Hermit
#تأملات_فنية
[عندما نفعل: بين الذات والمجتمع؟]
شحوبُ الفضيلة في فخ «إرضاء المجتمع»: من تساؤل «مولان» إلى شَرعنةِ العدوان والعبودية الأخلاقية
بقلمِ: أبي عليٍّ المطبخي
تمهيد: على هامش الشاشة.. في حاشية «مولان»
في ظهريَّة جميلة قال لي صديقي: لنشاهد فيلم «مولان 1998»، وأنا أثقُ بذوقِه واختياره للغاية، فقلتُ: فليَكُن.
ولا يسع المرء بعد مشاهدةِ هذا الفيلم إلا أن يعترِفَ بأنه عملٌ فاتنٌ، لا سيَّما وأنَّه رُسِمَ زمن التِّسعينات ، ذلك الرسم الأنيق.
وقد بلغ العمل ذروة سِحْرِهِ عندما صُبِغَ بـ «الدبلجة المصرية»؛ تلك الدبلجة الممتعة التي تفوقت برأي على العمل الأصلي نفسِه! لقد كان ذلك الجيل المصري الذي تولَّى دبلجة أفلام ديزني في تلك الفترة جيلاً عظيماً استثنائيًا، صبغ الأعمال صِبغةً نادرة لن تتكرر.
بعد ذلك أخذنا نتناقش في فكرة العمل الأساسية التي تظهرُ بدايةً في عبارة موجَّةٍ لمولان من أهلها "عشان ترفعي راسنا بين النَّاس" والدافع الأخلاقي للفضيلة، وأثر اضطهاد المجتمعات والجبر الثقافي على النفس البشرية... وهذا المقال نتجَ عن تلك الجلسَةِ.
1. لحظة المكاشفة: مرآة الذات في صمت الجليد
في لحظة انكسار وسكون وسط الجليد، تجلس الفتاة الصينية مولان لتواجه حقيقة دافعها الخفي بعد أن كُشف أمرها، وتهمس لنفسها صراحةً وتجرِّدُ الفعل من ثوبه الظاهري: "ربمَّا لم أفعل كل هذا من أجل أبي.. ربما كنتُ أريد فقط أن أثبت لنفسي وللجميع أنني أستطيع تحقيق شيء.. لكي أنظر في المرآة فأشعر أن لي قيمة.. لكنني في الحقيقة لا شيء!
يضعنا هذا المشهد السينمائي أمام سؤال أخلاقيٍّ صعبٍ: عندما يُقدِمُ الإنسان على عمل نبيل، هل يفعله ابتغاء الحق والكمال المجرد، أم أن الفعل مسكونٌ برغبة خفية في انتزاع الاعتراف والقيمة من مجتمع أهمله أو حاصره بـ "الحب المشروط"؟
وهنا سؤال آخر: هل اختلاط الفعل النبيل بطلب إثبات الذات أمام الآخرين يرجع على الفضيلة بالنقص والتشويه؟
لا تكمن المشكلةُ في فطرة الإنسان المتطلعة للشعور بالقيمة، بل تكمن في الجُرفِ السَّحيقِ التي ينزلق إليها المرء عندما تحل "رغبة إرضاء المجتمع" محل الضمير البشري في تحصيل القيمة.
2. عقدة «الحب المشروط» والجبر الثقافي
تبرزُ أزمةُ النفس الإنسانية حين تُنشأ في كنفِ مَن يُمارس عليها الحب المشروط: "إن صرت على رأينا وطريقتنا ووفق توقعاتنا أحببناك وقرّبناك، وإن خالفت قالبنا كرهناك وأقصيناك".
هذا الابتزاز العاطفي المُبكر يغرس في الإنسان عقدة الخوف الأبدي من النبذ، فيكبر وهو يلهث خلف الرِّضا الخارجي؛ يدرس تخصصًا لا يحبه لكي ينال الثناء وتقديرهم، يتزوج لكي يقال استقر، يسافر حتى يقال غني مقتدر، يتصنع القيم لكي يفر من تهمة الفشل.
مع مرور الوقت، يستسلم المرء لما يمكن تسميته بـ «الجبر الثقافي»؛ إذ يفرض المجتمع أنماطًا سلوكية محدودة ومحكومة بالسياسة السائدة، والأنساب والأحساب، والأعراف، وتحت وطأة هذا الجبر:
- ينسلخ المرء عن الفضائل الحقيقية: فلا يعود يبصر من الخير إلا ما يرضي مجتمعه، وتتوارى عن عينيه الفضائل الكبرى التي تُكمِّل روحه وتنمِّي إنسانيته لأن المجتمع لا يصفق لها.
- يتجوَّف الفعل الأخلاقي: يتحول العمل النبيل إلى طقس شكلي يتَّقي به المرء شرور المجتمع أو ويشحن به شعوره الزُّخرفَ بالنجاح، دون الاستمتاع الحقيقي بالفضيلة أو التلذذ بالحقِّ.
3. الانزلاق المحتوم: من طلب الرضا إلى استمراء الرذيلة
إن الخديعة الكبرى هي ظن الإنسان أن "إرضاء المجتمع" سيتوقف عند حدود ممارسة الخير المطلق، فالواقع التاريخي والاجتماعي يثبت أن المجتمعات ليست معصومة؛ بل إن أكثر المجتمعات عبر التاريخ تأمر بالقبائح، وتستحسن الرذائل، وتُغلِّفُ الظُّلمَ بغلاف "العرف" أو "المصلحة العامة".
فمن جعل غاية أفعاله حصدُ رضا الناس فلا محالةَ أنَّه واقعٌ في فعل الرذائل باسم المجتمع، وذلك عبر الآلية التالية:
- بما أن معيار الصواب لديه هو "ما يقبله الجمع" لا "ما يقره الحق"، فإنه سيردد الباطل إذا استحسنه مجتمعه.
- إذا شاع في المجتمع الكبر، أو التعصب، أو البغي على الضعفاء، فإنه سيمارس هذه الرذائل بحماس، لأنها المفتاح الوحيد لانتزاع القبول والشعور بالانتماء.
1️⃣
شحوبُ الفضيلة في فخ «إرضاء المجتمع»: من تساؤل «مولان» إلى شَرعنةِ العدوان والعبودية الأخلاقية
بقلمِ: أبي عليٍّ المطبخي
تمهيد: على هامش الشاشة.. في حاشية «مولان»
في ظهريَّة جميلة قال لي صديقي: لنشاهد فيلم «مولان 1998»، وأنا أثقُ بذوقِه واختياره للغاية، فقلتُ: فليَكُن.
ولا يسع المرء بعد مشاهدةِ هذا الفيلم إلا أن يعترِفَ بأنه عملٌ فاتنٌ، لا سيَّما وأنَّه رُسِمَ زمن التِّسعينات ، ذلك الرسم الأنيق.
وقد بلغ العمل ذروة سِحْرِهِ عندما صُبِغَ بـ «الدبلجة المصرية»؛ تلك الدبلجة الممتعة التي تفوقت برأي على العمل الأصلي نفسِه! لقد كان ذلك الجيل المصري الذي تولَّى دبلجة أفلام ديزني في تلك الفترة جيلاً عظيماً استثنائيًا، صبغ الأعمال صِبغةً نادرة لن تتكرر.
بعد ذلك أخذنا نتناقش في فكرة العمل الأساسية التي تظهرُ بدايةً في عبارة موجَّةٍ لمولان من أهلها "عشان ترفعي راسنا بين النَّاس" والدافع الأخلاقي للفضيلة، وأثر اضطهاد المجتمعات والجبر الثقافي على النفس البشرية... وهذا المقال نتجَ عن تلك الجلسَةِ.
1. لحظة المكاشفة: مرآة الذات في صمت الجليد
في لحظة انكسار وسكون وسط الجليد، تجلس الفتاة الصينية مولان لتواجه حقيقة دافعها الخفي بعد أن كُشف أمرها، وتهمس لنفسها صراحةً وتجرِّدُ الفعل من ثوبه الظاهري: "ربمَّا لم أفعل كل هذا من أجل أبي.. ربما كنتُ أريد فقط أن أثبت لنفسي وللجميع أنني أستطيع تحقيق شيء.. لكي أنظر في المرآة فأشعر أن لي قيمة.. لكنني في الحقيقة لا شيء!
يضعنا هذا المشهد السينمائي أمام سؤال أخلاقيٍّ صعبٍ: عندما يُقدِمُ الإنسان على عمل نبيل، هل يفعله ابتغاء الحق والكمال المجرد، أم أن الفعل مسكونٌ برغبة خفية في انتزاع الاعتراف والقيمة من مجتمع أهمله أو حاصره بـ "الحب المشروط"؟
وهنا سؤال آخر: هل اختلاط الفعل النبيل بطلب إثبات الذات أمام الآخرين يرجع على الفضيلة بالنقص والتشويه؟
لا تكمن المشكلةُ في فطرة الإنسان المتطلعة للشعور بالقيمة، بل تكمن في الجُرفِ السَّحيقِ التي ينزلق إليها المرء عندما تحل "رغبة إرضاء المجتمع" محل الضمير البشري في تحصيل القيمة.
2. عقدة «الحب المشروط» والجبر الثقافي
تبرزُ أزمةُ النفس الإنسانية حين تُنشأ في كنفِ مَن يُمارس عليها الحب المشروط: "إن صرت على رأينا وطريقتنا ووفق توقعاتنا أحببناك وقرّبناك، وإن خالفت قالبنا كرهناك وأقصيناك".
هذا الابتزاز العاطفي المُبكر يغرس في الإنسان عقدة الخوف الأبدي من النبذ، فيكبر وهو يلهث خلف الرِّضا الخارجي؛ يدرس تخصصًا لا يحبه لكي ينال الثناء وتقديرهم، يتزوج لكي يقال استقر، يسافر حتى يقال غني مقتدر، يتصنع القيم لكي يفر من تهمة الفشل.
مع مرور الوقت، يستسلم المرء لما يمكن تسميته بـ «الجبر الثقافي»؛ إذ يفرض المجتمع أنماطًا سلوكية محدودة ومحكومة بالسياسة السائدة، والأنساب والأحساب، والأعراف، وتحت وطأة هذا الجبر:
- ينسلخ المرء عن الفضائل الحقيقية: فلا يعود يبصر من الخير إلا ما يرضي مجتمعه، وتتوارى عن عينيه الفضائل الكبرى التي تُكمِّل روحه وتنمِّي إنسانيته لأن المجتمع لا يصفق لها.
- يتجوَّف الفعل الأخلاقي: يتحول العمل النبيل إلى طقس شكلي يتَّقي به المرء شرور المجتمع أو ويشحن به شعوره الزُّخرفَ بالنجاح، دون الاستمتاع الحقيقي بالفضيلة أو التلذذ بالحقِّ.
3. الانزلاق المحتوم: من طلب الرضا إلى استمراء الرذيلة
إن الخديعة الكبرى هي ظن الإنسان أن "إرضاء المجتمع" سيتوقف عند حدود ممارسة الخير المطلق، فالواقع التاريخي والاجتماعي يثبت أن المجتمعات ليست معصومة؛ بل إن أكثر المجتمعات عبر التاريخ تأمر بالقبائح، وتستحسن الرذائل، وتُغلِّفُ الظُّلمَ بغلاف "العرف" أو "المصلحة العامة".
فمن جعل غاية أفعاله حصدُ رضا الناس فلا محالةَ أنَّه واقعٌ في فعل الرذائل باسم المجتمع، وذلك عبر الآلية التالية:
- بما أن معيار الصواب لديه هو "ما يقبله الجمع" لا "ما يقره الحق"، فإنه سيردد الباطل إذا استحسنه مجتمعه.
- إذا شاع في المجتمع الكبر، أو التعصب، أو البغي على الضعفاء، فإنه سيمارس هذه الرذائل بحماس، لأنها المفتاح الوحيد لانتزاع القبول والشعور بالانتماء.
1️⃣
👏2
Hermit
[عندما نفعل: بين الذات والمجتمع؟] شحوبُ الفضيلة في فخ «إرضاء المجتمع»: من تساؤل «مولان» إلى شَرعنةِ العدوان والعبودية الأخلاقية بقلمِ: أبي عليٍّ المطبخي تمهيد: على هامش الشاشة.. في حاشية «مولان» في ظهريَّة جميلة قال لي صديقي: لنشاهد فيلم «مولان 1998»، وأنا…
4. ظاهرة «عُبّاد السلطة» وتزييف الضمير
تصل هذه الإشكالية الأخلاقية إلى ذروتها الفظيعة لدى المقربين من صناع القرار والمسؤولين، فحين تكون قيمةُ المرءِ عنده معلَّقةً بإرضاء ذاك المسؤول أو المتبوع المعظّم:
- يتحول الفرد من ناصر للحق إلى أداة طائعة للبطش والعدوان.
- إذا أمره هذا المسؤول بالمعصية، أو بتزوير الحقيقة، أو بسلب حقوق العباد، استجاب له بلا تردد، لأن مرجعيته الأخلاقية سقطت تمامًا؛ فلم يعد يسأل: "هل هذا حق وعدل؟"، بل يسأل: "هل هذا يرضي فلان وفلان؟".
هكذا تتحول محاولة إثبات الذات الابتدائي إلى عبودية كاملة تُسقط صاحبها في أشنع صور الانحطاط الأخلاقي والبطش الاجتماعي.
5. التداعي المؤسسي: كيف ينهار المجتمع أخلاقياً؟
إن تفشي هذا المرض النفسي على مستوى الأفراد يقودُ بالضرورة إلى استشراء الفساد المؤسسي في أركان الدولة والمجتمع:
- على مستوى الأسرة: يتغاضى الأفراد عن الخطيئة ويجارون تقاليد أسرهم الرديئة ويتحمَّلون الإهانة لئلا يُقال عن أحدهم: مريضٌ أو عاقٌّ لا خير فيه لأهله.
- على مستوى العلم والمعرفة: ترى الباحث أو العالم يقول بالقول الباطل خوفًا من أن يغضب عليه مذهبه أو أتباعه، فيكتم الحقَّ ويُظهر الباطل ليحافظ على انتمائه ورضا الناس عنه.
- على مستوى السياسة والمواطنة: ينساق الرجل العادي لتأييد الظلم والمستبدين، يصفق مع الصفوف الأولى لا إيمانًا بالظالم، بل رهبةً من النَّبذ أو يُقال عنه "شاذ عن الصف".
- على مستوى التعليم: يكرر المعلم ما تدين به إدارة المدرسة أو السائد الثقافي والسياسي، ملغيًا عقله وأمانته العلمية فَرَقًا من أن يُلفَظَ ويُحذّر منه، فيقتلُ البذرة في التربة.
6. التحرر الأخلاقي: بين المداراة، والعبودية، وخيار «الهجرة»
لكي لا تختلط المفاهيم، من الضروري التمييز الحاسم بين المسارات والأحوال التي يواجهها الإنسان أمام مجتمعه:
- التبعية المهلكة (إرضاء الناس غايةٌ كبرى): وهي اتِّخاذ أهواء البشر ومشهوراتهم مسطرة تُقاس بها الأفعال، والسقوط في الفساد لإرضائهم، وإرضاء الناس ليس مطلباً عقلياً ولا شرعياً؛ عقلاً لأنه محال؛ لتناقض أهوائهم ومشهوراتهم وأعرافهم، وشرعاً لأن الرَّسالات جاءت لتحرير الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد والتزام الحق وتكميل النَّفس، لا لتعبيده للمجتمعات.
- المداراة المشروعة (الذكاء الاجتماعي): وهي الترفق بالناس واللين معهم لاتقاء شرورهم أو لتمرير المصالح دون إسقاط للحق، ودون المشاركة في إثم أو رذيلة.
- الهجرة والترك (حين تُسد مسالك المداراة):
هناك خيارٌ مصيري قد يغفُل عنه كثيرون، يبرز عندما تبلغ الشراسة المجتمعية مداها؛ فلا يكون المجتمع واقفًا عند نبذك والتحذير منك، بل يُجبرك إجبارًا ويقسِرك قسرًا على فعل الرذيلة واستحسانها ، ويحرمك من ساحة الصمت أو المداراة الهادئة.
في هذه البيئات الخانقة، يعيش الإنسان ضائق النفس معتلَّ الفؤاد، يتألم كل يوم، ولا يستسيغ النظر في الوجوه من شرّ أفعالها وتقييماتها الزائفة؛ يرى الباطل فلا يستطيع إنكاره، ويشهد الحق فلا يملك نصره.
هنا يكون القرار الأخلاقي الشجاع هو الترك والمغادرة (الهجرة)؛ أن يخلع المرء نفسه من تلك البيئة المسمومة ليحقن فضيلته ويحمي روحه، باحثاً عن عالم آخر أو بيئة أكثر عقلًا وتقبلاً للحق والفضيلة.
وليس هذا الخيار ببدعٍ في تاريخ الإنسانية؛ بل هو الأصل العظيم الذي قامت عليه أمة الإسلام الأولى؛ حين ترك المهاجرون الأوائل مكة — وهي أحب البقاع إلى قلوبهم وموطن صباهم وذكرياتهم — ليس فراراً مجرداً، بل حمايةً للحق الذي يحملونه، واستبدالاً لبيئة تُكره على الباطل ببيئة تنصر الفضيلة وتتسع للحرية الأخلاقية.
خاتمة: النفس الإنسانية في الكون الابْتِلَائِي
تلك هي معركة النفس البشرية الكبرى في هذا البدن المادي وفي هذا الكون الابْتِلائي، إن الاختبار الحقيقي الذي يخوضه كل منَّا لا يقتصر على ترك الرذيلة فحسب، بل يتمثل في تطهير الدافع للفضيلة.
أن يملك الإنسان الشجاعة ليقف في صمت جليده الخاص — كما وقفت "مولان" — ويسأل نفسه صادقًا : "لو خلتِ الأرض من أعين الناس، وانقطع ثنائهم، واختفت السلطة التي أخشاها، هل كنتُ سأفعل هذا الفعل؟"
إن تجريد النية للحق، والنزوعَ نحو الكمال، والجرأةَ في وجه ضغط المجتمع — سواء بمصارحتهم أو بالهجرة والترك — هي السبيل الوحيدة لنجاة الفرد والمجتمع من مستنقع النفاق والرذيلة، ولتحقيق الاستقلال الروحي الذي لا يُباع ولا يُشترى بثناء الناس ورضاهم.
ومن عرف نفسَه لم يغترَّ بمدحٍ ولا ثلبٍ.
https://t.me/TARDIS93
2️⃣
تصل هذه الإشكالية الأخلاقية إلى ذروتها الفظيعة لدى المقربين من صناع القرار والمسؤولين، فحين تكون قيمةُ المرءِ عنده معلَّقةً بإرضاء ذاك المسؤول أو المتبوع المعظّم:
- يتحول الفرد من ناصر للحق إلى أداة طائعة للبطش والعدوان.
- إذا أمره هذا المسؤول بالمعصية، أو بتزوير الحقيقة، أو بسلب حقوق العباد، استجاب له بلا تردد، لأن مرجعيته الأخلاقية سقطت تمامًا؛ فلم يعد يسأل: "هل هذا حق وعدل؟"، بل يسأل: "هل هذا يرضي فلان وفلان؟".
هكذا تتحول محاولة إثبات الذات الابتدائي إلى عبودية كاملة تُسقط صاحبها في أشنع صور الانحطاط الأخلاقي والبطش الاجتماعي.
5. التداعي المؤسسي: كيف ينهار المجتمع أخلاقياً؟
إن تفشي هذا المرض النفسي على مستوى الأفراد يقودُ بالضرورة إلى استشراء الفساد المؤسسي في أركان الدولة والمجتمع:
- على مستوى الأسرة: يتغاضى الأفراد عن الخطيئة ويجارون تقاليد أسرهم الرديئة ويتحمَّلون الإهانة لئلا يُقال عن أحدهم: مريضٌ أو عاقٌّ لا خير فيه لأهله.
- على مستوى العلم والمعرفة: ترى الباحث أو العالم يقول بالقول الباطل خوفًا من أن يغضب عليه مذهبه أو أتباعه، فيكتم الحقَّ ويُظهر الباطل ليحافظ على انتمائه ورضا الناس عنه.
- على مستوى السياسة والمواطنة: ينساق الرجل العادي لتأييد الظلم والمستبدين، يصفق مع الصفوف الأولى لا إيمانًا بالظالم، بل رهبةً من النَّبذ أو يُقال عنه "شاذ عن الصف".
- على مستوى التعليم: يكرر المعلم ما تدين به إدارة المدرسة أو السائد الثقافي والسياسي، ملغيًا عقله وأمانته العلمية فَرَقًا من أن يُلفَظَ ويُحذّر منه، فيقتلُ البذرة في التربة.
6. التحرر الأخلاقي: بين المداراة، والعبودية، وخيار «الهجرة»
لكي لا تختلط المفاهيم، من الضروري التمييز الحاسم بين المسارات والأحوال التي يواجهها الإنسان أمام مجتمعه:
- التبعية المهلكة (إرضاء الناس غايةٌ كبرى): وهي اتِّخاذ أهواء البشر ومشهوراتهم مسطرة تُقاس بها الأفعال، والسقوط في الفساد لإرضائهم، وإرضاء الناس ليس مطلباً عقلياً ولا شرعياً؛ عقلاً لأنه محال؛ لتناقض أهوائهم ومشهوراتهم وأعرافهم، وشرعاً لأن الرَّسالات جاءت لتحرير الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد والتزام الحق وتكميل النَّفس، لا لتعبيده للمجتمعات.
- المداراة المشروعة (الذكاء الاجتماعي): وهي الترفق بالناس واللين معهم لاتقاء شرورهم أو لتمرير المصالح دون إسقاط للحق، ودون المشاركة في إثم أو رذيلة.
- الهجرة والترك (حين تُسد مسالك المداراة):
هناك خيارٌ مصيري قد يغفُل عنه كثيرون، يبرز عندما تبلغ الشراسة المجتمعية مداها؛ فلا يكون المجتمع واقفًا عند نبذك والتحذير منك، بل يُجبرك إجبارًا ويقسِرك قسرًا على فعل الرذيلة واستحسانها ، ويحرمك من ساحة الصمت أو المداراة الهادئة.
في هذه البيئات الخانقة، يعيش الإنسان ضائق النفس معتلَّ الفؤاد، يتألم كل يوم، ولا يستسيغ النظر في الوجوه من شرّ أفعالها وتقييماتها الزائفة؛ يرى الباطل فلا يستطيع إنكاره، ويشهد الحق فلا يملك نصره.
هنا يكون القرار الأخلاقي الشجاع هو الترك والمغادرة (الهجرة)؛ أن يخلع المرء نفسه من تلك البيئة المسمومة ليحقن فضيلته ويحمي روحه، باحثاً عن عالم آخر أو بيئة أكثر عقلًا وتقبلاً للحق والفضيلة.
وليس هذا الخيار ببدعٍ في تاريخ الإنسانية؛ بل هو الأصل العظيم الذي قامت عليه أمة الإسلام الأولى؛ حين ترك المهاجرون الأوائل مكة — وهي أحب البقاع إلى قلوبهم وموطن صباهم وذكرياتهم — ليس فراراً مجرداً، بل حمايةً للحق الذي يحملونه، واستبدالاً لبيئة تُكره على الباطل ببيئة تنصر الفضيلة وتتسع للحرية الأخلاقية.
خاتمة: النفس الإنسانية في الكون الابْتِلَائِي
تلك هي معركة النفس البشرية الكبرى في هذا البدن المادي وفي هذا الكون الابْتِلائي، إن الاختبار الحقيقي الذي يخوضه كل منَّا لا يقتصر على ترك الرذيلة فحسب، بل يتمثل في تطهير الدافع للفضيلة.
أن يملك الإنسان الشجاعة ليقف في صمت جليده الخاص — كما وقفت "مولان" — ويسأل نفسه صادقًا : "لو خلتِ الأرض من أعين الناس، وانقطع ثنائهم، واختفت السلطة التي أخشاها، هل كنتُ سأفعل هذا الفعل؟"
إن تجريد النية للحق، والنزوعَ نحو الكمال، والجرأةَ في وجه ضغط المجتمع — سواء بمصارحتهم أو بالهجرة والترك — هي السبيل الوحيدة لنجاة الفرد والمجتمع من مستنقع النفاق والرذيلة، ولتحقيق الاستقلال الروحي الذي لا يُباع ولا يُشترى بثناء الناس ورضاهم.
ومن عرف نفسَه لم يغترَّ بمدحٍ ولا ثلبٍ.
https://t.me/TARDIS93
2️⃣
Telegram
Hermit
صندوق النَّاسك ...
👏2
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
حدثنا محمد بن منصور قال:
حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال:
حدثنا جويرية قال:
أرسل عثمان إلى معاوية يستمده، فبعث معاوية يزيد ابن أسد جدّ خالد القسريّ، وقال له:
إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب قال: أنا الشاهد وأنت الغائب.
فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان.
فقلت لجويرية: لم صنع هذا؟
قال: صنعه عمدا ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.
- تاريخ المدينة
حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال:
حدثنا جويرية قال:
أرسل عثمان إلى معاوية يستمده، فبعث معاوية يزيد ابن أسد جدّ خالد القسريّ، وقال له:
إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب قال: أنا الشاهد وأنت الغائب.
فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان.
فقلت لجويرية: لم صنع هذا؟
قال: صنعه عمدا ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.
- تاريخ المدينة
#حديث
[أكثر النفاق في المتعلمين]
قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ أَكْثَرَ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا " رواه أحمد بإسناد صحيح.
https://t.me/TARDIS93
[أكثر النفاق في المتعلمين]
قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ أَكْثَرَ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا " رواه أحمد بإسناد صحيح.
https://t.me/TARDIS93
#علي_مني
#خال_المؤمنين
[لم منع عثمان من نصرته؟]
جاء في "مصنف ابن أبي شيبة" : ٣٠٧١٠ - حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ عَلِيًّا اتُّهِمَ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ حَتَّى بُويِعَ , فَلَمَّا بُويِعَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ». إسناد صحيحٌ
قلت: اتَّهمه معاوية وأقام شهود الزور من الصحابة وغيره بالشأم أن عليًّا قتل عثمان.
ومعاوية يقصد بالقتل معنى أعم يشمل الخذلان، وقد صدق، فالمدينة ما بين خاذل وقاتل، وإلا كيف يوصل إلى عثمان من بين هذه الجموع كلِّها إن كان موالية ناصرة؟!
فإن قال أحدهم: عثمان منع من نصرتِه.
قلتُ: منع لأنه علِمَ قلةَ ناصره وأنهم سيقتلون لا محالة إن رفعوا السيوف، فحافظ على نفسه وأنفسهم، لكنه لم يكن يرى كف اليد حتى الموت، بدليل طلبه جيشَ الشأم من معاوية كما هو معلوم، وقد روى ابن سعد في "الطبقات" وغيره إرسال عثمان المسورَ بن مخرمةَ إلى معاوية يستنجده فخذله، فقال له عثمان بعد أن دعا عليه: " والله ما أقتل إلا فيك ولا يُنقم عليّ إلا من أجلك".
وقد كان معاوية فيما ذهب إليه كثيرون - وأرى قوته ورجحانه - ضالعا بخذلان عثمان وقتله، حتى تكون له حجة أمام العامة يركب بها ظهور أهل الشأم وغيرهم في طلب السلطان ومشاقة المسلمين، وقد نجح.
وأما طلحة والزبير وعائشة فهم خاذلون لعثمان في حياته، بل ذامُّون له ولسيرته، ثم ناكثون مقاتلون لعليٍّ يطلبون القصاص من قتلة عثمان !!
وربما يعجب الإنسان من هذا ولكنه طلبُ الملك والتسلط وحب الرياسة، وقد قالها عمر قبلُ، لذا كان آخذًا بحُجَزِهم - أعني السابقين - لا يخرجون إلى غزوٍ ولا سكنى، وإن سافروا عادوا سريعا إلى المدينة، إذ كان يرى انتشارهم فتنة.
وهذا مصداق قول رسول الله صلوات الله عليه: " فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهم". رواه البخاري.
https://t.me/TARDIS93
#خال_المؤمنين
[لم منع عثمان من نصرته؟]
جاء في "مصنف ابن أبي شيبة" : ٣٠٧١٠ - حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ عَلِيًّا اتُّهِمَ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ حَتَّى بُويِعَ , فَلَمَّا بُويِعَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ». إسناد صحيحٌ
قلت: اتَّهمه معاوية وأقام شهود الزور من الصحابة وغيره بالشأم أن عليًّا قتل عثمان.
ومعاوية يقصد بالقتل معنى أعم يشمل الخذلان، وقد صدق، فالمدينة ما بين خاذل وقاتل، وإلا كيف يوصل إلى عثمان من بين هذه الجموع كلِّها إن كان موالية ناصرة؟!
فإن قال أحدهم: عثمان منع من نصرتِه.
قلتُ: منع لأنه علِمَ قلةَ ناصره وأنهم سيقتلون لا محالة إن رفعوا السيوف، فحافظ على نفسه وأنفسهم، لكنه لم يكن يرى كف اليد حتى الموت، بدليل طلبه جيشَ الشأم من معاوية كما هو معلوم، وقد روى ابن سعد في "الطبقات" وغيره إرسال عثمان المسورَ بن مخرمةَ إلى معاوية يستنجده فخذله، فقال له عثمان بعد أن دعا عليه: " والله ما أقتل إلا فيك ولا يُنقم عليّ إلا من أجلك".
وقد كان معاوية فيما ذهب إليه كثيرون - وأرى قوته ورجحانه - ضالعا بخذلان عثمان وقتله، حتى تكون له حجة أمام العامة يركب بها ظهور أهل الشأم وغيرهم في طلب السلطان ومشاقة المسلمين، وقد نجح.
وأما طلحة والزبير وعائشة فهم خاذلون لعثمان في حياته، بل ذامُّون له ولسيرته، ثم ناكثون مقاتلون لعليٍّ يطلبون القصاص من قتلة عثمان !!
وربما يعجب الإنسان من هذا ولكنه طلبُ الملك والتسلط وحب الرياسة، وقد قالها عمر قبلُ، لذا كان آخذًا بحُجَزِهم - أعني السابقين - لا يخرجون إلى غزوٍ ولا سكنى، وإن سافروا عادوا سريعا إلى المدينة، إذ كان يرى انتشارهم فتنة.
وهذا مصداق قول رسول الله صلوات الله عليه: " فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهم". رواه البخاري.
https://t.me/TARDIS93
🔥4❤1
#إثارة
[الميزان الإلهي وفِقْهُ المحاباة: هل أنت كالصحابة حتى تقيّمهم ؟!]
بقلم: أبي علي المطبخي.
قبل الإجابة على هذا الاستنكار المتكرر لا مناص من ذكر أصلين عقليين وشرعيين إعلاما وتذكيرا وإن كانا كالشمس في أبراجها طالعة.
الأصل الأول: القرآن والسنة فوق الجميع.
إن الحاكمية في هذا الدين إنما هي لكتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وعلى آله، فهما الميزان الحاكم الذي تخضع له الأعناق، لا يُستثنى إنسان من حكمٍ ما، ولا توجد رتبة —مهما عظُمَت من النبوة فما دونها — تُحمي صاحبها من الخضوع لمعايير الأمر والنهي والعدل الإلهي.
فالشرع هو الحاكم على الذوات والأفعال، والجميع أمامه سواء لا فضل لأحد إلا بالحق والتزام أمره.
الأصل الثاني: الصحابة محكومون بالكتاب والسنة.
إن الصحابة - على أي تعريف شئتَ - بشرٌ تسري عليهم الأحكام الشرعية، فهم محكومون بها لا حُكَّام عليها، ومكانتهم الفاضلة لا تعني إخراجهم من دائرة التقييم؛ إذ هم مخاطَبون بالأمر والنهي، وعليه يُحمد محسنهم على إحسانه، ويُذمُّ مسيئهم على إساءته، فالصحبة فضيلة بشرطها لا منفلتة، لكنها بشرطها أيضا ليست ختما تعطل به نصوص الشريعة أو ترفع الموصوف بها فوق القانون الإلهي.
▫️الجواب على الاعتراض.
الاعتراض: "لماذا تتكلم فيهم وقد سبقوك، وهذا يضرك ولا يضرهم، ونتيجة كلامك لو تفطَّنتَ أنك تفضل نفسَك عليهم؟".
وجوابه: أن القرآن العظيم أمر بأشياء من سلَّم بها وأذعن فلا معنى لأن يعترض بهذا أبدا، وهي:
🔸️الحض على قول الحق والعدل في الحكم
- قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهداءَ لِلَّهِ وَلَو عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَينِ وَالْأَقرَبِينَ}.
🔸️الحض على التمييز بين أهل العدل والظلم.
- استنكار إلهي، قال تعالى : {أَم نَجعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الْأَرضِ أَم نَجعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}.
- ترك التمييز سوء في الحكم، وقال تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
- التمييز مطلب إلهي، وقال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
- علة التفصيل قال تعالى:{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}
🔸️ التحذير من الاغترار بكلام المنافقين والفاسقين واتِّباع سبيلهم، والتثبت من أخبار الفسقة.
- المنافق هو العدو، قال تعالى : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.
- النهي عن طاعة الكافر والمنافق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
- النهي عن إطاعة الكافر والفاسق والمنافق والجاهل: قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
- النهي عن اتباع سبيلهم، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}.
- النهي عن تصديق الفاسق دون بيِّنة: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
الحاصل: إن تمَّ ما ذكرتُ من:
١- حاكمية الشرع على جميع الخلق،
٢- والأمر بالتمييز الذي هو من مصاديق العدل
٣- والتحذير من إطاعة واتباع سبيل المنافقين والفاسقين والجهلة،
٤- والتحقق من أخبار الفسقة.
فكلامي في تمييز المؤمن من المنافق والفاسق، والعالم من الجاهل، والحافظ من المخلِّط في جيل النقلة الأول = امتثال للأمر الإلهي.
وليست المسألة أنا أفضل أم فلان من الصحابة، وممَّا ينبغي أن يرسَخ في قلب المسلم أن الميزان عند الله في السبق إلى العدل واتقاء الظلم، لا نظرة ولا صحبة هكذا.
ملاحظة أخلاقية: ازدواجية تطبيق الوعد والوعيد.
لقد عمد كثير من الناس إلى منهج غريب في التعاطي مع النص الشرعي؛ وإن أنكروا بألسنتهم لكن حالهم تقضي بذاك عند المنصف، إذ يحملون نصوص الوعد والإكرام والثناء على الصحابة كأنها خُصصت لهم وحدهم، في حين يرحّلون نصوص الوعيد والتهديد والتفسيق حتى تسقط على من جاء بعدهم!
وهذا ظلمٌ.
والله الهادي
https://t.me/TARDIS93
[الميزان الإلهي وفِقْهُ المحاباة: هل أنت كالصحابة حتى تقيّمهم ؟!]
بقلم: أبي علي المطبخي.
قبل الإجابة على هذا الاستنكار المتكرر لا مناص من ذكر أصلين عقليين وشرعيين إعلاما وتذكيرا وإن كانا كالشمس في أبراجها طالعة.
الأصل الأول: القرآن والسنة فوق الجميع.
إن الحاكمية في هذا الدين إنما هي لكتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وعلى آله، فهما الميزان الحاكم الذي تخضع له الأعناق، لا يُستثنى إنسان من حكمٍ ما، ولا توجد رتبة —مهما عظُمَت من النبوة فما دونها — تُحمي صاحبها من الخضوع لمعايير الأمر والنهي والعدل الإلهي.
فالشرع هو الحاكم على الذوات والأفعال، والجميع أمامه سواء لا فضل لأحد إلا بالحق والتزام أمره.
الأصل الثاني: الصحابة محكومون بالكتاب والسنة.
إن الصحابة - على أي تعريف شئتَ - بشرٌ تسري عليهم الأحكام الشرعية، فهم محكومون بها لا حُكَّام عليها، ومكانتهم الفاضلة لا تعني إخراجهم من دائرة التقييم؛ إذ هم مخاطَبون بالأمر والنهي، وعليه يُحمد محسنهم على إحسانه، ويُذمُّ مسيئهم على إساءته، فالصحبة فضيلة بشرطها لا منفلتة، لكنها بشرطها أيضا ليست ختما تعطل به نصوص الشريعة أو ترفع الموصوف بها فوق القانون الإلهي.
▫️الجواب على الاعتراض.
الاعتراض: "لماذا تتكلم فيهم وقد سبقوك، وهذا يضرك ولا يضرهم، ونتيجة كلامك لو تفطَّنتَ أنك تفضل نفسَك عليهم؟".
وجوابه: أن القرآن العظيم أمر بأشياء من سلَّم بها وأذعن فلا معنى لأن يعترض بهذا أبدا، وهي:
🔸️الحض على قول الحق والعدل في الحكم
- قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهداءَ لِلَّهِ وَلَو عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَينِ وَالْأَقرَبِينَ}.
🔸️الحض على التمييز بين أهل العدل والظلم.
- استنكار إلهي، قال تعالى : {أَم نَجعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الْأَرضِ أَم نَجعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}.
- ترك التمييز سوء في الحكم، وقال تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
- التمييز مطلب إلهي، وقال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
- علة التفصيل قال تعالى:{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}
🔸️ التحذير من الاغترار بكلام المنافقين والفاسقين واتِّباع سبيلهم، والتثبت من أخبار الفسقة.
- المنافق هو العدو، قال تعالى : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.
- النهي عن طاعة الكافر والمنافق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
- النهي عن إطاعة الكافر والفاسق والمنافق والجاهل: قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
- النهي عن اتباع سبيلهم، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}.
- النهي عن تصديق الفاسق دون بيِّنة: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
الحاصل: إن تمَّ ما ذكرتُ من:
١- حاكمية الشرع على جميع الخلق،
٢- والأمر بالتمييز الذي هو من مصاديق العدل
٣- والتحذير من إطاعة واتباع سبيل المنافقين والفاسقين والجهلة،
٤- والتحقق من أخبار الفسقة.
فكلامي في تمييز المؤمن من المنافق والفاسق، والعالم من الجاهل، والحافظ من المخلِّط في جيل النقلة الأول = امتثال للأمر الإلهي.
وليست المسألة أنا أفضل أم فلان من الصحابة، وممَّا ينبغي أن يرسَخ في قلب المسلم أن الميزان عند الله في السبق إلى العدل واتقاء الظلم، لا نظرة ولا صحبة هكذا.
ملاحظة أخلاقية: ازدواجية تطبيق الوعد والوعيد.
لقد عمد كثير من الناس إلى منهج غريب في التعاطي مع النص الشرعي؛ وإن أنكروا بألسنتهم لكن حالهم تقضي بذاك عند المنصف، إذ يحملون نصوص الوعد والإكرام والثناء على الصحابة كأنها خُصصت لهم وحدهم، في حين يرحّلون نصوص الوعيد والتهديد والتفسيق حتى تسقط على من جاء بعدهم!
وهذا ظلمٌ.
والله الهادي
https://t.me/TARDIS93
Telegram
Hermit
صندوق النَّاسك ...
👍1👏1
[لكنِّي أردك إلى رأي والرأي مشترك]
لقي عمر بن الخطاب رجلاً فقال له ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، فقال لو كنت أنا لقضيت بكذا. قال فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي مشترك. فلم ينقض ما قال علي وزيد.
"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر
https://t.me/TARDIS93
لقي عمر بن الخطاب رجلاً فقال له ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، فقال لو كنت أنا لقضيت بكذا. قال فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي مشترك. فلم ينقض ما قال علي وزيد.
"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر
https://t.me/TARDIS93
Telegram
Hermit
صندوق النَّاسك ...
❤1
[ضريبة المجتمع]
قال مالك بن نبي: "الفرد يدفع ضريبة اندماجه الاجتماعي، وكلما كان المجتمع مختلا في نموه ارتفعت قيمة الضريبة".
"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"
https://t.me/TARDIS93
قال مالك بن نبي: "الفرد يدفع ضريبة اندماجه الاجتماعي، وكلما كان المجتمع مختلا في نموه ارتفعت قيمة الضريبة".
"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"
https://t.me/TARDIS93
Telegram
Hermit
صندوق النَّاسك ...
👍1