Hermit
1.13K subscribers
560 photos
70 videos
42 files
1.3K links
صندوق النَّاسك ...
Download Telegram
#حديث
#فائدة_حديثية

[غلو اليهود والمتنطِّعة عند أبي موسى]
- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ". رواه مسلم.


تعليق: والذي يبول قائما لا يسلَمُ من رَشَاش البول، فدلَّ فعله صلوات الله عليه وعلى آله على العفو عن هذا اليسير الذي يعسر الاحتراز منه، وفعل أبي موسى خلاف السنة، وفيه من تكلُّف اليهود ما فيه، واستشهاده بهم يرجح ذلك.

وعلى كل حال قد طُعن في دين أبي موسى ومواقفه، ورماه حذيفة بن اليمان بالنفاق، فعن الأعمشِ عن شَقيقٍ قال: "كُنَّا مع حُذَيفةَ جُلوسًا، فدَخَلَ عبدُ اللهِ وأبو موسى المسجِدَ، فقال: أحدُهُما مُنافِقٌ، ثم قال: إنَّ أشبهَ الناسِ هَديًا ودَلًّا وسَمتًا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عبدُ اللهِ، والإسناد صحيحٌ.

وذكر عمار لعن رسول الله وعلى آله له ولفرقة الاغتيال التي اعترضت رسول الله منصرفه من تبوك، فقال له أبو موسى: قد استغفر لي رسول الله بعد ذلك، فقال عمار: سمعتُ اللعن ولم أسمع الاستغفار.

زِد على ذلك موقفه في التحكيم وانحرافه عن علي بن أبي طالب، وإكرام معاوية لولده وإيصاء يزيد بهم ووصفه لأبيهم أبي موسى بالأخ.

وكونه من القراء، وقد صح عن رسول الله أنه قال: "أكثر منافقي أمتي قراؤها ".

فكل هذه الأمور تفيد أنه مطعون في رواياته إذا انفرد عن رسول الله بشيء، وأنه لا يصح بناء الفقه على روايات هكذا رجل، ولا تفيده متابعة أبي هريرة وصغار الصحابة؛ لعدم الأمن من أخذهم منه، حتى مع تصريحهم بالسماع فيها من رسول الله؛ لأن الرواة قد يتساهلون في التصريح بالسماع في حق الصحابي لإدراكه زمن رسول الله وإمكانه سماعه، ويكتشف هذا بالنظر إلى المتون المنقولة، فعندما يروي أبو هريرة وابن عباس أحاديث في غزوة بدر مثلا فجزما هما لم يحضراها، وهلم جرا.

والله الهادي.



https://t.me/TheHermit93
👎3👍1
[التخنث المعرفي: من آفات أخلاق المعرفة]
بقلم: أبي علي المطبخي

ليست المعرفة مجرد تحصيل للظنون واستظهار للمتون، بل هي في جوهرها موقفٌ أخلاقي صارم يقوم على الصدق في طلب الحق، والثبات على قوله، والنأي بالذات عن التدليس والتلبيس، وإنَّ لُبَّ طالبِ العلم أن يكون وقّافًا عند الحقيقة متى تبدّت له؛ داعيًا إليها، ممتثلاً لها في خاصةِ نفسه قبل العامَّة، غير معادٍ لأهلها ولا مستوحشٍ من قِلّتهم.

غير أنَّ الواقع يكشِفُ عن آفةٍ مستشريةٍ لدى أكثرِ المنتسبين للعلوم الشَّرعية، وقد سمَّيتُها بـ "التَّخنثُ المعرفي"؛ استعارةً من المعنى اللغوي للتَّخنث الذي يفيد معنى التَّثني واللين والطَّراوة وانسياق الشَّيءِ مع ما يحيط بها.

ومن صُوَرِهِ أنَّك تجدُ الماشي في طريق العلم يدرس السنين الطِّوال بلا شغف بالحقيقةِ وبحثٍ عنها، يردد ما وجد ويستهلك ما قيل.
ومن صوره أيضًا: أنَّه إن بحث واستقرت في باطنه قناعة راسخة، جَبُنَ لسانه عن التصريح بها وإشهارها، وثنَى عطفه عن الامتثال لها.

يتجلى هذا الخلل الأخلاقي في تحول طالب العلم إلى كائنٍ هُلامي، يتماوج كالعجينة اللينة ليلائم قالب كلِّ مجلسٍ؛ فيداهن مراعاةً لشيخٍ يُتقى غضبه، أو مركزٍ يُرجى نواله، أو سلطةٍ يُخشى سخطها، أو قبيلةٍ يُراعى عُرفها. وأسوأ من ذلك، أنه قد يتصنع التخشع والتورع سترًا لخَوَرِه، بل قد يبلغ به الحال أن يعاديَ القائلين بالحق الذي استيقن منه هو في سرّه، ليصرف عن نفسه الشُّبهةَ، ويستبقي مكانته الاجتماعية وحظوته عند المشايخ والكُبراء.

وههنا يبرز تساؤل طالما أشغل الناس: إذا كان حملة العلوم الشرعية يعتقدون الحق في بواطنهم ثم يستحوذ عليهم الجبن، فمتى يظهر الحق للناس؟ وكيف يستقيم للحق وجهٌ إذا كان جَمهرتُه يتواطؤون على كتمانه، بل ويطعنون فيمن يتجاسر على إظهاره؟!

إن العلم إذا تجرد عن أخلاق المعرفة؛ كالصدق والعدل وحسن القول تحوّل إلى أدوات زينة وطقوس شائهةٍ أفسد النفوس الشريفة وزاد الخبيثةَ خبثًا.

https://t.me/TheHermit93
4👍2
#تاريخ
#أعلام_الزيدية

[من كلام أبي طالب الهاروني في الخليفة عثمان وتفسيقه]
قال أبو طالب الهاروني الحسني رحمه الله (ت:424هـ) في "الدّعامة في الإمامة" : "ولأنَّ المعلوم من حال الصحابة الإطباق على أن الفسق يسقط الإمامة، ولهذا طالبوا عثمان بالاعتزال لما نقموا عليه ما نقموا".

وقال يصف حالة المهاجرين معه : "وفي أيام عثمان لمَّا انحطَّ أمرُه وأقدم على الأحداث التي أنكرها المسلمون عليه، وانحرفَ عنه أكثر أصحابه، واستخفُّوا بسيرته وخالفه أعيانهم ووجوههم ونازعوه، كعبدالله بن مسعود، وعمار بن ياسر رحمة الله عليهما، واستوحش منه كبارُ الناس كطلحةَ، وعبدِ الرحمن بن عوف، ووجد علي عليه السلام في النكير عليه فرصةً، فكان يواقِفُه ويردُّ عليه، ويجْبَهُهُ في كثير من الأوقات بما يَسُوؤه".

وقال في أعوان عثمان وخاصَّته: "سفهاء بني أمية لعنهم الله، ولا شك في فسقهم وكفرهم وعداوتهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم كمروان وذويه". انتهى المراد.


https://t.me/TheHermit93
1👍1
#تاريخ

[طمع أنس بن مالك الأنصاري في مال سيرين]
قال الذهبي في "أعلام النبلاء" : "محمد بن سيرين ... مولى أنس بن مالك ، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبوه من سبي جرجرايا تملَّكه أنس ، ثم كاتبه على ألوف من المال ، فوفاه وعجَّل له مال الكتابة قبل حلوله ، فتمنَّع أنسٌ من أخذه لمَّا رأى سيرين قد كَثُر ماله من التجارة، وأمَّل أن يرثه ، فحاكمه إلى عمر فألزمه تعجيل المؤجل".

https://t.me/TheHermit93
👎41😐1
[ما بعد العدالة]

يتساءل البعض: ما الفائدة من البحث والتنقيب والتفتيش والفحص في أحوال الصحابة؟

والجواب: أن هذا البحث ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مرحلة ثانية، تسبقها مرحلة أولى لا بد منها، وهي مناقشة أصل الدعوى التي يقوم عليها التصور السني التقليدي، أعني دعوى أن الصحابة جميعًا عدول، وأن الراوي، بمجرد ثبوت رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به وموته على الإسلام، يكون عدلًا ضابطًا فيما يرويه عنه.

فإذا نوقشت هذه الدعوى، ولم يثبت بدليل معتبر من الكتاب أو السنة أو العقل أن مجرد الصحبة تستلزم العدالة والضبط في الرواية، انتقل البحث إلى المرحلة الثانية: دراسة أحوال الصحابة أفرادًا، كما تُدرس أحوال سائر الرواة.

وعندئذ لا يكون السؤال: «هل هو صحابي؟» هو السؤال الحاسم في قبول روايته، وإنما يُنظر في حال كل راوٍ من جهة عدالته وضبطه، وفي ومروياته، وفي القرائن التاريخية والنقدية المتعلقة به، ثم يُحكم على روايته بحسب ما يثبت في حقه.

فمن بحث في روايات أنس بن مالك، مثلًا، وخلص، بناءً على الأدلة والقرائن التي يراها معتبرة، إلى وجود ما يؤثر في ضبطه أو في بعض مروياته، كان من مقتضى هذا المنهج أن يتوقف في تلك الروايات بقدر ما يقتضيه الدليل. ومن بحث في روايات أبي هريرة وانتهى إلى ثبوت ما يقدح في صدقه، لا أقل يتوقف في ما انفرد به. وكذلك من بحث في أحوال أبي موسى الأشعري وانتهى إلى ثبوت ما يقدح في عدالته، فإنه سيتعامل مع رواياته على هذا الأساس. ومن درس روايات عائشة وخلص إلى وجود تحيز أو ميل في بعض القضايا، بحيث يؤثر ذلك في وثاقة روايتها في تلك المسائل، فإنه سيأخذ ذلك في الحسبان عند تقويم مروياتها المتعلقة بها.

والمقصود هنا ليس التسليم مسبقًا بصحة هذه الأحكام على أنس أو أبي هريرة أو أبي موسى أو عائشة، وإنما المقصود بيان المنهج الذي يترتب على رفض العدالة الجماعية للصحابة: أن تُبحث هذه الدعاوى نفسها، وأن تُختبر أدلتها، وأن يُعامل الصحابي، من حيث الأصل النقدي، بوصفه راويًا يمكن أن يُبحث في عدالته وضبطه، لا بوصفه راوياً ثبتت عدالته وضبطه بمجرد الصحبة.

وهنا تظهر أهمية هذه المرحلة الثانية؛ إذ إن نتيجة البحث لن تكون مجرد تغيير الحكم على هذا الصحابي أو ذاك، بل قد تمتد إلى إعادة تقييم عدد كبير من الروايات التي قامت عليها صورة السنة النبوية في التصور التقليدي.

فإذا ثبت عند الباحث، بعد فحص الأسانيد والمتون والطرق والقرائن التاريخية، أن بعض الرواة من الصحابة لا تتحقق فيهم شروط العدالة أو الضبط، أو أن بعض مروياتهم لا يمكن الوثوق بها، فإن الروايات التي تنفرد بها تلك الطرق ستتأثر تبعًا لذلك. وكلما اتسع نطاق هذا الفحص، اتسعت معه آثاره في بنية السنة النبوية.
ولا تقتصر فائدة دراسة أحوال الصحابة على نقد الرواية؛ بل يستفاد منها كذلك في فهم اختياراتهم الفقهية وتفسير مواقفهم العملية. فليس من الصواب، من حيث المنهج، أن يُفترض ابتداءً أن كل اختيار فقهي صدر عن صحابي إنما صدر عن اجتهاد علمي معتبر، أو أن كل موقف اتخذه كان نتيجة ترجيح مجرد بين الأدلة.

فالصحابي، كسائر البشر، قد يتأثر في اختياره الفقهي أو موقفه العملي بعوامل متعددة تتصل بشخصيته وظروفه ودوافعه؛ فقد يكون الدافع علميًا اجتهاديًا، وقد يكون راجعًا إلى ضعف أو عجز، أو خوف أو جبن، أو طمع، أو مصلحة، أو ضغط اجتماعي أو سياسي، أو غير ذلك من العوامل التي يمكن أن تؤثر في الإنسان وفي اختياراته.

ومن هنا فإن دراسة شخصية الصحابي، والوقوف ــ بقدر ما تسمح به المصادر والقرائن ــ على ظروفه النفسية والاجتماعية والسياسية، وعلى علاقاته ومصالحه ومخاوفه وطموحاته، قد تكشف لنا عن حقيقة الدافع الذي حمله على اختيار قول فقهي معين أو اتخاذ موقف معين، بدل أن نفترض ابتداءً أن ذلك الاختيار كان ثمرة اجتهاد فقهي محض.

وهذه الفائدة، وإن كانت تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية بالنسبة إلى الفائدة الأولى المتعلقة بنقد الرواية وإعادة تقييم بنية السنة، فإنها ليست قليلة الشأن؛ إذ يمكن أن تسهم في إعادة قراءة جانب من الفقه المنقول عن الصحابة، وفي التمييز بين ما كان منهم اجتهادًا علميًا قائمًا على نظر في الأدلة، وبين ما قد يكون مرتبطًا بظروف شخصية أو سياسية أو اجتماعية أو نفسية خاصة.

وعليه، فإن البحث في أحوال الصحابة لا يكون بحثًا تاريخيًا زائدًا عن الحاجة، بل يصبح ــ بعد مناقشة أصل العدالة الجماعية ــ جزءًا من منهج أوسع لإعادة فحص الرواية والفقه والتاريخ: فندرس الصحابي أولًا بوصفه راويًا يمكن نقد عدالته وضبطه، ثم ندرس شخصيته وظروفه لفهم مروياته واختياراته ومواقفه، وبذلك قد تتغير، تبعًا لنتائج هذا الفحص، صورة السنة النبوية وصورة الفقه الموروث عن الصحابة كما استقرتا في التصور التقليدي.
👍4👎3
Hermit
Photo
[صحابي لا يشرب من إناء مفضَّض لكن يقتل عمّارا!]

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ ، قَالَ : كُنَّا بِوَاسِطِ الْقَصَبِ عِنْدَ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ : فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : أَبُو الْغَادِيَةِ ، اسْتَسْقَى مَاءً، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مُفَضَّضٍ، فَأَبَى أَنْ يَشْرَبَ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ : " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ". أَوْ : " ضُلَّالًا ". شَكَّ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. " يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ " فَإِذَا رَجُلٌ (عمّار) يَسُبُّ فُلَانًا (عثمان)، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ، لَئِنْ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ فِي كَتِيبَةٍ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ، إِذَا أَنَا بِهِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ، قَالَ : فَفَطِنْتُ إِلَى الْفُرْجَةِ فِي جُرُبَّانِ الدِّرْعِ، فَطَعَنْتُهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَإِذَا هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، قَالَ : قُلْتُ : وَأَيُّ يَدٍ كَفَتَاهُ، يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ، وَقَدْ قَتَلَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ!. رواه عبد الله في المسند بسند صحيح.

ورواه أحمد بإسناد صحيح آخر مختصرا: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، وَعَفَّانُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا غَادِيةَ يَقُولُ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَقُلْتُ لَهُ : بِيَمِينِكَ ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَا جَمِيعًا فِي الْحَدِيثِ : وَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ... الحديث ولم يذكر قصة قتل عمّارٍ.


قلتُ: قال ابن عبد البرِّ في "الاستيعاب" : "أدرك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غلام، روى عنه أنه قَالَ: أدركت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أيفع، أرد عَلَى أهلي الغنم، وله سماع من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض وَكَانَ محبًا فِي عُثْمَان، وَهُوَ قاتل عمار بْن ياسر، وَكَانَ إذا استأذن عَلَى معاوية وغيره يقول: قاتل عمار بالباب، وَكَانَ يصف قتله إذا سئل عنه لا يباليه، وفي قصته عجب عند أهل العلم، روى عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذكرنا أنه سمعه منه، ثم قتل عمارًا، وروى عنه كلثوم ابن جبر". اهــ

وقال الذهبي في"أعلام النبلاء" - ولا أدري أي نبلٍ فيه - : من وجوه العرب ، وفرسان أهل الشام . يقال : شهد الحديبية". اهــ .

وقال ابن الأثير في "أسد الغابة" : " روى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه، قال: بينا الحجاج جالسا، إذ أقبل رجل مقارب الخطوة، فلما رآه الحجاج، قال: مرحبا بأبي غادية، وأجلسه على سريره، وقال: أنت قتلتَ ابنَ سميَّة؟ قال: نعم، قال: كيف صنعت؟ قال: صنعت كذا حتى قتلتُه، فقال الحجاج لأهل الشام: من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ عظيمِ الباع يوم القيامة، فلينظر إلى هذا، ثم سارَّه أبو غادية يسأله شيئا، فأبي عليه، فقال أبو غادية: نوطِّئ لهم الدُّنيا ثمَّ نسألهم فلا يعطونَنَا، ويزعم أنِّي عظيمُ الباع يوم القيامة! أجل والله إن من ضرسُه مثل أُحد، وفخذُه مثل وَرْقان، ومجلسُه مثل ما بين المدينة والربذة، لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أن عمارا قتله أهل الأرض لدخلوا النار". اهــ.

1️⃣
3
Hermit
[صحابي لا يشرب من إناء مفضَّض لكن يقتل عمّارا!] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ ، قَالَ…
علَّق ابن حجرٍ في "الإصابة": "وهذا منقطع، وأبو معشر فيه تشيع مع ضعفه، وفي هذه الزيادة تشنيع صعب، والظنّ بالصحابة في تلك الحروب أنهم كانوا فيها متأوّلين، وللمجتهد المخطئ أجر، وإذا ثبت هذا في حق آحاد الناس، فثبوته للصحابة بالطريق الأولى".

قلتُ: ولد أبو معشر السندي المدني مولى بني هاشم (٨٠هـ) والحجاج مات (٩٥هـ)، والتَّشيع مظنَّة مزيد الصدق والتثبت، وأبو معشر عالم بالأخبار والتاريخ والمغازي، فليس تضعيفه هنا شيئا ذا جدوى.

قال أبو يعلى الخليلي:"أبو معشر له مكان في العلم والتاريخ، وتاريخه احتج به الأئمة، وضعفوه في الحديث، ولم يتَّفقوا عليه، وروى عنه الكبراء مثل: ابنِ المبارك، ويونسَ المؤدب، ووكيع، وابنه محمد بن أبي معشر، ويتفرَّد بأحاديث، وأمسك الشافعي عن الرواية عنه".

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وذكر"مغازي أبي معشر"؛ فقال: "كان أحمد بن حنبل يرضاه، ويقول: كان بصيرًا بالمغازي".

والظنُّ بالصحابة - يا ابن حجر - أن يُعرَضُوا على كتاب الله وسنة رسوله كغيرهم من الناس، وقد وجدنا في القرآن والسنة المتواترة والمشهورة أن منهم مرتدُّون ، ومنافقون، وبغاة مجرمون، ومنهم مفتونون متعلقون بالدنيا، ومنهم من خُتم له بالنار، ومنهم من يُذاد عن الحوض، فلا يجوز أن يحرَّف كتاب الله ومنطق التاريخ لأجل أهواء موروثة ومذاهب معبودة من دون الحق.

وقتْلُ أبي الغاديةِ لعمّار مشهورٌ عند أهل الصَّنعة، وأي شناعة أعظمُ مِن هذه حتى تستعظمَ غيرَها يا ابنَ حجرٍ !!

فائدة: قراءة مثل هذه الأحاديث في هذا الباب لا يصح الاعتماد فيها على كتب الحديث منفردة؛ لأن من أهل الحديث من أجاز لنفسه تحت تأويلات فاسدة أن يتصرف في المنقول، فيقطع بعض ما يستشنعه أو يدلِّس أسماء معظميه، فلا مزحل من قراءة كتب التاريخ والسير فإنها عامَّة تأتي بالقصة تامَّة، وبلغةٍ جزلة.

ولِتعلموا هذا قارنوا بين رواية عبد الله بن أحمد وأحمد نفسه في "المسند" وبين رواية ابن سعد لنفس الحادثة.

قال ابن سعد في "الطبقات" : قال: أخبرنا عفان بن مسلم ومسلم بن براهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جبر قال: حدثني أبي قال:

كنتُ بواسطِ القصبِ عند عبدِ الأعلى بنِ عبد الله بن عامر فقلت: الإذنَ، هذا أبو غادية الجُهني. فقال عبد الأعلى: أدخلوه، فدخل عليه مقطَّعات له فإذا رجلٌ طُوال ضَرْبٌ من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة، فلمَّا أن قعد قال: بايعت رسول الله، قلتُ: بيمينك؟ قال: نعم، وخطبنا رسول الله، يوم العقبة فقال: يا أيها الناس ألا إن دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمةِ يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ فقلنا نعم، فقال: اللهم اشهد، ثم قال: ألا لا ترجعوا بعدي كفَّارا يضرِبُ بعضكم رقابَ بعض، قال ثم أتبَعَ ذا فقال: إنَّا كنَّا نعد عمار بن ياسر فينا حَنَانًا، فبينا أنا في مسجد قباء إذ هو يقول: ألا إن نَعثلًا هذا لعثمان، فألتفت فلو أجدُ عليه أعوانًا لوطئته حتى أقتلَه، قال قلت: اللهم إنَّك إن تشأ تمكني من عمار، فلمَّا كان يوم صفين أقبل يَسْتَنُّ أول الكتيبة رَجِلًا حتى إذا كان بين الصَّفينِ فأبصرَ رجلٌ عورةً فطعنه في ركبته بالرمح فَعَثَرَ فانكشف المغفَرُ عنه، فضربتُه فإذا رأسُ عمارٍ.

قال: فلم أر رجلًا أبين ضلالةً عندي منه، إنه سمع من النبي، عليه السلام، ما سمع ثم قتل عمارا.

قال واستسقى أبو غادية فأتي بماء في زجاج فأبى أن يشرب فيها، فأتي بماء في قدح فشرب، فقال رجل على رأس الأمير قائم بالنبطية: أوى يد كفتا يتورع عن الشَّراب في زجاج ولم يتورع عن قتل عمار!



https://t.me/TheHermit93


2️⃣
2
Forwarded from Hermit
❤‍🔥1
Hermit
Photo
[بيانُ مَنهَجٍ وَطَبِيعَةِ الطَّرْحِ فِي القَنَاةِ]

إلى المتابعين المحتَرَمِين ...
إنَّ الغرضَ من المواد المنشورة في هذه القناة = إحرازُ الحقِّ أينما كان وحيثما ولَّى وجهه، أو تقريبُ ذلك على أقل تقديرٍ، ويترتب على هذا غالبًا خروجٌ عن كثيرٍ من الأنساقِ المعرفية المشهورة ممَّا يصعِّب تصنيفَ صاحبِ القناة ووضعَه في قالبٍ، وهذا يجرُّ إلى سوءِ الفهم أو الانزعاج لدى كثيرٍ من النَّاس، لذا رأيتُ كتابةَ هذا التَّوضيح لأُريحَ وأرتاحَ.

إن هذه القناة كانت قبل سنواتٍ تنشر آثار المذهب الحنبلي وتهتم به، ثم تطوَّرتِ الأمور وَمَنَّ الله تعالى بتجاوز هذه المذهبيات الضَّيقة - في اعتقادي - إلى سعة الإسلام، وتحوَّلتْ هذه القناة فضاءً أحاول أن أبحثَ فيه المسائل التي لها أثر عميمٌ في تشكيل وعي المسلمين اليومَ بحثًا نزيهًا قدر الطَّاقة، بعيدًا عن السرديات المذهبية، والعصبيات الحزبية، والأحكام المسبقة، والمحاكاة الآلية للمقولات السائدة والتزام الاصْطفافات الفكرية.

هذا لا يعني انفصالا عن تراث المسلمين بمذاهبهم وعلمائهم، بل سلوك طريقٍ أرشد في التعاطي مع هذا التراث الكبير وما فيه من حسن وقبيح وجيد ورديء.

وهنا أمرٌ: كثيرًا ما أسمع من المعترضين قولَهم: "خالفتَ فلان وعلان من العلماء والمذاهب"، ومِن المعلومِ من سيرةِ العقلاء أن كلام الإنسان في أي علمٍ لا بد أن يكون مشفوعًا بالأدلة، وأن على المدَّعي شيئًا البينةَ، وأن الاتِّباعَ له دون معرفة دليله قبيحٌ، فإذا تبيَّن للباحثِ أنَّ العالم الفلاني أو المذهب العلاني ليس معه حجَّة فعلامَ يتبعُهُ ؟!

إن الفعل الأخلاقي أن يُحمد الرَّجل أن تركَ ما قام الدليل عنده على بطلانه لا أن يُذَّمَّ.

أما العالم فله الاحترام والتقدير لا أكثر، فلَيْسَ من قلَّةِ الأدب والقِحةِ أن تخالفه، ومن الظلم والطغيان اعتقادُ العالمِ في نفسه أن له سلطانًا على أحد، ليس له إلا الحوار والنُّصح إن لَزِم، فإن تعدَّى ذلك رُدَّ إلى حدَّه ومُقامه.

وعَتْبِي على طلاب العلمِ أنْ تساهلوا مع الشيوخ حتَّى مكَّنوهم من رقابهم فاستعبدوهم باسم العلم، استغلالًا لحاجتهم في حب الانتماء وشعور الجماعة، ولو أنَهم رسموا حدود العلاقة منذ البداية لسَلِمُوا.

أمرٌ آخر: هذه القناة ليست منصة لتقديم إجابات جاهزة لكل مسألة، ولا لإصدار الأحكام النهائية في كل قضية، فمن أغراضها أيضًا إثارة العقول، وتنشيط النظر، وفتح آفاق الأبحاث، وإعادة قراءة المسائل بعينٍ نقدية فاحصة.

ختامًا: إنَّي لا أنتمي لأي حزبٍ، ولا أمثِّل أي طائفةٍ، ولا ألتزم بأسقف فكرية لأي تيار، أنا مسلم وكفى، فمن ابتغى السَّعة فحيَّهلا في هذا الفضاء، ومن كان يطلبُ مذهبًا ما أو يتوقَّعُ التَّطابق التَّام مع اختياراته، فربما لا يجد في هذه القناة ما يلائم تطلعاته.


والله الهـادي ...

https://t.me/TheHermit93
6👍2
Channel photo updated
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّ فُلَانًا -معاوية- دَخَلَ الْمَدِينَةَ حَاجًّا، فَأَتَاهُ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَدَخَلَ سَعْدٌ -بن أبي وقّاص-، فَسَلَّمَ، فَقَالَ -معاوية-:
وَهَذَا لَمْ يُعِنَّا عَلَى حَقِّنَا عَلَى بَاطِلِ غَيْرِنَا. قَالَ:فَسَكَتَ عَنْهُ سَاعَةً.
فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟
فَقَالَ: هَاجَتْ فِتْنَةٌ، وَظُلْمَةٌ. فقلت لِبَعِيرِي: اخْ اخْ -صوت تنوّخ به المطية-، فَأَنَخْتُ حَتَّى انْجَلَتْ.
فَقَالَ رَجُلٌ -معاوية-: إِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ اخْ اخْ.
قَالَ فَغَضِبَ سَعْدٌ، فَقَالَ: أَمَا إِذْ قُلْتُ ذَاكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ أَوِ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ حَيْثُ كَانَ».
قَالَ: مَنْ سَمِعَ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَهُ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي، فَقَالَ الرَّجُلُ -معاوية- لِسَعْدٍ: مَا كُنْتَ عِنْدِي قَطُّ أَلْوَمَ مِنْكَ الآنَ!
فَقَالَ: وَلِمَ؟
قَالَ: لَوْ سَمِعْتُ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَزَلْ خَادِمًا لِعَلِيٍّ حَتَّى أَمُوتَ!

………………

قلت: معاوية كاذب في قوله ويعلم من فضل علي ما هو فوق هذا ولكنه أراد تبكيت سعد، وما تخلّف أحد عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام إلا ذل.
👎1
"الدين والسنة والإحداث"

هذه الألفاظ كثيرًا ما يراد بها في اللسان الأول المعاني السياسية لا الشعائرية وقد تكون هي الأصل.
فالمراد من الدين الطاعة والحكم، ومن السنة السيرة السياسية والأقضية، ومن الإحداث تغيير الأحكام الشرعية السياسية.

فمن الأول: "مَا كَانَ لِیَأۡخُذَ أَخَاهُ فِی دِینِ ٱلۡمَلِكِ"، و"من بدّل دينه فاقتلوه"، و"يمرقون من الدين".
ومن الثاني: "أول من يبدّل سنتي رجل من بني أمية"، و"سبعة لعنتهم… وعد منهم: والتارك لسنتي"، وقول ابن مسعود: "لم تكن أمة إلا كان أول ما يتركون من دينهم السنة".
ومن الثالث: أَنَّ الوَلِيْدَ بن عقبة أَرسَلَ إِلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ: أَنِ اسْكُتْ عَنْ هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ: أَحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَرُّ الأُمُوْرِ مُحْدَثَاتُهَا.
وأرسل إلىٰ عثمان يقول له إن ابن مسعود يعرّض بك.
👎1
#إثارة

[جيل الصحبة: قراءة في الطبائع البشرية (العدالة) وصيرورة المعرفة (الأعلميَّة)]
بقلم: أبي عليٍّ المطبخي

توطئةٌ
تُمثل «الصحبة» لحظةً تاريخية تَشَكَّل فيها جيلٌ بشري أُوكِلَتْ إليه مهمَّة جسيمةٌ، تبليغُ الدَّين لمن بعده كما بلَغَه عن رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، وهنا اختلف النَّاظرون لهؤلاء المُبَلِّغِين، فمنهم:
1- من بجَّلهم كلَّهم ومَنَع من تناوُلِهم مطلقا،
2- ومنهم من ازدراهم وأكفرهم إلا قليلا،
3- ومنهم من غرْبَلَهم وانتقى منهم.


ولسائل أن يقول: ما الذي جرى حتى انقسمَ النَّاس فيهم؟!
الجوابُ: إنَّ أهم الأسباب التي قسَّمت الناظرين إلى "الصحابة" ما عُرِف في كتب التَّاريخ والسِّير والحديثِ باسم "حروب الفتنة"، التي بدأت معالمها تبرز شيئًا فشيئًا، من آخر سِنِي حياة رسول الله إلى زمن خلافةِ علي بن أبي طالبٍ رحمة الله تغشاه، فَكَشَّرتِ الرِّجال عن أنيابِها، وأظهرتِ الصّدور أضغانَها، فاقتتل النَّاس اقتتالًا شديدًا، وانقسم الصحابة في مواقفهم، فكان أكثرهم مع علي بن أبي طالب، والبقية بين مخالف مقاتل له أو مخالفٍ معتزل عنه، وبسبب هذا الاقتِتَالِ حكمتْ كلُّ فرقةٍ على صاحبتها بالبغي أو النِّفاق، وانسحب الحكم على الصحابةِ في كل فرقةٍ.

ثم تغيَّرتِ النَّظرة إليهم بعد ركود هذه الأحداث وظهور الكتابة في المسلمين وجَمْعِهم الأخبار، ومقارنتها ببعضها، وقد آل الأمر منذ قرون بعيدة إلى قبول أكثر حديثِ الصَّحابة بشتى أهوائهم عند أكثر أهل الإسلام، فأهل الحديثِ بطوائفهم (شيعة/ عثمانية/ ناصبة/ قدرية / مرجئة/ واقفة) يقبلون أحاديث عائشة وطلحة والزبير وابن الزبير ومن كان معهم من أهل الجمل، والشيعة الزيدية في الأعم الأغلب يقبلون أحاديثهم وأحاديثَ أبي هريرة وابن عمر وسعد وأسامة بن زيدٍ من المعتزلين للحرب لكن بشروط عندهم، وكذا الإباضيَّةُ، وأمَّا أهل السُّنَّة و"الجماعة" - وهي فرقةٌ برزت معالمها متأخرا بعد كل هذه الطوائف والفرق كالإمامية - فيقبلون كلَّ حديثِ الصحابة، فمن صحَّ الإسناد إليه منهم عدَّلوه وقبلوا روايته ورتَّبوا عليها الآثار، وأمَّا الإمامية فالذي أعرفه عنهم أنهم لا يقبلون روايات من خالفَ عليًا وقاتله واعتزله مطلقًا، وربَّما قبلوا روايات المعتزلين في غير باب السياسة.

بعبارة أخرى: لا خلاف في قبول روايات الصَّحابة والاحتجاج بها بين أهل الإسلام قاطبةً، وإنَّما الخلاف في سَعة هذه الدَّائرة وضيقها وشروط دخولها والإخراج منها، فأضيق المذاهب دائرةً الإماميَّةُ، وإن أردنا الدِّقة فالخوارج أضيق منهم لكنْ لا وجود لمن يختار اختيارهم، ثم تتوسع هذه الدائرة عند الزيَّدية والإباضيَّة، ثمَّ تأتي دائرةٌ نصف قطرِها ما بين أيلةَ إلى صنعاء، وهي دائرة أهل السُّنَّةِ والجماعة. فهم أكثر المذاهب توسُّعا في قبول روايات الصحابة.

أمَّا جيل الرُّواة والنَّقدة الأُوَلُ فتختلف سعةُ دوائرهم بحسب شروطهم وأقطارهم ورحلاتهم وظروفهم السياسية والاجتماعية.

وممَّا تقدم نرى أن العدالة كانت السبب الأعظم في توسع وتضييق دوائر القبول والردِّ بين طوائف المسلمين.


1️⃣
👍2
Hermit
#إثارة [جيل الصحبة: قراءة في الطبائع البشرية (العدالة) وصيرورة المعرفة (الأعلميَّة)] بقلم: أبي عليٍّ المطبخي توطئةٌ تُمثل «الصحبة» لحظةً تاريخية تَشَكَّل فيها جيلٌ بشري أُوكِلَتْ إليه مهمَّة جسيمةٌ، تبليغُ الدَّين لمن بعده كما بلَغَه عن رسول الله صلوات الله…
الصَّحابة مجتمعٌ بشري يتفاوت في الطَّبعِ والتَّأثر والتأثيرِ
هذا الجيل - وأي جيلٍ- خاضعٌ بطبيعتِه لسنن الاجتماع الإنساني وطبائعه الفطرية، وإن القراءة المتدبَّرة لتفاعلات هذا الجيل مع نفسِه ومع غيرِه تقتضي نبذ التَّعميم في الحكم عليهم، والنظرَ إليهم مجتمعًا تسرى عليه قوانين البشرية ويحكمه منطِق التاريخ، ففيه الصالحون والطَّالحون، والشُجعان والخائرون، والكفار والمنافقون، والحفَّاظ والمخلِّطون، والمبدئيون والمرتَزِقون، والفقهاء والسَّاذجون، وعلى كلِّ وصفٍ ذُكِرَ دليلُ العقل والشَّرع قائم لكلِّ مدَّكِر.

ولست بحاجةٍ إلى تلاوة مَسْردٍ طويلٍ للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والحوادث التاريخية التي تفيد يقينًا لا شِكَّةَ فيه أن جيل الصَّحابة فيهم وفيهم، وأنهم كغيرهم في قبولهم الإيمان والنفاق والعدالة والفسق.

وانظروا إلى أصحابِ الأنبياءِ عليهم السلام في القرآن تُدركوا ذلك، فكثيرٌ مِن أصحاب الأنبياء عليهم السلام على التعريف المشهورِ = مبدِّلون ضآلُّون، وفي قَصَصِ بني إسرائيل وتعنُّتِهم مع أنبيائهم ومشَّآقتِهم لهم واختلافهم عليهم ما ينبِّه الغافلَ ويُعَرِّف الجاهل، وقد جاء عندنا أهل الإسلام في الحديث المتواتر عن رسول الله "أنا فَرَطُكم على الحوضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ معي رجالٌ منكم ثمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دوني، فأقولُ: يا ربِّ أَصحابِي، فَيُقالُ: إِنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك" رواه البخاري.

وفي لفظٍ آخر أدَلُّ على المقصودِ "بينا أنا قائِمٌ إذا زُمرةٌ، حتَّى إذا عَرَفتُهم خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيني وبَينِهم، فقال: هَلُمَّ، فقُلتُ: أينَ؟ قال: إلى النَّارِ واللهِ، قُلتُ: وما شَأنُهم؟ قال: إنَّهمُ ارتَدُّوا بَعدَك على أدبارِهمُ القَهقَرى. ثُمَّ إذا زُمرةٌ، حتَّى إذا عَرَفتُهم خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَيني وبَينِهم، فقال: هَلُمَّ، قُلتُ: أينَ؟ قال: إلى النَّارِ واللهِ، قُلتُ: ما شَأنُهم؟ قال: إنَّهمُ ارتَدُّوا بَعدَك على أدبارِهمُ القَهقَرى. فلا أُراه يَخلُصُ منهم إلَّا مِثلُ هَمَلِ النَّعَمِ". رواه البخاري.

و (هَمَلُ النَّعَم) : الإبِلُ المُهْمَلَةُ الَّتي لا راعِيَ لها، وهذه تكونُ قَليلةً بالنِّسبةِ إلى الإبِلِ الَّتي يَهتَمُّ بها أصحابُها، يعني أن النَّاجِيَ من هؤلاء قليلٌ في قِلَّةِ الإبِلِ الضَّالَّةِ، أي: أنَّ أكثرَ أصحابِه هلْكَى يوم القيامةِ، وذلك لارتدادهم إما إلى الكفر وإمَّا عن السُّنَّةِ، ولا أعني تخليل اللحية والأصابع ونَتْرِ الذَّكر، بل سنن التّشريع والحكم بالعدل، العدل الذي عليه قامت دعوة الرُّسلِ وبه قِوام العالَم، وما توحيد الإله إلَّا مصداقٌ من مصاديقِهِ.

إذن رسول الله صلوات الله عليه ليس بِدعًا من الرُّسلِ، وأصحابُه ليسوا بِدعًا من الأصحابِ، وكلُّ ما ورد في السُّنَّةِ ممَّا يفيد أنَّهم بِدْعٌ من النَّاس فإمَّا أنَّه تالفٌ أو مَزِيدٌ فيه ما يوهم ذلك؛ لأنَّه يصادم طبيعة الإنسان ومنطِقَ التَّاريخ والقرآنَ والسُّنةَ المتواترة والمشهورة.

وعليه: فإنّ الموقف الصَّواب - وهو موقف أكثر أهل الإسلام خلا أهل السُّنة - بحثُ عدالتهم، وغربلةُ رواياتهم، وتسليطُ الضوء على ضبطِهم، فإنَّه أمرٌ قلَّ مَن التفت إليه وعمِل بما يترتَّب عليه، فلا عاقل يقول: كل الصَّحابة ضابطون متقِنُون، هذا لا يكون بحالٍ، ولا نحتاج فيه إلى أدلة شرعية حتى نقول: الصَّحابة ينسونَ !!

فإن ثبتَ فِسق بعض الأصحاب فإنّ الأمرَ القرآنيَّ جاء بالتَّثبت في رواية الفاسقِ لا بالرَّدِّ، إن كانت للفاسق روايةٌ، فإن أعيانا ولم نجد ما نتبيَّن به صِدْقَه = توقَّفْنا في روايته، ويؤول الأمر إلى ردِّها، فنسبة شيء إلى الله ورسوله صلوات الله عليه وعلى آله ليست بالأمر الهين، وعلى المستهين بذلك أشدّ الوعيد وأشنعه، ولسنا بحاجةٍ إلى روايات الفسقة والمخلِّطين لنحفظَ شرعَ الله، ومَن ظنَّ ذلك فقد شَطَّ، ففي القرآن والسنة المتواترة والمشهورة المعلومة المنقحةِ الألفاظِ كفايةٌ ونجاةٌ، ولسنا مضطرين إلى إرخاء الحبال لقبول الساقط واللاقط والمضطرب، فضلًا عن خرافات أهل الكتاب وأساطيرهم التي تسرَّبت إلى عقول بعض الصَّحابةِ ثمَّ إلى حديثِ رسول الله.

ومن المناسب أن أشير إلى مسألة ضبط الألفاظ النبوية فإنِّي ألحظ أن الناس تتوسَّعُ في قبولها، وتأخذ الزيادات الواردة في أي رواية صحيحة من أي كتابٍ وتفرِّع عليها أحكامًا تنسبها لدين الله، ولا أرى هذا يحلُّ، والواجب أن تُجْمعَ ألفاظُ الحديثِ الصحيح ويُقْبَضَ على الأقوى منها لفظًا، الذي يغلِبُ على الظَّنِّ أن رسول الله قاله، لا أن نقبل أي زيادة وأي تعبيرٍ وأي راوٍ حدَّثَ، فبعضهم عجمٌ لا يعرفون العربية جيدًا، ويركبون الكلام تركيبًا مربكًا لا يشبه تركيب العرب، وبعضهم فاحش اللحن جدًا، فتُؤثِّرُ عجمةُ فهمِه على تلقي الحديثِ وأدائِهِ، إلى غير ذلك من آفات الحديثِ الكثيرة.

وهناك أمر آخر وهو عرض هذه الأحاديث المنقَّحةِ على كتاب الله، والتأكدُ من خلوها عن المعارضات.

2️⃣
👍1👌1
Hermit
الصَّحابة مجتمعٌ بشري يتفاوت في الطَّبعِ والتَّأثر والتأثيرِ هذا الجيل - وأي جيلٍ- خاضعٌ بطبيعتِه لسنن الاجتماع الإنساني وطبائعه الفطرية، وإن القراءة المتدبَّرة لتفاعلات هذا الجيل مع نفسِه ومع غيرِه تقتضي نبذ التَّعميم في الحكم عليهم، والنظرَ إليهم مجتمعًا…
الصَّحابة مجتمعٌ بشري يتفاوت في العلم
لم يكن الصَّحابةُ نسقًا معرفيًّا واحدًا، بل كانوا في فهم التَّنزيل مُتَفاوقين، وفي المعرفةِ باللِّسان متفاوتين، ما بين مصيبٍ ومخطِئ، وقريبٍ ومُبعِد، تقع منهم الهفوات، وتعرِضُ لهم الآفات التي تحجِزُ عن الفَهم السَّليم، وذلك إمَّا لأطباعهم وثقافة مجتمعاتهم التي عاشوا فيها، أو لطبيعة القول الثقيل الذي نزل عليهم وقصورِهم عن فهم مقاصده، أو انشغالاتِهم بتدبير حيواتِهم، ولذا فإن الدعوى القائلة بتقديم فهمهم على غيرهم لشهودهم التنزيل دعوى غير دقيقة وفيها مبالغة؛ إذ إن من الصحابة:

1- من لم يشهد من الوحي شيئاً البتة: كمن أسلم في أواخر حياة رسول الله ولم يجالسه إلا أوقاتا معدودة، أو عاش في أطراف الجزيرة العربية،
2- ومنهم مَن شهد شيئًا يسيرًا: كصغار الصَّحابة، وتلقوا البقيَّةَ من غير رسول الله.
3- ومنهم من لازم التنزيل: وهم فئة قليلة جدًّا بالنسبة لمن أطلق عليهم اسم "الصحابة".

وعندما ننظر لهؤلاء الذين عاينوا التنزيل نجدْهم قد اختلفوا كثيرًا في فهم المنزَّلِ ساعتَه، وكلٌّ يحكي رأيه الذي يعتقد، وكثيرٌ من المختلَفِ فيه حَدَثٌ واحدٌ، فمثلًا تأملوا مسألة لحوم الحمر الإنسية، وقارِنُوا بين الروايات التي تحكي حرمتَها ولأي شيءٍ حرِّمت، فالحاصل من التعليلات التي وصلتنا عمَّن شهد الواقعة:
- أنَّها رِجْس ونجس،
- أنَّها من الغنيمة ولم تُقْسَمْ وكانوا جياعًا فعدَوا عليها فذبحوها، فأمرهم رسول الله بكَفْئ القدور ونهاهم عن النُّهبة، وفي بعض الروايات أنَّهم نحروا مع الحُمُرِ الجزائِرَ أيضًا.
- أنها حمولة الجيش ومركوبهم،
- أنَّها جوَّال القرية (جلَّالة).

فهؤلاء الذين شهدوا التنزيلَ اختلفوا في معرفة السبب كما ترى، ولا يمكن أن تكونَ كلُّها عِلَلًا للتَّحريم، ولذا احتار ابن عبَّاسٍ في أمرها، وأضرابُ هذه المسألة ممَّا لا يحصى، بل هناك مسائل كان فهمه فيها غريبًا عجيبًا، مثل:

1- حادثةِ الأنصاري الذي أمَّره رسول الله على بعثٍ فغضِبَ على رجاله فقال: عزمتُ عَلَيْكُم إِلَّا مَا جمعتم حطبا. قَالَ فَجمعُوا حطبا، ثمَّ أَمرهم قَالَ: فأوقدوا نَارا، فَقَالَ: عزمت عَلَيْكُم إِلَّا دخلتموها قَالَ: فَهموا أَن يَفْعَلُوا، وتحاجزوا، وَدفع بَعضهم بَعْضًا حَتَّى طفيت النَّار، وَسكن غَضَبه، فَلَمَّا رجعُوا ذكرُوا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: وَالله لَو دخلوها مَا خَرجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف. رواه البخاري من حديثِ علي.

2- وفهم عبد الله بن عمرو عندما كان يقولُ: ما لي ولصفِّينَ! ما لي ولقتالِ المسلمين! واللهِ لوَدِدتُ أنِّي مِتُ قبل هذا [بعشر سنينَ]، ثمَّ يقولُ: أمَا والله ما ضَرَبتُ فيها بسيفٍ، ولا طعنتُ برُمحٍ، ولا رميتُ، بسَهمٍ، ولوددتُ أنِّي لَم أَحْضُرُ شيئًا منها، وأستغفِرُ الله من ذلك وأتوبُ إليه، إلَّا أنَّه ذكر أنَّه كانَتْ بيده الرَّايَةَ يومَئِذٍ، فندِم نَدامةً شديدةً على قتالِه مع معاويةَ، وجعَل يستَغفِرُ الله مِن ذلك ويتوبُ إليه" رواه ابن سعدٍ.

وكأنَّه لم يسمع حديثِ عمَّار أنَّه قتيل الفئة الباغية الدَّاعية إلى النَّار، بل كان من رواته، وَرَدُّ معاوية عليه عندما ذكَّره بالحديثِ معلوم، قال له "دحضتَ في بولِك أونحن قتلناه؟! إنَّما قتلَه عليٌّ وأصحابه جاءوا به حتَّى ألقوه بين رماحنا"، ومرَّة قال لأبيه: "ألا تغني عنَّا مجنونك يا عمرو" !!

هذا قريبٌ من رجلٍ يحمدُ الله أنَّه لم يحضر بدرًا ولا أحدًا !! وليست صفين عنهما ببعيدٍ.

3- وفهم سعد بن أبي وقاص عندما قيل له: "ألا تقاتل، فإنك من أهل الشورى، وأنت أحق بهذا الأمر من غيرك؟ " فقال: "لا أقاتل حتى تأتوني بسيفٍ له عينان ولسان وشفتان، يعرف المؤمن من الكافر، إن ضربتُ به مسلمًا نبا عنه، وإن ضربتُ به كافرًا قتله، فقد جاهدتُ وأنا أعرف الجهاد" رواه الطبراني والحاكم.

وهذا سيف لا يكون أبدًا، وهذا منطِق لا يقيم حقًا ولا يدفع باطلًا، كيف وآيات الكتاب والسنة المتواترة تفيد وقوع القتال بين المسلمين وتبين طرق العمل فيها؟!
وقد ندِم بعد ذلك سعدٌ عندما رأى ما رأى، كما ندِم ابن عمر أنه فرَّط، وإن كان ندمُه ليس عن تصحيح نظرٍ في كل الأحداثِ.

3️⃣
👍1👌1
Hermit
الصَّحابة مجتمعٌ بشري يتفاوت في العلم لم يكن الصَّحابةُ نسقًا معرفيًّا واحدًا، بل كانوا في فهم التَّنزيل مُتَفاوقين، وفي المعرفةِ باللِّسان متفاوتين، ما بين مصيبٍ ومخطِئ، وقريبٍ ومُبعِد، تقع منهم الهفوات، وتعرِضُ لهم الآفات التي تحجِزُ عن الفَهم السَّليم،…
4- وقصة أنس بن مالك عندما بعثه زياد بن أبيه في الإصلاح بينه وبين أخيه أبي بكرة: 994- حدثني شيبان بن فروخ الأيلي [قال أبو زرعة وأبو داود: صدوق، وقال البرذعي: يهم كثيرا] ثنا أبو هلال الراسبي [صدوق]، ثنا الحسن البصري قال: انطلقت أنا وأنس بن مالك إلى أبي بكرة نعوده، وكان به عرق النساء، فقال له أنس: «يا أبا بكرة، فيم تجد على أخيك زياد؟ فإن كنت تجد عليه في شأن الدنيا، فإنه يقول: قد استعملت ابنه على الديوان، واستعملت ابنه الآخر على كذا، واستعملت ابنه الآخر على مدينة الرزق، ومما أبالي أوليت رجلا مدينة الرزق أم فتحت له بيت مالي وقلت: خذ ما شئت. وإن كنت تجد عليه في أمر الآخرة، فإنه والله مجتهد». فقال أبو بكرة: والله إنه لمجتهد؟ قال أنس: والله إنه لمجتهد. قال أبو بكرة: الحرورية أيضا يزعمون أنهم قد اجتهدوا. قال أبو هلال: وكان عبد الرحمن على بيوت الأموال، وعبيد الله على سجستان". رواه البلاذري في "أنساب الأشراف".

فزياد بن أبيه مجتهدٌ عند أنس في قتل المسلمين في الكوفة والبصرة؟!
ويقتلهم في ماذا؟ في هوى معاوية وحزبه!!
ألا قبَّح الله هذا الفهم وأهلَه ومن تشدَّد له واعتذر عنه.

5- قصة عدي بن حاتم والخيط الأبيض من الخيط الأسود.

والأمثلة كثيرةٌ ....

فتبيَّن ممَّا سبق أن حال أحسنهم كحال العالم المستنبط، بل التالي لهم كثيرًا ما يكون أقدر على المقارنة والفَهم من الحاضرين للحَدَثِ، واتَّضح أن فهم بعضهم رديء، وأنَّ مقاصد الإسلام وروحه لم تلامسهم، ففهم أنسٍ الماضي كفهم الجاهليين وكسرى وقيصر، لا فرق إلَّا أنَّه يشهد الشهادتين وهم عاكفون على اللات والعزَّى، وخطر الدين المحرَّفِ على الأممِ أعظم بمفاوز من خطر العيش بلا دين رأسًا، لأن الأول منسوب إلى المقدَّس والآخرَ إلى القوة والتسلط ومجتمع الغاب.

وإن أُرِيدَ بشهودِهِم التَّنزيلَ معرفتُهُم المُرادَ قطعًا من الشريعة، وهو ما كوَّنَ بعدها ما يسمَّى بدليل الإجماع فقليل النَّفع جدًا؛ لأنَّ المعاني التي أجمعوا عليها باستقرائنا قد أُحرِزت قَبْلُ بكتاب الله والمتواترِ من سيرة رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله.

وإن أُريدِ بشهودهم التَّنزيلَ "إدراك قرائن الأحوال والمناسبات والتطبيق العملي" فهذا حسنٌ وصادقٌ، ولكنَّه خاصٌّ بمن حضرَ الوقائع وفَقُهَ تصرفاتِ رسول الله، فليس المطلوب مطلقُ الحضور، وإنما حضورٌ مقيَّد بالفطنةِ، وهؤلاء المتَّصفون بهذين الوصفين (المعاينة والفطنةِ) = قلَّة، مقارنة بمن تصدَّر بعد وفاة رسول الله للتحديثِ والإفتاء، وتلك القلَّة العارفة جزءٌ منها مات في حياة رسول الله وبُعيد وفاتِه، وجزءٌ انخرط في حروب البغاة والمنافقين فهلك، وجزءٌ صارت سيرتُه محظورةَ الذِّكر والنَّشرِ بحكم سلطةِ المتغلب، ولم يتسرَّبْ من هذه الشِّباكِ الكثيرة إلا نزرٌ يسيرٌ منهم.

فمن نقل إلينا شيئًا من هذه الأحداث أو أفتى فيها فلا يخلو:
1- إما أنّ يكون حاضرًا عالِمًا = فقوله معتبرٌ يُرجَّح به.
2- أو يكونَ حاضرًا ليس بعالمٍ = فربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.

ثم جاء أهل التدوين والنقل فاختلفت مذاهبهم في الإكثار والإقلال عن أعيانٍ من ذلك الجزء الباقي ممَّن شهد التنزيل وكانا فقيها، ومن المضحكات أن القارئ في صحيح البخاري - مثلًا - يريد معرفة علي بن أبي طالب ذلك الذي مَلأ كلامه الخافقين في كل العلوم الشرعية فإذا به يرى رجلًا هامشيًا لا شغلَ له إلا الوضوءَ في رحبةِ الكوفة، وتفضيل أبي بكر وعمر على نفسه!!
ولا شكَّ عندي أن البخاري فيه انحراف عن علي وتدليسٌ لبعض أخباره إن اضطرَّ إلى إخراجها.

هذا ما يتعلَّق بشهود التَّنزيل، وبقيَ أمران في مسألة أعلميَّة الصَّحابة، وهما:
1- سذاجة الرواية الأولى.
2- تراكم المعرفة.


4️⃣
🤝2👏1
Hermit
4- وقصة أنس بن مالك عندما بعثه زياد بن أبيه في الإصلاح بينه وبين أخيه أبي بكرة: 994- حدثني شيبان بن فروخ الأيلي [قال أبو زرعة وأبو داود: صدوق، وقال البرذعي: يهم كثيرا] ثنا أبو هلال الراسبي [صدوق]، ثنا الحسن البصري قال: انطلقت أنا وأنس بن مالك إلى أبي بكرة…
نقد الأخبار وسذاجة المنهج في العصر الأول
من الناحية المنهجية المتعلقة بنقد الأخبار وتمحيص المرويات، لم تكن أدوات النقد التاريخي والحديثي للمتون متبلورة لدى جيل الصحبة بالمعنى الموجود عند أهل الحديث بعد ذلك ، فكانت سِمة الرواية في عهدهم السَّذاجة، فلم تكن ثمَّ مجالس تحديثٍ مضبوطة، وكَتَبَة يقيِّدون الثابت من الزائد ويراجعونه بعد ذلك، وكان اعتمادهم على التَّلقي المباشر وحسنِ الظنِّ بالنَّاقل عن رسول الله في الأعم الأغلب، ولم يكنِ الصحابة يطلبون من المحدِّث "غالبًا" التَّصريح بالسماع من رسول الله، ولا نعلم أنَّهم دوَّنوا حديثهم ثم رحلوا في طلب حديث غيرهم، ثمَّ عرضوها على بعضهم ونقَّحوها، فكلُّ ما عندنا عنهم استحلاف علي بن أبي طالبٍ لغيره أنه سمِع من رسول الله، وقصة أبي بكر مع المغيرة، وعمر مع أبي موسى، وإنكارات عائشة على سوء فهم أبي هريرة، وهذه لا تسمَّى منهجًا منتظمًا قائما، لذا تَرَتَّبَ على غياب المنهج فَقْدُ النَّقدِ المبكر للروايات وتمحيص ألفاظها وتدوين مناسباتها[١]، فالحِمل الأثقلُ على التَّابعين ومَن تلاهم.

ولا ننسى مروياتِ أهلِ الكتاب التي دخلتْ على مجتمع الرواية باكرًا، وخلطَ الرُّواة بينها وبين حديثِ رسول الله، وما اشتملت عليه من أساطير وخرافاتٍ، وما أثرتْ به على عقل ذاك العربي البسيط وتصوراته عن الله والكون والحياة.


إشكالٌ وإزالة: ادعاء السليقة والاستغناء عن الأدوات المنهجية

صورة الإشكال:
"إن القول بافتقار جيل الصحابة للأدوات المنهجية قولٌ يغفل طبيعة عصرهم؛ فالصحابي كان يعيش السليقة اللغوية والفهم المباشر، ولم يكن بحاجة إلى قواعد أصول الفقه أو علم الجرح والتعديل ونقد الرجال؛ لأن المعايشة الشفهية والمباشرة تغني عن هذه الصَّنعة الحديثية والأصولية التي إنما دُوّنت متأخرة لترميم الفجوة الزمانية والمكانية بين النص والمستقبل!".

الردّ والتفكيك:
إن هذا الاعتراض، وإن بدا مظهره متماسكًا للوهلة الأولى، فإنَّه يتهافت أمام الفحصِ من وجوهٍ عدة:

1- تفكيك مغالطة "السليقة اللغوية" (اللغة ليست هي الفقه): ليس كل الشرع ولا كل القرآن والسنة يُدرك بـ "اللغة" أو بالسليقة اللغوية وحدهما؛ بل ثمة "فقهٌ" واستنباط وتفطن لعلل الأحكام ومقاصد التشريع. ولو كانت السليقة اللغوية كافية لإدراك الشريعة لعُلِمتْ الشريعة بأسرها بمعرفة اللِّسان، ولأدركَ الأعرابُ من أحكام الدين ما أدركه فقهاء الصحابة، ولا يستوي الأعرابي الذي يعيش بالسليقة مع أمثالِ علي وعمرَ وابن مسعود وعائشةَ بإجماع العقلاء. يُضاف إلى ذلك أن التفاوت في دركات البيان ومستويات الفهم اللغوي ذاته كان حاصلاً بين الصحابة أنفسهم بلا إشكال، وقد تقدَّم ذلك.

2- الاحتياج الفعلي والضروري لعلم الجرح والتعديل ونقد الرواية: كانت الحاجة لنقد الرواة وتمحيص الحديث قائمةً وملحَّة في عصر الصحابة أنفسهم، ولم تكن ترفًا مستغنَى عنه؛ فقد كان الاختلاف والتَّدليسُ في ألفاظ الحديث حاصلا؛ فقد وقع التدليس من صغار الصحابة، بل ومن أبي هريرة نفسه في سماعه وعن طريق من أخذ عنهم، فكيف يُقال إنهم لم يكونوا بحاجة لنقد الرجال والتثبت من المرويات؟!

بل كان الواجب المنهجي يقتضي أن يجمعوا أحاديث بعضهم في المدينة وفي سائر الأمصار، ويكتبوها، وينظروا فيها، ويسألوا الحافظين والمتذكِّرين منهم عن ظروف تلك الأحاديث ومناسباتها وأسباب ورودها، وهو أمر كان مقدوراً ومستطاعاً لو أُتيح له المنهج والمؤسسية.

3- أثر اختيار عمر في منع التدوين وتأجيل الحل المنهجي: وهنا تبرز الإشكالية التاريخية الكبرى في قرار عمر بن الخطاب بمنع كتابة الحديث والتضييق على المحدثين، وضربه لأبي هريرة وغيره عن التحديث، ولئن كان مع عمر الحق -من وجهة نظره- في زجر أبي هريرة عن التحديث بخرافات وأساطير أهل الكتاب وجعلها في حديث رسول الله، إلا أن منع كتابة الحديث مطلقاً وتدوينه من كبار الصحابة كان قرارًا غيرَ حكيمٍ ولا سديدٍ؛ إذ كان المقدور والمفترض أن يُشكّل عمر لجنة توثيقية علمية -على غرار لجنة جمع المصحف الشريف- تقوم بجمع أحاديث الرسول، وضبطها، وتوثيق مناسباتها وظروف ورودها المكانية والزمانية، وتنقيتها في الحجاز والعراق والشام. إن منع التدوين لم يحل المشكلة بل أدى إلى ضياع القرائن السياقية، ورحّل العبء الثقيل شاقاً على التابعين ومن جاء بعدهم لترميم هذا الفراغ عبر علوم متأخرة كالجرح والتعديل وعلل الحديث.



..............................................
[١] إذ أن الظرف الذي قال فيه رسول الله الحديث محدِّد لمعناه وغايته ومراده ومقصده، فمتى جاءنا الحديث طائرا في الجو بلا ظرفٍ مرويًّا بالمعنى، متفرَّدًا به فلا تقنع النَّفس بالاعتماد عليه في تحريم شيء والقياس عليه.


5️⃣
👏1🤝1
Hermit
نقد الأخبار وسذاجة المنهج في العصر الأول من الناحية المنهجية المتعلقة بنقد الأخبار وتمحيص المرويات، لم تكن أدوات النقد التاريخي والحديثي للمتون متبلورة لدى جيل الصحبة بالمعنى الموجود عند أهل الحديث بعد ذلك ، فكانت سِمة الرواية في عهدهم السَّذاجة، فلم تكن ثمَّ…
تراكمُ العلومِ ومزيَّةُ التَّدوين والتَّنقيح
إن إطلاق القول بأعلميَّة الصَّحابة المطلقة بالعلوم الشرعية ومرادِ الله ورسوله يُغْفِلُ طبيعةَ تراكمِ المعرفة؛ فالنَّظر السَّليم القائم على استقراء تطور العلوم في الأمم والحضاراتِ يفضي إلى الحكم بتقدُّم الأجيال اللاحقة على السَّالفةِ في الجملة :

1- تقدم التابعين على الصحابة: فالتابعيّ لم يقف عند حدود التجربة الجزئية لشاهد واحد، بل جمع مرويات متعددة من عدة صحابة، ومحَّصَها وقارن بينها، مما وسَّع رقعةَ إدراكِه للنُّصوصِ وأسباب نزولها وتنوع أحكامها.

2- تقدم أتباع التابعين على من قبلهم: فقد كَثُر التَّدوين للعلوم في الكتب، وزاد النَّقد لتلك العلوم المدونة، وبدتْ معالم المدرَسِيَّةِ تظهرُ، كمدرسة العراق وأهل الحجاز.

فالصحابة امتلكوا معرفة ذهنية انطباعية موزعة بين الأفراد، بينما شهد عصر التابعين وأتباعهم تأسيس المنظومة المعرفية المدونة؛ وضبط المصطلحات، وتتبع الأسانيد، وصياغة علوم الضبط والنقد (كعلم الرجال والجرح والتعديل وأصول الفقه)، وهو ما جعل العلوم في الأجيال اللاحقة أشمل وأكثر دقة وتنقيحاً من المعرفة الشفهية الأولى.


إشكالٌ وإزالة: مفاضلة الاستيعاب والجمع أمام المعاينة الفردية

صورة الإشكال:
قد يستشكل بادي الرأي فيقول: "كيف يستقيم القول بأن أتباع التابعين أو المصنفين المتأخرين أعلم بحديث رسول الله من صحابي شاهد أو قريب من الحدث جدا ؟!
أليس الصحابي الذي صاحب وشهد المشاهد أعمق علماً وأولى بالتقديم من رجل جاء بعده بعقود أو قرون فجمع الكتب وسوّد الصحف؟".

الردّ والتفكيك:
إن هذا الاستشكال ينشأ من الخلط بين "المعاينة الانطباعية الجزئية" وبين "المعرفة الشمولية الاستيعابية"؛ ولتجلية هذه الحقيقة نورد الفروق المعرفية بينهما:

١- ضعف الإحاطة عند الصحابي: لا يوجد صحابي واحد -مهما بلغت ملازمته- حوى أحاديث رسول الله كلَّها تامَّة، ويتَّضح ذلك بعد انتشارهم في الآفاق، فابن مسعود وهو من فقهاء الصحابة استقر بالكوفة، فهل يعقل أنه حوى أحاديث الصحابة جميعا في المدينة ومكة والشام واليمن؟ بالطبع لا!

وكذا الصحابي الذي عاش في قُطْر ما، خصوصا إن كان ممَّن تأخر إسلامه، كان يحوز قدرًا قليلا جدا من الأحاديث، سواء تلك التي سمعها بنفسه عندما وفد على رسول الله أو نقلها له أصحابه في قطره الجغرافي.

أما صغار الصحابة الذين كانوا في المدينة وهي مدينة العلم في ذلك الزمان فقد جمعوا قدرا أكبر من غيرهم بحكم تأخرهم واجتماع روايات كثير من الصحابة عندهم، ولكن لا زالوا لم يحيطوا بكل المروي.

٢- التجميع الاستيعابي والشمول الجغرافي للمتأخر: أيهما أوسع وأشمل علمًا بحديث رسول الله: الصحابي الذي جلس في الكوفة أو المدينة أو مكة يفتي برأيه ورأي أهل بلده وبما بين يديه من أحاديث، أم العالم المتأخر كعبد الرزاق الصنعاني الذي اجتمعت لديه مادة الحديث من مختلف الأقطار؟!

لقد ارتحل التابعون وأتباعهم إلى العراق والشام والحجاز واليمن، وجمعوا أحاديث علي وابن مسعود عائشة وابن عمر وابن عباس وغيرهم، ثم جلسوا يوازنون بينها، وينقحون ألفاظها، ويقارنون بين روايات الأقطار، لذا فإن عِلْمَ المتأخر هنا -من حيث شمول المادة واستيعابها ومقارنة متونها- أوسع دائرة بلا ريب من علم الصحابي المنفرد بقطره ومروياته.

٣- غياب النقد المقارن المدون عند الصحابة: لا نعلم في التاريخ أن الصحابة دوّنوا أحاديث بعضهم البعض، ولا كتبوها ثم جلسوا ينقحونها، ويحللون ألفاظها، ويتكلمون في ضبط رواتها؛ فهذه الأدوات والمنهجيات التحليلية لم تجتمع للصحابة قط، وإنما اجتمعت لمن جاء بعدهم بطبيعة "تراكم المعرفة"، وكثرة المدونين، وتعدد الرواة، وتطور الأدوات النقدية.

٤- حتمية تقدم المعرفة التراكمية: بناءً على ما سبق، فإن النقد الحديثي والتحليل المقارن للنصوص الذي مارسه المتأخرون مكَّنهم من اكتشاف الوهم، والتفرد، والتصحيف، واختلاف الألفاظ بطريقة لم تكن مقدورة لصحابي مفرد يعتمد على الشفاهية وحسن الظن؛ مما يجعل المعرفة العلمية المجمعة والمحررة في الأجيال اللاحقة أدق نقدياً وأوسع استيعاباً من المعرفة الأولى.


الخلاصة: بما تقدَّم تبيَّن أن إطلاق عدالة وضبط كل الصحابة وإطلاق أعلميتهم أو أعلمية مجموعهم = غير تام، بل الأدلة ترشد إلى عكس ذلك، وليس هذا ذنبهم، بل ذنب من حمَّلهم أكثر ممّا يحتملون ونظر لهم نظرا مثاليًا لا يكون حتى للأنبياء سلام الله عليهم.



والله الهادي ....


https://t.me/TARDIS93


6️⃣
🔥2👏1