماء، واستعمل اصطلاحًا لم يرد فيها بل يوجد في كتب الفلسفة وكتب اللاهوت النصراني (الإرادة الحرة) ويقابله في المباحث الكلامية (مبحث الإرادة والفعل-خلق أفعال العباد)، وبيانه يظهر عدم تصوره للمسألة، فقد صوّر المسألة غلطًا في البداية حين افترض أن هناك نقطة محددة سلفًا في القدر يصل إليها البشر طواعية وكأن اختيارهم خارجٌ عن مبحث العلم الإلهي والخلق، ثم يصل إلى تلك النقطة المحددة سلفًا.
ويقول: كيف لم تخرج إرادتهم ولو بالخطأ عن إرادة الله، سيجيبه المتكلمون في هذا لأن هذا (مستحيل) يعني: ندرك امتناعه؛ لامتناع أن يجهل الله الغيب، وامتناع أن يكون في ملكه ما لا يخلقه.
وأهل الحديث يثبتون أفعال الله عز وجل، ففعل الخلق يقوم به، وأما أفعال العباد فمفعول الله، وبهذا لا يحصل تنازع بين فعل العبد وفعل البشر كما يصوره الكاتب، حيث رأى أن اختيار الله [الذي هو فعله] يتحد مع اختيار الإنسان [الذي هو مفعوله] ويقول بدون جبر!
فلو كان فعل الله هو فعل العبد لكان هذا الجبر بعينه كما قال جهم بن صفوان.
ولو كان فعل الله هو مفعوله، لامتناع قيام الحوادث فيه، كما قال الأشعري وهو خالقه للزمه الجبر، كما ألزمه المعتزلة وابن تيمية وغيرهم له.
وحتى يفر المعتزلة من هذا قالوا بعدم خلق أفعال العباد من الله.
وكلهم يسلم أن هذا مدرك بالعقل، مهما كان جوابهم، لا أنهم يقولون بأنهم لا يدرون وكل البشر لا يدرون.
مبحث [الإرادة الحرة] من المباحث التي قال كانط فيها: نسلمها دون قدرة من العقل المحض على إثباتها بل نسلمها قبليًّا، والكاتب يقترب من هذا حين يقول: لا يدري، ومع ذلك يثبتها، فكيف يثبتها؟ إن كان بالنص فليس في النص ذكر للإرادة الحرة، وإن كان بالعقل فلابد أن يدري ما يقول المرء قبل إثباته أو نفيه.
____
[١] الإجابة القرآنية؛ كيف أجاب القرآن عن أسئلتك الوجودية؟ مهاب السعيد، عصير الكتب للنشر والتوزيع، ص٣٢٩.
Forwarded from يوسف سمرين
خلط الكانطية بالمباحث العقدية في القدر..
"كانت الميتافيزيقا عند كانط هي حدود المعرفة... الفلاسفة الميتافيزيقيون بشكل عام ... توصلوا في النهاية إلى الكلمة التي أقرها عليهم أستاذ الفلسفة زكريا إبراهيم، حين قال: الأصل في الحرية هو سرٌ هيهات لنا أن نزيح النقاب عنه!
هذا السر هو ما عناه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عنه حين قال في كلمته الخالدة التي جعلتُها آخرًا لأنه أفخرهم بلا منازع: "القدَر سر الله عز وجل في خلقه فلا نكشفه" أي لا تحاول أن تميط اللثام عن هذا السر فهو لن ينكشف أبدًا، ليس لك، وليس لي، وليس لهؤلاء الأدباء وليس لأولئك الفلاسفة، وليس لأي أحد" [١]
———————
الكلام الأول منتزع من كتاب (الغيب والعقل) لإلياس بلكا، ومرده إلى تقريرات كانط، فقد رأى كانط أن الله والحرية، والنفس لا يمكن إثباتها بالعقل المحض، وليسلّم بها كان عليه بنظره "أن أضع العلم جانبًا لكي أحصل على مكان للإيمان" [٢] ولكن الإرادة ضرورية في العقل العملي أي الأخلاقي [٣].
أي إن النظرة التي ينسبها الكاتب باستحالة معرفة العقل للإرادة لمن يسميهم بالميتافيزيقيين هي نظرة كانط الذي أثر فيمن يذكرهم، مع التنبيه بأنه ليس كل ميتافيزيقي على هذا القول.
ومع ذلك هذه وجهة نظر كانط التي يخالفه بها أئمة المسلمين فلا يسلمون له باستحالة الاستدلال العقلي على الله، والنفس، وأفعال العباد وإرادتهم، التي يسميها مبحث [حرية الإرادة] ولا يقولون بأن إثباتها مجرد مسلّمة لإنقاذ القانون الأخلاقي.
أما للكلمة ((الخالدة)) التي فسرها الكاتب بطريقة كانط!! هذه الكلمة "القدَر سر الله عز وجل في خلقه فلا نكشفه" إنما تروى عن علي كالتالي: "سر الله فلا تُكلفه" [٤] فتصحفت على بعضهم إلى "فلا تكشفه" ونقل الكاتب الكلمة المصحّفة.
وهي رواية إسنادها "ضعيف جدًا"[٥] في إسنادها مجاهيل ومتهمون بالوضع، لا تصح عن علي بن أبي طالب، وكل ما ذكره في تفسيرها مجرد كانطية.
ولو كان القدر يمتنع إدراكه عقلًا لما جاز الحديث فيه، فإن الحديث في "الروح ((والقَدر)) والتعديل والتجويز والعقل والنفس قد يُظن أن الكلام في هذا مذموم مطلقًا، وليس كذلك، بل الكلام في ذلك وغيره بالحق النافع لا يذم، وإنما يذم الكلام الباطل والكلام بلا علم" [٦]، "وما لا يدركه الإنسان بعقله إذا تكلم فيه، تكلم بلا علم" [٧]، فهو من المدركات العقلية التي يمدح من تكلم فيه بحق وعلم، لا أنه لا يدري ويزعم جهل كل البشر فيما لا يدريه.
———————
[١] الإجابة القرآنية؛ كيف أجاب القرآن عن أسئلتك الوجودية؟ مهاب السعيد، عصير الكتب للنشر والتوزيع، ص٣٣١.
[٢] نقد العقل المحض، إمانويل كَنت، ترجمة: غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: ٢٠١٣، ص٤٦.
[٣] انظر: نقد العقل العملي، إمانويل كَنت، ترجمة: غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: ٢٠٠٨، ص٢٣٠.
[٤]الشريعة، الآجري، تحقيق: عبد الله الدميجي، دار الوطن، الطبعة الأولى: ١٩٩٧م، ج٢، ص٨٤٤.
[٥] انظر تخريج المحقق لها: الشريعة، الآجري، تحقيق: عبد الله الدميجي، ج٢، ص٨٤٤، ٨٤٥.
[٦] درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، ج٧، ص٣٣٠، باختصار.
[٧] درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن تيمية، ج٧، ص٣٢٩.
"كانت الميتافيزيقا عند كانط هي حدود المعرفة... الفلاسفة الميتافيزيقيون بشكل عام ... توصلوا في النهاية إلى الكلمة التي أقرها عليهم أستاذ الفلسفة زكريا إبراهيم، حين قال: الأصل في الحرية هو سرٌ هيهات لنا أن نزيح النقاب عنه!
هذا السر هو ما عناه علي بن أبي طالب رضي الله عنه عنه حين قال في كلمته الخالدة التي جعلتُها آخرًا لأنه أفخرهم بلا منازع: "القدَر سر الله عز وجل في خلقه فلا نكشفه" أي لا تحاول أن تميط اللثام عن هذا السر فهو لن ينكشف أبدًا، ليس لك، وليس لي، وليس لهؤلاء الأدباء وليس لأولئك الفلاسفة، وليس لأي أحد" [١]
———————
الكلام الأول منتزع من كتاب (الغيب والعقل) لإلياس بلكا، ومرده إلى تقريرات كانط، فقد رأى كانط أن الله والحرية، والنفس لا يمكن إثباتها بالعقل المحض، وليسلّم بها كان عليه بنظره "أن أضع العلم جانبًا لكي أحصل على مكان للإيمان" [٢] ولكن الإرادة ضرورية في العقل العملي أي الأخلاقي [٣].
أي إن النظرة التي ينسبها الكاتب باستحالة معرفة العقل للإرادة لمن يسميهم بالميتافيزيقيين هي نظرة كانط الذي أثر فيمن يذكرهم، مع التنبيه بأنه ليس كل ميتافيزيقي على هذا القول.
ومع ذلك هذه وجهة نظر كانط التي يخالفه بها أئمة المسلمين فلا يسلمون له باستحالة الاستدلال العقلي على الله، والنفس، وأفعال العباد وإرادتهم، التي يسميها مبحث [حرية الإرادة] ولا يقولون بأن إثباتها مجرد مسلّمة لإنقاذ القانون الأخلاقي.
أما للكلمة ((الخالدة)) التي فسرها الكاتب بطريقة كانط!! هذه الكلمة "القدَر سر الله عز وجل في خلقه فلا نكشفه" إنما تروى عن علي كالتالي: "سر الله فلا تُكلفه" [٤] فتصحفت على بعضهم إلى "فلا تكشفه" ونقل الكاتب الكلمة المصحّفة.
وهي رواية إسنادها "ضعيف جدًا"[٥] في إسنادها مجاهيل ومتهمون بالوضع، لا تصح عن علي بن أبي طالب، وكل ما ذكره في تفسيرها مجرد كانطية.
ولو كان القدر يمتنع إدراكه عقلًا لما جاز الحديث فيه، فإن الحديث في "الروح ((والقَدر)) والتعديل والتجويز والعقل والنفس قد يُظن أن الكلام في هذا مذموم مطلقًا، وليس كذلك، بل الكلام في ذلك وغيره بالحق النافع لا يذم، وإنما يذم الكلام الباطل والكلام بلا علم" [٦]، "وما لا يدركه الإنسان بعقله إذا تكلم فيه، تكلم بلا علم" [٧]، فهو من المدركات العقلية التي يمدح من تكلم فيه بحق وعلم، لا أنه لا يدري ويزعم جهل كل البشر فيما لا يدريه.
———————
[١] الإجابة القرآنية؛ كيف أجاب القرآن عن أسئلتك الوجودية؟ مهاب السعيد، عصير الكتب للنشر والتوزيع، ص٣٣١.
[٢] نقد العقل المحض، إمانويل كَنت، ترجمة: غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: ٢٠١٣، ص٤٦.
[٣] انظر: نقد العقل العملي، إمانويل كَنت، ترجمة: غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى: ٢٠٠٨، ص٢٣٠.
[٤]الشريعة، الآجري، تحقيق: عبد الله الدميجي، دار الوطن، الطبعة الأولى: ١٩٩٧م، ج٢، ص٨٤٤.
[٥] انظر تخريج المحقق لها: الشريعة، الآجري، تحقيق: عبد الله الدميجي، ج٢، ص٨٤٤، ٨٤٥.
[٦] درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، ج٧، ص٣٣٠، باختصار.
[٧] درء تعارض العقل والنقل، أحمد بن تيمية، ج٧، ص٣٢٩.
Forwarded from يوسف سمرين
حوار... مع القراء الكرام.
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الأولى
بعد خمس سنوات من الردود المتبادلة مع عبد الله الدعجاني، مؤلف كتاب (منهج ابن تيمية المعرفي) كان مفترضًا به أن يحسن من معارفه، ومن صياغته وأسلوبه الذي يحرص به على محاكاة لغة (الأدب)، في مباحث فكرية وفلسفية، لكنه أطل بنقد هذه المرة على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة) ولم يكن موفقًا في الأولى ولا الثانية، دون أي إشارة لأي تطوير على معارفه، أو أطروحاته.
ورغم تطوع بعض أنصاره بالتهويش على الكتاب، إلا أنه لا يظهر أنه رضي عن قولهم فلم يكتفِ به، فانتصب للرد على الكتاب، ونظرًا لانفعاله الذي حجب عنه التريث في إطلاقاته، فستكون فرصة للحوار مع القراء، ممن قرأوا كتابه، بأن يقرأوا نقده للكتاب، فهناك من راهن على عبد الله الدعجاني بصفته كتب كتابًا في موضوع منهج ابن تيمية، فخيل إليه أنه سيكون ندًا لكتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود)، وسيتم نشر رابط رده في آخر هذا المنشور، حتى يطالع القراء طبيعة ما قاله، وطريقته في التفكير، وأسلوب قلمه (*).
افتتح مقالته بقوله حوار مع (الرفيق) وهي كلمة كانت ولا زالت تنتشر في صفوف اليسار، فاستعملها من باب اللمز، على أي حال لا حاجة للرد عليه بمثل هذا الأسلوب، يذكرني هذا بتصرف صبياني من أحدهم حين قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يساريًا، لماذا؟ لأنه قال "اللهم الرفيق الأعلى"، ومع ذلك لابد من بيان:
قد يكون المرء ماديًا من ناحية فلسفية، ولا يلزم من هذا وصفه باليسار، حيث إن اليسار وصف لمذهب سياسي، والمادية وصف لموقف فلسفي في الأنطلوجيا، وها هو ماريو بونخي على سبيل المثال يرى بأن نيتشه مادي من ناحية أنطلوجية، ومع ذلك فنيتشه كان من أشد خصوم الاشتراكية، وتكرر لمزه بالماركسي، بحجة المادية، على أن الكتاب فيه عرض لمذهب فويرباخ، ولم يكن ماركسيًا، بل سبق ماركس إلى المادية، وعنه أخذ ماركس، وفي الكتاب كذلك باكونين وهو مخالف لكارل ماركس، لكن الرجل أراد اللمز كيفما اتفق، رغم احتواء الكتاب على فصل خاص بالديالكتيك بصيغته الماركسية ونقده.
وغني عن القول بأن ابن تيمية نفسه لمزه خصومه بأوصاف وألقاب، وكانت علامة على الإفلاس، ولكن لعل وقع الكتاب كان شديدًا على عبد الله الدعجاني أثر على تنبهه لهذا، وتنبئ سطوره المتوترة بشيء من ذلك حيث شبهه بشخصية من أشهر روايات [الرعب العالمي]، رواية ماري شيلي (فرانكشتاين)!
بعيدًا عن كل تشغيباته اللفظية، أدخل في الرد:
قال: (هل الله تعالى مادة؟) بهذا الأسلوب البعيد تمامًا عن ابن تيمية، أو عمن هضم منهجه، بل هو الذي يوضع في جانب خصوم ابن تيمية، فبإعادة صياغة السؤال الذي كان يوجه إلى ابن تيمية، (هل الله جسم؟) انطلق الدعجاني، فماذا كان ابن تيمية يقول؟
قال ابن تيمية: " هذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك، فإن بيّن أنه أثبت حقًا، أثبته، وإن أثبت باطلًا ردّه" [1]، وذلك أن "لفظ التجسيم لفظ مجمل لا أصل له في الشرع، فنفيه وإثباته يفتقر إلى تفصيل ودليل" [2].
لا يحتاج الأمر سوى إلى قليل من الذكاء، حتى يعلم القائل أنّ اصطلاح المادة لم يرد في الشرع، فنفيه وإثباته يفتقر إلى تفصيل ودليل، فما تعريف المادة، وما المقصود بها عند الماديين؟ هي الوجود الموضوعي القابل للحس، فلو نفى هذا عن الله، وحذفنا لفظ المادة، ماذا سيكون الجواب؟
- لا، الله ليس وجوده موضوعيًا قابلًا عن الحس.
فهذا يظهر بعد الكاتب عن ابن تيمية تمامًا، ذلك الذي قال بالحرف: "إن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعًا عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كل ما لا يشار إليه، لا يكون موجودًا" [3]
ورجل لم يهضم البحوث المتناولة لهذا في الكتاب يقول: "ليس في الوجود والمعرفة ـ عنده وأساتذته الماديين ـ إلا طريقان: إما المادية وإما المثالية، وفازت المادية في صراعها مع المثالية"
بحق؟ ماذا قال ابن تيمية أصلًا؟ قال بأن الأشياء إما معينات قابلة للحس، وإما ذهنية ليس لها وجود في الخارج، والانطلاق في المعرفة من المعينات الخارجية إلى الذهن، من الذي حصر في هذين؟ إما معينات قابلة للحس، وإما ذهنية فحسب، إنه ابن تيمية، فهل هذا الكلام كلام الماديين؟ بشهادته هو نعم، لو زدنا درجة أخرى، المثالية يعرفها ابن تيمية جيدًا فهو يرد على أفلاطون وهو مثالي لا يجادل في ذلك من له أدنى اطلاع، ويرد على أرسطو فيقول:
"إذا حُقق الأمر عليهم، لم يوجد في الخارج إلا الجسم وأعراضه، وأثبتوا في الخارج أيضًا الكليات المقارنة للأعيان، وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها" [4].
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الأولى
بعد خمس سنوات من الردود المتبادلة مع عبد الله الدعجاني، مؤلف كتاب (منهج ابن تيمية المعرفي) كان مفترضًا به أن يحسن من معارفه، ومن صياغته وأسلوبه الذي يحرص به على محاكاة لغة (الأدب)، في مباحث فكرية وفلسفية، لكنه أطل بنقد هذه المرة على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة) ولم يكن موفقًا في الأولى ولا الثانية، دون أي إشارة لأي تطوير على معارفه، أو أطروحاته.
ورغم تطوع بعض أنصاره بالتهويش على الكتاب، إلا أنه لا يظهر أنه رضي عن قولهم فلم يكتفِ به، فانتصب للرد على الكتاب، ونظرًا لانفعاله الذي حجب عنه التريث في إطلاقاته، فستكون فرصة للحوار مع القراء، ممن قرأوا كتابه، بأن يقرأوا نقده للكتاب، فهناك من راهن على عبد الله الدعجاني بصفته كتب كتابًا في موضوع منهج ابن تيمية، فخيل إليه أنه سيكون ندًا لكتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود)، وسيتم نشر رابط رده في آخر هذا المنشور، حتى يطالع القراء طبيعة ما قاله، وطريقته في التفكير، وأسلوب قلمه (*).
افتتح مقالته بقوله حوار مع (الرفيق) وهي كلمة كانت ولا زالت تنتشر في صفوف اليسار، فاستعملها من باب اللمز، على أي حال لا حاجة للرد عليه بمثل هذا الأسلوب، يذكرني هذا بتصرف صبياني من أحدهم حين قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يساريًا، لماذا؟ لأنه قال "اللهم الرفيق الأعلى"، ومع ذلك لابد من بيان:
قد يكون المرء ماديًا من ناحية فلسفية، ولا يلزم من هذا وصفه باليسار، حيث إن اليسار وصف لمذهب سياسي، والمادية وصف لموقف فلسفي في الأنطلوجيا، وها هو ماريو بونخي على سبيل المثال يرى بأن نيتشه مادي من ناحية أنطلوجية، ومع ذلك فنيتشه كان من أشد خصوم الاشتراكية، وتكرر لمزه بالماركسي، بحجة المادية، على أن الكتاب فيه عرض لمذهب فويرباخ، ولم يكن ماركسيًا، بل سبق ماركس إلى المادية، وعنه أخذ ماركس، وفي الكتاب كذلك باكونين وهو مخالف لكارل ماركس، لكن الرجل أراد اللمز كيفما اتفق، رغم احتواء الكتاب على فصل خاص بالديالكتيك بصيغته الماركسية ونقده.
وغني عن القول بأن ابن تيمية نفسه لمزه خصومه بأوصاف وألقاب، وكانت علامة على الإفلاس، ولكن لعل وقع الكتاب كان شديدًا على عبد الله الدعجاني أثر على تنبهه لهذا، وتنبئ سطوره المتوترة بشيء من ذلك حيث شبهه بشخصية من أشهر روايات [الرعب العالمي]، رواية ماري شيلي (فرانكشتاين)!
بعيدًا عن كل تشغيباته اللفظية، أدخل في الرد:
قال: (هل الله تعالى مادة؟) بهذا الأسلوب البعيد تمامًا عن ابن تيمية، أو عمن هضم منهجه، بل هو الذي يوضع في جانب خصوم ابن تيمية، فبإعادة صياغة السؤال الذي كان يوجه إلى ابن تيمية، (هل الله جسم؟) انطلق الدعجاني، فماذا كان ابن تيمية يقول؟
قال ابن تيمية: " هذه الألفاظ ليس على أحد أن يقول فيها بنفي ولا إثبات حتى يستفسر المتكلم بذلك، فإن بيّن أنه أثبت حقًا، أثبته، وإن أثبت باطلًا ردّه" [1]، وذلك أن "لفظ التجسيم لفظ مجمل لا أصل له في الشرع، فنفيه وإثباته يفتقر إلى تفصيل ودليل" [2].
لا يحتاج الأمر سوى إلى قليل من الذكاء، حتى يعلم القائل أنّ اصطلاح المادة لم يرد في الشرع، فنفيه وإثباته يفتقر إلى تفصيل ودليل، فما تعريف المادة، وما المقصود بها عند الماديين؟ هي الوجود الموضوعي القابل للحس، فلو نفى هذا عن الله، وحذفنا لفظ المادة، ماذا سيكون الجواب؟
- لا، الله ليس وجوده موضوعيًا قابلًا عن الحس.
فهذا يظهر بعد الكاتب عن ابن تيمية تمامًا، ذلك الذي قال بالحرف: "إن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعًا عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كل ما لا يشار إليه، لا يكون موجودًا" [3]
ورجل لم يهضم البحوث المتناولة لهذا في الكتاب يقول: "ليس في الوجود والمعرفة ـ عنده وأساتذته الماديين ـ إلا طريقان: إما المادية وإما المثالية، وفازت المادية في صراعها مع المثالية"
بحق؟ ماذا قال ابن تيمية أصلًا؟ قال بأن الأشياء إما معينات قابلة للحس، وإما ذهنية ليس لها وجود في الخارج، والانطلاق في المعرفة من المعينات الخارجية إلى الذهن، من الذي حصر في هذين؟ إما معينات قابلة للحس، وإما ذهنية فحسب، إنه ابن تيمية، فهل هذا الكلام كلام الماديين؟ بشهادته هو نعم، لو زدنا درجة أخرى، المثالية يعرفها ابن تيمية جيدًا فهو يرد على أفلاطون وهو مثالي لا يجادل في ذلك من له أدنى اطلاع، ويرد على أرسطو فيقول:
"إذا حُقق الأمر عليهم، لم يوجد في الخارج إلا الجسم وأعراضه، وأثبتوا في الخارج أيضًا الكليات المقارنة للأعيان، وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها" [4].
Forwarded from يوسف سمرين
والماديون لا يعنيهم الصيغة التي يجري التعبير بها عن فلسفتهم، سمها الشيئية مثلًا، لا إشكال، بالانطلاق من الأشياء إلى الذهن، وليس هذا حديثًا عنهم دون أن يقولوه، فهذا لينين وهو مادي لا شك في هذا، قال: "المقصود عندنا لا يتعلق بهذه الصياغة أو تلك للمادية، بل بتضاد المادية للمثالية، بالفرق بين الخطين الأساسيين في الفلسفة، أمن الأشياء نمضي إلى الإحساس والفكر، أم من الفكر والإحساس إلى الأشياء" [5]، لا مشكلة مع الصيغة مع اللفظ، بدل أسلوب المماحكة اللفظية الهزيل.
فهنا يسمي المعينات في الخارج بالأشياء، وكما هو معلوم فإن سلف المثالية ((الدينية)) في الوسط الإسلامي كان جهم بن صفوان، وكان يمتنع عن تسمية الله بأنه [شيء] حتى لا يشارك الماديين الذين قابلهم جهم كذلك [السمنية] في نظرتهم للوجود، كل هذا يقفز عنه الدعجاني ليقول: هل الله مادة؟ ويحتاج جاوبًا دون استفصال، له أن يسلك ما يشاء لكن حتمًا ليس هذا من ابن تيمية في شيء.
ويقفز الدعجاني إلى الغيب ليقول: " بتلك الرؤية المادية الصارمة يتعاطى الكاتب مع عالم الغيب، منطلقًا من الاعتقاد الجازم بأن كل موجود خارج الذات مادي محسوس".
هل هذا الرجل قرأ ابن تيمية؟ ابن تيمية ماذا قال في الغيب؟
قال: "الموجود هو ما يمكن الإحساس به، ولو في الآخرة، وأن ما أخبرت به الرسل من الغيب، كما أخبرت به عن الجنة والنار والملائكة، بل وإخبارهم عن الله تعالى، هو مما يمكن معرفته بالحس، كالرؤية، فهذا قول جماهير أهل الإيمان بالرسل، وسلف الأمة وأئمتها، فإنهم متفقون على أن الله يرى في الآخرة عيانًا، كما يرى الشمس والقمر"[6].
انظروا ماذا يقول ابن تيمية، إن الموجود ما يمكن الإحساس به ولو في الآخرة، على منطق الدعجاني ابن تيمية ينظر إلى الوجود بما فيه عالم الغيب بأنه كل موجود خارج الذهن مادي محسوس، بل ابن تيمية يذهب أصرح من ذلك بقوله: "الرسل لم تفرّق بين الغيب والشهادة، بأن أحدهما معقول، والآخر محسوس، كما ظن ذلك من ظنه من المتفلسفة والجهمية، ومن شركَهم في بعض ذلك، وإنما فرّقت بأن أحدهما مشهودٌ الآن، والآخر غائب عنا لا نشهده الآن، ولهذا سمّاه الله تعالى غيبًا" [7]
ابن تيمية لا يفرق بين المشهود [المادي] والغيب بأن واحدًا منهما معقول وآخر محسوس، ويحكم بأن المخالف في ذلك من الجهمية، ومن شركهم في ذلك، أقرأت ذلك أيها الباحث في التراث التيمي: ((شركهم في ذلك)).
وقد كان عبد الله الدعجاني يتتلمذ على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود) بطريقة سيئة، فقال: " فهي ـ في نظره ونظر المادي الملحد شوبنهور: " أكثر الأنساق الفلسفية المنطلقة من الموضوع تماسكًا" وأحال إلى كتابي، أحب أن أقول له شوبنهاور لم يكن ماديًا أصلًا، بل هو مثالي، لكن لما زاد من عنده أخطأ، وكما قيل من أحب ألا يعلم مبلغه من العلم فعليه ألا يتحدث فيما لا يعلم.
بالنسبة للمقارنة المعقودة، فهي من ابن تيمية نفسه مع السمنية، ليست مني فحسب، الذي حرص مرارًا على بيان مذهبهم، وتحقيقه، ودفع افتراءات المثاليين عليهم، وهنا حتى لا يختلط الأمر على القارئ، لابد من بيان عدة مجالات يجري الحديث فيها:
1-المبحث في نظرية المعرفة: والماديون ينطلقون من الحس، قبل تشكل الكليات، ولا يعني هذا انحصارهم في المدخلات الحسية والإزراء بالمعقول، فهي ((فلسفة)) معقولة.
2-المبحث في نظرية الوجود: والماديون يقولون بأن الوجود هو الواقع المستغني عنا، وغير تابع لمعارفنا، وقابل للحس.
3-مبحث الأخلاق: والأخلاق تنطلق من الذهن، فهي توصف بالمثالية، ولكن تقع خلفها نظرية المعرفة والوجود فتضبطها عند المادية بخلاف المثاليين.
4-مبحث الإلهيات: وهو مبحث مستقل، ومع ذلك فهو مرتبط مبحث الوجود ومبحث المعرفة، وهنا يوجد مادي مؤمن وآخر ملحد، فالملحد هو الذي يحصر الخارجي في الدنيا، والمؤمن يضيف إليه الآخرة، والإيمان بخالق.
وبهذا يتضح أن هناك خلطًا كبيرًا بين هذه المباحث الأربعة عند العديد ممن تصدروا للكلام في هذا، ويزعجهم أن كلامهم يعريه النقد، ولذا يفزعون إلى الاستعارات اللغوية الفارغة.
وحتى لا أطيل على القارئ أختم بهذا، قال عبد الله الدعجاني بأنه يريد: "الاكتفاء ينفي المثل عن الله ((ليس كمثله شيء))، وهذا اعتراف صريح بنفي المادية عن الله؛ لأن "المادة" مخلوقة ندرك بعض مظاهرها إدراكا حسيًا، وهي داخلة دخولًا أوليًا في نفي المثل عن الله".
يذكر هذا بعقلية الجهمية، "قال أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل: قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة: تقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
فقلت له: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] قال: ما أردت بها؟
قلت: القرآن صفة من صفات اللَّه تعالى وصف بها نفسه، لا ننكر ذلك ولا نرده." [8]
فهنا يسمي المعينات في الخارج بالأشياء، وكما هو معلوم فإن سلف المثالية ((الدينية)) في الوسط الإسلامي كان جهم بن صفوان، وكان يمتنع عن تسمية الله بأنه [شيء] حتى لا يشارك الماديين الذين قابلهم جهم كذلك [السمنية] في نظرتهم للوجود، كل هذا يقفز عنه الدعجاني ليقول: هل الله مادة؟ ويحتاج جاوبًا دون استفصال، له أن يسلك ما يشاء لكن حتمًا ليس هذا من ابن تيمية في شيء.
ويقفز الدعجاني إلى الغيب ليقول: " بتلك الرؤية المادية الصارمة يتعاطى الكاتب مع عالم الغيب، منطلقًا من الاعتقاد الجازم بأن كل موجود خارج الذات مادي محسوس".
هل هذا الرجل قرأ ابن تيمية؟ ابن تيمية ماذا قال في الغيب؟
قال: "الموجود هو ما يمكن الإحساس به، ولو في الآخرة، وأن ما أخبرت به الرسل من الغيب، كما أخبرت به عن الجنة والنار والملائكة، بل وإخبارهم عن الله تعالى، هو مما يمكن معرفته بالحس، كالرؤية، فهذا قول جماهير أهل الإيمان بالرسل، وسلف الأمة وأئمتها، فإنهم متفقون على أن الله يرى في الآخرة عيانًا، كما يرى الشمس والقمر"[6].
انظروا ماذا يقول ابن تيمية، إن الموجود ما يمكن الإحساس به ولو في الآخرة، على منطق الدعجاني ابن تيمية ينظر إلى الوجود بما فيه عالم الغيب بأنه كل موجود خارج الذهن مادي محسوس، بل ابن تيمية يذهب أصرح من ذلك بقوله: "الرسل لم تفرّق بين الغيب والشهادة، بأن أحدهما معقول، والآخر محسوس، كما ظن ذلك من ظنه من المتفلسفة والجهمية، ومن شركَهم في بعض ذلك، وإنما فرّقت بأن أحدهما مشهودٌ الآن، والآخر غائب عنا لا نشهده الآن، ولهذا سمّاه الله تعالى غيبًا" [7]
ابن تيمية لا يفرق بين المشهود [المادي] والغيب بأن واحدًا منهما معقول وآخر محسوس، ويحكم بأن المخالف في ذلك من الجهمية، ومن شركهم في ذلك، أقرأت ذلك أيها الباحث في التراث التيمي: ((شركهم في ذلك)).
وقد كان عبد الله الدعجاني يتتلمذ على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود) بطريقة سيئة، فقال: " فهي ـ في نظره ونظر المادي الملحد شوبنهور: " أكثر الأنساق الفلسفية المنطلقة من الموضوع تماسكًا" وأحال إلى كتابي، أحب أن أقول له شوبنهاور لم يكن ماديًا أصلًا، بل هو مثالي، لكن لما زاد من عنده أخطأ، وكما قيل من أحب ألا يعلم مبلغه من العلم فعليه ألا يتحدث فيما لا يعلم.
بالنسبة للمقارنة المعقودة، فهي من ابن تيمية نفسه مع السمنية، ليست مني فحسب، الذي حرص مرارًا على بيان مذهبهم، وتحقيقه، ودفع افتراءات المثاليين عليهم، وهنا حتى لا يختلط الأمر على القارئ، لابد من بيان عدة مجالات يجري الحديث فيها:
1-المبحث في نظرية المعرفة: والماديون ينطلقون من الحس، قبل تشكل الكليات، ولا يعني هذا انحصارهم في المدخلات الحسية والإزراء بالمعقول، فهي ((فلسفة)) معقولة.
2-المبحث في نظرية الوجود: والماديون يقولون بأن الوجود هو الواقع المستغني عنا، وغير تابع لمعارفنا، وقابل للحس.
3-مبحث الأخلاق: والأخلاق تنطلق من الذهن، فهي توصف بالمثالية، ولكن تقع خلفها نظرية المعرفة والوجود فتضبطها عند المادية بخلاف المثاليين.
4-مبحث الإلهيات: وهو مبحث مستقل، ومع ذلك فهو مرتبط مبحث الوجود ومبحث المعرفة، وهنا يوجد مادي مؤمن وآخر ملحد، فالملحد هو الذي يحصر الخارجي في الدنيا، والمؤمن يضيف إليه الآخرة، والإيمان بخالق.
وبهذا يتضح أن هناك خلطًا كبيرًا بين هذه المباحث الأربعة عند العديد ممن تصدروا للكلام في هذا، ويزعجهم أن كلامهم يعريه النقد، ولذا يفزعون إلى الاستعارات اللغوية الفارغة.
وحتى لا أطيل على القارئ أختم بهذا، قال عبد الله الدعجاني بأنه يريد: "الاكتفاء ينفي المثل عن الله ((ليس كمثله شيء))، وهذا اعتراف صريح بنفي المادية عن الله؛ لأن "المادة" مخلوقة ندرك بعض مظاهرها إدراكا حسيًا، وهي داخلة دخولًا أوليًا في نفي المثل عن الله".
يذكر هذا بعقلية الجهمية، "قال أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل: قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ الكتاب بالمحنة: تقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
فقلت له: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] قال: ما أردت بها؟
قلت: القرآن صفة من صفات اللَّه تعالى وصف بها نفسه، لا ننكر ذلك ولا نرده." [8]
Forwarded from يوسف سمرين
فما يقوله يدور وفق عقلية الجهمية، حين رأوا بأن "ليس كمثله شيء" صريحة في نفي التجسيم عن الله، وبالتالي فالأحرف عندهم من التجسيم، وبالتالي ينزهون الله عنها، لأن كل حرف ((ندرك بعض مظاهره إدراكًا حسيًا))، والدعجاني لا يختلف عنهم سوى أنه أبدل مكان الجسم لفظ مادة، حيث صارت كل مادة عنده مخلوقة! وقوله ((ندرك بعض مظاهرها إدراكًا حسيًا وهي داخلة دخولًا أوليًا في نفي المثال عن الله"، فعلى أن هذا الاصطلاح قد سبق بأنه يشمل كل ما له وجود موضوعي يقبل الحس، وبالتالي فالقرآن يصبح مخلوقًا، كونه يُسمع بالآذان، وهذا هو كلام الجهمية في هذه المسألة، حتى قالوا القرآن مخلوق فهو عندهم قابل للحس.
مودتي.
_______
(*) رابط كلام الدعجاني:
https://www.facebook.com/abdullah.daj/posts/1268172690196893
[1] مجموع الفتاوى، ج5، ص298، 299.
[2] مجموع الفتاوى، ج5، ص307.
[3] درء تعارض العقل والنقل، ج6، ص131.
[4] درء تعارض العقل والنقل، ج5، ص173، 174.
[5] المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم–موسكو، الترجمة إلى العربية 1981م، طبع في الاتحاد السوفييتي، ص 38، باختصار.
[6] درء تعارض العقل والنقل، ج5، ص131، 132.
[7] درء تعارض العقل والنقل، ج9، ص15.
[8] الجامع لعلوم الإمام أحمد، ج3، ص397.
مودتي.
_______
(*) رابط كلام الدعجاني:
https://www.facebook.com/abdullah.daj/posts/1268172690196893
[1] مجموع الفتاوى، ج5، ص298، 299.
[2] مجموع الفتاوى، ج5، ص307.
[3] درء تعارض العقل والنقل، ج6، ص131.
[4] درء تعارض العقل والنقل، ج5، ص173، 174.
[5] المادية والمذهب النقدي التجريبي، لينين، دار التقدم–موسكو، الترجمة إلى العربية 1981م، طبع في الاتحاد السوفييتي، ص 38، باختصار.
[6] درء تعارض العقل والنقل، ج5، ص131، 132.
[7] درء تعارض العقل والنقل، ج9، ص15.
[8] الجامع لعلوم الإمام أحمد، ج3، ص397.
قرأت ورقة بعنوان «بطلان تفسير سمرين لطبيعة الوعي عند شيخ الإسلام» لصاحبها وهي ملحقة بما كتبه في «التعليق الودود» الذي سبق التعليق عليه. في هذه الورقة يعزف الناقد المعزوفة القديمة: هناك فرق بين الإثبات الفطري والإتجاه المادي (كأن خصومه لم يثبتوا هذه التفرقة وكأني لم أقل أن الفطرة ليست بديلا عن التفلسف)، وأن المادة هي الوجود الموضوعي بلا أي ضابط، وأن صاحب كتاب «نظرية ابن تيمية في المعرفة والوجود» يريد التقرب إلى المادية الجدلية (كأن خصمه لم ينتقد الديالكتيك في كتابه، وكأن الخط العام ليس فيه إلا أتباع ماركس).
يذكر الناقد في تعليقه موطنين أخطأ خصمه فيهما:
١. كيفية حصول الوعي.
٢. وجود احساسات لا تقوم بالجسد.
===
قبل أن نبدأ في التعليق هناك نقطة وجب التنبيه عليها: تعلق التعقل بالقلب واستقلال الروح عن الجسد ليسا منافيين للمادية كما يحاول الناقد تصويرهما. خذ رواد المذهب الذري الإغريقي مثلا، فهم يقولون أن الروح هي ذرات خاصة من مادة شبه نارية، وتعقلها متعلق بالقلب لا الدماغ، وهذا كله لم يمنع من تصنيفهم على أنهم ماديون!
كما أن المادية الحديثة والمعاصرة تقول بأن العقل وظيفة الدماغ، فهذا القول ليس حكرا على المادية الجدلية.
فالرجل، كعادته، ليس محررا لموضع النزاع بين المادية وخصومها، ويريد أن يتشبث بأي خلاف داخلي لينزع عن فلسفة ابن تيمية توجهها المادي.
===
الموطن الأول:
يرمي الناقد خصمه بعدم الأمانة في النقل، ففي هذا الموطن يذهب إلى أن:
١. العقل قائم بالنفس لا بالجسد
٢. العقل متعلق بالقلب لا بمجرد الدماغ
أما كون العقل قائم بالنفس فهو مسلم، غير أن هذا يكون عند انفصالها عن الجسد، الأمر سيختلف عند حلول النفس في الجسد؛ فالروح شرط للحياة:
• "الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة" [المجلد التاسع من مجموع الفتاوى].
والحياة المقصودة هنا هي الحياة الحيوانية التي تختص بالوعي والحركة الإرادية:
• "الحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء" [المجلد الثاني عشر من مجموع الفتاوى].
إذًا، فالروح عند اتصالها بالجسد تكون شرطا للوعي والإرادة لا علة تامة لها كما لو كانت منفصلة، إذ أنه لا بد أن:
• "يحصل لكل منهما من التغير والاستحالة ما يوجب الاتحاد، وأن يكون المتحد المختلط المركب منهما شيئا ثالثا ليس هو أحدهما فقط، ولا مجموع كل منهما على حاله." [الجزء الثاني من الجواب الصحيح].
• "فالبدن إذا كانت فيه النفس تتغير صفاته وأحكامه وتختلف أحواله باجتماعها وافتراقها والنفس إذا كانت في البدن تختلف صفاتها وأحكامها." [المرجع السابق].
باختصار، العقل الذي كان صفة للنفس عند انفصالها عن الجسد هي صفة للجسد الحي عند اتصال الروح به. أما تعلق العقل بالقلب فسيقول ابن تيمية أن لفظ القلب يطلق على الجوف مطلقا كما ويطلق على العضو، ليختار بعد ذلك الدماغ ليكون مبدأ الفكر والنظر فيه (مبدأ الشيءِ: أوّله ومادّته التي يتكوَّن منها، كالنَّواة مبدأ النَّخل، أو يتركَّب منها كالحروف مَبْدأ الكلام [المعجم الوسيط])، أما مبدأ الإرادة فيكون في القلب. إذًا، لم يحرف يوسف سمرين شيئا من كلام ابن تيمية؛ إذ عضو التعقل والمعرفة عند ابن تيمية هو الدماغ، أما إرادة القلب فهي تابعة للدماغ "فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء"، والإرادة ليست علما وإن كانت تستلزمه.
أما نقله عن تعلق المعرفة بالقلب، فلا بد أن يحمل المجمل على المفصل، إذ القلب هنا يقصد به مطلق الجوف لا العضو كما سبق بيانه. لذلك سترى ابن تيمية يقول: "ما يعلمه الإنسان من حق وباطل فإنه يقوم #بقلبه ويحل بروحه المنفوخة فيه المتصلة بالقلب الذي هو المضغة الصنوبرية الشكل"، فقلبه يقصد بها جوفه، لا العضو كما هو المقصود من لفظة القلب الثانية. وما فصله ابن تيمية عن علاقة الفكر والنظر بالدماغ وعلاقة الإرادة بالقلب يكفي لحمل ما هو مجمل عليه.
===
الموطن الثاني:
يقول أن هناك أحاسيس تبدأ من الروح لا الجسد، وليستدل على ذلك اقتبس كلاما لابن تيمية يقرر فيه التفاعل بين البدن والروح (كأن خصومه لا يسلمون بذلك)!!!
لن يكتفي بذلك، بل سيقتبس عن ابن تيمية كلاما يناقض قوله هو: "ولذة القلب وألمه أعظم من لذة الجسم وألمه، أعني ألمه ولذته النفسانيتين وإن كان قد يحصل فيه من الألم من جنس ما يحصل في سائر البدن بسبب مرض الجسم فلذلك شيء آخر" [المجلد السادس من مجموع الفتاوى].
إذًا، فاللذة والألم النفسيان يقومان بالقلب (وقد سبق الحديث عن معنى القلب)، أي بالجسد، لذلك ترى ابن تيمية عندما يفرق بين «اللذة والألم النفسيين» و«اللذة والألم الجسميين» يتبعه تفريق بين «القلب» و«سائر الجسد»!! لا أن النفس منعزلةٌ عن أعضاء التعقل الجسدية!
إذًا، فكلام الناقد هنا ليس إلا مصادرةً على المطلوب. زد على ذلك تحريفه لكلام يوسف عندما تعرض لقول أحدهم من أن منشأ
يذكر الناقد في تعليقه موطنين أخطأ خصمه فيهما:
١. كيفية حصول الوعي.
٢. وجود احساسات لا تقوم بالجسد.
===
قبل أن نبدأ في التعليق هناك نقطة وجب التنبيه عليها: تعلق التعقل بالقلب واستقلال الروح عن الجسد ليسا منافيين للمادية كما يحاول الناقد تصويرهما. خذ رواد المذهب الذري الإغريقي مثلا، فهم يقولون أن الروح هي ذرات خاصة من مادة شبه نارية، وتعقلها متعلق بالقلب لا الدماغ، وهذا كله لم يمنع من تصنيفهم على أنهم ماديون!
كما أن المادية الحديثة والمعاصرة تقول بأن العقل وظيفة الدماغ، فهذا القول ليس حكرا على المادية الجدلية.
فالرجل، كعادته، ليس محررا لموضع النزاع بين المادية وخصومها، ويريد أن يتشبث بأي خلاف داخلي لينزع عن فلسفة ابن تيمية توجهها المادي.
===
الموطن الأول:
يرمي الناقد خصمه بعدم الأمانة في النقل، ففي هذا الموطن يذهب إلى أن:
١. العقل قائم بالنفس لا بالجسد
٢. العقل متعلق بالقلب لا بمجرد الدماغ
أما كون العقل قائم بالنفس فهو مسلم، غير أن هذا يكون عند انفصالها عن الجسد، الأمر سيختلف عند حلول النفس في الجسد؛ فالروح شرط للحياة:
• "الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة" [المجلد التاسع من مجموع الفتاوى].
والحياة المقصودة هنا هي الحياة الحيوانية التي تختص بالوعي والحركة الإرادية:
• "الحياة نوعان: حياة الحيوان وحياة النبات، فحياة الحيوان خاصتها الحس والحركة الإرادية وحياة النبات خاصتها النمو والاغتذاء" [المجلد الثاني عشر من مجموع الفتاوى].
إذًا، فالروح عند اتصالها بالجسد تكون شرطا للوعي والإرادة لا علة تامة لها كما لو كانت منفصلة، إذ أنه لا بد أن:
• "يحصل لكل منهما من التغير والاستحالة ما يوجب الاتحاد، وأن يكون المتحد المختلط المركب منهما شيئا ثالثا ليس هو أحدهما فقط، ولا مجموع كل منهما على حاله." [الجزء الثاني من الجواب الصحيح].
• "فالبدن إذا كانت فيه النفس تتغير صفاته وأحكامه وتختلف أحواله باجتماعها وافتراقها والنفس إذا كانت في البدن تختلف صفاتها وأحكامها." [المرجع السابق].
باختصار، العقل الذي كان صفة للنفس عند انفصالها عن الجسد هي صفة للجسد الحي عند اتصال الروح به. أما تعلق العقل بالقلب فسيقول ابن تيمية أن لفظ القلب يطلق على الجوف مطلقا كما ويطلق على العضو، ليختار بعد ذلك الدماغ ليكون مبدأ الفكر والنظر فيه (مبدأ الشيءِ: أوّله ومادّته التي يتكوَّن منها، كالنَّواة مبدأ النَّخل، أو يتركَّب منها كالحروف مَبْدأ الكلام [المعجم الوسيط])، أما مبدأ الإرادة فيكون في القلب. إذًا، لم يحرف يوسف سمرين شيئا من كلام ابن تيمية؛ إذ عضو التعقل والمعرفة عند ابن تيمية هو الدماغ، أما إرادة القلب فهي تابعة للدماغ "فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء"، والإرادة ليست علما وإن كانت تستلزمه.
أما نقله عن تعلق المعرفة بالقلب، فلا بد أن يحمل المجمل على المفصل، إذ القلب هنا يقصد به مطلق الجوف لا العضو كما سبق بيانه. لذلك سترى ابن تيمية يقول: "ما يعلمه الإنسان من حق وباطل فإنه يقوم #بقلبه ويحل بروحه المنفوخة فيه المتصلة بالقلب الذي هو المضغة الصنوبرية الشكل"، فقلبه يقصد بها جوفه، لا العضو كما هو المقصود من لفظة القلب الثانية. وما فصله ابن تيمية عن علاقة الفكر والنظر بالدماغ وعلاقة الإرادة بالقلب يكفي لحمل ما هو مجمل عليه.
===
الموطن الثاني:
يقول أن هناك أحاسيس تبدأ من الروح لا الجسد، وليستدل على ذلك اقتبس كلاما لابن تيمية يقرر فيه التفاعل بين البدن والروح (كأن خصومه لا يسلمون بذلك)!!!
لن يكتفي بذلك، بل سيقتبس عن ابن تيمية كلاما يناقض قوله هو: "ولذة القلب وألمه أعظم من لذة الجسم وألمه، أعني ألمه ولذته النفسانيتين وإن كان قد يحصل فيه من الألم من جنس ما يحصل في سائر البدن بسبب مرض الجسم فلذلك شيء آخر" [المجلد السادس من مجموع الفتاوى].
إذًا، فاللذة والألم النفسيان يقومان بالقلب (وقد سبق الحديث عن معنى القلب)، أي بالجسد، لذلك ترى ابن تيمية عندما يفرق بين «اللذة والألم النفسيين» و«اللذة والألم الجسميين» يتبعه تفريق بين «القلب» و«سائر الجسد»!! لا أن النفس منعزلةٌ عن أعضاء التعقل الجسدية!
إذًا، فكلام الناقد هنا ليس إلا مصادرةً على المطلوب. زد على ذلك تحريفه لكلام يوسف عندما تعرض لقول أحدهم من أن منشأ
الوعي هو الروح غير المادية؛ فاعتراض يوسف سمرين على هذا القول كان لتفريق القائل بين الروح والمادة، لا لجعله الروح شرطا للوعي!!!
فيرمي الناقد بعدها خصمه بالبتر والتحريف، وينسى نفسه!
فيرمي الناقد بعدها خصمه بالبتر والتحريف، وينسى نفسه!
Forwarded from يوسف سمرين
حوار... مع القراء الكرام.
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الثانية
اندفع عبد الله الدعجاني ليكمل سلسلته في نقد كتاب [نظرية ابن تيمية في المعرفة]، وكما هي عادته التي جرى عليها في منشوره الأول ضجت سطوره بمهاجمة شخص الكاتب، مستعرضًا بعض محفوظاته الأدبية، لتطل في ذهنه هذه المرة قصيدة [الثعلب]، وكأنه لا يقرأ في الأدب إلا بهذا الهدف؛ زيادة قاموسه في الشتائم، دون أي أثر لتلك القراءة في زيادة قدراته النقدية، وغاظه أنني لم أجاره في ذلك الميدان، كيفما كان فلست قاصرًا عنه، ولكن لن أفسد عليه فرحة العيد، ولن أعكر على القراء متابعة الحوار، وسيوضع كلامه آخر المنشور [*]، فإلى الرد على كلامه:
قال: "من قبعة لينين إلى عمامة ابن تيمية"، واصفًا الكاتب بأنه كتب "بعنفوان أحمر"، "قارنوا بين رزانة الرفيق لما يلبس عباءة ابن تيمية، وبين شطحاته لما يتشح برداء لينين!".
أليست هذه زيادة في نغمة طنبور سُمعتْ من قبل؟
لقد كانت إلماحة سابقة من سعيد فودة أحد أهم خصوم ابن تيمية المعاصرين، جعلته يستحضر قول الماركسيين في بيان الرد على ابن تيمية ليقول: "هؤلاء هم الماركسيون الماديون القائلون بالتسلسل في القدم وفي المستقبل، أي في الماضي والمستقبل" [1] ثم بعد قليل: "هذا الكلام صريح غاية في الصراحة في قول ابن تيمية بتسلسل الحوادث في القدم" [2] فكأنه يلمح إلى عنفوان أحمر.
لكن الدعجاني لا يرتضي بالتلميح، فلا أدري هل الدعجاني خصم للكاتب بحق؟ أم يخاصم أفكار ابن تيمية نفسها، ويردد تلك الدعاية التي كان خصوم ابن تيمية يلمحون إليها، لكنه هذه المرة بالتصريح دون تلميح، وقد سبق في ردي الأول أن الرجل هاوٍ في هذا الباب، إلى الحد الذي جعله يصنّف شوبنهاور ماديًا، وجرى بيان أن المادية لا يلزم منها الماركسية، وكيف يكون هذا والماركسية مذهب متأخر من المذاهب التي انتسبت إلى المادية.
لكن الدعجاني أخرج ما في جعبته، وأراد نسف القول بأن ابن تيمية مادي الفلسفة، كيف؟ قال:
"من أبجديات الفلسفة المادية ربط "المادة" بالزمان والمكان ربطًا حتميًا لا فكاك منه، فـ "المادة" و"الوجود الموضوعي القابل للحس" يستحيل أن يكون بلا زمان ولا مكان، هذا "إنجلز" ـ المنظر الثاني للمادية الجدلية ـ يقول: " ليس ثمة في العالم أي شيء غير المادة المتحركة، والمادة المتحركة لا تستطيع أن تتحرك إلا في المكان والزمان"
حسن، وما الذي يذهب إليه الدعجاني؟
"اعتقادنا الديني بمخلوقية الزمان والمكان فإنه يستحيل اعتقاد أو وصف أو الإخبار عن "الله تعالى" بـ "المادة" و"الوجود الموضوعي القابل للحس"، لما علم من الدين بالضرورة استحالة أن يحيط به سبحانه شيء من مخلوقاته"
أي إن الدعجاني ينفي الزمان والمكان عن الله، لأن الزمان والمكان مخلوقان، فينفي أن يكون الله له "الوجود الموضوعي القابل للحس"!! بهذا الاندفاع يصوّر الدعجاني مذهبه، يستحيل اعتقاد [الوجود الموضوعي القابل للحس]! في الله.
فليعتقد ما شاء لكن ليس هذا مذهب ابن تيمية حتمًا، القائل: "إن الموجود لابد أن يمكن أن يكون محسوسًا بإحدى الحواس، لا أنه لابد لمن أقر به أن يحس به، وهذا الأصل الذي قالوه عليه أهل الإثبات، فإن أهل السنة والجماعة المقرين بأن الله تعالى يُرى متفقين على أن ما لا يمكن معرفته بشيء من الحواس فإنما يكون معدومًا لا موجودًا" [3].
الدعجاني الذي كتب كتابًا عن ابن تيمية، وكان في منشوره الأول قد تظلم من نقده فيه بقوله عن الكاتب:
"جزارته البشعة لنصوص المفكرين والعلماء مع تشويه رؤاهم، وقد نالني منه نصيب في توصيفه العلاقة المفتعلة بين ابن تيمية وكانط"
((العلماء)) و((المفكرون)) يجري تشويه قولهم ومنهم الدعجاني بنظره لنفسه، فيرى أن الكاتب اتهمه بإقامة علاقة مفتعلة بين ابن تيمية وكانط، بحق؟ وكأن كتابه رفع من بين أيدي العالَمين، ألم يقل فيه:
" قريب من هذا التوازن المعرفي التيمي، ما قرره الفيلسوف الألماني كانط" [4].
ولم يكتف بالقرب، حتى قال صراحة: "يقول ابن تيمية [وساق نصًا لم يفهمه إلى أن قال] الحل يكمن في القول بتظافر العقل والواقع، على إنتاج المبادئ الأولية، وتلك رؤية الفيلسوف كانط" [5].
ثم ها هو يعيد كلام كانط بنفي الزمان والمكان عن الله، ويعلل هذا بقوله باستحالة أن يحيط شيء بالله، عفوًا هذا مبني على مذهب أرسطو في المكان، بأنه الحد الباطن للحاوي الملامس مباشرة للمحوي على ألا يكون متصلًا بالمحوي، الطريف بالموضوع أنه في منشوره الأول حرص على عيب الكاتب بقوله: " منقبًا باجتهاد في ركام الأفكار البالية منذ ستينيات القرن الماضي" أفكار الستينات بالية، أما ما قبل الميلاد، فهي حية عند الدعجاني، يا له من تقدمي!!
هل هذا قول ابن تيمية في المكان أصلًا؟ وهل ابن تيمية ينفي المكان هكذا بإطلاق كما يقول الدعجاني؟
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الثانية
اندفع عبد الله الدعجاني ليكمل سلسلته في نقد كتاب [نظرية ابن تيمية في المعرفة]، وكما هي عادته التي جرى عليها في منشوره الأول ضجت سطوره بمهاجمة شخص الكاتب، مستعرضًا بعض محفوظاته الأدبية، لتطل في ذهنه هذه المرة قصيدة [الثعلب]، وكأنه لا يقرأ في الأدب إلا بهذا الهدف؛ زيادة قاموسه في الشتائم، دون أي أثر لتلك القراءة في زيادة قدراته النقدية، وغاظه أنني لم أجاره في ذلك الميدان، كيفما كان فلست قاصرًا عنه، ولكن لن أفسد عليه فرحة العيد، ولن أعكر على القراء متابعة الحوار، وسيوضع كلامه آخر المنشور [*]، فإلى الرد على كلامه:
قال: "من قبعة لينين إلى عمامة ابن تيمية"، واصفًا الكاتب بأنه كتب "بعنفوان أحمر"، "قارنوا بين رزانة الرفيق لما يلبس عباءة ابن تيمية، وبين شطحاته لما يتشح برداء لينين!".
أليست هذه زيادة في نغمة طنبور سُمعتْ من قبل؟
لقد كانت إلماحة سابقة من سعيد فودة أحد أهم خصوم ابن تيمية المعاصرين، جعلته يستحضر قول الماركسيين في بيان الرد على ابن تيمية ليقول: "هؤلاء هم الماركسيون الماديون القائلون بالتسلسل في القدم وفي المستقبل، أي في الماضي والمستقبل" [1] ثم بعد قليل: "هذا الكلام صريح غاية في الصراحة في قول ابن تيمية بتسلسل الحوادث في القدم" [2] فكأنه يلمح إلى عنفوان أحمر.
لكن الدعجاني لا يرتضي بالتلميح، فلا أدري هل الدعجاني خصم للكاتب بحق؟ أم يخاصم أفكار ابن تيمية نفسها، ويردد تلك الدعاية التي كان خصوم ابن تيمية يلمحون إليها، لكنه هذه المرة بالتصريح دون تلميح، وقد سبق في ردي الأول أن الرجل هاوٍ في هذا الباب، إلى الحد الذي جعله يصنّف شوبنهاور ماديًا، وجرى بيان أن المادية لا يلزم منها الماركسية، وكيف يكون هذا والماركسية مذهب متأخر من المذاهب التي انتسبت إلى المادية.
لكن الدعجاني أخرج ما في جعبته، وأراد نسف القول بأن ابن تيمية مادي الفلسفة، كيف؟ قال:
"من أبجديات الفلسفة المادية ربط "المادة" بالزمان والمكان ربطًا حتميًا لا فكاك منه، فـ "المادة" و"الوجود الموضوعي القابل للحس" يستحيل أن يكون بلا زمان ولا مكان، هذا "إنجلز" ـ المنظر الثاني للمادية الجدلية ـ يقول: " ليس ثمة في العالم أي شيء غير المادة المتحركة، والمادة المتحركة لا تستطيع أن تتحرك إلا في المكان والزمان"
حسن، وما الذي يذهب إليه الدعجاني؟
"اعتقادنا الديني بمخلوقية الزمان والمكان فإنه يستحيل اعتقاد أو وصف أو الإخبار عن "الله تعالى" بـ "المادة" و"الوجود الموضوعي القابل للحس"، لما علم من الدين بالضرورة استحالة أن يحيط به سبحانه شيء من مخلوقاته"
أي إن الدعجاني ينفي الزمان والمكان عن الله، لأن الزمان والمكان مخلوقان، فينفي أن يكون الله له "الوجود الموضوعي القابل للحس"!! بهذا الاندفاع يصوّر الدعجاني مذهبه، يستحيل اعتقاد [الوجود الموضوعي القابل للحس]! في الله.
فليعتقد ما شاء لكن ليس هذا مذهب ابن تيمية حتمًا، القائل: "إن الموجود لابد أن يمكن أن يكون محسوسًا بإحدى الحواس، لا أنه لابد لمن أقر به أن يحس به، وهذا الأصل الذي قالوه عليه أهل الإثبات، فإن أهل السنة والجماعة المقرين بأن الله تعالى يُرى متفقين على أن ما لا يمكن معرفته بشيء من الحواس فإنما يكون معدومًا لا موجودًا" [3].
الدعجاني الذي كتب كتابًا عن ابن تيمية، وكان في منشوره الأول قد تظلم من نقده فيه بقوله عن الكاتب:
"جزارته البشعة لنصوص المفكرين والعلماء مع تشويه رؤاهم، وقد نالني منه نصيب في توصيفه العلاقة المفتعلة بين ابن تيمية وكانط"
((العلماء)) و((المفكرون)) يجري تشويه قولهم ومنهم الدعجاني بنظره لنفسه، فيرى أن الكاتب اتهمه بإقامة علاقة مفتعلة بين ابن تيمية وكانط، بحق؟ وكأن كتابه رفع من بين أيدي العالَمين، ألم يقل فيه:
" قريب من هذا التوازن المعرفي التيمي، ما قرره الفيلسوف الألماني كانط" [4].
ولم يكتف بالقرب، حتى قال صراحة: "يقول ابن تيمية [وساق نصًا لم يفهمه إلى أن قال] الحل يكمن في القول بتظافر العقل والواقع، على إنتاج المبادئ الأولية، وتلك رؤية الفيلسوف كانط" [5].
ثم ها هو يعيد كلام كانط بنفي الزمان والمكان عن الله، ويعلل هذا بقوله باستحالة أن يحيط شيء بالله، عفوًا هذا مبني على مذهب أرسطو في المكان، بأنه الحد الباطن للحاوي الملامس مباشرة للمحوي على ألا يكون متصلًا بالمحوي، الطريف بالموضوع أنه في منشوره الأول حرص على عيب الكاتب بقوله: " منقبًا باجتهاد في ركام الأفكار البالية منذ ستينيات القرن الماضي" أفكار الستينات بالية، أما ما قبل الميلاد، فهي حية عند الدعجاني، يا له من تقدمي!!
هل هذا قول ابن تيمية في المكان أصلًا؟ وهل ابن تيمية ينفي المكان هكذا بإطلاق كما يقول الدعجاني؟
Forwarded from يوسف سمرين
يقول ابن تيمية: "من اعتقد أن العرش هو المكان، وأن الله فوقه، مع غناه له، فلا ريب أنه في مكان بهذا الاعتبار" [6]، فلا ريب أنه في مكان! لكن انظر الدعجاني:
"اعتقادنا الديني بمخلوقية الزمان والمكان... لما علم من الدين بالضرورة استحالة أن يحيط به سبحانه شيء من مخلوقاته".
أبدل كلام ابن تيمية بكلام الدعجاني ليصبح كلام ابن تيمية بنظر الدعجاني "فلا ريب أنه في مخلوق يحيط به"!!
أهذا هو مبلغ جهد الدعجاني في تصوير مذهب ابن تيمية في المكان!
نأتي للزمان، وهو نسبة بين الحوادث عند ابن تيمية، هل الحوادث عند ابن تيمية كلها مخلوقة حتى يتم نفي الزمان كما هو مذهب الدعجاني؟
يقول ابن تيمية:
"فالموجود هنا هو الله سبحانه وتعالى، وهو متقدم على العالم، بتقدم هو من صفات نفسه، وإذا قيل هو زماني وكان المراد بالزمان هنا شيئًا من صفاته، لم يكن ذلك محالًا، وليس النزاع في مجرد لفظ، فإنا نعقل ونتصور تصوّرًا بديهيًا وجود شيء قبل شيء، من غير أن كون هناك موجود غيرهما، فهذا التقدم سواء سموه زمانيًا أو لم يسموه فهو معقول" [7].
لم يكن هذا محالًا!
في حين يقول الدعجاني: "علم من الدين بالضرورة استحالة هذا"!! ابن تيمية يجهل بنظر الدعجاني معلومًا من الدين بالضرورة، ويقول: لم يكن هذا محالًا وليس النزاع في مجرد لفظ.
على أن نفي الدعجاني الزمان بإطلاق، ما الذي يفهمه منه المتكلمون والفلاسفة؟
يعني أنه لا يوجد حوادث، حتى يقال هذا قبل هذا، وهذا بعد هذا، وهذا يتركب على مذهب أرسطو (المحرك الذي لا يتحرك) وأوقع المتكلمين والفلاسفة في إشكالات كبيرة في مسألة ((خلق العالم)) لأن مذهب أرسطو لا يتسع لمسألة الخلق، لكن الدعجاني يكرر كلام خصوم ابن تيمية بجدارة، لا زمان، إذ لا حوادث، لا قبل ولا بعد، لا يوجد ملكة لوصفه بهذا.
وللتسهيل هذا هو القرآن، القرآن من حروف وكلمات، جرب أن تنفِ الزمان عن الحروف؟ يعني لا يوجد حرف [قبل/ظرف زمان] حرف، إذ إن هذا أمر ضروري لتركيب الكلام، ما الذي يبقى؟
1-إما القول بأن القرآن مخلوق، إذ جرى عليه زمان فالباء في بسم الله، قبل السين ضرورة، ثم السين.
2- أو القول: بأن هذا القرآن اللفظي مخلوق كما هو مذهب الأشعرية والماتريدية وإثبات كلام قديم ليس فيه حروف (ولا يجري فيه زمان).
3- أو القول بأن الحروف كلها قديمة وهي مكابرة، حيث إن الكلام المركب يلزم منه الحدوث.
وكيفما كان فمذهب ابن تيمية حدوث الأفراد، مع عدم القول بأنها مخلوقة، بل أفراد الكلام حادثة غير مخلوقة عند ابن تيمية، أي إنه يقول بجريان ما اصطلح عليه بالزمان [نسبة بين الحوادث] دون تخيل أن الزمان شيء متوسط بين الحوادث قائم بنفسه كما يتخيل الدعجاني.
مودتي.
______
(*) رابط كلام الدعجاني:
https://www.facebook.com/abdullah.daj/posts/1268842863463209
[1] رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها، عبد الوهاب الإخميمي، تحقيق: سعيد عبد اللطيف فودة، ص28.
[2] رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها، عبد الوهاب الإخميمي، تحقيق: سعيد عبد اللطيف فودة، ص35.
[3] بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، ط مجمع الملك فهد، ج2، ص341.
[4] منهج ابن تيمية المعرفي، عبد الله الدعجاني، ص306.
[5] منهج ابن تيمية المعرفي، عبد الله الدعجاني، ص340، 341.
[6] درء تعارض العقل والنقل، ج6، ص249.
[7] بيان تلبيس الجهمية، ط الملك فهد، ج5، ص222، 223.
"اعتقادنا الديني بمخلوقية الزمان والمكان... لما علم من الدين بالضرورة استحالة أن يحيط به سبحانه شيء من مخلوقاته".
أبدل كلام ابن تيمية بكلام الدعجاني ليصبح كلام ابن تيمية بنظر الدعجاني "فلا ريب أنه في مخلوق يحيط به"!!
أهذا هو مبلغ جهد الدعجاني في تصوير مذهب ابن تيمية في المكان!
نأتي للزمان، وهو نسبة بين الحوادث عند ابن تيمية، هل الحوادث عند ابن تيمية كلها مخلوقة حتى يتم نفي الزمان كما هو مذهب الدعجاني؟
يقول ابن تيمية:
"فالموجود هنا هو الله سبحانه وتعالى، وهو متقدم على العالم، بتقدم هو من صفات نفسه، وإذا قيل هو زماني وكان المراد بالزمان هنا شيئًا من صفاته، لم يكن ذلك محالًا، وليس النزاع في مجرد لفظ، فإنا نعقل ونتصور تصوّرًا بديهيًا وجود شيء قبل شيء، من غير أن كون هناك موجود غيرهما، فهذا التقدم سواء سموه زمانيًا أو لم يسموه فهو معقول" [7].
لم يكن هذا محالًا!
في حين يقول الدعجاني: "علم من الدين بالضرورة استحالة هذا"!! ابن تيمية يجهل بنظر الدعجاني معلومًا من الدين بالضرورة، ويقول: لم يكن هذا محالًا وليس النزاع في مجرد لفظ.
على أن نفي الدعجاني الزمان بإطلاق، ما الذي يفهمه منه المتكلمون والفلاسفة؟
يعني أنه لا يوجد حوادث، حتى يقال هذا قبل هذا، وهذا بعد هذا، وهذا يتركب على مذهب أرسطو (المحرك الذي لا يتحرك) وأوقع المتكلمين والفلاسفة في إشكالات كبيرة في مسألة ((خلق العالم)) لأن مذهب أرسطو لا يتسع لمسألة الخلق، لكن الدعجاني يكرر كلام خصوم ابن تيمية بجدارة، لا زمان، إذ لا حوادث، لا قبل ولا بعد، لا يوجد ملكة لوصفه بهذا.
وللتسهيل هذا هو القرآن، القرآن من حروف وكلمات، جرب أن تنفِ الزمان عن الحروف؟ يعني لا يوجد حرف [قبل/ظرف زمان] حرف، إذ إن هذا أمر ضروري لتركيب الكلام، ما الذي يبقى؟
1-إما القول بأن القرآن مخلوق، إذ جرى عليه زمان فالباء في بسم الله، قبل السين ضرورة، ثم السين.
2- أو القول: بأن هذا القرآن اللفظي مخلوق كما هو مذهب الأشعرية والماتريدية وإثبات كلام قديم ليس فيه حروف (ولا يجري فيه زمان).
3- أو القول بأن الحروف كلها قديمة وهي مكابرة، حيث إن الكلام المركب يلزم منه الحدوث.
وكيفما كان فمذهب ابن تيمية حدوث الأفراد، مع عدم القول بأنها مخلوقة، بل أفراد الكلام حادثة غير مخلوقة عند ابن تيمية، أي إنه يقول بجريان ما اصطلح عليه بالزمان [نسبة بين الحوادث] دون تخيل أن الزمان شيء متوسط بين الحوادث قائم بنفسه كما يتخيل الدعجاني.
مودتي.
______
(*) رابط كلام الدعجاني:
https://www.facebook.com/abdullah.daj/posts/1268842863463209
[1] رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها، عبد الوهاب الإخميمي، تحقيق: سعيد عبد اللطيف فودة، ص28.
[2] رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها، عبد الوهاب الإخميمي، تحقيق: سعيد عبد اللطيف فودة، ص35.
[3] بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، ط مجمع الملك فهد، ج2، ص341.
[4] منهج ابن تيمية المعرفي، عبد الله الدعجاني، ص306.
[5] منهج ابن تيمية المعرفي، عبد الله الدعجاني، ص340، 341.
[6] درء تعارض العقل والنقل، ج6، ص249.
[7] بيان تلبيس الجهمية، ط الملك فهد، ج5، ص222، 223.
Forwarded from يوسف سمرين
حوار... مع القراء الكرام.
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الثالثة
أكمل عبد الله الدعجاني بعنوان (لم يكن لغزًا) وأعاد فيه صياغة كلامه، ووجهه إلى القراء الذين لمس فيهم حسًا نقديًا لكلامه(*)، فلا يصدّق الناس كل ما يقال لهم، وأعاد هل الله مادة؟ وهو السؤال القديم هل الله جسم، ونفى هذا تمًامًا لأن المادة أو الوجود الموضوعي لا يكون إلا في زمان ومكان.
وقال: "أن يكون الله تعالى متزمنًا في "زمان مخلوق"، ومتمكنًا في "مكان مخلوق"، وهذا باطل بإجماع السلف الصالح، بل وبإجماع أهل القبلة، إلا ما أثر عن مقالات التمثيل".
وهذه الإجماعات مبنية على إلزاماته وهي من كيس الدعجاني، فما هو موقف ابن تيمية؟
سبق كلامه الصريح في قوله بأنه يثبت المكان بقوله لا ريب، وأما الزمان فقد قال فيه كذلك ما سبق، ولازم قول الدعجاني أن يكون كل ما يشار إليه، وكل ما فيه زمان ومكان مخلوق، وهذا رفضه ابن تيمية، ولازمه بأن الله لا يوصف بأنه (قبل العالم) قبلية زمنية، لأن الله لا يجري عليه زمان، كما ذهب إليه ابن سينا، وقد رد عليه ابن تيمية، فقال:
"إن التقدم والتأخر المعروف، هو التقدم والتأخر بالزمان، فإن ((قبل)) وبعد ونحو ذلك معانيها لازمة للتقدم والتأخر الزماني"[1] "وهو سبحانه متقدّم على كل ما سواه التقدم الحقيقي المعقول" [2] أي التقدم الزمني، فلما يطبق الدعجاني كلامه، يكون سلفه ابن سينا، لا ابن تيمية.
هذا بنظر الدعجاني مادية يجب ذمها، ولمز أصحابها بالرفاق، ولكن مهلًا، قال ابن تيمية: "ولم يذم أحد من السلف أحدًا بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره" [3] لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء حتى يبدل المرء مكان مجسم، مادي، ورفيق! ومكان الجهمية أولئك الذين تمسكوا بنفي الجسم=نفي المادة، نفي الزمان والمكان، وهو ما يصنعه عبد الله الدعجاني.
هل الله مادة (الدعجاني)؟ أو هل الله جسم (الجهمية)، يقول ابن تيمية في سياق حديثه عن ردود متكلمة أهل الإثبات على المعتزلة: "وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، أنه ليس بجسم، وأن صفاته ليست أجسامًا وأعراضًا؟ فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل؛ بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل، جهل وضلال" [4].
ويتبع: "لم يدل العقل على حدوث كل موصوف قائم بنفسه وهو الجسم، وكل صفة قائمة به وهو العرض، والدليل المذكور على ذلك دليل فاسد، وهو أصل «علم الكلام» الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وبطلانه" [5].
إن الدعجاني اختار صفًا ليس صف الحجج التيمية، ولا المنهج التيمي حتمًا، بل حجج خصوم ابن تيمية، ويزيد الأمر وضوحًا التالي، قال ابن تيمية عن أهل الكلام:
"التزموا حدوث الموصوفات بحدوث صفاتها، ولزمهم على ذلك وإن لم يلتزموه حدوث كل قائم بنفسه، بل حدوث كل موجود، فكان ما ذكروه من الحجة متضمنًا حدوث الموجودات كلها، حتى الرب تعالى ومعلوم أن الدليل على ذلك لا يكون حقًّا" [6].
مع أن كلام أهل الكلام إنما هو في الجسم [المادة]، ولكن ابن تيمية رأى بأن كلامهم في هذا يؤدي إلى القول بحدوث كل موجود، أي إن هذا الاصطلاح ينسحب معنويًا على الله، والأمر نفسه يقال للدعجاني الذي رأى بأن المادة هي الوجود الموضوعي، الذي في الزمان والمكان، فنفى الزمان والمكان، وهذا يعني نفي الحركة، والوجود الموضوعي القابل للحس، وهذا هو القول الذي رفضه ابن تيمية بشكل قاطع، ورفض ذلك التهويل بالقول هذا قول أهل التجسيم، ولكن الدعجاني لم يكن في زمن ابن تيمية حتى يخاطبه بالرفيق.
ثم قال الدعجاني: " ما المدهش في الأمر؟ المدهش ـ حقًا ـ أن "الرفيق السلفي" ينكر علي اعتقادي بأن كل مادة مخلوقة، ففي منشوره الخميس30 يوليو 2020م. يقول ـ لامزًا إياي بالتجهم: " والدعجاني لا يختلف عنهم سوى أنه أبدل مكان الجسم لفظ مادة، حيث صارت كل مادة عنده مخلوقة! فهل توافقوني ـ يا قرائي الكرام ـ أم توافقونه؟ هل تعتقدون أن كل مادة مخلوقة؟ أم أن هناك مادة خالقة وأخرى مخلوقة؟، ويا ليت شعري من سلفه من أهل القبلة؟ "المادة قسمان خالقة ومخلوقة"!".
صيغة الاندهاش هذه تعبّر عن طريقته في الكتابة عن ابن تيمية، كان يكتب ما لا يخالف اندهاشه، لا ما يحقق البحث، بقطع النظر عن انفعالاته النفسية، من اندهاش وعدمه، فلما قال أهل الكلام كل جسم مخلوق، لم يكن ابن تيمية ليوافقهم في هذا، فيقول: "إن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعًا عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كل ما لا يشار إليه، لا يكون موجودًا" [7].
وهذا يشمل الله، إلا أن يكون ابن تيمية عنده ليس من أهل القبلة، فها هو ابن تيمية يقول: "بل هذا هو الواجب" أرأيت من السلف في هذا؟
وأختم بهذه العبارة لابن تيمية، بدل الحذلقة اللغوية والتمسك بألفاظ تشنيعية فحسب، قال ابن تيمية:
بمناسبة رد عبد الله الدعجاني على كتاب (نظرية ابن تيمية في المعرفة)
الحلقة الثالثة
أكمل عبد الله الدعجاني بعنوان (لم يكن لغزًا) وأعاد فيه صياغة كلامه، ووجهه إلى القراء الذين لمس فيهم حسًا نقديًا لكلامه(*)، فلا يصدّق الناس كل ما يقال لهم، وأعاد هل الله مادة؟ وهو السؤال القديم هل الله جسم، ونفى هذا تمًامًا لأن المادة أو الوجود الموضوعي لا يكون إلا في زمان ومكان.
وقال: "أن يكون الله تعالى متزمنًا في "زمان مخلوق"، ومتمكنًا في "مكان مخلوق"، وهذا باطل بإجماع السلف الصالح، بل وبإجماع أهل القبلة، إلا ما أثر عن مقالات التمثيل".
وهذه الإجماعات مبنية على إلزاماته وهي من كيس الدعجاني، فما هو موقف ابن تيمية؟
سبق كلامه الصريح في قوله بأنه يثبت المكان بقوله لا ريب، وأما الزمان فقد قال فيه كذلك ما سبق، ولازم قول الدعجاني أن يكون كل ما يشار إليه، وكل ما فيه زمان ومكان مخلوق، وهذا رفضه ابن تيمية، ولازمه بأن الله لا يوصف بأنه (قبل العالم) قبلية زمنية، لأن الله لا يجري عليه زمان، كما ذهب إليه ابن سينا، وقد رد عليه ابن تيمية، فقال:
"إن التقدم والتأخر المعروف، هو التقدم والتأخر بالزمان، فإن ((قبل)) وبعد ونحو ذلك معانيها لازمة للتقدم والتأخر الزماني"[1] "وهو سبحانه متقدّم على كل ما سواه التقدم الحقيقي المعقول" [2] أي التقدم الزمني، فلما يطبق الدعجاني كلامه، يكون سلفه ابن سينا، لا ابن تيمية.
هذا بنظر الدعجاني مادية يجب ذمها، ولمز أصحابها بالرفاق، ولكن مهلًا، قال ابن تيمية: "ولم يذم أحد من السلف أحدًا بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره" [3] لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء حتى يبدل المرء مكان مجسم، مادي، ورفيق! ومكان الجهمية أولئك الذين تمسكوا بنفي الجسم=نفي المادة، نفي الزمان والمكان، وهو ما يصنعه عبد الله الدعجاني.
هل الله مادة (الدعجاني)؟ أو هل الله جسم (الجهمية)، يقول ابن تيمية في سياق حديثه عن ردود متكلمة أهل الإثبات على المعتزلة: "وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها، أنه ليس بجسم، وأن صفاته ليست أجسامًا وأعراضًا؟ فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل؛ بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل، جهل وضلال" [4].
ويتبع: "لم يدل العقل على حدوث كل موصوف قائم بنفسه وهو الجسم، وكل صفة قائمة به وهو العرض، والدليل المذكور على ذلك دليل فاسد، وهو أصل «علم الكلام» الذي اتفق السلف والأئمة على ذمه وبطلانه" [5].
إن الدعجاني اختار صفًا ليس صف الحجج التيمية، ولا المنهج التيمي حتمًا، بل حجج خصوم ابن تيمية، ويزيد الأمر وضوحًا التالي، قال ابن تيمية عن أهل الكلام:
"التزموا حدوث الموصوفات بحدوث صفاتها، ولزمهم على ذلك وإن لم يلتزموه حدوث كل قائم بنفسه، بل حدوث كل موجود، فكان ما ذكروه من الحجة متضمنًا حدوث الموجودات كلها، حتى الرب تعالى ومعلوم أن الدليل على ذلك لا يكون حقًّا" [6].
مع أن كلام أهل الكلام إنما هو في الجسم [المادة]، ولكن ابن تيمية رأى بأن كلامهم في هذا يؤدي إلى القول بحدوث كل موجود، أي إن هذا الاصطلاح ينسحب معنويًا على الله، والأمر نفسه يقال للدعجاني الذي رأى بأن المادة هي الوجود الموضوعي، الذي في الزمان والمكان، فنفى الزمان والمكان، وهذا يعني نفي الحركة، والوجود الموضوعي القابل للحس، وهذا هو القول الذي رفضه ابن تيمية بشكل قاطع، ورفض ذلك التهويل بالقول هذا قول أهل التجسيم، ولكن الدعجاني لم يكن في زمن ابن تيمية حتى يخاطبه بالرفيق.
ثم قال الدعجاني: " ما المدهش في الأمر؟ المدهش ـ حقًا ـ أن "الرفيق السلفي" ينكر علي اعتقادي بأن كل مادة مخلوقة، ففي منشوره الخميس30 يوليو 2020م. يقول ـ لامزًا إياي بالتجهم: " والدعجاني لا يختلف عنهم سوى أنه أبدل مكان الجسم لفظ مادة، حيث صارت كل مادة عنده مخلوقة! فهل توافقوني ـ يا قرائي الكرام ـ أم توافقونه؟ هل تعتقدون أن كل مادة مخلوقة؟ أم أن هناك مادة خالقة وأخرى مخلوقة؟، ويا ليت شعري من سلفه من أهل القبلة؟ "المادة قسمان خالقة ومخلوقة"!".
صيغة الاندهاش هذه تعبّر عن طريقته في الكتابة عن ابن تيمية، كان يكتب ما لا يخالف اندهاشه، لا ما يحقق البحث، بقطع النظر عن انفعالاته النفسية، من اندهاش وعدمه، فلما قال أهل الكلام كل جسم مخلوق، لم يكن ابن تيمية ليوافقهم في هذا، فيقول: "إن عنيت بالجسم أنه يمكن أن يشار إليه إشارة حسية، لم يكن هذا ممتنعًا عندي، بل هذا هو الواجب، فإن كل ما لا يشار إليه، لا يكون موجودًا" [7].
وهذا يشمل الله، إلا أن يكون ابن تيمية عنده ليس من أهل القبلة، فها هو ابن تيمية يقول: "بل هذا هو الواجب" أرأيت من السلف في هذا؟
وأختم بهذه العبارة لابن تيمية، بدل الحذلقة اللغوية والتمسك بألفاظ تشنيعية فحسب، قال ابن تيمية: