يجدُر بنا أن نكتب رسائل السلام وبأن نُسامح ، أن نرتدي أجنحةً مُلوّنة أن نمتلىء بالبياض أن نكون أوطانًا صغيرة ينمو فيها الربيع.
من آخر الرسائل اللي أرسلها كافكا لميلينا في عام ١٩٢٣ وهو العام اللي انفصل فيه عنها يليه عام وفاته - ١٩٢٤- كتب: "لسنوات عديدة لم أكتب إليكِ كروح، ولربما أكون قد مت وشعرت بعدم التواصل مع أي شخص، كان الأمر كما لو أنني لم أكن من هذا العالم، ولكني لست من أي عالم آخر أيضاً".
إن التعود يلتهم الأشياء، يتكرر ما نراه فنستجيب له بشكل تلقائي، كأننا لا نراه؛ لا تستوقفنا التفاصيل المعتادة كما أستوقفتنا في المرة الأولى، نمضي وتمضي، فتمضي بنا الحياة كأنها لا شيء.
- رضوى عاشور.
- رضوى عاشور.
صديقي العزيز، الحياة رائعة جدًا هنا، تمنيتك لو كنت معي، نتأمل الشروق، والبحر، والأطفال المنتشرون بالعربات التي تدفعها الأمهات بلا كلل، كالأرض هي تحتويهم، تضحي لأجلهم، لطالما تساءلت كثيرًا يا صديقي، هل الرغبة بالإنجاب بهذا الشكل الهائل -حسب رؤيتي القاصرة- يعتبر حبٌ للذات والنفس، دون التفكير بالبشرية جمعاء، بهذا الكوكب الأزرق الباهت التائه في مجرة منسية، دون التفكير بإقتصاديات السوق الحديث، أو جودة التربية ومكارم الأخلاق، أرى الكثير من الآباء -للأسف- لا يرون واجبهم كآباء إلا جمع المال والطعام والملبس، دون التفكير بهذا الكائن الروح\النفسي، هذا الكائن العجيب. الذي كان أكثر جدلا، كل يوم أرى الكثير من المناظر اليومية، أسمع كلام من حولي، تطفو على السطح الكثير من الإستفهامات، لا أرى إجابةً واضحة جلية، تحتضنني كالشمس عند الغسق ثم ترحل، أحمل بجعبتي فواصل الحياة وتعجبها، وترميني بماء دون سماء.
قرأت رواية بها وصف لطيف عن الأُلفة التي نشعر بها مع شخص نحبّه: "حين كنت بصحبته، لم أكن ألقي بالاً أبدًا لما أقول، كان الحديث معه سلسًا من دون جهد كما التنفس."
يستوقفني إبتهال طاغور هذا:
"دعني أتقدّم بصلاتي، لا لأكون بمنجى من الأخطار، ولكن لأقابلها وجهاً لوجه دون وجل. لا لأسأل التفريج عن ألمي، ولكن ليكون لي الجَلَد على تحمّلها. هيّء لي يا الله ألاّ أكون جباناً لا أستشعر بنعمتك إلا حين أصيب النجاح، بل دعني أظفر بضمّة يدك في خذلاني."
"دعني أتقدّم بصلاتي، لا لأكون بمنجى من الأخطار، ولكن لأقابلها وجهاً لوجه دون وجل. لا لأسأل التفريج عن ألمي، ولكن ليكون لي الجَلَد على تحمّلها. هيّء لي يا الله ألاّ أكون جباناً لا أستشعر بنعمتك إلا حين أصيب النجاح، بل دعني أظفر بضمّة يدك في خذلاني."
ترك أعضاءهُ و مضى، بلا قدَم ولا يد ولا قلب ولا أحشاء
قال سأكون خفيفًا هكذا، وراح
الريح التي لعبت بشَعره ذات يوم تلعب الآن بفراغه
خفيفٌ حتّى الإنهاك من مشقَّة الخفَّة
تائهٌ حتّى الطفح بكثرة تشعُّبات الفراغ
لا، ما هكذا، قال ما هكذا يكون الضجر الشريف، ومَدَّ فراغًا منه إلى الوراء، كما كان يمدُّ يدًا لالتقاط شيء، مَدَّ تجويفَ نظرة، مَدَّ تخيُّلَ صوت، الوراء بعيدٌ جدًا، الأمام بعيد جدًا، لا عودة، لا وصول
لكنّه ليس ذاهبًا إلى مكان
ولا يذكر أنّه ترك أعضاءً ولا يشعر أنّه خفيف
لم يكن ضجرًا من مكان، ولا مكان له كي يتركه، ولا مقصد كي يذهب إليه، ولم ينتبه إلى نظرةٍ خرجت منه إلى ناحية أخرى، ولا خيالَ صوتٍ له، ولا يقوى على مدّ فراغ.
-وديع سعادة
قال سأكون خفيفًا هكذا، وراح
الريح التي لعبت بشَعره ذات يوم تلعب الآن بفراغه
خفيفٌ حتّى الإنهاك من مشقَّة الخفَّة
تائهٌ حتّى الطفح بكثرة تشعُّبات الفراغ
لا، ما هكذا، قال ما هكذا يكون الضجر الشريف، ومَدَّ فراغًا منه إلى الوراء، كما كان يمدُّ يدًا لالتقاط شيء، مَدَّ تجويفَ نظرة، مَدَّ تخيُّلَ صوت، الوراء بعيدٌ جدًا، الأمام بعيد جدًا، لا عودة، لا وصول
لكنّه ليس ذاهبًا إلى مكان
ولا يذكر أنّه ترك أعضاءً ولا يشعر أنّه خفيف
لم يكن ضجرًا من مكان، ولا مكان له كي يتركه، ولا مقصد كي يذهب إليه، ولم ينتبه إلى نظرةٍ خرجت منه إلى ناحية أخرى، ولا خيالَ صوتٍ له، ولا يقوى على مدّ فراغ.
-وديع سعادة