Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّ فُلَانًا -معاوية- دَخَلَ الْمَدِينَةَ حَاجًّا، فَأَتَاهُ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ سَعْدٌ -بن أبي وقّاص-، فَسَلَّمَ، فَقَالَ -معاوية-:
وَهَذَا لَمْ يُعِنَّا عَلَى حَقِّنَا عَلَى بَاطِلِ غَيْرِنَا. قَالَ:فَسَكَتَ عَنْهُ سَاعَةً.
فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟
فَقَالَ: هَاجَتْ فِتْنَةٌ، وَظُلْمَةٌ. فقلت لِبَعِيرِي: اخْ اخْ -صوت تنوّخ به المطية-، فَأَنَخْتُ حَتَّى انْجَلَتْ.
فَقَالَ رَجُلٌ -معاوية-: إِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ اخْ اخْ.
قَالَ فَغَضِبَ سَعْدٌ، فَقَالَ: أَمَا إِذْ قُلْتُ ذَاكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ أَوِ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُ كَانَ».
قَالَ: مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَهُ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، فَقَالَ الرَّجُلُ -معاوية- لِسَعْدٍ: مَا كُنْتَ عِنْدِي قَطُّ أَلْوَمَ مِنْكَ الآنَ!
فَقَالَ: وَلِمَ؟
قَالَ: لَوْ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَزَلْ خَادِمًا لِعَلِيٍّ حَتَّى أَمُوتَ!
………………
قلت: معاوية كاذب في قوله ويعلم من فضل علي ما هو فوق هذا ولكنه أراد تبكيت سعد، وما تخلّف أحد عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام إلا ذل.
وَهَذَا لَمْ يُعِنَّا عَلَى حَقِّنَا عَلَى بَاطِلِ غَيْرِنَا. قَالَ:فَسَكَتَ عَنْهُ سَاعَةً.
فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟
فَقَالَ: هَاجَتْ فِتْنَةٌ، وَظُلْمَةٌ. فقلت لِبَعِيرِي: اخْ اخْ -صوت تنوّخ به المطية-، فَأَنَخْتُ حَتَّى انْجَلَتْ.
فَقَالَ رَجُلٌ -معاوية-: إِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ اخْ اخْ.
قَالَ فَغَضِبَ سَعْدٌ، فَقَالَ: أَمَا إِذْ قُلْتُ ذَاكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ أَوِ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُ كَانَ».
قَالَ: مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَهُ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، فَقَالَ الرَّجُلُ -معاوية- لِسَعْدٍ: مَا كُنْتَ عِنْدِي قَطُّ أَلْوَمَ مِنْكَ الآنَ!
فَقَالَ: وَلِمَ؟
قَالَ: لَوْ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَزَلْ خَادِمًا لِعَلِيٍّ حَتَّى أَمُوتَ!
………………
قلت: معاوية كاذب في قوله ويعلم من فضل علي ما هو فوق هذا ولكنه أراد تبكيت سعد، وما تخلّف أحد عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام إلا ذل.
👎1
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
"الدين والسنة والإحداث"
هذه الألفاظ كثيرًا ما يراد بها في اللسان الأول المعاني السياسية لا الشعائرية وقد تكون هي الأصل.
فالمراد من الدين الطاعة والحكم، ومن السنة السيرة السياسية والأقضية، ومن الإحداث تغيير الأحكام الشرعية السياسية.
فمن الأول: "مَا كَانَ لِیَأۡخُذَ أَخَاهُ فِی دِینِ ٱلۡمَلِكِ"، و"من بدّل دينه فاقتلوه"، و"يمرقون من الدين".
ومن الثاني: "أول من يبدّل سنتي رجل من بني أمية"، و"سبعة لعنتهم… وعد منهم: والتارك لسنتي"، وقول ابن مسعود: "لم تكن أمة إلا كان أول ما يتركون من دينهم السنة".
ومن الثالث: أَنَّ الوَلِيْدَ بن عقبة أَرسَلَ إِلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ: أَنِ اسْكُتْ عَنْ هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ: أَحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرُّ الأُمُوْرِ مُحْدَثَاتُهَا.
وأرسل إلىٰ عثمان يقول له إن ابن مسعود يعرّض بك.
هذه الألفاظ كثيرًا ما يراد بها في اللسان الأول المعاني السياسية لا الشعائرية وقد تكون هي الأصل.
فالمراد من الدين الطاعة والحكم، ومن السنة السيرة السياسية والأقضية، ومن الإحداث تغيير الأحكام الشرعية السياسية.
فمن الأول: "مَا كَانَ لِیَأۡخُذَ أَخَاهُ فِی دِینِ ٱلۡمَلِكِ"، و"من بدّل دينه فاقتلوه"، و"يمرقون من الدين".
ومن الثاني: "أول من يبدّل سنتي رجل من بني أمية"، و"سبعة لعنتهم… وعد منهم: والتارك لسنتي"، وقول ابن مسعود: "لم تكن أمة إلا كان أول ما يتركون من دينهم السنة".
ومن الثالث: أَنَّ الوَلِيْدَ بن عقبة أَرسَلَ إِلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ: أَنِ اسْكُتْ عَنْ هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ: أَحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرُّ الأُمُوْرِ مُحْدَثَاتُهَا.
وأرسل إلىٰ عثمان يقول له إن ابن مسعود يعرّض بك.
👎1
#إثارة
[جيل الصحبة: قراءة في الطبائع البشرية (العدالة) وصيرورة المعرفة (الأعلميَّة)]
بقلم: أبي عليٍّ المطبخي
توطئةٌ
تُمثل «الصحبة» لحظةً تاريخية تَشَكَّل فيها جيلٌ بشري أُوكِلَتْ إليه مهمَّة جسيمةٌ، تبليغُ الدَّين لمن بعده كما بلَغَه عن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، وهنا اختلف النَّاظرون لهؤلاء المُبَلِّغِين، فمنهم:
1- من بجَّلهم كلَّهم ومَنَع من تناوُلِهم مطلقا،
2- ومنهم من ازدراهم وأكفرهم إلا قليلا،
3- ومنهم من غرْبَلَهم وانتقى منهم.
ولسائل أن يقول: ما الذي جرى حتى انقسمَ النَّاس فيهم؟!
الجوابُ: إنَّ أهم الأسباب التي قسَّمت الناظرين إلى "الصحابة" ما عُرِف في كتب التَّاريخ والسِّير والحديثِ باسم "حروب الفتنة"، التي بدأت معالمها تبرز شيئًا فشيئًا، من آخر سِنِي حياة رسول الله إلى زمن خلافةِ علي بن أبي طالبٍ رحمة الله تغشاه، فَكَشَّرتِ الرِّجال عن أنيابِها، وأظهرتِ الصّدور أضغانَها، فاقتتل النَّاس اقتتالًا شديدًا، وانقسم الصحابة في مواقفهم، فكان أكثرهم مع علي بن أبي طالب، والبقية بين مخالف مقاتل له أو مخالفٍ معتزل عنه، وبسبب هذا الاقتِتَالِ حكمتْ كلُّ فرقةٍ على صاحبتها بالبغي أو النِّفاق، وانسحب الحكم على الصحابةِ في كل فرقةٍ.
ثم تغيَّرتِ النَّظرة إليهم بعد ركود هذه الأحداث وظهور الكتابة في المسلمين وجَمْعِهم الأخبار، ومقارنتها ببعضها، وقد آل الأمر منذ قرون بعيدة إلى قبول أكثر حديثِ الصَّحابة بشتى أهوائهم عند أكثر أهل الإسلام، فأهل الحديثِ بطوائفهم (شيعة/ عثمانية/ ناصبة/ قدرية / مرجئة/ واقفة) يقبلون أحاديث عائشة وطلحة والزبير وابن الزبير ومن كان معهم من أهل الجمل، والشيعة الزيدية في الأعم الأغلب يقبلون أحاديثهم وأحاديثَ أبي هريرة وابن عمر وسعد وأسامة بن زيدٍ من المعتزلين للحرب لكن بشروط عندهم، وكذا الإباضيَّةُ، وأمَّا أهل السُّنَّة و"الجماعة" - وهي فرقةٌ برزت معالمها متأخرا بعد كل هذه الطوائف والفرق كالإمامية - فيقبلون كلَّ حديثِ الصحابة، فمن صحَّ الإسناد إليه منهم عدَّلوه وقبلوا روايته ورتَّبوا عليها الآثار، وأمَّا الإمامية فالذي أعرفه عنهم أنهم لا يقبلون روايات من خالفَ عليًا وقاتله واعتزله مطلقًا، وربَّما قبلوا روايات المعتزلين في غير باب السياسة.
بعبارة أخرى: لا خلاف في قبول روايات الصَّحابة والاحتجاج بها بين أهل الإسلام قاطبةً، وإنَّما الخلاف في سَعة هذه الدَّائرة وضيقها وشروط دخولها والإخراج منها، فأضيق المذاهب دائرةً الإماميَّةُ، وإن أردنا الدِّقة فالخوارج أضيق منهم لكنْ لا وجود لمن يختار اختيارهم، ثم تتوسع هذه الدائرة عند الزيَّدية والإباضيَّة، ثمَّ تأتي دائرةٌ نصف قطرِها ما بين أيلةَ إلى صنعاء، وهي دائرة أهل السُّنَّةِ والجماعة. فهم أكثر المذاهب توسُّعا في قبول روايات الصحابة.
أمَّا جيل الرُّواة والنَّقدة الأُوَلُ فتختلف سعةُ دوائرهم بحسب شروطهم وأقطارهم ورحلاتهم وظروفهم السياسية والاجتماعية.
وممَّا تقدم نرى أن العدالة كانت السبب الأعظم في توسع وتضييق دوائر القبول والردِّ بين طوائف المسلمين.
1️⃣
[جيل الصحبة: قراءة في الطبائع البشرية (العدالة) وصيرورة المعرفة (الأعلميَّة)]
بقلم: أبي عليٍّ المطبخي
توطئةٌ
تُمثل «الصحبة» لحظةً تاريخية تَشَكَّل فيها جيلٌ بشري أُوكِلَتْ إليه مهمَّة جسيمةٌ، تبليغُ الدَّين لمن بعده كما بلَغَه عن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، وهنا اختلف النَّاظرون لهؤلاء المُبَلِّغِين، فمنهم:
1- من بجَّلهم كلَّهم ومَنَع من تناوُلِهم مطلقا،
2- ومنهم من ازدراهم وأكفرهم إلا قليلا،
3- ومنهم من غرْبَلَهم وانتقى منهم.
ولسائل أن يقول: ما الذي جرى حتى انقسمَ النَّاس فيهم؟!
الجوابُ: إنَّ أهم الأسباب التي قسَّمت الناظرين إلى "الصحابة" ما عُرِف في كتب التَّاريخ والسِّير والحديثِ باسم "حروب الفتنة"، التي بدأت معالمها تبرز شيئًا فشيئًا، من آخر سِنِي حياة رسول الله إلى زمن خلافةِ علي بن أبي طالبٍ رحمة الله تغشاه، فَكَشَّرتِ الرِّجال عن أنيابِها، وأظهرتِ الصّدور أضغانَها، فاقتتل النَّاس اقتتالًا شديدًا، وانقسم الصحابة في مواقفهم، فكان أكثرهم مع علي بن أبي طالب، والبقية بين مخالف مقاتل له أو مخالفٍ معتزل عنه، وبسبب هذا الاقتِتَالِ حكمتْ كلُّ فرقةٍ على صاحبتها بالبغي أو النِّفاق، وانسحب الحكم على الصحابةِ في كل فرقةٍ.
ثم تغيَّرتِ النَّظرة إليهم بعد ركود هذه الأحداث وظهور الكتابة في المسلمين وجَمْعِهم الأخبار، ومقارنتها ببعضها، وقد آل الأمر منذ قرون بعيدة إلى قبول أكثر حديثِ الصَّحابة بشتى أهوائهم عند أكثر أهل الإسلام، فأهل الحديثِ بطوائفهم (شيعة/ عثمانية/ ناصبة/ قدرية / مرجئة/ واقفة) يقبلون أحاديث عائشة وطلحة والزبير وابن الزبير ومن كان معهم من أهل الجمل، والشيعة الزيدية في الأعم الأغلب يقبلون أحاديثهم وأحاديثَ أبي هريرة وابن عمر وسعد وأسامة بن زيدٍ من المعتزلين للحرب لكن بشروط عندهم، وكذا الإباضيَّةُ، وأمَّا أهل السُّنَّة و"الجماعة" - وهي فرقةٌ برزت معالمها متأخرا بعد كل هذه الطوائف والفرق كالإمامية - فيقبلون كلَّ حديثِ الصحابة، فمن صحَّ الإسناد إليه منهم عدَّلوه وقبلوا روايته ورتَّبوا عليها الآثار، وأمَّا الإمامية فالذي أعرفه عنهم أنهم لا يقبلون روايات من خالفَ عليًا وقاتله واعتزله مطلقًا، وربَّما قبلوا روايات المعتزلين في غير باب السياسة.
بعبارة أخرى: لا خلاف في قبول روايات الصَّحابة والاحتجاج بها بين أهل الإسلام قاطبةً، وإنَّما الخلاف في سَعة هذه الدَّائرة وضيقها وشروط دخولها والإخراج منها، فأضيق المذاهب دائرةً الإماميَّةُ، وإن أردنا الدِّقة فالخوارج أضيق منهم لكنْ لا وجود لمن يختار اختيارهم، ثم تتوسع هذه الدائرة عند الزيَّدية والإباضيَّة، ثمَّ تأتي دائرةٌ نصف قطرِها ما بين أيلةَ إلى صنعاء، وهي دائرة أهل السُّنَّةِ والجماعة. فهم أكثر المذاهب توسُّعا في قبول روايات الصحابة.
أمَّا جيل الرُّواة والنَّقدة الأُوَلُ فتختلف سعةُ دوائرهم بحسب شروطهم وأقطارهم ورحلاتهم وظروفهم السياسية والاجتماعية.
وممَّا تقدم نرى أن العدالة كانت السبب الأعظم في توسع وتضييق دوائر القبول والردِّ بين طوائف المسلمين.
1️⃣
👍2
Hermit
#إثارة [جيل الصحبة: قراءة في الطبائع البشرية (العدالة) وصيرورة المعرفة (الأعلميَّة)] بقلم: أبي عليٍّ المطبخي توطئةٌ تُمثل «الصحبة» لحظةً تاريخية تَشَكَّل فيها جيلٌ بشري أُوكِلَتْ إليه مهمَّة جسيمةٌ، تبليغُ الدَّين لمن بعده كما بلَغَه عن رسول الله صلوات الله…
الصَّحابة مجتمعٌ بشري يتفاوت في الطَّبعِ والتَّأثر والتأثيرِ
هذا الجيل - وأي جيلٍ- خاضعٌ بطبيعتِه لسنن الاجتماع الإنساني وطبائعه الفطرية، وإن القراءة المتدبَّرة لتفاعلات هذا الجيل مع نفسِه ومع غيرِه تقتضي نبذ التَّعميم في الحكم عليهم، والنظرَ إليهم مجتمعًا تسرى عليه قوانين البشرية ويحكمه منطِق التاريخ، ففيه الصالحون والطَّالحون، والشُجعان والخائرون، والكفار والمنافقون، والحفَّاظ والمخلِّطون، والمبدئيون والمرتَزِقون، والفقهاء والسَّاذجون، وعلى كلِّ وصفٍ ذُكِرَ دليلُ العقل والشَّرع قائم لكلِّ مدَّكِر.
ولست بحاجةٍ إلى تلاوة مَسْردٍ طويلٍ للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والحوادث التاريخية التي تفيد يقينًا لا شِكَّةَ فيه أن جيل الصَّحابة فيهم وفيهم، وأنهم كغيرهم في قبولهم الإيمان والنفاق والعدالة والفسق.
وانظروا إلى أصحابِ الأنبياءِ عليهم السلام في القرآن تُدركوا ذلك، فكثيرٌ مِن أصحاب الأنبياء عليهم السلام على التعريف المشهورِ = مبدِّلون ضآلُّون، وفي قَصَصِ بني إسرائيل وتعنُّتِهم مع أنبيائهم ومشَّآقتِهم لهم واختلافهم عليهم ما ينبِّه الغافلَ ويُعَرِّف الجاهل، وقد جاء عندنا أهل الإسلام في الحديث المتواتر عن رسول الله "أنا فَرَطُكم على الحوضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ معي رجالٌ منكم ثمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دوني، فأقولُ: يا ربِّ أَصحابِي، فَيُقالُ: إِنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك" رواه البخاري.
وفي لفظٍ آخر أدَلُّ على المقصودِ "بينا أنا قائِمٌ إذا زُمرةٌ، حتَّى إذا عَرَفتُهم خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيني وبَينِهم، فقال: هَلُمَّ، فقُلتُ: أينَ؟ قال: إلى النَّارِ واللهِ، قُلتُ: وما شَأنُهم؟ قال: إنَّهمُ ارتَدُّوا بَعدَك على أدبارِهمُ القَهقَرى. ثُمَّ إذا زُمرةٌ، حتَّى إذا عَرَفتُهم خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيني وبَينِهم، فقال: هَلُمَّ، قُلتُ: أينَ؟ قال: إلى النَّارِ واللهِ، قُلتُ: ما شَأنُهم؟ قال: إنَّهمُ ارتَدُّوا بَعدَك على أدبارِهمُ القَهقَرى. فلا أُراه يَخلُصُ منهم إلَّا مِثلُ هَمَلِ النَّعَمِ". رواه البخاري.
و (هَمَلُ النَّعَم) : الإبِلُ المُهْمَلَةُ الَّتي لا راعِيَ لها، وهذه تكونُ قَليلةً بالنِّسبةِ إلى الإبِلِ الَّتي يَهتَمُّ بها أصحابُها، يعني أن النَّاجِيَ من هؤلاء قليلٌ في قِلَّةِ الإبِلِ الضَّالَّةِ، أي: أنَّ أكثرَ أصحابِه هلْكَى يوم القيامةِ، وذلك لارتدادهم إما إلى الكفر وإمَّا عن السُّنَّةِ، ولا أعني تخليل اللحية والأصابع ونَتْرِ الذَّكر، بل سنن التّشريع والحكم بالعدل، العدل الذي عليه قامت دعوة الرُّسلِ وبه قِوام العالَم، وما توحيد الإله إلَّا مصداقٌ من مصاديقِهِ.
إذن رسول الله صلوات الله عليه ليس بِدعًا من الرُّسلِ، وأصحابُه ليسوا بِدعًا من الأصحابِ، وكلُّ ما ورد في السُّنَّةِ ممَّا يفيد أنَّهم بِدْعٌ من النَّاس فإمَّا أنَّه تالفٌ أو مَزِيدٌ فيه ما يوهم ذلك؛ لأنَّه يصادم طبيعة الإنسان ومنطِقَ التَّاريخ والقرآنَ والسُّنةَ المتواترة والمشهورة.
وعليه: فإنّ الموقف الصَّواب - وهو موقف أكثر أهل الإسلام خلا أهل السُّنة - بحثُ عدالتهم، وغربلةُ رواياتهم، وتسليطُ الضوء على ضبطِهم، فإنَّه أمرٌ قلَّ مَن التفت إليه وعمِل بما يترتَّب عليه، فلا عاقل يقول: كل الصَّحابة ضابطون متقِنُون، هذا لا يكون بحالٍ، ولا نحتاج فيه إلى أدلة شرعية حتى نقول: الصَّحابة ينسونَ !!
فإن ثبتَ فِسق بعض الأصحاب فإنّ الأمرَ القرآنيَّ جاء بالتَّثبت في رواية الفاسقِ لا بالرَّدِّ، إن كانت للفاسق روايةٌ، فإن أعيانا ولم نجد ما نتبيَّن به صِدْقَه = توقَّفْنا في روايته، ويؤول الأمر إلى ردِّها، فنسبة شيء إلى الله ورسوله صلوات الله عليه وعلى آله ليست بالأمر الهين، وعلى المستهين بذلك أشدّ الوعيد وأشنعه، ولسنا بحاجةٍ إلى روايات الفسقة والمخلِّطين لنحفظَ شرعَ الله، ومَن ظنَّ ذلك فقد شَطَّ، ففي القرآن والسنة المتواترة والمشهورة المعلومة المنقحةِ الألفاظِ كفايةٌ ونجاةٌ، ولسنا مضطرين إلى إرخاء الحبال لقبول الساقط واللاقط والمضطرب، فضلًا عن خرافات أهل الكتاب وأساطيرهم التي تسرَّبت إلى عقول بعض الصَّحابةِ ثمَّ إلى حديثِ رسول الله.
ومن المناسب أن أشير إلى مسألة ضبط الألفاظ النبوية فإنِّي ألحظ أن الناس تتوسَّعُ في قبولها، وتأخذ الزيادات الواردة في أي رواية صحيحة من أي كتابٍ وتفرِّع عليها أحكامًا تنسبها لدين الله، ولا أرى هذا يحلُّ، والواجب أن تُجْمعَ ألفاظُ الحديثِ الصحيح ويُقْبَضَ على الأقوى منها لفظًا، الذي يغلِبُ على الظَّنِّ أن رسول الله قاله، لا أن نقبل أي زيادة وأي تعبيرٍ وأي راوٍ حدَّثَ، فبعضهم عجمٌ لا يعرفون العربية جيدًا، ويركبون الكلام تركيبًا مربكًا لا يشبه تركيب العرب، وبعضهم فاحش اللحن جدًا، فتُؤثِّرُ عجمةُ فهمِه على تلقي الحديثِ وأدائِهِ، إلى غير ذلك من آفات الحديثِ الكثيرة.
وهناك أمر آخر وهو عرض هذه الأحاديث المنقَّحةِ على كتاب الله، والتأكدُ من خلوها عن المعارضات.
2️⃣
هذا الجيل - وأي جيلٍ- خاضعٌ بطبيعتِه لسنن الاجتماع الإنساني وطبائعه الفطرية، وإن القراءة المتدبَّرة لتفاعلات هذا الجيل مع نفسِه ومع غيرِه تقتضي نبذ التَّعميم في الحكم عليهم، والنظرَ إليهم مجتمعًا تسرى عليه قوانين البشرية ويحكمه منطِق التاريخ، ففيه الصالحون والطَّالحون، والشُجعان والخائرون، والكفار والمنافقون، والحفَّاظ والمخلِّطون، والمبدئيون والمرتَزِقون، والفقهاء والسَّاذجون، وعلى كلِّ وصفٍ ذُكِرَ دليلُ العقل والشَّرع قائم لكلِّ مدَّكِر.
ولست بحاجةٍ إلى تلاوة مَسْردٍ طويلٍ للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والحوادث التاريخية التي تفيد يقينًا لا شِكَّةَ فيه أن جيل الصَّحابة فيهم وفيهم، وأنهم كغيرهم في قبولهم الإيمان والنفاق والعدالة والفسق.
وانظروا إلى أصحابِ الأنبياءِ عليهم السلام في القرآن تُدركوا ذلك، فكثيرٌ مِن أصحاب الأنبياء عليهم السلام على التعريف المشهورِ = مبدِّلون ضآلُّون، وفي قَصَصِ بني إسرائيل وتعنُّتِهم مع أنبيائهم ومشَّآقتِهم لهم واختلافهم عليهم ما ينبِّه الغافلَ ويُعَرِّف الجاهل، وقد جاء عندنا أهل الإسلام في الحديث المتواتر عن رسول الله "أنا فَرَطُكم على الحوضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ معي رجالٌ منكم ثمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دوني، فأقولُ: يا ربِّ أَصحابِي، فَيُقالُ: إِنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك" رواه البخاري.
وفي لفظٍ آخر أدَلُّ على المقصودِ "بينا أنا قائِمٌ إذا زُمرةٌ، حتَّى إذا عَرَفتُهم خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيني وبَينِهم، فقال: هَلُمَّ، فقُلتُ: أينَ؟ قال: إلى النَّارِ واللهِ، قُلتُ: وما شَأنُهم؟ قال: إنَّهمُ ارتَدُّوا بَعدَك على أدبارِهمُ القَهقَرى. ثُمَّ إذا زُمرةٌ، حتَّى إذا عَرَفتُهم خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيني وبَينِهم، فقال: هَلُمَّ، قُلتُ: أينَ؟ قال: إلى النَّارِ واللهِ، قُلتُ: ما شَأنُهم؟ قال: إنَّهمُ ارتَدُّوا بَعدَك على أدبارِهمُ القَهقَرى. فلا أُراه يَخلُصُ منهم إلَّا مِثلُ هَمَلِ النَّعَمِ". رواه البخاري.
و (هَمَلُ النَّعَم) : الإبِلُ المُهْمَلَةُ الَّتي لا راعِيَ لها، وهذه تكونُ قَليلةً بالنِّسبةِ إلى الإبِلِ الَّتي يَهتَمُّ بها أصحابُها، يعني أن النَّاجِيَ من هؤلاء قليلٌ في قِلَّةِ الإبِلِ الضَّالَّةِ، أي: أنَّ أكثرَ أصحابِه هلْكَى يوم القيامةِ، وذلك لارتدادهم إما إلى الكفر وإمَّا عن السُّنَّةِ، ولا أعني تخليل اللحية والأصابع ونَتْرِ الذَّكر، بل سنن التّشريع والحكم بالعدل، العدل الذي عليه قامت دعوة الرُّسلِ وبه قِوام العالَم، وما توحيد الإله إلَّا مصداقٌ من مصاديقِهِ.
إذن رسول الله صلوات الله عليه ليس بِدعًا من الرُّسلِ، وأصحابُه ليسوا بِدعًا من الأصحابِ، وكلُّ ما ورد في السُّنَّةِ ممَّا يفيد أنَّهم بِدْعٌ من النَّاس فإمَّا أنَّه تالفٌ أو مَزِيدٌ فيه ما يوهم ذلك؛ لأنَّه يصادم طبيعة الإنسان ومنطِقَ التَّاريخ والقرآنَ والسُّنةَ المتواترة والمشهورة.
وعليه: فإنّ الموقف الصَّواب - وهو موقف أكثر أهل الإسلام خلا أهل السُّنة - بحثُ عدالتهم، وغربلةُ رواياتهم، وتسليطُ الضوء على ضبطِهم، فإنَّه أمرٌ قلَّ مَن التفت إليه وعمِل بما يترتَّب عليه، فلا عاقل يقول: كل الصَّحابة ضابطون متقِنُون، هذا لا يكون بحالٍ، ولا نحتاج فيه إلى أدلة شرعية حتى نقول: الصَّحابة ينسونَ !!
فإن ثبتَ فِسق بعض الأصحاب فإنّ الأمرَ القرآنيَّ جاء بالتَّثبت في رواية الفاسقِ لا بالرَّدِّ، إن كانت للفاسق روايةٌ، فإن أعيانا ولم نجد ما نتبيَّن به صِدْقَه = توقَّفْنا في روايته، ويؤول الأمر إلى ردِّها، فنسبة شيء إلى الله ورسوله صلوات الله عليه وعلى آله ليست بالأمر الهين، وعلى المستهين بذلك أشدّ الوعيد وأشنعه، ولسنا بحاجةٍ إلى روايات الفسقة والمخلِّطين لنحفظَ شرعَ الله، ومَن ظنَّ ذلك فقد شَطَّ، ففي القرآن والسنة المتواترة والمشهورة المعلومة المنقحةِ الألفاظِ كفايةٌ ونجاةٌ، ولسنا مضطرين إلى إرخاء الحبال لقبول الساقط واللاقط والمضطرب، فضلًا عن خرافات أهل الكتاب وأساطيرهم التي تسرَّبت إلى عقول بعض الصَّحابةِ ثمَّ إلى حديثِ رسول الله.
ومن المناسب أن أشير إلى مسألة ضبط الألفاظ النبوية فإنِّي ألحظ أن الناس تتوسَّعُ في قبولها، وتأخذ الزيادات الواردة في أي رواية صحيحة من أي كتابٍ وتفرِّع عليها أحكامًا تنسبها لدين الله، ولا أرى هذا يحلُّ، والواجب أن تُجْمعَ ألفاظُ الحديثِ الصحيح ويُقْبَضَ على الأقوى منها لفظًا، الذي يغلِبُ على الظَّنِّ أن رسول الله قاله، لا أن نقبل أي زيادة وأي تعبيرٍ وأي راوٍ حدَّثَ، فبعضهم عجمٌ لا يعرفون العربية جيدًا، ويركبون الكلام تركيبًا مربكًا لا يشبه تركيب العرب، وبعضهم فاحش اللحن جدًا، فتُؤثِّرُ عجمةُ فهمِه على تلقي الحديثِ وأدائِهِ، إلى غير ذلك من آفات الحديثِ الكثيرة.
وهناك أمر آخر وهو عرض هذه الأحاديث المنقَّحةِ على كتاب الله، والتأكدُ من خلوها عن المعارضات.
2️⃣
👍1👌1
Hermit
الصَّحابة مجتمعٌ بشري يتفاوت في الطَّبعِ والتَّأثر والتأثيرِ هذا الجيل - وأي جيلٍ- خاضعٌ بطبيعتِه لسنن الاجتماع الإنساني وطبائعه الفطرية، وإن القراءة المتدبَّرة لتفاعلات هذا الجيل مع نفسِه ومع غيرِه تقتضي نبذ التَّعميم في الحكم عليهم، والنظرَ إليهم مجتمعًا…
الصَّحابة مجتمعٌ بشري يتفاوت في العلم
لم يكن الصَّحابةُ نسقًا معرفيًّا واحدًا، بل كانوا في فهم التَّنزيل مُتَفاوقين، وفي المعرفةِ باللِّسان متفاوتين، ما بين مصيبٍ ومخطِئ، وقريبٍ ومُبعِد، تقع منهم الهفوات، وتعرِضُ لهم الآفات التي تحجِزُ عن الفَهم السَّليم، وذلك إمَّا لأطباعهم وثقافة مجتمعاتهم التي عاشوا فيها، أو لطبيعة القول الثقيل الذي نزل عليهم وقصورِهم عن فهم مقاصده، أو انشغالاتِهم بتدبير حيواتِهم، ولذا فإن الدعوى القائلة بتقديم فهمهم على غيرهم لشهودهم التنزيل دعوى غير دقيقة وفيها مبالغة؛ إذ إن من الصحابة:
1- من لم يشهد من الوحي شيئاً البتة: كمن أسلم في أواخر حياة رسول الله ولم يجالسه إلا أوقاتا معدودة، أو عاش في أطراف الجزيرة العربية،
2- ومنهم مَن شهد شيئًا يسيرًا: كصغار الصَّحابة، وتلقوا البقيَّةَ من غير رسول الله.
3- ومنهم من لازم التنزيل: وهم فئة قليلة جدًّا بالنسبة لمن أطلق عليهم اسم "الصحابة".
وعندما ننظر لهؤلاء الذين عاينوا التنزيل نجدْهم قد اختلفوا كثيرًا في فهم المنزَّلِ ساعتَه، وكلٌّ يحكي رأيه الذي يعتقد، وكثيرٌ من المختلَفِ فيه حَدَثٌ واحدٌ، فمثلًا تأملوا مسألة لحوم الحمر الإنسية، وقارِنُوا بين الروايات التي تحكي حرمتَها ولأي شيءٍ حرِّمت، فالحاصل من التعليلات التي وصلتنا عمَّن شهد الواقعة:
- أنَّها رِجْس ونجس،
- أنَّها من الغنيمة ولم تُقْسَمْ وكانوا جياعًا فعدَوا عليها فذبحوها، فأمرهم رسول الله بكَفْئ القدور ونهاهم عن النُّهبة، وفي بعض الروايات أنَّهم نحروا مع الحُمُرِ الجزائِرَ أيضًا.
- أنها حمولة الجيش ومركوبهم،
- أنَّها جوَّال القرية (جلَّالة).
فهؤلاء الذين شهدوا التنزيلَ اختلفوا في معرفة السبب كما ترى، ولا يمكن أن تكونَ كلُّها عِلَلًا للتَّحريم، ولذا احتار ابن عبَّاسٍ في أمرها، وأضرابُ هذه المسألة ممَّا لا يحصى، بل هناك مسائل كان فهمه فيها غريبًا عجيبًا، مثل:
1- حادثةِ الأنصاري الذي أمَّره رسول الله على بعثٍ فغضِبَ على رجاله فقال: عزمتُ عَلَيْكُم إِلَّا مَا جمعتم حطبا. قَالَ فَجمعُوا حطبا، ثمَّ أَمرهم قَالَ: فأوقدوا نَارا، فَقَالَ: عزمت عَلَيْكُم إِلَّا دخلتموها قَالَ: فَهموا أَن يَفْعَلُوا، وتحاجزوا، وَدفع بَعضهم بَعْضًا حَتَّى طفيت النَّار، وَسكن غَضَبه، فَلَمَّا رجعُوا ذكرُوا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: وَالله لَو دخلوها مَا خَرجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف. رواه البخاري من حديثِ علي.
2- وفهم عبد الله بن عمرو عندما كان يقولُ: ما لي ولصفِّينَ! ما لي ولقتالِ المسلمين! واللهِ لوَدِدتُ أنِّي مِتُ قبل هذا [بعشر سنينَ]، ثمَّ يقولُ: أمَا والله ما ضَرَبتُ فيها بسيفٍ، ولا طعنتُ برُمحٍ، ولا رميتُ، بسَهمٍ، ولوددتُ أنِّي لَم أَحْضُرُ شيئًا منها، وأستغفِرُ الله من ذلك وأتوبُ إليه، إلَّا أنَّه ذكر أنَّه كانَتْ بيده الرَّايَةَ يومَئِذٍ، فندِم نَدامةً شديدةً على قتالِه مع معاويةَ، وجعَل يستَغفِرُ الله مِن ذلك ويتوبُ إليه" رواه ابن سعدٍ.
وكأنَّه لم يسمع حديثِ عمَّار أنَّه قتيل الفئة الباغية الدَّاعية إلى النَّار، بل كان من رواته، وَرَدُّ معاوية عليه عندما ذكَّره بالحديثِ معلوم، قال له "دحضتَ في بولِك أونحن قتلناه؟! إنَّما قتلَه عليٌّ وأصحابه جاءوا به حتَّى ألقوه بين رماحنا"، ومرَّة قال لأبيه: "ألا تغني عنَّا مجنونك يا عمرو" !!
هذا قريبٌ من رجلٍ يحمدُ الله أنَّه لم يحضر بدرًا ولا أحدًا !! وليست صفين عنهما ببعيدٍ.
3- وفهم سعد بن أبي وقاص عندما قيل له: "ألا تقاتل، فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ " فقال: "لا أقاتل حتى تأتوني بسيفٍ له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر، إن ضربتُ به مسلمًا نبا عنه، وإن ضربتُ به كافرًا قتله، فقد جاهدتُ وأنا أعرف الجهاد" رواه الطبراني والحاكم.
وهذا سيف لا يكون أبدًا، وهذا منطِق لا يقيم حقًا ولا يدفع باطلًا، كيف وآيات الكتاب والسنة المتواترة تفيد وقوع القتال بين المسلمين وتبين طرق العمل فيها؟!
وقد ندِم بعد ذلك سعدٌ عندما رأى ما رأى، كما ندِم ابن عمر أنه فرَّط، وإن كان ندمُه ليس عن تصحيح نظرٍ في كل الأحداثِ.
3️⃣
لم يكن الصَّحابةُ نسقًا معرفيًّا واحدًا، بل كانوا في فهم التَّنزيل مُتَفاوقين، وفي المعرفةِ باللِّسان متفاوتين، ما بين مصيبٍ ومخطِئ، وقريبٍ ومُبعِد، تقع منهم الهفوات، وتعرِضُ لهم الآفات التي تحجِزُ عن الفَهم السَّليم، وذلك إمَّا لأطباعهم وثقافة مجتمعاتهم التي عاشوا فيها، أو لطبيعة القول الثقيل الذي نزل عليهم وقصورِهم عن فهم مقاصده، أو انشغالاتِهم بتدبير حيواتِهم، ولذا فإن الدعوى القائلة بتقديم فهمهم على غيرهم لشهودهم التنزيل دعوى غير دقيقة وفيها مبالغة؛ إذ إن من الصحابة:
1- من لم يشهد من الوحي شيئاً البتة: كمن أسلم في أواخر حياة رسول الله ولم يجالسه إلا أوقاتا معدودة، أو عاش في أطراف الجزيرة العربية،
2- ومنهم مَن شهد شيئًا يسيرًا: كصغار الصَّحابة، وتلقوا البقيَّةَ من غير رسول الله.
3- ومنهم من لازم التنزيل: وهم فئة قليلة جدًّا بالنسبة لمن أطلق عليهم اسم "الصحابة".
وعندما ننظر لهؤلاء الذين عاينوا التنزيل نجدْهم قد اختلفوا كثيرًا في فهم المنزَّلِ ساعتَه، وكلٌّ يحكي رأيه الذي يعتقد، وكثيرٌ من المختلَفِ فيه حَدَثٌ واحدٌ، فمثلًا تأملوا مسألة لحوم الحمر الإنسية، وقارِنُوا بين الروايات التي تحكي حرمتَها ولأي شيءٍ حرِّمت، فالحاصل من التعليلات التي وصلتنا عمَّن شهد الواقعة:
- أنَّها رِجْس ونجس،
- أنَّها من الغنيمة ولم تُقْسَمْ وكانوا جياعًا فعدَوا عليها فذبحوها، فأمرهم رسول الله بكَفْئ القدور ونهاهم عن النُّهبة، وفي بعض الروايات أنَّهم نحروا مع الحُمُرِ الجزائِرَ أيضًا.
- أنها حمولة الجيش ومركوبهم،
- أنَّها جوَّال القرية (جلَّالة).
فهؤلاء الذين شهدوا التنزيلَ اختلفوا في معرفة السبب كما ترى، ولا يمكن أن تكونَ كلُّها عِلَلًا للتَّحريم، ولذا احتار ابن عبَّاسٍ في أمرها، وأضرابُ هذه المسألة ممَّا لا يحصى، بل هناك مسائل كان فهمه فيها غريبًا عجيبًا، مثل:
1- حادثةِ الأنصاري الذي أمَّره رسول الله على بعثٍ فغضِبَ على رجاله فقال: عزمتُ عَلَيْكُم إِلَّا مَا جمعتم حطبا. قَالَ فَجمعُوا حطبا، ثمَّ أَمرهم قَالَ: فأوقدوا نَارا، فَقَالَ: عزمت عَلَيْكُم إِلَّا دخلتموها قَالَ: فَهموا أَن يَفْعَلُوا، وتحاجزوا، وَدفع بَعضهم بَعْضًا حَتَّى طفيت النَّار، وَسكن غَضَبه، فَلَمَّا رجعُوا ذكرُوا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: وَالله لَو دخلوها مَا خَرجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف. رواه البخاري من حديثِ علي.
2- وفهم عبد الله بن عمرو عندما كان يقولُ: ما لي ولصفِّينَ! ما لي ولقتالِ المسلمين! واللهِ لوَدِدتُ أنِّي مِتُ قبل هذا [بعشر سنينَ]، ثمَّ يقولُ: أمَا والله ما ضَرَبتُ فيها بسيفٍ، ولا طعنتُ برُمحٍ، ولا رميتُ، بسَهمٍ، ولوددتُ أنِّي لَم أَحْضُرُ شيئًا منها، وأستغفِرُ الله من ذلك وأتوبُ إليه، إلَّا أنَّه ذكر أنَّه كانَتْ بيده الرَّايَةَ يومَئِذٍ، فندِم نَدامةً شديدةً على قتالِه مع معاويةَ، وجعَل يستَغفِرُ الله مِن ذلك ويتوبُ إليه" رواه ابن سعدٍ.
وكأنَّه لم يسمع حديثِ عمَّار أنَّه قتيل الفئة الباغية الدَّاعية إلى النَّار، بل كان من رواته، وَرَدُّ معاوية عليه عندما ذكَّره بالحديثِ معلوم، قال له "دحضتَ في بولِك أونحن قتلناه؟! إنَّما قتلَه عليٌّ وأصحابه جاءوا به حتَّى ألقوه بين رماحنا"، ومرَّة قال لأبيه: "ألا تغني عنَّا مجنونك يا عمرو" !!
هذا قريبٌ من رجلٍ يحمدُ الله أنَّه لم يحضر بدرًا ولا أحدًا !! وليست صفين عنهما ببعيدٍ.
3- وفهم سعد بن أبي وقاص عندما قيل له: "ألا تقاتل، فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ " فقال: "لا أقاتل حتى تأتوني بسيفٍ له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر، إن ضربتُ به مسلمًا نبا عنه، وإن ضربتُ به كافرًا قتله، فقد جاهدتُ وأنا أعرف الجهاد" رواه الطبراني والحاكم.
وهذا سيف لا يكون أبدًا، وهذا منطِق لا يقيم حقًا ولا يدفع باطلًا، كيف وآيات الكتاب والسنة المتواترة تفيد وقوع القتال بين المسلمين وتبين طرق العمل فيها؟!
وقد ندِم بعد ذلك سعدٌ عندما رأى ما رأى، كما ندِم ابن عمر أنه فرَّط، وإن كان ندمُه ليس عن تصحيح نظرٍ في كل الأحداثِ.
3️⃣
👍1👌1
Hermit
الصَّحابة مجتمعٌ بشري يتفاوت في العلم لم يكن الصَّحابةُ نسقًا معرفيًّا واحدًا، بل كانوا في فهم التَّنزيل مُتَفاوقين، وفي المعرفةِ باللِّسان متفاوتين، ما بين مصيبٍ ومخطِئ، وقريبٍ ومُبعِد، تقع منهم الهفوات، وتعرِضُ لهم الآفات التي تحجِزُ عن الفَهم السَّليم،…
4- وقصة أنس بن مالك عندما بعثه زياد بن أبيه في الإصلاح بينه وبين أخيه أبي بكرة: 994- حدثني شيبان بن فروخ الأيلي [قال أبو زرعة وأبو داود: صدوق، وقال البرذعي: يهم كثيرا] ثنا أبو هلال الراسبي [صدوق]، ثنا الحسن البصري قال: انطلقت أنا وأنس بن مالك إلى أبي بكرة نعوده، وكان به عرق النساء، فقال له أنس: «يا أبا بكرة، فيم تجد على أخيك زياد؟ فإن كنت تجد عليه في شأن الدنيا، فإنه يقول: قد استعملت ابنه على الديوان، واستعملت ابنه الآخر على كذا، واستعملت ابنه الآخر على مدينة الرزق، ومما أبالي أوليت رجلا مدينة الرزق أم فتحت له بيت مالي وقلت: خذ ما شئت. وإن كنت تجد عليه في أمر الآخرة، فإنه والله مجتهد». فقال أبو بكرة: والله إنه لمجتهد؟ قال أنس: والله إنه لمجتهد. قال أبو بكرة: الحرورية أيضا يزعمون أنهم قد اجتهدوا. قال أبو هلال: وكان عبد الرحمن على بيوت الأموال، وعبيد الله على سجستان". رواه البلاذري في "أنساب الأشراف".
فزياد بن أبيه مجتهدٌ عند أنس في قتل المسلمين في الكوفة والبصرة؟!
ويقتلهم في ماذا؟ في هوى معاوية وحزبه!!
ألا قبَّح الله هذا الفهم وأهلَه ومن تشدَّد له واعتذر عنه.
5- قصة عدي بن حاتم والخيط الأبيض من الخيط الأسود.
والأمثلة كثيرةٌ ....
فتبيَّن ممَّا سبق أن حال أحسنهم كحال العالم المستنبط، بل التالي لهم كثيرًا ما يكون أقدر على المقارنة والفَهم من الحاضرين للحَدَثِ، واتَّضح أن فهم بعضهم رديء، وأنَّ مقاصد الإسلام وروحه لم تلامسهم، ففهم أنسٍ الماضي كفهم الجاهليين وكسرى وقيصر، لا فرق إلَّا أنَّه يشهد الشهادتين وهم عاكفون على اللات والعزَّى، وخطر الدين المحرَّفِ على الأممِ أعظم بمفاوز من خطر العيش بلا دين رأسًا، لأن الأول منسوب إلى المقدَّس والآخرَ إلى القوة والتسلط ومجتمع الغاب.
وإن أُرِيدَ بشهودِهِم التَّنزيلَ معرفتُهُم المُرادَ قطعًا من الشريعة، وهو ما كوَّنَ بعدها ما يسمَّى بدليل الإجماع فقليل النَّفع جدًا؛ لأنَّ المعاني التي أجمعوا عليها باستقرائنا قد أُحرِزت قَبْلُ بكتاب الله والمتواترِ من سيرة رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله.
وإن أُريدِ بشهودهم التَّنزيلَ "إدراك قرائن الأحوال والمناسبات والتطبيق العملي" فهذا حسنٌ وصادقٌ، ولكنَّه خاصٌّ بمن حضرَ الوقائع وفَقُهَ تصرفاتِ رسول الله، فليس المطلوب مطلقُ الحضور، وإنما حضورٌ مقيَّد بالفطنةِ، وهؤلاء المتَّصفون بهذين الوصفين (المعاينة والفطنةِ) = قلَّة، مقارنة بمن تصدَّر بعد وفاة رسول الله للتحديثِ والإفتاء، وتلك القلَّة العارفة جزءٌ منها مات في حياة رسول الله وبُعيد وفاتِه، وجزءٌ انخرط في حروب البغاة والمنافقين فهلك، وجزءٌ صارت سيرتُه محظورةَ الذِّكر والنَّشرِ بحكم سلطةِ المتغلب، ولم يتسرَّبْ من هذه الشِّباكِ الكثيرة إلا نزرٌ يسيرٌ منهم.
فمن نقل إلينا شيئًا من هذه الأحداث أو أفتى فيها فلا يخلو:
1- إما أنّ يكون حاضرًا عالِمًا = فقوله معتبرٌ يُرجَّح به.
2- أو يكونَ حاضرًا ليس بعالمٍ = فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
ثم جاء أهل التدوين والنقل فاختلفت مذاهبهم في الإكثار والإقلال عن أعيانٍ من ذلك الجزء الباقي ممَّن شهد التنزيل وكانا فقيها، ومن المضحكات أن القارئ في صحيح البخاري - مثلًا - يريد معرفة علي بن أبي طالب ذلك الذي مَلأ كلامه الخافقين في كل العلوم الشرعية فإذا به يرى رجلًا هامشيًا لا شغلَ له إلا الوضوءَ في رحبةِ الكوفة، وتفضيل أبي بكر وعمر على نفسه!!
ولا شكَّ عندي أن البخاري فيه انحراف عن علي وتدليسٌ لبعض أخباره إن اضطرَّ إلى إخراجها.
هذا ما يتعلَّق بشهود التَّنزيل، وبقيَ أمران في مسألة أعلميَّة الصَّحابة، وهما:
1- سذاجة الرواية الأولى.
2- تراكم المعرفة.
4️⃣
فزياد بن أبيه مجتهدٌ عند أنس في قتل المسلمين في الكوفة والبصرة؟!
ويقتلهم في ماذا؟ في هوى معاوية وحزبه!!
ألا قبَّح الله هذا الفهم وأهلَه ومن تشدَّد له واعتذر عنه.
5- قصة عدي بن حاتم والخيط الأبيض من الخيط الأسود.
والأمثلة كثيرةٌ ....
فتبيَّن ممَّا سبق أن حال أحسنهم كحال العالم المستنبط، بل التالي لهم كثيرًا ما يكون أقدر على المقارنة والفَهم من الحاضرين للحَدَثِ، واتَّضح أن فهم بعضهم رديء، وأنَّ مقاصد الإسلام وروحه لم تلامسهم، ففهم أنسٍ الماضي كفهم الجاهليين وكسرى وقيصر، لا فرق إلَّا أنَّه يشهد الشهادتين وهم عاكفون على اللات والعزَّى، وخطر الدين المحرَّفِ على الأممِ أعظم بمفاوز من خطر العيش بلا دين رأسًا، لأن الأول منسوب إلى المقدَّس والآخرَ إلى القوة والتسلط ومجتمع الغاب.
وإن أُرِيدَ بشهودِهِم التَّنزيلَ معرفتُهُم المُرادَ قطعًا من الشريعة، وهو ما كوَّنَ بعدها ما يسمَّى بدليل الإجماع فقليل النَّفع جدًا؛ لأنَّ المعاني التي أجمعوا عليها باستقرائنا قد أُحرِزت قَبْلُ بكتاب الله والمتواترِ من سيرة رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله.
وإن أُريدِ بشهودهم التَّنزيلَ "إدراك قرائن الأحوال والمناسبات والتطبيق العملي" فهذا حسنٌ وصادقٌ، ولكنَّه خاصٌّ بمن حضرَ الوقائع وفَقُهَ تصرفاتِ رسول الله، فليس المطلوب مطلقُ الحضور، وإنما حضورٌ مقيَّد بالفطنةِ، وهؤلاء المتَّصفون بهذين الوصفين (المعاينة والفطنةِ) = قلَّة، مقارنة بمن تصدَّر بعد وفاة رسول الله للتحديثِ والإفتاء، وتلك القلَّة العارفة جزءٌ منها مات في حياة رسول الله وبُعيد وفاتِه، وجزءٌ انخرط في حروب البغاة والمنافقين فهلك، وجزءٌ صارت سيرتُه محظورةَ الذِّكر والنَّشرِ بحكم سلطةِ المتغلب، ولم يتسرَّبْ من هذه الشِّباكِ الكثيرة إلا نزرٌ يسيرٌ منهم.
فمن نقل إلينا شيئًا من هذه الأحداث أو أفتى فيها فلا يخلو:
1- إما أنّ يكون حاضرًا عالِمًا = فقوله معتبرٌ يُرجَّح به.
2- أو يكونَ حاضرًا ليس بعالمٍ = فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
ثم جاء أهل التدوين والنقل فاختلفت مذاهبهم في الإكثار والإقلال عن أعيانٍ من ذلك الجزء الباقي ممَّن شهد التنزيل وكانا فقيها، ومن المضحكات أن القارئ في صحيح البخاري - مثلًا - يريد معرفة علي بن أبي طالب ذلك الذي مَلأ كلامه الخافقين في كل العلوم الشرعية فإذا به يرى رجلًا هامشيًا لا شغلَ له إلا الوضوءَ في رحبةِ الكوفة، وتفضيل أبي بكر وعمر على نفسه!!
ولا شكَّ عندي أن البخاري فيه انحراف عن علي وتدليسٌ لبعض أخباره إن اضطرَّ إلى إخراجها.
هذا ما يتعلَّق بشهود التَّنزيل، وبقيَ أمران في مسألة أعلميَّة الصَّحابة، وهما:
1- سذاجة الرواية الأولى.
2- تراكم المعرفة.
4️⃣
🤝2👏1
Hermit
4- وقصة أنس بن مالك عندما بعثه زياد بن أبيه في الإصلاح بينه وبين أخيه أبي بكرة: 994- حدثني شيبان بن فروخ الأيلي [قال أبو زرعة وأبو داود: صدوق، وقال البرذعي: يهم كثيرا] ثنا أبو هلال الراسبي [صدوق]، ثنا الحسن البصري قال: انطلقت أنا وأنس بن مالك إلى أبي بكرة…
نقد الأخبار وسذاجة المنهج في العصر الأول
من الناحية المنهجية المتعلقة بنقد الأخبار وتمحيص المرويات، لم تكن أدوات النقد التاريخي والحديثي للمتون متبلورة لدى جيل الصحبة بالمعنى الموجود عند أهل الحديث بعد ذلك ، فكانت سِمة الرواية في عهدهم السَّذاجة، فلم تكن ثمَّ مجالس تحديثٍ مضبوطة، وكَتَبَة يقيِّدون الثابت من الزائد ويراجعونه بعد ذلك، وكان اعتمادهم على التَّلقي المباشر وحسنِ الظنِّ بالنَّاقل عن رسول الله في الأعم الأغلب، ولم يكنِ الصحابة يطلبون من المحدِّث "غالبًا" التَّصريح بالسماع من رسول الله، ولا نعلم أنَّهم دوَّنوا حديثهم ثم رحلوا في طلب حديث غيرهم، ثمَّ عرضوها على بعضهم ونقَّحوها، فكلُّ ما عندنا عنهم استحلاف علي بن أبي طالبٍ لغيره أنه سمِع من رسول الله، وقصة أبي بكر مع المغيرة، وعمر مع أبي موسى، وإنكارات عائشة على سوء فهم أبي هريرة، وهذه لا تسمَّى منهجًا منتظمًا قائما، لذا تَرَتَّبَ على غياب المنهج فَقْدُ النَّقدِ المبكر للروايات وتمحيص ألفاظها وتدوين مناسباتها[١]، فالحِمل الأثقلُ على التَّابعين ومَن تلاهم.
ولا ننسى مروياتِ أهلِ الكتاب التي دخلتْ على مجتمع الرواية باكرًا، وخلطَ الرُّواة بينها وبين حديثِ رسول الله، وما اشتملت عليه من أساطير وخرافاتٍ، وما أثرتْ به على عقل ذاك العربي البسيط وتصوراته عن الله والكون والحياة.
إشكالٌ وإزالة: ادعاء السليقة والاستغناء عن الأدوات المنهجية
صورة الإشكال:
"إن القول بافتقار جيل الصحابة للأدوات المنهجية قولٌ يغفل طبيعة عصرهم؛ فالصحابي كان يعيش السليقة اللغوية والفهم المباشر، ولم يكن بحاجة إلى قواعد أصول الفقه أو علم الجرح والتعديل ونقد الرجال؛ لأن المعايشة الشفهية والمباشرة تغني عن هذه الصَّنعة الحديثية والأصولية التي إنما دُوّنت متأخرة لترميم الفجوة الزمانية والمكانية بين النص والمستقبل!".
الردّ والتفكيك:
إن هذا الاعتراض، وإن بدا مظهره متماسكًا للوهلة الأولى، فإنَّه يتهافت أمام الفحصِ من وجوهٍ عدة:
1- تفكيك مغالطة "السليقة اللغوية" (اللغة ليست هي الفقه): ليس كل الشرع ولا كل القرآن والسنة يُدرك بـ "اللغة" أو بالسليقة اللغوية وحدهما؛ بل ثمة "فقهٌ" واستنباط وتفطن لعلل الأحكام ومقاصد التشريع. ولو كانت السليقة اللغوية كافية لإدراك الشريعة لعُلِمتْ الشريعة بأسرها بمعرفة اللِّسان، ولأدركَ الأعرابُ من أحكام الدين ما أدركه فقهاء الصحابة، ولا يستوي الأعرابي الذي يعيش بالسليقة مع أمثالِ علي وعمرَ وابن مسعود وعائشةَ بإجماع العقلاء. يُضاف إلى ذلك أن التفاوت في دركات البيان ومستويات الفهم اللغوي ذاته كان حاصلاً بين الصحابة أنفسهم بلا إشكال، وقد تقدَّم ذلك.
2- الاحتياج الفعلي والضروري لعلم الجرح والتعديل ونقد الرواية: كانت الحاجة لنقد الرواة وتمحيص الحديث قائمةً وملحَّة في عصر الصحابة أنفسهم، ولم تكن ترفًا مستغنَى عنه؛ فقد كان الاختلاف والتَّدليسُ في ألفاظ الحديث حاصلا؛ فقد وقع التدليس من صغار الصحابة، بل ومن أبي هريرة نفسه في سماعه وعن طريق من أخذ عنهم، فكيف يُقال إنهم لم يكونوا بحاجة لنقد الرجال والتثبت من المرويات؟!
بل كان الواجب المنهجي يقتضي أن يجمعوا أحاديث بعضهم في المدينة وفي سائر الأمصار، ويكتبوها، وينظروا فيها، ويسألوا الحافظين والمتذكِّرين منهم عن ظروف تلك الأحاديث ومناسباتها وأسباب ورودها، وهو أمر كان مقدوراً ومستطاعاً لو أُتيح له المنهج والمؤسسية.
3- أثر اختيار عمر في منع التدوين وتأجيل الحل المنهجي: وهنا تبرز الإشكالية التاريخية الكبرى في قرار عمر بن الخطاب بمنع كتابة الحديث والتضييق على المحدثين، وضربه لأبي هريرة وغيره عن التحديث، ولئن كان مع عمر الحق -من وجهة نظره- في زجر أبي هريرة عن التحديث بخرافات وأساطير أهل الكتاب وجعلها في حديث رسول الله، إلا أن منع كتابة الحديث مطلقاً وتدوينه من كبار الصحابة كان قرارًا غيرَ حكيمٍ ولا سديدٍ؛ إذ كان المقدور والمفترض أن يُشكّل عمر لجنة توثيقية علمية -على غرار لجنة جمع المصحف الشريف- تقوم بجمع أحاديث الرسول، وضبطها، وتوثيق مناسباتها وظروف ورودها المكانية والزمانية، وتنقيتها في الحجاز والعراق والشام. إن منع التدوين لم يحل المشكلة بل أدى إلى ضياع القرائن السياقية، ورحّل العبء الثقيل شاقاً على التابعين ومن جاء بعدهم لترميم هذا الفراغ عبر علوم متأخرة كالجرح والتعديل وعلل الحديث.
..............................................
[١] إذ أن الظرف الذي قال فيه رسول الله الحديث محدِّد لمعناه وغايته ومراده ومقصده، فمتى جاءنا الحديث طائرا في الجو بلا ظرفٍ مرويًّا بالمعنى، متفرَّدًا به فلا تقنع النَّفس بالاعتماد عليه في تحريم شيء والقياس عليه.
5️⃣
من الناحية المنهجية المتعلقة بنقد الأخبار وتمحيص المرويات، لم تكن أدوات النقد التاريخي والحديثي للمتون متبلورة لدى جيل الصحبة بالمعنى الموجود عند أهل الحديث بعد ذلك ، فكانت سِمة الرواية في عهدهم السَّذاجة، فلم تكن ثمَّ مجالس تحديثٍ مضبوطة، وكَتَبَة يقيِّدون الثابت من الزائد ويراجعونه بعد ذلك، وكان اعتمادهم على التَّلقي المباشر وحسنِ الظنِّ بالنَّاقل عن رسول الله في الأعم الأغلب، ولم يكنِ الصحابة يطلبون من المحدِّث "غالبًا" التَّصريح بالسماع من رسول الله، ولا نعلم أنَّهم دوَّنوا حديثهم ثم رحلوا في طلب حديث غيرهم، ثمَّ عرضوها على بعضهم ونقَّحوها، فكلُّ ما عندنا عنهم استحلاف علي بن أبي طالبٍ لغيره أنه سمِع من رسول الله، وقصة أبي بكر مع المغيرة، وعمر مع أبي موسى، وإنكارات عائشة على سوء فهم أبي هريرة، وهذه لا تسمَّى منهجًا منتظمًا قائما، لذا تَرَتَّبَ على غياب المنهج فَقْدُ النَّقدِ المبكر للروايات وتمحيص ألفاظها وتدوين مناسباتها[١]، فالحِمل الأثقلُ على التَّابعين ومَن تلاهم.
ولا ننسى مروياتِ أهلِ الكتاب التي دخلتْ على مجتمع الرواية باكرًا، وخلطَ الرُّواة بينها وبين حديثِ رسول الله، وما اشتملت عليه من أساطير وخرافاتٍ، وما أثرتْ به على عقل ذاك العربي البسيط وتصوراته عن الله والكون والحياة.
إشكالٌ وإزالة: ادعاء السليقة والاستغناء عن الأدوات المنهجية
صورة الإشكال:
"إن القول بافتقار جيل الصحابة للأدوات المنهجية قولٌ يغفل طبيعة عصرهم؛ فالصحابي كان يعيش السليقة اللغوية والفهم المباشر، ولم يكن بحاجة إلى قواعد أصول الفقه أو علم الجرح والتعديل ونقد الرجال؛ لأن المعايشة الشفهية والمباشرة تغني عن هذه الصَّنعة الحديثية والأصولية التي إنما دُوّنت متأخرة لترميم الفجوة الزمانية والمكانية بين النص والمستقبل!".
الردّ والتفكيك:
إن هذا الاعتراض، وإن بدا مظهره متماسكًا للوهلة الأولى، فإنَّه يتهافت أمام الفحصِ من وجوهٍ عدة:
1- تفكيك مغالطة "السليقة اللغوية" (اللغة ليست هي الفقه): ليس كل الشرع ولا كل القرآن والسنة يُدرك بـ "اللغة" أو بالسليقة اللغوية وحدهما؛ بل ثمة "فقهٌ" واستنباط وتفطن لعلل الأحكام ومقاصد التشريع. ولو كانت السليقة اللغوية كافية لإدراك الشريعة لعُلِمتْ الشريعة بأسرها بمعرفة اللِّسان، ولأدركَ الأعرابُ من أحكام الدين ما أدركه فقهاء الصحابة، ولا يستوي الأعرابي الذي يعيش بالسليقة مع أمثالِ علي وعمرَ وابن مسعود وعائشةَ بإجماع العقلاء. يُضاف إلى ذلك أن التفاوت في دركات البيان ومستويات الفهم اللغوي ذاته كان حاصلاً بين الصحابة أنفسهم بلا إشكال، وقد تقدَّم ذلك.
2- الاحتياج الفعلي والضروري لعلم الجرح والتعديل ونقد الرواية: كانت الحاجة لنقد الرواة وتمحيص الحديث قائمةً وملحَّة في عصر الصحابة أنفسهم، ولم تكن ترفًا مستغنَى عنه؛ فقد كان الاختلاف والتَّدليسُ في ألفاظ الحديث حاصلا؛ فقد وقع التدليس من صغار الصحابة، بل ومن أبي هريرة نفسه في سماعه وعن طريق من أخذ عنهم، فكيف يُقال إنهم لم يكونوا بحاجة لنقد الرجال والتثبت من المرويات؟!
بل كان الواجب المنهجي يقتضي أن يجمعوا أحاديث بعضهم في المدينة وفي سائر الأمصار، ويكتبوها، وينظروا فيها، ويسألوا الحافظين والمتذكِّرين منهم عن ظروف تلك الأحاديث ومناسباتها وأسباب ورودها، وهو أمر كان مقدوراً ومستطاعاً لو أُتيح له المنهج والمؤسسية.
3- أثر اختيار عمر في منع التدوين وتأجيل الحل المنهجي: وهنا تبرز الإشكالية التاريخية الكبرى في قرار عمر بن الخطاب بمنع كتابة الحديث والتضييق على المحدثين، وضربه لأبي هريرة وغيره عن التحديث، ولئن كان مع عمر الحق -من وجهة نظره- في زجر أبي هريرة عن التحديث بخرافات وأساطير أهل الكتاب وجعلها في حديث رسول الله، إلا أن منع كتابة الحديث مطلقاً وتدوينه من كبار الصحابة كان قرارًا غيرَ حكيمٍ ولا سديدٍ؛ إذ كان المقدور والمفترض أن يُشكّل عمر لجنة توثيقية علمية -على غرار لجنة جمع المصحف الشريف- تقوم بجمع أحاديث الرسول، وضبطها، وتوثيق مناسباتها وظروف ورودها المكانية والزمانية، وتنقيتها في الحجاز والعراق والشام. إن منع التدوين لم يحل المشكلة بل أدى إلى ضياع القرائن السياقية، ورحّل العبء الثقيل شاقاً على التابعين ومن جاء بعدهم لترميم هذا الفراغ عبر علوم متأخرة كالجرح والتعديل وعلل الحديث.
..............................................
[١] إذ أن الظرف الذي قال فيه رسول الله الحديث محدِّد لمعناه وغايته ومراده ومقصده، فمتى جاءنا الحديث طائرا في الجو بلا ظرفٍ مرويًّا بالمعنى، متفرَّدًا به فلا تقنع النَّفس بالاعتماد عليه في تحريم شيء والقياس عليه.
5️⃣
👏1🤝1
Hermit
نقد الأخبار وسذاجة المنهج في العصر الأول من الناحية المنهجية المتعلقة بنقد الأخبار وتمحيص المرويات، لم تكن أدوات النقد التاريخي والحديثي للمتون متبلورة لدى جيل الصحبة بالمعنى الموجود عند أهل الحديث بعد ذلك ، فكانت سِمة الرواية في عهدهم السَّذاجة، فلم تكن ثمَّ…
تراكمُ العلومِ ومزيَّةُ التَّدوين والتَّنقيح
إن إطلاق القول بأعلميَّة الصَّحابة المطلقة بالعلوم الشرعية ومرادِ الله ورسوله يُغْفِلُ طبيعةَ تراكمِ المعرفة؛ فالنَّظر السَّليم القائم على استقراء تطور العلوم في الأمم والحضاراتِ يفضي إلى الحكم بتقدُّم الأجيال اللاحقة على السَّالفةِ في الجملة :
1- تقدم التابعين على الصحابة: فالتابعيّ لم يقف عند حدود التجربة الجزئية لشاهد واحد، بل جمع مرويات متعددة من عدة صحابة، ومحَّصَها وقارن بينها، مما وسَّع رقعةَ إدراكِه للنُّصوصِ وأسباب نزولها وتنوع أحكامها.
2- تقدم أتباع التابعين على من قبلهم: فقد كَثُر التَّدوين للعلوم في الكتب، وزاد النَّقد لتلك العلوم المدونة، وبدتْ معالم المدرَسِيَّةِ تظهرُ، كمدرسة العراق وأهل الحجاز.
فالصحابة امتلكوا معرفة ذهنية انطباعية موزعة بين الأفراد، بينما شهد عصر التابعين وأتباعهم تأسيس المنظومة المعرفية المدونة؛ وضبط المصطلحات، وتتبع الأسانيد، وصياغة علوم الضبط والنقد (كعلم الرجال والجرح والتعديل وأصول الفقه)، وهو ما جعل العلوم في الأجيال اللاحقة أشمل وأكثر دقة وتنقيحاً من المعرفة الشفهية الأولى.
إشكالٌ وإزالة: مفاضلة الاستيعاب والجمع أمام المعاينة الفردية
صورة الإشكال:
قد يستشكل بادي الرأي فيقول: "كيف يستقيم القول بأن أتباع التابعين أو المصنفين المتأخرين أعلم بحديث رسول الله من صحابي شاهد أو قريب من الحدث جدا ؟!
أليس الصحابي الذي صاحب وشهد المشاهد أعمق علماً وأولى بالتقديم من رجل جاء بعده بعقود أو قرون فجمع الكتب وسوّد الصحف؟".
الردّ والتفكيك:
إن هذا الاستشكال ينشأ من الخلط بين "المعاينة الانطباعية الجزئية" وبين "المعرفة الشمولية الاستيعابية"؛ ولتجلية هذه الحقيقة نورد الفروق المعرفية بينهما:
١- ضعف الإحاطة عند الصحابي: لا يوجد صحابي واحد -مهما بلغت ملازمته- حوى أحاديث رسول الله كلَّها تامَّة، ويتَّضح ذلك بعد انتشارهم في الآفاق، فابن مسعود وهو من فقهاء الصحابة استقر بالكوفة، فهل يعقل أنه حوى أحاديث الصحابة جميعا في المدينة ومكة والشام واليمن؟ بالطبع لا!
وكذا الصحابي الذي عاش في قُطْر ما، خصوصا إن كان ممَّن تأخر إسلامه، كان يحوز قدرًا قليلا جدا من الأحاديث، سواء تلك التي سمعها بنفسه عندما وفد على رسول الله أو نقلها له أصحابه في قطره الجغرافي.
أما صغار الصحابة الذين كانوا في المدينة وهي مدينة العلم في ذلك الزمان فقد جمعوا قدرا أكبر من غيرهم بحكم تأخرهم واجتماع روايات كثير من الصحابة عندهم، ولكن لا زالوا لم يحيطوا بكل المروي.
٢- التجميع الاستيعابي والشمول الجغرافي للمتأخر: أيهما أوسع وأشمل علمًا بحديث رسول الله: الصحابي الذي جلس في الكوفة أو المدينة أو مكة يفتي برأيه ورأي أهل بلده وبما بين يديه من أحاديث، أم العالم المتأخر كعبد الرزاق الصنعاني الذي اجتمعت لديه مادة الحديث من مختلف الأقطار؟!
لقد ارتحل التابعون وأتباعهم إلى العراق والشام والحجاز واليمن، وجمعوا أحاديث علي وابن مسعود عائشة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، ثم جلسوا يوازنون بينها، وينقحون ألفاظها، ويقارنون بين روايات الأقطار، لذا فإن عِلْمَ المتأخر هنا -من حيث شمول المادة واستيعابها ومقارنة متونها- أوسع دائرة بلا ريب من علم الصحابي المنفرد بقطره ومروياته.
٣- غياب النقد المقارن المدون عند الصحابة: لا نعلم في التاريخ أن الصحابة دوّنوا أحاديث بعضهم البعض، ولا كتبوها ثم جلسوا ينقحونها، ويحللون ألفاظها، ويتكلمون في ضبط رواتها؛ فهذه الأدوات والمنهجيات التحليلية لم تجتمع للصحابة قط، وإنما اجتمعت لمن جاء بعدهم بطبيعة "تراكم المعرفة"، وكثرة المدونين، وتعدد الرواة، وتطور الأدوات النقدية.
٤- حتمية تقدم المعرفة التراكمية: بناءً على ما سبق، فإن النقد الحديثي والتحليل المقارن للنصوص الذي مارسه المتأخرون مكَّنهم من اكتشاف الوهم، والتفرد، والتصحيف، واختلاف الألفاظ بطريقة لم تكن مقدورة لصحابي مفرد يعتمد على الشفاهية وحسن الظن؛ مما يجعل المعرفة العلمية المجمعة والمحررة في الأجيال اللاحقة أدق نقدياً وأوسع استيعاباً من المعرفة الأولى.
الخلاصة: بما تقدَّم تبيَّن أن إطلاق عدالة وضبط كل الصحابة وإطلاق أعلميتهم أو أعلمية مجموعهم = غير تام، بل الأدلة ترشد إلى عكس ذلك، وليس هذا ذنبهم، بل ذنب من حمَّلهم أكثر ممّا يحتملون ونظر لهم نظرا مثاليًا لا يكون حتى للأنبياء سلام الله عليهم.
والله الهادي ....
https://t.me/TARDIS93
6️⃣
إن إطلاق القول بأعلميَّة الصَّحابة المطلقة بالعلوم الشرعية ومرادِ الله ورسوله يُغْفِلُ طبيعةَ تراكمِ المعرفة؛ فالنَّظر السَّليم القائم على استقراء تطور العلوم في الأمم والحضاراتِ يفضي إلى الحكم بتقدُّم الأجيال اللاحقة على السَّالفةِ في الجملة :
1- تقدم التابعين على الصحابة: فالتابعيّ لم يقف عند حدود التجربة الجزئية لشاهد واحد، بل جمع مرويات متعددة من عدة صحابة، ومحَّصَها وقارن بينها، مما وسَّع رقعةَ إدراكِه للنُّصوصِ وأسباب نزولها وتنوع أحكامها.
2- تقدم أتباع التابعين على من قبلهم: فقد كَثُر التَّدوين للعلوم في الكتب، وزاد النَّقد لتلك العلوم المدونة، وبدتْ معالم المدرَسِيَّةِ تظهرُ، كمدرسة العراق وأهل الحجاز.
فالصحابة امتلكوا معرفة ذهنية انطباعية موزعة بين الأفراد، بينما شهد عصر التابعين وأتباعهم تأسيس المنظومة المعرفية المدونة؛ وضبط المصطلحات، وتتبع الأسانيد، وصياغة علوم الضبط والنقد (كعلم الرجال والجرح والتعديل وأصول الفقه)، وهو ما جعل العلوم في الأجيال اللاحقة أشمل وأكثر دقة وتنقيحاً من المعرفة الشفهية الأولى.
إشكالٌ وإزالة: مفاضلة الاستيعاب والجمع أمام المعاينة الفردية
صورة الإشكال:
قد يستشكل بادي الرأي فيقول: "كيف يستقيم القول بأن أتباع التابعين أو المصنفين المتأخرين أعلم بحديث رسول الله من صحابي شاهد أو قريب من الحدث جدا ؟!
أليس الصحابي الذي صاحب وشهد المشاهد أعمق علماً وأولى بالتقديم من رجل جاء بعده بعقود أو قرون فجمع الكتب وسوّد الصحف؟".
الردّ والتفكيك:
إن هذا الاستشكال ينشأ من الخلط بين "المعاينة الانطباعية الجزئية" وبين "المعرفة الشمولية الاستيعابية"؛ ولتجلية هذه الحقيقة نورد الفروق المعرفية بينهما:
١- ضعف الإحاطة عند الصحابي: لا يوجد صحابي واحد -مهما بلغت ملازمته- حوى أحاديث رسول الله كلَّها تامَّة، ويتَّضح ذلك بعد انتشارهم في الآفاق، فابن مسعود وهو من فقهاء الصحابة استقر بالكوفة، فهل يعقل أنه حوى أحاديث الصحابة جميعا في المدينة ومكة والشام واليمن؟ بالطبع لا!
وكذا الصحابي الذي عاش في قُطْر ما، خصوصا إن كان ممَّن تأخر إسلامه، كان يحوز قدرًا قليلا جدا من الأحاديث، سواء تلك التي سمعها بنفسه عندما وفد على رسول الله أو نقلها له أصحابه في قطره الجغرافي.
أما صغار الصحابة الذين كانوا في المدينة وهي مدينة العلم في ذلك الزمان فقد جمعوا قدرا أكبر من غيرهم بحكم تأخرهم واجتماع روايات كثير من الصحابة عندهم، ولكن لا زالوا لم يحيطوا بكل المروي.
٢- التجميع الاستيعابي والشمول الجغرافي للمتأخر: أيهما أوسع وأشمل علمًا بحديث رسول الله: الصحابي الذي جلس في الكوفة أو المدينة أو مكة يفتي برأيه ورأي أهل بلده وبما بين يديه من أحاديث، أم العالم المتأخر كعبد الرزاق الصنعاني الذي اجتمعت لديه مادة الحديث من مختلف الأقطار؟!
لقد ارتحل التابعون وأتباعهم إلى العراق والشام والحجاز واليمن، وجمعوا أحاديث علي وابن مسعود عائشة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، ثم جلسوا يوازنون بينها، وينقحون ألفاظها، ويقارنون بين روايات الأقطار، لذا فإن عِلْمَ المتأخر هنا -من حيث شمول المادة واستيعابها ومقارنة متونها- أوسع دائرة بلا ريب من علم الصحابي المنفرد بقطره ومروياته.
٣- غياب النقد المقارن المدون عند الصحابة: لا نعلم في التاريخ أن الصحابة دوّنوا أحاديث بعضهم البعض، ولا كتبوها ثم جلسوا ينقحونها، ويحللون ألفاظها، ويتكلمون في ضبط رواتها؛ فهذه الأدوات والمنهجيات التحليلية لم تجتمع للصحابة قط، وإنما اجتمعت لمن جاء بعدهم بطبيعة "تراكم المعرفة"، وكثرة المدونين، وتعدد الرواة، وتطور الأدوات النقدية.
٤- حتمية تقدم المعرفة التراكمية: بناءً على ما سبق، فإن النقد الحديثي والتحليل المقارن للنصوص الذي مارسه المتأخرون مكَّنهم من اكتشاف الوهم، والتفرد، والتصحيف، واختلاف الألفاظ بطريقة لم تكن مقدورة لصحابي مفرد يعتمد على الشفاهية وحسن الظن؛ مما يجعل المعرفة العلمية المجمعة والمحررة في الأجيال اللاحقة أدق نقدياً وأوسع استيعاباً من المعرفة الأولى.
الخلاصة: بما تقدَّم تبيَّن أن إطلاق عدالة وضبط كل الصحابة وإطلاق أعلميتهم أو أعلمية مجموعهم = غير تام، بل الأدلة ترشد إلى عكس ذلك، وليس هذا ذنبهم، بل ذنب من حمَّلهم أكثر ممّا يحتملون ونظر لهم نظرا مثاليًا لا يكون حتى للأنبياء سلام الله عليهم.
والله الهادي ....
https://t.me/TARDIS93
6️⃣
🔥2👏1
Hermit
#تأملات_فنية
[عندما نفعل: بين الذات والمجتمع؟]
شحوبُ الفضيلة في فخ «إرضاء المجتمع»: من تساؤل «مولان» إلى شَرعنةِ العدوان والعبودية الأخلاقية
بقلمِ: أبي عليٍّ المطبخي
تمهيد: على هامش الشاشة.. في حاشية «مولان»
في ظهريَّة جميلة قال لي صديقي: لنشاهد فيلم «مولان 1998»، وأنا أثقُ بذوقِه واختياره للغاية، فقلتُ: فليَكُن.
ولا يسع المرء بعد مشاهدةِ هذا الفيلم إلا أن يعترِفَ بأنه عملٌ فاتنٌ، لا سيَّما وأنَّه رُسِمَ زمن التِّسعينات ، ذلك الرسم الأنيق.
وقد بلغ العمل ذروة سِحْرِهِ عندما صُبِغَ بـ «الدبلجة المصرية»؛ تلك الدبلجة الممتعة التي تفوقت برأي على العمل الأصلي نفسِه! لقد كان ذلك الجيل المصري الذي تولَّى دبلجة أفلام ديزني في تلك الفترة جيلاً عظيماً استثنائيًا، صبغ الأعمال صِبغةً نادرة لن تتكرر.
بعد ذلك أخذنا نتناقش في فكرة العمل الأساسية التي تظهرُ بدايةً في عبارة موجَّةٍ لمولان من أهلها "عشان ترفعي راسنا بين النَّاس" والدافع الأخلاقي للفضيلة، وأثر اضطهاد المجتمعات والجبر الثقافي على النفس البشرية... وهذا المقال نتجَ عن تلك الجلسَةِ.
1. لحظة المكاشفة: مرآة الذات في صمت الجليد
في لحظة انكسار وسكون وسط الجليد، تجلس الفتاة الصينية مولان لتواجه حقيقة دافعها الخفي بعد أن كُشف أمرها، وتهمس لنفسها صراحةً وتجرِّدُ الفعل من ثوبه الظاهري: "ربمَّا لم أفعل كل هذا من أجل أبي.. ربما كنتُ أريد فقط أن أثبت لنفسي وللجميع أنني أستطيع تحقيق شيء.. لكي أنظر في المرآة فأشعر أن لي قيمة.. لكنني في الحقيقة لا شيء!
يضعنا هذا المشهد السينمائي أمام سؤال أخلاقيٍّ صعبٍ: عندما يُقدِمُ الإنسان على عمل نبيل، هل يفعله ابتغاء الحق والكمال المجرد، أم أن الفعل مسكونٌ برغبة خفية في انتزاع الاعتراف والقيمة من مجتمع أهمله أو حاصره بـ "الحب المشروط"؟
وهنا سؤال آخر: هل اختلاط الفعل النبيل بطلب إثبات الذات أمام الآخرين يرجع على الفضيلة بالنقص والتشويه؟
لا تكمن المشكلةُ في فطرة الإنسان المتطلعة للشعور بالقيمة، بل تكمن في الجُرفِ السَّحيقِ التي ينزلق إليها المرء عندما تحل "رغبة إرضاء المجتمع" محل الضمير البشري في تحصيل القيمة.
2. عقدة «الحب المشروط» والجبر الثقافي
تبرزُ أزمةُ النفس الإنسانية حين تُنشأ في كنفِ مَن يُمارس عليها الحب المشروط: "إن صرت على رأينا وطريقتنا ووفق توقعاتنا أحببناك وقرّبناك، وإن خالفت قالبنا كرهناك وأقصيناك".
هذا الابتزاز العاطفي المُبكر يغرس في الإنسان عقدة الخوف الأبدي من النبذ، فيكبر وهو يلهث خلف الرِّضا الخارجي؛ يدرس تخصصًا لا يحبه لكي ينال الثناء وتقديرهم، يتزوج لكي يقال استقر، يسافر حتى يقال غني مقتدر، يتصنع القيم لكي يفر من تهمة الفشل.
مع مرور الوقت، يستسلم المرء لما يمكن تسميته بـ «الجبر الثقافي»؛ إذ يفرض المجتمع أنماطًا سلوكية محدودة ومحكومة بالسياسة السائدة، والأنساب والأحساب، والأعراف، وتحت وطأة هذا الجبر:
- ينسلخ المرء عن الفضائل الحقيقية: فلا يعود يبصر من الخير إلا ما يرضي مجتمعه، وتتوارى عن عينيه الفضائل الكبرى التي تُكمِّل روحه وتنمِّي إنسانيته لأن المجتمع لا يصفق لها.
- يتجوَّف الفعل الأخلاقي: يتحول العمل النبيل إلى طقس شكلي يتَّقي به المرء شرور المجتمع أو ويشحن به شعوره الزُّخرفَ بالنجاح، دون الاستمتاع الحقيقي بالفضيلة أو التلذذ بالحقِّ.
3. الانزلاق المحتوم: من طلب الرضا إلى استمراء الرذيلة
إن الخديعة الكبرى هي ظن الإنسان أن "إرضاء المجتمع" سيتوقف عند حدود ممارسة الخير المطلق، فالواقع التاريخي والاجتماعي يثبت أن المجتمعات ليست معصومة؛ بل إن أكثر المجتمعات عبر التاريخ تأمر بالقبائح، وتستحسن الرذائل، وتُغلِّفُ الظُّلمَ بغلاف "العرف" أو "المصلحة العامة".
فمن جعل غاية أفعاله حصدُ رضا الناس فلا محالةَ أنَّه واقعٌ في فعل الرذائل باسم المجتمع، وذلك عبر الآلية التالية:
- بما أن معيار الصواب لديه هو "ما يقبله الجمع" لا "ما يقره الحق"، فإنه سيردد الباطل إذا استحسنه مجتمعه.
- إذا شاع في المجتمع الكبر، أو التعصب، أو البغي على الضعفاء، فإنه سيمارس هذه الرذائل بحماس، لأنها المفتاح الوحيد لانتزاع القبول والشعور بالانتماء.
1️⃣
شحوبُ الفضيلة في فخ «إرضاء المجتمع»: من تساؤل «مولان» إلى شَرعنةِ العدوان والعبودية الأخلاقية
بقلمِ: أبي عليٍّ المطبخي
تمهيد: على هامش الشاشة.. في حاشية «مولان»
في ظهريَّة جميلة قال لي صديقي: لنشاهد فيلم «مولان 1998»، وأنا أثقُ بذوقِه واختياره للغاية، فقلتُ: فليَكُن.
ولا يسع المرء بعد مشاهدةِ هذا الفيلم إلا أن يعترِفَ بأنه عملٌ فاتنٌ، لا سيَّما وأنَّه رُسِمَ زمن التِّسعينات ، ذلك الرسم الأنيق.
وقد بلغ العمل ذروة سِحْرِهِ عندما صُبِغَ بـ «الدبلجة المصرية»؛ تلك الدبلجة الممتعة التي تفوقت برأي على العمل الأصلي نفسِه! لقد كان ذلك الجيل المصري الذي تولَّى دبلجة أفلام ديزني في تلك الفترة جيلاً عظيماً استثنائيًا، صبغ الأعمال صِبغةً نادرة لن تتكرر.
بعد ذلك أخذنا نتناقش في فكرة العمل الأساسية التي تظهرُ بدايةً في عبارة موجَّةٍ لمولان من أهلها "عشان ترفعي راسنا بين النَّاس" والدافع الأخلاقي للفضيلة، وأثر اضطهاد المجتمعات والجبر الثقافي على النفس البشرية... وهذا المقال نتجَ عن تلك الجلسَةِ.
1. لحظة المكاشفة: مرآة الذات في صمت الجليد
في لحظة انكسار وسكون وسط الجليد، تجلس الفتاة الصينية مولان لتواجه حقيقة دافعها الخفي بعد أن كُشف أمرها، وتهمس لنفسها صراحةً وتجرِّدُ الفعل من ثوبه الظاهري: "ربمَّا لم أفعل كل هذا من أجل أبي.. ربما كنتُ أريد فقط أن أثبت لنفسي وللجميع أنني أستطيع تحقيق شيء.. لكي أنظر في المرآة فأشعر أن لي قيمة.. لكنني في الحقيقة لا شيء!
يضعنا هذا المشهد السينمائي أمام سؤال أخلاقيٍّ صعبٍ: عندما يُقدِمُ الإنسان على عمل نبيل، هل يفعله ابتغاء الحق والكمال المجرد، أم أن الفعل مسكونٌ برغبة خفية في انتزاع الاعتراف والقيمة من مجتمع أهمله أو حاصره بـ "الحب المشروط"؟
وهنا سؤال آخر: هل اختلاط الفعل النبيل بطلب إثبات الذات أمام الآخرين يرجع على الفضيلة بالنقص والتشويه؟
لا تكمن المشكلةُ في فطرة الإنسان المتطلعة للشعور بالقيمة، بل تكمن في الجُرفِ السَّحيقِ التي ينزلق إليها المرء عندما تحل "رغبة إرضاء المجتمع" محل الضمير البشري في تحصيل القيمة.
2. عقدة «الحب المشروط» والجبر الثقافي
تبرزُ أزمةُ النفس الإنسانية حين تُنشأ في كنفِ مَن يُمارس عليها الحب المشروط: "إن صرت على رأينا وطريقتنا ووفق توقعاتنا أحببناك وقرّبناك، وإن خالفت قالبنا كرهناك وأقصيناك".
هذا الابتزاز العاطفي المُبكر يغرس في الإنسان عقدة الخوف الأبدي من النبذ، فيكبر وهو يلهث خلف الرِّضا الخارجي؛ يدرس تخصصًا لا يحبه لكي ينال الثناء وتقديرهم، يتزوج لكي يقال استقر، يسافر حتى يقال غني مقتدر، يتصنع القيم لكي يفر من تهمة الفشل.
مع مرور الوقت، يستسلم المرء لما يمكن تسميته بـ «الجبر الثقافي»؛ إذ يفرض المجتمع أنماطًا سلوكية محدودة ومحكومة بالسياسة السائدة، والأنساب والأحساب، والأعراف، وتحت وطأة هذا الجبر:
- ينسلخ المرء عن الفضائل الحقيقية: فلا يعود يبصر من الخير إلا ما يرضي مجتمعه، وتتوارى عن عينيه الفضائل الكبرى التي تُكمِّل روحه وتنمِّي إنسانيته لأن المجتمع لا يصفق لها.
- يتجوَّف الفعل الأخلاقي: يتحول العمل النبيل إلى طقس شكلي يتَّقي به المرء شرور المجتمع أو ويشحن به شعوره الزُّخرفَ بالنجاح، دون الاستمتاع الحقيقي بالفضيلة أو التلذذ بالحقِّ.
3. الانزلاق المحتوم: من طلب الرضا إلى استمراء الرذيلة
إن الخديعة الكبرى هي ظن الإنسان أن "إرضاء المجتمع" سيتوقف عند حدود ممارسة الخير المطلق، فالواقع التاريخي والاجتماعي يثبت أن المجتمعات ليست معصومة؛ بل إن أكثر المجتمعات عبر التاريخ تأمر بالقبائح، وتستحسن الرذائل، وتُغلِّفُ الظُّلمَ بغلاف "العرف" أو "المصلحة العامة".
فمن جعل غاية أفعاله حصدُ رضا الناس فلا محالةَ أنَّه واقعٌ في فعل الرذائل باسم المجتمع، وذلك عبر الآلية التالية:
- بما أن معيار الصواب لديه هو "ما يقبله الجمع" لا "ما يقره الحق"، فإنه سيردد الباطل إذا استحسنه مجتمعه.
- إذا شاع في المجتمع الكبر، أو التعصب، أو البغي على الضعفاء، فإنه سيمارس هذه الرذائل بحماس، لأنها المفتاح الوحيد لانتزاع القبول والشعور بالانتماء.
1️⃣
👏2
Hermit
[عندما نفعل: بين الذات والمجتمع؟] شحوبُ الفضيلة في فخ «إرضاء المجتمع»: من تساؤل «مولان» إلى شَرعنةِ العدوان والعبودية الأخلاقية بقلمِ: أبي عليٍّ المطبخي تمهيد: على هامش الشاشة.. في حاشية «مولان» في ظهريَّة جميلة قال لي صديقي: لنشاهد فيلم «مولان 1998»، وأنا…
4. ظاهرة «عُبّاد السلطة» وتزييف الضمير
تصل هذه الإشكالية الأخلاقية إلى ذروتها الفظيعة لدى المقربين من صناع القرار والمسؤولين، فحين تكون قيمةُ المرءِ عنده معلَّقةً بإرضاء ذاك المسؤول أو المتبوع المعظّم:
- يتحول الفرد من ناصر للحق إلى أداة طائعة للبطش والعدوان.
- إذا أمره هذا المسؤول بالمعصية، أو بتزوير الحقيقة، أو بسلب حقوق العباد، استجاب له بلا تردد، لأن مرجعيته الأخلاقية سقطت تمامًا؛ فلم يعد يسأل: "هل هذا حق وعدل؟"، بل يسأل: "هل هذا يرضي فلان وفلان؟".
هكذا تتحول محاولة إثبات الذات الابتدائي إلى عبودية كاملة تُسقط صاحبها في أشنع صور الانحطاط الأخلاقي والبطش الاجتماعي.
5. التداعي المؤسسي: كيف ينهار المجتمع أخلاقياً؟
إن تفشي هذا المرض النفسي على مستوى الأفراد يقودُ بالضرورة إلى استشراء الفساد المؤسسي في أركان الدولة والمجتمع:
- على مستوى الأسرة: يتغاضى الأفراد عن الخطيئة ويجارون تقاليد أسرهم الرديئة ويتحمَّلون الإهانة لئلا يُقال عن أحدهم: مريضٌ أو عاقٌّ لا خير فيه لأهله.
- على مستوى العلم والمعرفة: ترى الباحث أو العالم يقول بالقول الباطل خوفًا من أن يغضب عليه مذهبه أو أتباعه، فيكتم الحقَّ ويُظهر الباطل ليحافظ على انتمائه ورضا الناس عنه.
- على مستوى السياسة والمواطنة: ينساق الرجل العادي لتأييد الظلم والمستبدين، يصفق مع الصفوف الأولى لا إيمانًا بالظالم، بل رهبةً من النَّبذ أو يُقال عنه "شاذ عن الصف".
- على مستوى التعليم: يكرر المعلم ما تدين به إدارة المدرسة أو السائد الثقافي والسياسي، ملغيًا عقله وأمانته العلمية فَرَقًا من أن يُلفَظَ ويُحذّر منه، فيقتلُ البذرة في التربة.
6. التحرر الأخلاقي: بين المداراة، والعبودية، وخيار «الهجرة»
لكي لا تختلط المفاهيم، من الضروري التمييز الحاسم بين المسارات والأحوال التي يواجهها الإنسان أمام مجتمعه:
- التبعية المهلكة (إرضاء الناس غايةٌ كبرى): وهي اتِّخاذ أهواء البشر ومشهوراتهم مسطرة تُقاس بها الأفعال، والسقوط في الفساد لإرضائهم، وإرضاء الناس ليس مطلباً عقلياً ولا شرعياً؛ عقلاً لأنه محال؛ لتناقض أهوائهم ومشهوراتهم وأعرافهم، وشرعاً لأن الرَّسالات جاءت لتحرير الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد والتزام الحق وتكميل النَّفس، لا لتعبيده للمجتمعات.
- المداراة المشروعة (الذكاء الاجتماعي): وهي الترفق بالناس واللين معهم لاتقاء شرورهم أو لتمرير المصالح دون إسقاط للحق، ودون المشاركة في إثم أو رذيلة.
- الهجرة والترك (حين تُسد مسالك المداراة):
هناك خيارٌ مصيري قد يغفُل عنه كثيرون، يبرز عندما تبلغ الشراسة المجتمعية مداها؛ فلا يكون المجتمع واقفًا عند نبذك والتحذير منك، بل يُجبرك إجبارًا ويقسِرك قسرًا على فعل الرذيلة واستحسانها ، ويحرمك من ساحة الصمت أو المداراة الهادئة.
في هذه البيئات الخانقة، يعيش الإنسان ضائق النفس معتلَّ الفؤاد، يتألم كل يوم، ولا يستسيغ النظر في الوجوه من شرّ أفعالها وتقييماتها الزائفة؛ يرى الباطل فلا يستطيع إنكاره، ويشهد الحق فلا يملك نصره.
هنا يكون القرار الأخلاقي الشجاع هو الترك والمغادرة (الهجرة)؛ أن يخلع المرء نفسه من تلك البيئة المسمومة ليحقن فضيلته ويحمي روحه، باحثاً عن عالم آخر أو بيئة أكثر عقلًا وتقبلاً للحق والفضيلة.
وليس هذا الخيار ببدعٍ في تاريخ الإنسانية؛ بل هو الأصل العظيم الذي قامت عليه أمة الإسلام الأولى؛ حين ترك المهاجرون الأوائل مكة — وهي أحب البقاع إلى قلوبهم وموطن صباهم وذكرياتهم — ليس فراراً مجرداً، بل حمايةً للحق الذي يحملونه، واستبدالاً لبيئة تُكره على الباطل ببيئة تنصر الفضيلة وتتسع للحرية الأخلاقية.
خاتمة: النفس الإنسانية في الكون الابْتِلَائِي
تلك هي معركة النفس البشرية الكبرى في هذا البدن المادي وفي هذا الكون الابْتِلائي، إن الاختبار الحقيقي الذي يخوضه كل منَّا لا يقتصر على ترك الرذيلة فحسب، بل يتمثل في تطهير الدافع للفضيلة.
أن يملك الإنسان الشجاعة ليقف في صمت جليده الخاص — كما وقفت "مولان" — ويسأل نفسه صادقًا : "لو خلتِ الأرض من أعين الناس، وانقطع ثنائهم، واختفت السلطة التي أخشاها، هل كنتُ سأفعل هذا الفعل؟"
إن تجريد النية للحق، والنزوعَ نحو الكمال، والجرأةَ في وجه ضغط المجتمع — سواء بمصارحتهم أو بالهجرة والترك — هي السبيل الوحيدة لنجاة الفرد والمجتمع من مستنقع النفاق والرذيلة، ولتحقيق الاستقلال الروحي الذي لا يُباع ولا يُشترى بثناء الناس ورضاهم.
ومن عرف نفسَه لم يغترَّ بمدحٍ ولا ثلبٍ.
https://t.me/TARDIS93
2️⃣
تصل هذه الإشكالية الأخلاقية إلى ذروتها الفظيعة لدى المقربين من صناع القرار والمسؤولين، فحين تكون قيمةُ المرءِ عنده معلَّقةً بإرضاء ذاك المسؤول أو المتبوع المعظّم:
- يتحول الفرد من ناصر للحق إلى أداة طائعة للبطش والعدوان.
- إذا أمره هذا المسؤول بالمعصية، أو بتزوير الحقيقة، أو بسلب حقوق العباد، استجاب له بلا تردد، لأن مرجعيته الأخلاقية سقطت تمامًا؛ فلم يعد يسأل: "هل هذا حق وعدل؟"، بل يسأل: "هل هذا يرضي فلان وفلان؟".
هكذا تتحول محاولة إثبات الذات الابتدائي إلى عبودية كاملة تُسقط صاحبها في أشنع صور الانحطاط الأخلاقي والبطش الاجتماعي.
5. التداعي المؤسسي: كيف ينهار المجتمع أخلاقياً؟
إن تفشي هذا المرض النفسي على مستوى الأفراد يقودُ بالضرورة إلى استشراء الفساد المؤسسي في أركان الدولة والمجتمع:
- على مستوى الأسرة: يتغاضى الأفراد عن الخطيئة ويجارون تقاليد أسرهم الرديئة ويتحمَّلون الإهانة لئلا يُقال عن أحدهم: مريضٌ أو عاقٌّ لا خير فيه لأهله.
- على مستوى العلم والمعرفة: ترى الباحث أو العالم يقول بالقول الباطل خوفًا من أن يغضب عليه مذهبه أو أتباعه، فيكتم الحقَّ ويُظهر الباطل ليحافظ على انتمائه ورضا الناس عنه.
- على مستوى السياسة والمواطنة: ينساق الرجل العادي لتأييد الظلم والمستبدين، يصفق مع الصفوف الأولى لا إيمانًا بالظالم، بل رهبةً من النَّبذ أو يُقال عنه "شاذ عن الصف".
- على مستوى التعليم: يكرر المعلم ما تدين به إدارة المدرسة أو السائد الثقافي والسياسي، ملغيًا عقله وأمانته العلمية فَرَقًا من أن يُلفَظَ ويُحذّر منه، فيقتلُ البذرة في التربة.
6. التحرر الأخلاقي: بين المداراة، والعبودية، وخيار «الهجرة»
لكي لا تختلط المفاهيم، من الضروري التمييز الحاسم بين المسارات والأحوال التي يواجهها الإنسان أمام مجتمعه:
- التبعية المهلكة (إرضاء الناس غايةٌ كبرى): وهي اتِّخاذ أهواء البشر ومشهوراتهم مسطرة تُقاس بها الأفعال، والسقوط في الفساد لإرضائهم، وإرضاء الناس ليس مطلباً عقلياً ولا شرعياً؛ عقلاً لأنه محال؛ لتناقض أهوائهم ومشهوراتهم وأعرافهم، وشرعاً لأن الرَّسالات جاءت لتحرير الإنسان من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد والتزام الحق وتكميل النَّفس، لا لتعبيده للمجتمعات.
- المداراة المشروعة (الذكاء الاجتماعي): وهي الترفق بالناس واللين معهم لاتقاء شرورهم أو لتمرير المصالح دون إسقاط للحق، ودون المشاركة في إثم أو رذيلة.
- الهجرة والترك (حين تُسد مسالك المداراة):
هناك خيارٌ مصيري قد يغفُل عنه كثيرون، يبرز عندما تبلغ الشراسة المجتمعية مداها؛ فلا يكون المجتمع واقفًا عند نبذك والتحذير منك، بل يُجبرك إجبارًا ويقسِرك قسرًا على فعل الرذيلة واستحسانها ، ويحرمك من ساحة الصمت أو المداراة الهادئة.
في هذه البيئات الخانقة، يعيش الإنسان ضائق النفس معتلَّ الفؤاد، يتألم كل يوم، ولا يستسيغ النظر في الوجوه من شرّ أفعالها وتقييماتها الزائفة؛ يرى الباطل فلا يستطيع إنكاره، ويشهد الحق فلا يملك نصره.
هنا يكون القرار الأخلاقي الشجاع هو الترك والمغادرة (الهجرة)؛ أن يخلع المرء نفسه من تلك البيئة المسمومة ليحقن فضيلته ويحمي روحه، باحثاً عن عالم آخر أو بيئة أكثر عقلًا وتقبلاً للحق والفضيلة.
وليس هذا الخيار ببدعٍ في تاريخ الإنسانية؛ بل هو الأصل العظيم الذي قامت عليه أمة الإسلام الأولى؛ حين ترك المهاجرون الأوائل مكة — وهي أحب البقاع إلى قلوبهم وموطن صباهم وذكرياتهم — ليس فراراً مجرداً، بل حمايةً للحق الذي يحملونه، واستبدالاً لبيئة تُكره على الباطل ببيئة تنصر الفضيلة وتتسع للحرية الأخلاقية.
خاتمة: النفس الإنسانية في الكون الابْتِلَائِي
تلك هي معركة النفس البشرية الكبرى في هذا البدن المادي وفي هذا الكون الابْتِلائي، إن الاختبار الحقيقي الذي يخوضه كل منَّا لا يقتصر على ترك الرذيلة فحسب، بل يتمثل في تطهير الدافع للفضيلة.
أن يملك الإنسان الشجاعة ليقف في صمت جليده الخاص — كما وقفت "مولان" — ويسأل نفسه صادقًا : "لو خلتِ الأرض من أعين الناس، وانقطع ثنائهم، واختفت السلطة التي أخشاها، هل كنتُ سأفعل هذا الفعل؟"
إن تجريد النية للحق، والنزوعَ نحو الكمال، والجرأةَ في وجه ضغط المجتمع — سواء بمصارحتهم أو بالهجرة والترك — هي السبيل الوحيدة لنجاة الفرد والمجتمع من مستنقع النفاق والرذيلة، ولتحقيق الاستقلال الروحي الذي لا يُباع ولا يُشترى بثناء الناس ورضاهم.
ومن عرف نفسَه لم يغترَّ بمدحٍ ولا ثلبٍ.
https://t.me/TARDIS93
2️⃣
Telegram
Hermit
صندوق النَّاسك ...
👏2
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
حدثنا محمد بن منصور قال:
حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال:
حدثنا جويرية قال:
أرسل عثمان إلى معاوية يستمده، فبعث معاوية يزيد ابن أسد جدّ خالد القسريّ، وقال له:
إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب قال: أنا الشاهد وأنت الغائب.
فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان.
فقلت لجويرية: لم صنع هذا؟
قال: صنعه عمدا ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.
- تاريخ المدينة
حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال:
حدثنا جويرية قال:
أرسل عثمان إلى معاوية يستمده، فبعث معاوية يزيد ابن أسد جدّ خالد القسريّ، وقال له:
إذا أتيت ذا خشب فأقم بها ولا تتجاوزها، ولا تقل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب قال: أنا الشاهد وأنت الغائب.
فأقام بذي خشب حتى قتل عثمان.
فقلت لجويرية: لم صنع هذا؟
قال: صنعه عمدا ليقتل عثمان فيدعو إلى نفسه.
- تاريخ المدينة
#حديث
[أكثر النفاق في المتعلمين]
قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ أَكْثَرَ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا " رواه أحمد بإسناد صحيح.
https://t.me/TARDIS93
[أكثر النفاق في المتعلمين]
قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ أَكْثَرَ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا " رواه أحمد بإسناد صحيح.
https://t.me/TARDIS93
#علي_مني
#خال_المؤمنين
[لم منع عثمان من نصرته؟]
جاء في "مصنف ابن أبي شيبة" : ٣٠٧١٠ - حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ عَلِيًّا اتُّهِمَ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ حَتَّى بُويِعَ , فَلَمَّا بُويِعَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ». إسناد صحيحٌ
قلت: اتَّهمه معاوية وأقام شهود الزور من الصحابة وغيره بالشأم أن عليًّا قتل عثمان.
ومعاوية يقصد بالقتل معنى أعم يشمل الخذلان، وقد صدق، فالمدينة ما بين خاذل وقاتل، وإلا كيف يوصل إلى عثمان من بين هذه الجموع كلِّها إن كان موالية ناصرة؟!
فإن قال أحدهم: عثمان منع من نصرتِه.
قلتُ: منع لأنه علِمَ قلةَ ناصره وأنهم سيقتلون لا محالة إن رفعوا السيوف، فحافظ على نفسه وأنفسهم، لكنه لم يكن يرى كف اليد حتى الموت، بدليل طلبه جيشَ الشأم من معاوية كما هو معلوم، وقد روى ابن سعد في "الطبقات" وغيره إرسال عثمان المسورَ بن مخرمةَ إلى معاوية يستنجده فخذله، فقال له عثمان بعد أن دعا عليه: " والله ما أقتل إلا فيك ولا يُنقم عليّ إلا من أجلك".
وقد كان معاوية فيما ذهب إليه كثيرون - وأرى قوته ورجحانه - ضالعا بخذلان عثمان وقتله، حتى تكون له حجة أمام العامة يركب بها ظهور أهل الشأم وغيرهم في طلب السلطان ومشاقة المسلمين، وقد نجح.
وأما طلحة والزبير وعائشة فهم خاذلون لعثمان في حياته، بل ذامُّون له ولسيرته، ثم ناكثون مقاتلون لعليٍّ يطلبون القصاص من قتلة عثمان !!
وربما يعجب الإنسان من هذا ولكنه طلبُ الملك والتسلط وحب الرياسة، وقد قالها عمر قبلُ، لذا كان آخذًا بحُجَزِهم - أعني السابقين - لا يخرجون إلى غزوٍ ولا سكنى، وإن سافروا عادوا سريعا إلى المدينة، إذ كان يرى انتشارهم فتنة.
وهذا مصداق قول رسول الله صلوات الله عليه: " فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهم". رواه البخاري.
https://t.me/TARDIS93
#خال_المؤمنين
[لم منع عثمان من نصرته؟]
جاء في "مصنف ابن أبي شيبة" : ٣٠٧١٠ - حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ عَلِيًّا اتُّهِمَ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ حَتَّى بُويِعَ , فَلَمَّا بُويِعَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ». إسناد صحيحٌ
قلت: اتَّهمه معاوية وأقام شهود الزور من الصحابة وغيره بالشأم أن عليًّا قتل عثمان.
ومعاوية يقصد بالقتل معنى أعم يشمل الخذلان، وقد صدق، فالمدينة ما بين خاذل وقاتل، وإلا كيف يوصل إلى عثمان من بين هذه الجموع كلِّها إن كان موالية ناصرة؟!
فإن قال أحدهم: عثمان منع من نصرتِه.
قلتُ: منع لأنه علِمَ قلةَ ناصره وأنهم سيقتلون لا محالة إن رفعوا السيوف، فحافظ على نفسه وأنفسهم، لكنه لم يكن يرى كف اليد حتى الموت، بدليل طلبه جيشَ الشأم من معاوية كما هو معلوم، وقد روى ابن سعد في "الطبقات" وغيره إرسال عثمان المسورَ بن مخرمةَ إلى معاوية يستنجده فخذله، فقال له عثمان بعد أن دعا عليه: " والله ما أقتل إلا فيك ولا يُنقم عليّ إلا من أجلك".
وقد كان معاوية فيما ذهب إليه كثيرون - وأرى قوته ورجحانه - ضالعا بخذلان عثمان وقتله، حتى تكون له حجة أمام العامة يركب بها ظهور أهل الشأم وغيرهم في طلب السلطان ومشاقة المسلمين، وقد نجح.
وأما طلحة والزبير وعائشة فهم خاذلون لعثمان في حياته، بل ذامُّون له ولسيرته، ثم ناكثون مقاتلون لعليٍّ يطلبون القصاص من قتلة عثمان !!
وربما يعجب الإنسان من هذا ولكنه طلبُ الملك والتسلط وحب الرياسة، وقد قالها عمر قبلُ، لذا كان آخذًا بحُجَزِهم - أعني السابقين - لا يخرجون إلى غزوٍ ولا سكنى، وإن سافروا عادوا سريعا إلى المدينة، إذ كان يرى انتشارهم فتنة.
وهذا مصداق قول رسول الله صلوات الله عليه: " فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهم". رواه البخاري.
https://t.me/TARDIS93
🔥4❤1
#إثارة
[الميزان الإلهي وفِقْهُ المحاباة: هل أنت كالصحابة حتى تقيّمهم ؟!]
بقلم: أبي علي المطبخي.
قبل الإجابة على هذا الاستنكار المتكرر لا مناص من ذكر أصلين عقليين وشرعيين إعلاما وتذكيرا وإن كانا كالشمس في أبراجها طالعة.
الأصل الأول: القرآن والسنة فوق الجميع.
إن الحاكمية في هذا الدين إنما هي لكتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وعلى آله، فهما الميزان الحاكم الذي تخضع له الأعناق، لا يُستثنى إنسان من حكمٍ ما، ولا توجد رتبة —مهما عظُمَت من النبوة فما دونها — تُحمي صاحبها من الخضوع لمعايير الأمر والنهي والعدل الإلهي.
فالشرع هو الحاكم على الذوات والأفعال، والجميع أمامه سواء لا فضل لأحد إلا بالحق والتزام أمره.
الأصل الثاني: الصحابة محكومون بالكتاب والسنة.
إن الصحابة - على أي تعريف شئتَ - بشرٌ تسري عليهم الأحكام الشرعية، فهم محكومون بها لا حُكَّام عليها، ومكانتهم الفاضلة لا تعني إخراجهم من دائرة التقييم؛ إذ هم مخاطَبون بالأمر والنهي، وعليه يُحمد محسنهم على إحسانه، ويُذمُّ مسيئهم على إساءته، فالصحبة فضيلة بشرطها لا منفلتة، لكنها بشرطها أيضا ليست ختما تعطل به نصوص الشريعة أو ترفع الموصوف بها فوق القانون الإلهي.
▫️الجواب على الاعتراض.
الاعتراض: "لماذا تتكلم فيهم وقد سبقوك، وهذا يضرك ولا يضرهم، ونتيجة كلامك لو تفطَّنتَ أنك تفضل نفسَك عليهم؟".
وجوابه: أن القرآن العظيم أمر بأشياء من سلَّم بها وأذعن فلا معنى لأن يعترض بهذا أبدا، وهي:
🔸️الحض على قول الحق والعدل في الحكم
- قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهداءَ لِلَّهِ وَلَو عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَينِ وَالْأَقرَبِينَ}.
🔸️الحض على التمييز بين أهل العدل والظلم.
- استنكار إلهي، قال تعالى : {أَم نَجعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الْأَرضِ أَم نَجعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}.
- ترك التمييز سوء في الحكم، وقال تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
- التمييز مطلب إلهي، وقال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
- علة التفصيل قال تعالى:{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}
🔸️ التحذير من الاغترار بكلام المنافقين والفاسقين واتِّباع سبيلهم، والتثبت من أخبار الفسقة.
- المنافق هو العدو، قال تعالى : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.
- النهي عن طاعة الكافر والمنافق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
- النهي عن إطاعة الكافر والفاسق والمنافق والجاهل: قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
- النهي عن اتباع سبيلهم، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}.
- النهي عن تصديق الفاسق دون بيِّنة: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
الحاصل: إن تمَّ ما ذكرتُ من:
١- حاكمية الشرع على جميع الخلق،
٢- والأمر بالتمييز الذي هو من مصاديق العدل
٣- والتحذير من إطاعة واتباع سبيل المنافقين والفاسقين والجهلة،
٤- والتحقق من أخبار الفسقة.
فكلامي في تمييز المؤمن من المنافق والفاسق، والعالم من الجاهل، والحافظ من المخلِّط في جيل النقلة الأول = امتثال للأمر الإلهي.
وليست المسألة أنا أفضل أم فلان من الصحابة، وممَّا ينبغي أن يرسَخ في قلب المسلم أن الميزان عند الله في السبق إلى العدل واتقاء الظلم، لا نظرة ولا صحبة هكذا.
ملاحظة أخلاقية: ازدواجية تطبيق الوعد والوعيد.
لقد عمد كثير من الناس إلى منهج غريب في التعاطي مع النص الشرعي؛ وإن أنكروا بألسنتهم لكن حالهم تقضي بذاك عند المنصف، إذ يحملون نصوص الوعد والإكرام والثناء على الصحابة كأنها خُصصت لهم وحدهم، في حين يرحّلون نصوص الوعيد والتهديد والتفسيق حتى تسقط على من جاء بعدهم!
وهذا ظلمٌ.
والله الهادي
https://t.me/TARDIS93
[الميزان الإلهي وفِقْهُ المحاباة: هل أنت كالصحابة حتى تقيّمهم ؟!]
بقلم: أبي علي المطبخي.
قبل الإجابة على هذا الاستنكار المتكرر لا مناص من ذكر أصلين عقليين وشرعيين إعلاما وتذكيرا وإن كانا كالشمس في أبراجها طالعة.
الأصل الأول: القرآن والسنة فوق الجميع.
إن الحاكمية في هذا الدين إنما هي لكتاب الله وسنة نبيه صلوات الله عليه وعلى آله، فهما الميزان الحاكم الذي تخضع له الأعناق، لا يُستثنى إنسان من حكمٍ ما، ولا توجد رتبة —مهما عظُمَت من النبوة فما دونها — تُحمي صاحبها من الخضوع لمعايير الأمر والنهي والعدل الإلهي.
فالشرع هو الحاكم على الذوات والأفعال، والجميع أمامه سواء لا فضل لأحد إلا بالحق والتزام أمره.
الأصل الثاني: الصحابة محكومون بالكتاب والسنة.
إن الصحابة - على أي تعريف شئتَ - بشرٌ تسري عليهم الأحكام الشرعية، فهم محكومون بها لا حُكَّام عليها، ومكانتهم الفاضلة لا تعني إخراجهم من دائرة التقييم؛ إذ هم مخاطَبون بالأمر والنهي، وعليه يُحمد محسنهم على إحسانه، ويُذمُّ مسيئهم على إساءته، فالصحبة فضيلة بشرطها لا منفلتة، لكنها بشرطها أيضا ليست ختما تعطل به نصوص الشريعة أو ترفع الموصوف بها فوق القانون الإلهي.
▫️الجواب على الاعتراض.
الاعتراض: "لماذا تتكلم فيهم وقد سبقوك، وهذا يضرك ولا يضرهم، ونتيجة كلامك لو تفطَّنتَ أنك تفضل نفسَك عليهم؟".
وجوابه: أن القرآن العظيم أمر بأشياء من سلَّم بها وأذعن فلا معنى لأن يعترض بهذا أبدا، وهي:
🔸️الحض على قول الحق والعدل في الحكم
- قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسطِ شُهداءَ لِلَّهِ وَلَو عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَينِ وَالْأَقرَبِينَ}.
🔸️الحض على التمييز بين أهل العدل والظلم.
- استنكار إلهي، قال تعالى : {أَم نَجعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الْأَرضِ أَم نَجعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}.
- ترك التمييز سوء في الحكم، وقال تعالى:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}.
- التمييز مطلب إلهي، وقال تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
- علة التفصيل قال تعالى:{وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}
🔸️ التحذير من الاغترار بكلام المنافقين والفاسقين واتِّباع سبيلهم، والتثبت من أخبار الفسقة.
- المنافق هو العدو، قال تعالى : {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.
- النهي عن طاعة الكافر والمنافق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
- النهي عن إطاعة الكافر والفاسق والمنافق والجاهل: قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
- النهي عن اتباع سبيلهم، قال تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}.
- النهي عن تصديق الفاسق دون بيِّنة: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
الحاصل: إن تمَّ ما ذكرتُ من:
١- حاكمية الشرع على جميع الخلق،
٢- والأمر بالتمييز الذي هو من مصاديق العدل
٣- والتحذير من إطاعة واتباع سبيل المنافقين والفاسقين والجهلة،
٤- والتحقق من أخبار الفسقة.
فكلامي في تمييز المؤمن من المنافق والفاسق، والعالم من الجاهل، والحافظ من المخلِّط في جيل النقلة الأول = امتثال للأمر الإلهي.
وليست المسألة أنا أفضل أم فلان من الصحابة، وممَّا ينبغي أن يرسَخ في قلب المسلم أن الميزان عند الله في السبق إلى العدل واتقاء الظلم، لا نظرة ولا صحبة هكذا.
ملاحظة أخلاقية: ازدواجية تطبيق الوعد والوعيد.
لقد عمد كثير من الناس إلى منهج غريب في التعاطي مع النص الشرعي؛ وإن أنكروا بألسنتهم لكن حالهم تقضي بذاك عند المنصف، إذ يحملون نصوص الوعد والإكرام والثناء على الصحابة كأنها خُصصت لهم وحدهم، في حين يرحّلون نصوص الوعيد والتهديد والتفسيق حتى تسقط على من جاء بعدهم!
وهذا ظلمٌ.
والله الهادي
https://t.me/TARDIS93
Telegram
Hermit
صندوق النَّاسك ...
👍1👏1
[لكنِّي أردك إلى رأي والرأي مشترك]
لقي عمر بن الخطاب رجلاً فقال له ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، فقال لو كنت أنا لقضيت بكذا. قال فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي مشترك. فلم ينقض ما قال علي وزيد.
"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر
https://t.me/TARDIS93
لقي عمر بن الخطاب رجلاً فقال له ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، فقال لو كنت أنا لقضيت بكذا. قال فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم لفعلت، ولكني أردك إلى رأي والرأي مشترك. فلم ينقض ما قال علي وزيد.
"جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر
https://t.me/TARDIS93
Telegram
Hermit
صندوق النَّاسك ...
❤1
[ضريبة المجتمع]
قال مالك بن نبي: "الفرد يدفع ضريبة اندماجه الاجتماعي، وكلما كان المجتمع مختلا في نموه ارتفعت قيمة الضريبة".
"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"
https://t.me/TARDIS93
قال مالك بن نبي: "الفرد يدفع ضريبة اندماجه الاجتماعي، وكلما كان المجتمع مختلا في نموه ارتفعت قيمة الضريبة".
"مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"
https://t.me/TARDIS93
Telegram
Hermit
صندوق النَّاسك ...
👍1
