Hermit
#تأملات_فنية
[عندما يكون الوَحشُ حـالةً تسكُنُ كلَّ إنسانٍ]
بقلم: أبي عليٍّ المَطبخي
🔴 تنبيه مهم🔴 : يحتوي المقال على حرقٍ كاملٍ للأحداث، فإذا لم تكن قد شاهدت أنمي Monster (2004) حتى نهايته، فلا أنصحك بقراءة هذا المقال؛ لأنني سأناقش أحداثه تفصيلا، وسأتوقَّفُ عند أهمِّ مفاصلِه الفكرية والنَّفسيَّة، وهي أمور لا يمكن الحديث عنها دون كشف تفاصيل كثيرةٍ في العمل.
1. مقدمة
لم يقدّم لنا ناؤوكي أوراساوا في أنمي Monster (2004)، قصَّةً ساذجةً تحكي مطاردة بين طبيب وسفاح، بل صاغ أطروحة وجودية تفكِّك الطبيعةَ البشرية في أحلك لحظاتها، إنه عمل يضعنا أمام تساؤلاتٍ كثيرةٍ:
هل تتساوى النفوس في حقِّ الحياة أم أنها تتساوى في الموت فقط؟
هل يولد الإنسان وحشًا أم يُصنع؟
هل المجتمعات صانعةٌ للوحوش؟
هل يمكن للخير أن يبقى خيرًا عندما يواجه شرًا لا يعرف الحدود؟
هذه ليست مراجعة للعمل، وإنما محاولة لفهم الأسئلة التي أراد المؤلف أن يتركها معلَّقة في أذهاننا.
2. أول سؤال طرحه العمل: هل النفوس متساوية في حق الحياة؟
بدأتِ القصَّةُ بطبيب اسمه تينمَّا، جراحُ دماغٍ متميَّز، يعمل في مشفى معروف، وله علاقةٌ قويَّة بمديره، وقد خَطَبَ ابنتَه، فجأة وُضِع تينمَّا أمامَ خَيَارين:
1- إنقاذ طفل مجهولٍ وعِصيان مدير المشفى
2- أو إنقاذ رجل سياسي مشهور وإطاعة مدير المشفى
فاختار تنمَّا الطفلَ، وخسر مديرَه وخطيبتَه، ومن هنا بدأ كلُ شيءٍ.
كان تينمَّا يؤمن بأن قيمة الإنسان لا تتغير بمنصبه أو ماله أو نفوذه، وأن جميع الأرواح متساوية في حقِّ الحياةِ، لكنَّ العمل لم يكتفِ بهذا الشِّعار من تينمَّا، بل سلَّط عليه أقسى الاختبارات الممكنة حتى يرى صُمودَه، فالطفل الذي أنقذه الطبيبُ واسمُه يُوهان أصبحَ لاحقًا أخطر رجلٍ يسلِبُ حياة الآخرين.
وهنا يوجِّه لنا العمل سؤالًا ذكيًّا:
لو عاد بك الزمن، وأنت تعلم ما سيحدث، هل ستنقذ الطِفل مرة أخرى؟
بقِيَ هذا السؤال حيًا حتى الحلقة الأخيرة.
وفي هذه اللحظةِ الفارقةِ ينقسم العمل فلسفيًّا إلى رؤيتين كونيَّتين متناقضتين:
▪️فلسفة يوهان (العدمية المطلقة): ينطلق يوهان من حقيقة واقعية مشوهة ليتخذها عقيدة؛ يرى أن التفاوت الطبقي والمادي في الحياة دليل على أن البشر ليسوا متساوين في "حق الحياة". بالنسبة له، الشيء الوحيد الذي يتساوى فيه الجميع هو الموت. ومن هذا المنطلق، يصبح القتل عنده فعلاً عادلاً، أو على الأقل، فعلاً عبثياً لا يغير من حقيقة الوجود التّعيسِ شيئاً.
▪️فلسفة الدكتور تينمَّا (الإنسانية الأخلاقية): يمثل تينمَّا الحصن الأخلاقي في العمل، وعقيدته الراسخة هي أن "كل الأرواح خُلقت متساوية ولها حقُّ الحياة"، وتتجلى هذه العقيدة في شرارة الانطلاق الأولى عندما فضّل إنقاذ طفل على إنقاذ رئيس البلدية، ضارباً بالتراتبية السياسية والمصلحة الشخصية عرض الحائط، والمفارقة التي يطرحها الأنمي في واقع الناس هي أن التفاوت في الحياة ليس قانونًا كونيًّا، بل هو تشوُّهٌ بشريٌّ ناتج عن الأنانية والمؤسسات الفاسدة والمجتمعات المريضة.
لم يكن قرار إدارة المستشفى في إبقاء السياسي في الحلقة الأولى حادثة عابرة، بل كان صورة مصغرة للعالم كلِّه، العالم يقول: "بعضُ الناس أهمُّ مِن بعضٍ" ، أما الطبيبُ تينمَّا فكان يصرُّ على أن قيمة الإنسان ليست شيئًا يمنحه المجتمع، بل حق بأصلِ الجبلَّةِ لا يُعطى ولا يُلغى من قبل المجتمع.
3. وحش الأعماق.. حتمية "الظل" وآلية الترويض
الرَّمزية في القصة المصورة التي قرأها يوهان وهي بعنوان "الوحش الذي لم يعد له اسم" هي العمود الفقري النفسي للعمل، هذا الوحش ليس كائنًا خارجيًّا، بل هو ما يطلق عليه عالم النفس كارل يونغ اسم "الظل" (The Shadow)؛ ذلك الجانب المظلم، المكبوت، والبدائي الكامن في اللاوعي البشري، والذي يستيقظ في أوقات الأزمات والشدائد.
هل وجود الوحش فينا حتميٌّ؟
نعم، إنه حتمية بيولوجية ونفسية، فالإنسان كائن ثنائي بطبعه؛ لا يوجد خيرٌ مطلقٌ ولا شرٌ كذلك، حتى دكتور تينمَّا الذي يمثل أسمى قيم التضحية، اضطر لاستدعاء وحشه الخاص، واشترى مسدسًا وتدرَّبَ على القتل عندما شعر أنَّ المنظومة القانونية عاجزةٌ عن إيقاف يوهان.
كيف نتعامل مع الوحش ونحجم أثره؟
الخطأ الأكبر الذي يقود إلى التَّهلُكةِ هو محاولة "إنكار" وجود الوحش أو كبته؛ فالكبت يغذي الوحش في الظلام حتى يتضخَّمَ ويسلُبَ الإنسانَ اسمَه (هويته) وروحَه، ليصبحَ الوحشُ هو الأصل، والخلاص لا يكون بالإبادة، بل في الوعي والتَّرويض.
1️⃣
بقلم: أبي عليٍّ المَطبخي
🔴 تنبيه مهم🔴 : يحتوي المقال على حرقٍ كاملٍ للأحداث، فإذا لم تكن قد شاهدت أنمي Monster (2004) حتى نهايته، فلا أنصحك بقراءة هذا المقال؛ لأنني سأناقش أحداثه تفصيلا، وسأتوقَّفُ عند أهمِّ مفاصلِه الفكرية والنَّفسيَّة، وهي أمور لا يمكن الحديث عنها دون كشف تفاصيل كثيرةٍ في العمل.
1. مقدمة
لم يقدّم لنا ناؤوكي أوراساوا في أنمي Monster (2004)، قصَّةً ساذجةً تحكي مطاردة بين طبيب وسفاح، بل صاغ أطروحة وجودية تفكِّك الطبيعةَ البشرية في أحلك لحظاتها، إنه عمل يضعنا أمام تساؤلاتٍ كثيرةٍ:
هل تتساوى النفوس في حقِّ الحياة أم أنها تتساوى في الموت فقط؟
هل يولد الإنسان وحشًا أم يُصنع؟
هل المجتمعات صانعةٌ للوحوش؟
هل يمكن للخير أن يبقى خيرًا عندما يواجه شرًا لا يعرف الحدود؟
هذه ليست مراجعة للعمل، وإنما محاولة لفهم الأسئلة التي أراد المؤلف أن يتركها معلَّقة في أذهاننا.
2. أول سؤال طرحه العمل: هل النفوس متساوية في حق الحياة؟
بدأتِ القصَّةُ بطبيب اسمه تينمَّا، جراحُ دماغٍ متميَّز، يعمل في مشفى معروف، وله علاقةٌ قويَّة بمديره، وقد خَطَبَ ابنتَه، فجأة وُضِع تينمَّا أمامَ خَيَارين:
1- إنقاذ طفل مجهولٍ وعِصيان مدير المشفى
2- أو إنقاذ رجل سياسي مشهور وإطاعة مدير المشفى
فاختار تنمَّا الطفلَ، وخسر مديرَه وخطيبتَه، ومن هنا بدأ كلُ شيءٍ.
كان تينمَّا يؤمن بأن قيمة الإنسان لا تتغير بمنصبه أو ماله أو نفوذه، وأن جميع الأرواح متساوية في حقِّ الحياةِ، لكنَّ العمل لم يكتفِ بهذا الشِّعار من تينمَّا، بل سلَّط عليه أقسى الاختبارات الممكنة حتى يرى صُمودَه، فالطفل الذي أنقذه الطبيبُ واسمُه يُوهان أصبحَ لاحقًا أخطر رجلٍ يسلِبُ حياة الآخرين.
وهنا يوجِّه لنا العمل سؤالًا ذكيًّا:
لو عاد بك الزمن، وأنت تعلم ما سيحدث، هل ستنقذ الطِفل مرة أخرى؟
بقِيَ هذا السؤال حيًا حتى الحلقة الأخيرة.
وفي هذه اللحظةِ الفارقةِ ينقسم العمل فلسفيًّا إلى رؤيتين كونيَّتين متناقضتين:
▪️فلسفة يوهان (العدمية المطلقة): ينطلق يوهان من حقيقة واقعية مشوهة ليتخذها عقيدة؛ يرى أن التفاوت الطبقي والمادي في الحياة دليل على أن البشر ليسوا متساوين في "حق الحياة". بالنسبة له، الشيء الوحيد الذي يتساوى فيه الجميع هو الموت. ومن هذا المنطلق، يصبح القتل عنده فعلاً عادلاً، أو على الأقل، فعلاً عبثياً لا يغير من حقيقة الوجود التّعيسِ شيئاً.
▪️فلسفة الدكتور تينمَّا (الإنسانية الأخلاقية): يمثل تينمَّا الحصن الأخلاقي في العمل، وعقيدته الراسخة هي أن "كل الأرواح خُلقت متساوية ولها حقُّ الحياة"، وتتجلى هذه العقيدة في شرارة الانطلاق الأولى عندما فضّل إنقاذ طفل على إنقاذ رئيس البلدية، ضارباً بالتراتبية السياسية والمصلحة الشخصية عرض الحائط، والمفارقة التي يطرحها الأنمي في واقع الناس هي أن التفاوت في الحياة ليس قانونًا كونيًّا، بل هو تشوُّهٌ بشريٌّ ناتج عن الأنانية والمؤسسات الفاسدة والمجتمعات المريضة.
لم يكن قرار إدارة المستشفى في إبقاء السياسي في الحلقة الأولى حادثة عابرة، بل كان صورة مصغرة للعالم كلِّه، العالم يقول: "بعضُ الناس أهمُّ مِن بعضٍ" ، أما الطبيبُ تينمَّا فكان يصرُّ على أن قيمة الإنسان ليست شيئًا يمنحه المجتمع، بل حق بأصلِ الجبلَّةِ لا يُعطى ولا يُلغى من قبل المجتمع.
3. وحش الأعماق.. حتمية "الظل" وآلية الترويض
الرَّمزية في القصة المصورة التي قرأها يوهان وهي بعنوان "الوحش الذي لم يعد له اسم" هي العمود الفقري النفسي للعمل، هذا الوحش ليس كائنًا خارجيًّا، بل هو ما يطلق عليه عالم النفس كارل يونغ اسم "الظل" (The Shadow)؛ ذلك الجانب المظلم، المكبوت، والبدائي الكامن في اللاوعي البشري، والذي يستيقظ في أوقات الأزمات والشدائد.
هل وجود الوحش فينا حتميٌّ؟
نعم، إنه حتمية بيولوجية ونفسية، فالإنسان كائن ثنائي بطبعه؛ لا يوجد خيرٌ مطلقٌ ولا شرٌ كذلك، حتى دكتور تينمَّا الذي يمثل أسمى قيم التضحية، اضطر لاستدعاء وحشه الخاص، واشترى مسدسًا وتدرَّبَ على القتل عندما شعر أنَّ المنظومة القانونية عاجزةٌ عن إيقاف يوهان.
كيف نتعامل مع الوحش ونحجم أثره؟
الخطأ الأكبر الذي يقود إلى التَّهلُكةِ هو محاولة "إنكار" وجود الوحش أو كبته؛ فالكبت يغذي الوحش في الظلام حتى يتضخَّمَ ويسلُبَ الإنسانَ اسمَه (هويته) وروحَه، ليصبحَ الوحشُ هو الأصل، والخلاص لا يكون بالإبادة، بل في الوعي والتَّرويض.
1️⃣
Hermit
[عندما يكون الوَحشُ حـالةً تسكُنُ كلَّ إنسانٍ] بقلم: أبي عليٍّ المَطبخي 🔴 تنبيه مهم🔴 : يحتوي المقال على حرقٍ كاملٍ للأحداث، فإذا لم تكن قد شاهدت أنمي Monster (2004) حتى نهايته، فلا أنصحك بقراءة هذا المقال؛ لأنني سأناقش أحداثه تفصيلا، وسأتوقَّفُ عند أهمِّ…
قدَّم الأنمي نموذج خطِّ الدفاع الأجملِ في شخصية "فولفغانغ غريمر"، فـغريمر ضحية غسيل دماغٍ في ملجأ "كيندرهايم 511"، الذي صَنَعَ داخلَه وحشًا مدمِّرًا (شتاينر العظيم) ينوب عنه في الأزمات، ولم يكن غريمر يكره وحشَه، بل كان يحزَنُ لعجزِهِ عن الشعور الإنساني، وفي لحظاته الأخيرة، تروّضَ الوحشُ تمامًا وتحجَّمَ أثرُه عندما استعاد غريمر قدرتَه على البكاء كمدًا على ابنه الرَّاحل، فترويضُ الوحشِ إذن يحدثُ عن طريقِ الرَّوابطِ الإنسانية، الحبِّ، ومواجهةِ الماضي، كما حدث مع الطفلِ ديتر، الذي أنقذه تينمَّا مِن أن يصبح نسخة أخرى من يوهان.
والحاصلُ: أنَّ الوحش حالةٌ موجودة داخل كل إنسان، لا أعني أن كل إنسان شرير، وإنما أردتُ أنَّ كلَّ نفسٍ فيها قابليَّةُ الانحدار إلى الشَّرِّ إذا اجتمعت الظروف الملائمة، ومنها:
الخوف/ الإذلال/ الحرب/ السلطة/ الانتقام.
كلها تستدعي ذلك الوحشَ الكامن، وأخطر ما في الأمر أن الوحش لا يظهر مرَّةً واحدة، إنما يبدأ الإنسان باستدعائه متى شاءَ ما دام مجديًا أو ممتعًا، ثم يعتاد حضوره، ثم تصبح قراراته صادرة عنه، ثم لا يعود الإنسان قائدَ الوحش، بل منقادًا له، حتى يغلب على اسمه وروحه وهويته.
4. هل وجود الوحش فعلًا حتمي؟
أعتقد أن العمل يجيب بالنفي، فلو كان فعلُ الشرِّ حتميًا لما كان لوجود الدكتور تنمَّا أي معنى، إنَّ وجود تنمَّا نفسه دليل على أن الإنسان قادر على مقاومة الظلام، لكن لا بدّ أن ننتبِه إلى أنَّ التخلصَ من حالةِ الوحش نهائيًا ليس ممكنًا في عالم الدُّنيا، فالإنسان لا يتخلَّص من قابلية الشر، وإنما يتعلم ألا يجعلها الحاكم على نفسه، إنَّها معركة لا تنتهي، ولهذا فإن الفضيلةَ ليستْ حالةً يصل إليها الإنسان مرة واحدة، بل اختيار يتجدَّد كلَّ يوم.
5.هل صنعت أم يوهان هذا الوحش؟
هذه من أكثر لحظات العمل تأثيرًا، حين طُلب من الأم أن تختار أحد توأمَيْها المتطابقين في اللباس والملامح ترددت، ثمَّ نظرت في وجهيهما، ثم أفلتت يد أحدهما ليذهب إلى الجحيم البشري فيدخل تجربةَ قصر الورد الأحمر، كانت تعيش تحت رعب لا يكاد يحتمله بشرٌ، نحنُ قد نفهمُ خوفها، لكن الطفل لا يفهم الظروف، يرى أفعال والديه بمعزلٍ عن السِّياقات، هذه اللحظة شرخت نفسية يوهان وأورثته الألم الأشد، ألمُه لم يكن في ذهاب أخته للتعذيب، بل في سؤال الهوية القاتل الذي ولد في تلك اللحظة: "هل ضحت بأختي لإنقاذي؟ أم أنها خلطت بيننا وظنتني أنا أختي؟ أم أننا بالنسبة لها مجرد أشياء متطابقة يمكن التَّخلي عن أي منَّا دون فرق؟"
هذا التخلي شطب مفهوم الأمان والحب والرحمة من عالم يوهان، ولأن يوهان كان يمتلك رابطة نفسية مع أخته، فقد استوعب ذكرياتها المؤلمة في قصر الورد الأحمر وكأنها حدثت له هو، قد وُلد الوحش من رحم الشك في المحبة، ومن وطأة الشعور بأنه كائن بلا اسم وبلا قيمة ذاتية.
6.قصر الورد الأحمر... حين تتحول الطفولة إلى مختبر
لم يكنْ قصرُ الورد الأحمر مجرَّد مكانٍ في القصة، بل كان رمزًا لكل مجتمع يعامل الإنسان على أنه مادة قابلة للتجرِبة، في ذلك القصر لا يعود الطفل طفلًا، بل مشروعًا ورقمًا وأداةً وشيئًا من الأشياء الموجودة في الطبيعة، لقد كان القصر نفسُه مصنعًا لإنتاج الوحوش.
وهنا نصل إلى سؤالٍ آخر:
إذا عامل المجتمع الإنسان بوصفه شيئًا، فهل يحق لذلك الإنسان أن ينتقم من المجتمع؟
7. تشيؤ الإنسان.. هل يُلام يوهان على انتقامه؟
كثير من الأشرار إنَّما يسوِّغون لأنفسهم ركوب سبيل الشَّر رغبةً في سلطةٍ، أو مالٍ، أمَّا يوهان فلم يكن يريد شيئًا من ذلك، كان يريد إثباتَ فكرةٍ واحدةٍ: "أن الإنسان يمكنُ تحطيمُه، وأن الخير ليس إلا قشرةٌ رقيقة"، ولهذا لم يقنَعْ بالقتل فقط، بل كان يحطِّمُ هُويَّةَ الناس، ويدفعُهُم إلى قتل بعضهم بعضًا، حتَّى يثبت أن الوحش موجود داخلِ الجميع، وكأنه يقول: "إذا ضغطتَ على الإنسان بالقدر الكافي، فسوف يصبِحُ مثلي".
يوهان مُنتج مُشوه لمؤسسات شريرة (بقايا النازية، تجارب الحرب الباردة، التلاعب الجيني والنفسي)، هو الضحية التي قررت أن تلتهم العالم الذي شوهها، فالمجتمع في Monster يُعامل الإنسان كـ "شيء"، أداة سياسية أو حقل تجارب لا أكثر.
▪️جدلية اللوم:
من منظور الدوافع، تشخيص يوهان للمجتمع دقيق؛ فهو مجتمع بيروقراطي، منافق، يتغاضى عن الضعفاء ويحمي الفاسدين. ولكن، هنا يقع اللوم المطلق على يوهان فلسفياً وأخلاقياً: إنه لم ينتقم من الجناة الحقيقيين فقط، بل حوّل انتقامه إلى إبادة شاملة.
كان يوهان يرى البشر كقطع شطرنج، يدفع الأبرياء للانتحار النفسي والجسدي (كما فعل مع المحقق ريتشارد)، ويقتل العائلات الطيبة التي تبنته لمجرد محو ماضيه. لقد تحول يوهان من "ضحية للمجتمع المتشيّئ" إلى "الأداة العليا لتَشَيُّئِ البشر"؛ وبذلك أصبح النسخة الأكثر رعباً وسوداوية من المنظومة التي ثار ضدها، مما يسقط عنه أي مشروعية أخلاقية لرد اعتباره.
2️⃣
والحاصلُ: أنَّ الوحش حالةٌ موجودة داخل كل إنسان، لا أعني أن كل إنسان شرير، وإنما أردتُ أنَّ كلَّ نفسٍ فيها قابليَّةُ الانحدار إلى الشَّرِّ إذا اجتمعت الظروف الملائمة، ومنها:
الخوف/ الإذلال/ الحرب/ السلطة/ الانتقام.
كلها تستدعي ذلك الوحشَ الكامن، وأخطر ما في الأمر أن الوحش لا يظهر مرَّةً واحدة، إنما يبدأ الإنسان باستدعائه متى شاءَ ما دام مجديًا أو ممتعًا، ثم يعتاد حضوره، ثم تصبح قراراته صادرة عنه، ثم لا يعود الإنسان قائدَ الوحش، بل منقادًا له، حتى يغلب على اسمه وروحه وهويته.
4. هل وجود الوحش فعلًا حتمي؟
أعتقد أن العمل يجيب بالنفي، فلو كان فعلُ الشرِّ حتميًا لما كان لوجود الدكتور تنمَّا أي معنى، إنَّ وجود تنمَّا نفسه دليل على أن الإنسان قادر على مقاومة الظلام، لكن لا بدّ أن ننتبِه إلى أنَّ التخلصَ من حالةِ الوحش نهائيًا ليس ممكنًا في عالم الدُّنيا، فالإنسان لا يتخلَّص من قابلية الشر، وإنما يتعلم ألا يجعلها الحاكم على نفسه، إنَّها معركة لا تنتهي، ولهذا فإن الفضيلةَ ليستْ حالةً يصل إليها الإنسان مرة واحدة، بل اختيار يتجدَّد كلَّ يوم.
5.هل صنعت أم يوهان هذا الوحش؟
هذه من أكثر لحظات العمل تأثيرًا، حين طُلب من الأم أن تختار أحد توأمَيْها المتطابقين في اللباس والملامح ترددت، ثمَّ نظرت في وجهيهما، ثم أفلتت يد أحدهما ليذهب إلى الجحيم البشري فيدخل تجربةَ قصر الورد الأحمر، كانت تعيش تحت رعب لا يكاد يحتمله بشرٌ، نحنُ قد نفهمُ خوفها، لكن الطفل لا يفهم الظروف، يرى أفعال والديه بمعزلٍ عن السِّياقات، هذه اللحظة شرخت نفسية يوهان وأورثته الألم الأشد، ألمُه لم يكن في ذهاب أخته للتعذيب، بل في سؤال الهوية القاتل الذي ولد في تلك اللحظة: "هل ضحت بأختي لإنقاذي؟ أم أنها خلطت بيننا وظنتني أنا أختي؟ أم أننا بالنسبة لها مجرد أشياء متطابقة يمكن التَّخلي عن أي منَّا دون فرق؟"
هذا التخلي شطب مفهوم الأمان والحب والرحمة من عالم يوهان، ولأن يوهان كان يمتلك رابطة نفسية مع أخته، فقد استوعب ذكرياتها المؤلمة في قصر الورد الأحمر وكأنها حدثت له هو، قد وُلد الوحش من رحم الشك في المحبة، ومن وطأة الشعور بأنه كائن بلا اسم وبلا قيمة ذاتية.
6.قصر الورد الأحمر... حين تتحول الطفولة إلى مختبر
لم يكنْ قصرُ الورد الأحمر مجرَّد مكانٍ في القصة، بل كان رمزًا لكل مجتمع يعامل الإنسان على أنه مادة قابلة للتجرِبة، في ذلك القصر لا يعود الطفل طفلًا، بل مشروعًا ورقمًا وأداةً وشيئًا من الأشياء الموجودة في الطبيعة، لقد كان القصر نفسُه مصنعًا لإنتاج الوحوش.
وهنا نصل إلى سؤالٍ آخر:
إذا عامل المجتمع الإنسان بوصفه شيئًا، فهل يحق لذلك الإنسان أن ينتقم من المجتمع؟
7. تشيؤ الإنسان.. هل يُلام يوهان على انتقامه؟
كثير من الأشرار إنَّما يسوِّغون لأنفسهم ركوب سبيل الشَّر رغبةً في سلطةٍ، أو مالٍ، أمَّا يوهان فلم يكن يريد شيئًا من ذلك، كان يريد إثباتَ فكرةٍ واحدةٍ: "أن الإنسان يمكنُ تحطيمُه، وأن الخير ليس إلا قشرةٌ رقيقة"، ولهذا لم يقنَعْ بالقتل فقط، بل كان يحطِّمُ هُويَّةَ الناس، ويدفعُهُم إلى قتل بعضهم بعضًا، حتَّى يثبت أن الوحش موجود داخلِ الجميع، وكأنه يقول: "إذا ضغطتَ على الإنسان بالقدر الكافي، فسوف يصبِحُ مثلي".
يوهان مُنتج مُشوه لمؤسسات شريرة (بقايا النازية، تجارب الحرب الباردة، التلاعب الجيني والنفسي)، هو الضحية التي قررت أن تلتهم العالم الذي شوهها، فالمجتمع في Monster يُعامل الإنسان كـ "شيء"، أداة سياسية أو حقل تجارب لا أكثر.
▪️جدلية اللوم:
من منظور الدوافع، تشخيص يوهان للمجتمع دقيق؛ فهو مجتمع بيروقراطي، منافق، يتغاضى عن الضعفاء ويحمي الفاسدين. ولكن، هنا يقع اللوم المطلق على يوهان فلسفياً وأخلاقياً: إنه لم ينتقم من الجناة الحقيقيين فقط، بل حوّل انتقامه إلى إبادة شاملة.
كان يوهان يرى البشر كقطع شطرنج، يدفع الأبرياء للانتحار النفسي والجسدي (كما فعل مع المحقق ريتشارد)، ويقتل العائلات الطيبة التي تبنته لمجرد محو ماضيه. لقد تحول يوهان من "ضحية للمجتمع المتشيّئ" إلى "الأداة العليا لتَشَيُّئِ البشر"؛ وبذلك أصبح النسخة الأكثر رعباً وسوداوية من المنظومة التي ثار ضدها، مما يسقط عنه أي مشروعية أخلاقية لرد اعتباره.
2️⃣
Hermit
قدَّم الأنمي نموذج خطِّ الدفاع الأجملِ في شخصية "فولفغانغ غريمر"، فـغريمر ضحية غسيل دماغٍ في ملجأ "كيندرهايم 511"، الذي صَنَعَ داخلَه وحشًا مدمِّرًا (شتاينر العظيم) ينوب عنه في الأزمات، ولم يكن غريمر يكره وحشَه، بل كان يحزَنُ لعجزِهِ عن الشعور الإنساني، وفي…
8. هل كان الدكتور تينمَّا مثاليًا أكثر من اللازم؟
أعترفُ لكم أنَّ هذا أكثر ما أثار غضبي أثناء مشاهدة العمل.
كم مرَّةً أصبح يوهان في متناولَ يده؟
وكم مرة استطاع إنهاء كلِّ هذه العَذَابات؟
ومع ذلك كان يتراجع.
لكن بعد التَّأمل أدركتُ أنَّ القضية لم تكن قضيةَ شجاعةٍ أو ضعفٍ، بل قضية هوية وفكرة تبنَّاها الطبيب، ومهنة الطبيب ليست مجرد وظيفة، هي رسالة، ولو قَتَلَ يوهان، لكان قد انتصر على الوحش خارجا، لكنَّه خسر معركته داخلا مع وحشِه ومبدئيًّا مع عقله وقلبه، ولهذا بقي تينما متمسكًا بمبدئه حتى النهاية.
ونحن نعلمُ أن يوهانَ لم يكن يخشى الموت، ودائمًا ما كان يشير بسبَّابتهِ إلى منتصف جبهته يقول لتينمَّا وغيره: افعلْها وخلِّصني، يوهان كان يسعى وراء ما يسميه "الانتحار المثالي"، وهذا الانتحار يتطلب هدم آخر حصن للأخلاق والنقاء في العالم، وهو الدكتور تينما، كان يوهان يريد من الطبيب الذي أنقذه، ذاك الذي يؤمن بأن الأرواح متساوية، أن يتحول إلى قاتل يدفعه الحقد، لو أطلق تينما النار لمات يوهان مبتسمًا، لأنَّه أثبت أن الجميع (حتى الأطهار) سيصبحون وحوشًا تحت الضغط، ولتحطمت قيمة الإنسانية إلى الأبد.
إنصافًا: قد لا نتفق مع تينمَّا في تردده وتمسُّكه بهذا المبدأ، وقد لا يكون موقفه هو الأنسب في الواقع، لكن من داخل فلسفة العمل كان موقفه متسقًا تمامًا.
9. القيمة النقدية وأسرار الحبكة المبطنة
يصنف النقاد حول العالم أنمي Monster كأحد الروائع النخبوية في تاريخ السرد القصصي لعدة أسباب:
▪️الواقعية المفرطة والسياق التاريخي: نجح العمل في تقديم بيئة واقعية مذهلة لألمانيا والتشيك بعد سقوط جدار برلين، عاكساً بدقة أجواء الخوف البارد، وبقايا الأنظمة الشمولية، مما جعل الشر يبدو قريباً وممكناً وليس خيالياً.
▪️بناء الشخصيات الجانبية: لا توجد شخصية هامشية؛ كل إنسان يدخل الكادر يمتلك قوساً قصصياً (Character Arc) مكتمل الأركان (المفتش لونجي وتحوله من آلة تحليلية إلى إنسان يعتذر عن خطئه، هاينمان، اللصوص، والأطفال).
تفاصيل مبطنة تثري القراءة:
▪️ثنائية الوحشين: في القصة الرمزية، انقسم الوحش إلى اثنين؛ واحد ذهب للشرق وآخر للغرب. يوهان وأخته هما هذا الانقسام. أخذ يوهان كل الذكريات المظلمة ليحمي أخته (الشرق/الماضي الصادم)، بينما تُرِكت هي لتعيش في النور (الغرب/الحياة الطبيعية). يوهان لم يكن يرى نفسه فرداً، بل نصف كائن مشطور.
▪️معضلة النسيان والاسم: ارتبط الخلاص في العمل بـ "تذكر الاسم". فرانز بونابرت (مؤلف القصص المصوَّرة) كان يقتل كل من يقرأ أطروحاته لأنه ندم على تحويل الأطفال لوحوش بعد أن وقع في حب أمهم، يوهان تراجع عن قتل بونابرت في النهاية؛ لأن بونابرتَ تذكَّر اسمه الحقيقي وأسماءَ أمِّهما، مما أعاد له بشريته وهويَّتَه.
10. خاتمة: المشهد الأخير والسرير الفارغ
تنتهي الرواية بمشهد معبِّرٍ، سريرُ يوهان في المستشفى فارغ، والنافذة مفتوحة، تتركنا هذه النهاية أمام تأويلين:
▪️التأويل المتفائل: بعد أن زاره تينمَّا وأخبره بأن أمه كانت تملك اسماً له وأنها كانت تحبه، شُفي الوحش الداخلي في يوهان، وهروبه يعني خروجَه للعالم إنسانًا طبيعيًا، باحثاً عن ذاته الحقيقية بعد أن كُسرت حلقة الانتقام.
▪️التأويل المتشائم: الوحش لا يموت؛ هروب يوهان هو إعلانٌ بأن الشر كامن ومستمر، وأن السرير الفارغ هو تذكير بأن المجتمعات ما زالت تصنع مشوهين جدداً، وأن الدائرة قد تبدأ من جديد في أي لحظة.
في النهاية، يبقى Monster مرآة ثقيلة تعكس أعماقنا؛ يخبرنا أن الوحش قريب جداً، وأن المسافة بين الضحية والجلاد قد لا تتعدى خياراً واحداً في لحظة شدة، لكن الخلاص يظل دائماً ممكنًا.. ما دمنا نتذكر أسماءنا، وما دمنا نؤمن، مثل تينمَّا، أن كل الأرواح خُلقت متساوية.
https://t.me/TheHermit93
3️⃣
أعترفُ لكم أنَّ هذا أكثر ما أثار غضبي أثناء مشاهدة العمل.
كم مرَّةً أصبح يوهان في متناولَ يده؟
وكم مرة استطاع إنهاء كلِّ هذه العَذَابات؟
ومع ذلك كان يتراجع.
لكن بعد التَّأمل أدركتُ أنَّ القضية لم تكن قضيةَ شجاعةٍ أو ضعفٍ، بل قضية هوية وفكرة تبنَّاها الطبيب، ومهنة الطبيب ليست مجرد وظيفة، هي رسالة، ولو قَتَلَ يوهان، لكان قد انتصر على الوحش خارجا، لكنَّه خسر معركته داخلا مع وحشِه ومبدئيًّا مع عقله وقلبه، ولهذا بقي تينما متمسكًا بمبدئه حتى النهاية.
ونحن نعلمُ أن يوهانَ لم يكن يخشى الموت، ودائمًا ما كان يشير بسبَّابتهِ إلى منتصف جبهته يقول لتينمَّا وغيره: افعلْها وخلِّصني، يوهان كان يسعى وراء ما يسميه "الانتحار المثالي"، وهذا الانتحار يتطلب هدم آخر حصن للأخلاق والنقاء في العالم، وهو الدكتور تينما، كان يوهان يريد من الطبيب الذي أنقذه، ذاك الذي يؤمن بأن الأرواح متساوية، أن يتحول إلى قاتل يدفعه الحقد، لو أطلق تينما النار لمات يوهان مبتسمًا، لأنَّه أثبت أن الجميع (حتى الأطهار) سيصبحون وحوشًا تحت الضغط، ولتحطمت قيمة الإنسانية إلى الأبد.
إنصافًا: قد لا نتفق مع تينمَّا في تردده وتمسُّكه بهذا المبدأ، وقد لا يكون موقفه هو الأنسب في الواقع، لكن من داخل فلسفة العمل كان موقفه متسقًا تمامًا.
9. القيمة النقدية وأسرار الحبكة المبطنة
يصنف النقاد حول العالم أنمي Monster كأحد الروائع النخبوية في تاريخ السرد القصصي لعدة أسباب:
▪️الواقعية المفرطة والسياق التاريخي: نجح العمل في تقديم بيئة واقعية مذهلة لألمانيا والتشيك بعد سقوط جدار برلين، عاكساً بدقة أجواء الخوف البارد، وبقايا الأنظمة الشمولية، مما جعل الشر يبدو قريباً وممكناً وليس خيالياً.
▪️بناء الشخصيات الجانبية: لا توجد شخصية هامشية؛ كل إنسان يدخل الكادر يمتلك قوساً قصصياً (Character Arc) مكتمل الأركان (المفتش لونجي وتحوله من آلة تحليلية إلى إنسان يعتذر عن خطئه، هاينمان، اللصوص، والأطفال).
تفاصيل مبطنة تثري القراءة:
▪️ثنائية الوحشين: في القصة الرمزية، انقسم الوحش إلى اثنين؛ واحد ذهب للشرق وآخر للغرب. يوهان وأخته هما هذا الانقسام. أخذ يوهان كل الذكريات المظلمة ليحمي أخته (الشرق/الماضي الصادم)، بينما تُرِكت هي لتعيش في النور (الغرب/الحياة الطبيعية). يوهان لم يكن يرى نفسه فرداً، بل نصف كائن مشطور.
▪️معضلة النسيان والاسم: ارتبط الخلاص في العمل بـ "تذكر الاسم". فرانز بونابرت (مؤلف القصص المصوَّرة) كان يقتل كل من يقرأ أطروحاته لأنه ندم على تحويل الأطفال لوحوش بعد أن وقع في حب أمهم، يوهان تراجع عن قتل بونابرت في النهاية؛ لأن بونابرتَ تذكَّر اسمه الحقيقي وأسماءَ أمِّهما، مما أعاد له بشريته وهويَّتَه.
10. خاتمة: المشهد الأخير والسرير الفارغ
تنتهي الرواية بمشهد معبِّرٍ، سريرُ يوهان في المستشفى فارغ، والنافذة مفتوحة، تتركنا هذه النهاية أمام تأويلين:
▪️التأويل المتفائل: بعد أن زاره تينمَّا وأخبره بأن أمه كانت تملك اسماً له وأنها كانت تحبه، شُفي الوحش الداخلي في يوهان، وهروبه يعني خروجَه للعالم إنسانًا طبيعيًا، باحثاً عن ذاته الحقيقية بعد أن كُسرت حلقة الانتقام.
▪️التأويل المتشائم: الوحش لا يموت؛ هروب يوهان هو إعلانٌ بأن الشر كامن ومستمر، وأن السرير الفارغ هو تذكير بأن المجتمعات ما زالت تصنع مشوهين جدداً، وأن الدائرة قد تبدأ من جديد في أي لحظة.
في النهاية، يبقى Monster مرآة ثقيلة تعكس أعماقنا؛ يخبرنا أن الوحش قريب جداً، وأن المسافة بين الضحية والجلاد قد لا تتعدى خياراً واحداً في لحظة شدة، لكن الخلاص يظل دائماً ممكنًا.. ما دمنا نتذكر أسماءنا، وما دمنا نؤمن، مثل تينمَّا، أن كل الأرواح خُلقت متساوية.
https://t.me/TheHermit93
3️⃣
❤1
[سَبَبُ تَسْمِيَةِ الْمُعْتَزِلَةِ]
وَقَدْ جَعَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَلْطِيُّ الْفِرْقَةَ الرَّابِعَةَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ (مُعْتَزِلَةَ بَغْدَادَ) [٣] [ وَذَكَرَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ «كَانُوا مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ» وَأَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ -مُعْتَزِلَةٌ- لَزِمَتْهُمْ لِاعْتِزَالِهِمُ الْحَسَنَ وَمُعَاوِيَةَ وَجَمِيعَ النَّاسِ احْتِجَاجًا عَلَى مُبَايَعَةِ الْحَسَنِ لِمُعَاوِيَةَ [٤] الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَمِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَنْ كَانَ فِي شِقِّهِمَا [٥].
https://shamela.ws/book/37682/89#p1
قلتُ: إن صحَّ هذا فجزاهم الله خيرًا على اعتزالهم.
..........................
[٣] التَّنْبِيهُ وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، صَفْحَةُ ٣٩.
[٤] الْمَصْدَرُ السَّابِقُ، صَفْحَةُ ٤١.
[٥] الِانْتِصَارُ لِلْخَيَّاطِ، صَفْحَةُ ٩٨.
https://t.me/TheHermit93
وَقَدْ جَعَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَلْطِيُّ الْفِرْقَةَ الرَّابِعَةَ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ (مُعْتَزِلَةَ بَغْدَادَ) [٣] [ وَذَكَرَ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ «كَانُوا مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ» وَأَنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ -مُعْتَزِلَةٌ- لَزِمَتْهُمْ لِاعْتِزَالِهِمُ الْحَسَنَ وَمُعَاوِيَةَ وَجَمِيعَ النَّاسِ احْتِجَاجًا عَلَى مُبَايَعَةِ الْحَسَنِ لِمُعَاوِيَةَ [٤] الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَمِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَنْ كَانَ فِي شِقِّهِمَا [٥].
https://shamela.ws/book/37682/89#p1
قلتُ: إن صحَّ هذا فجزاهم الله خيرًا على اعتزالهم.
..........................
[٣] التَّنْبِيهُ وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، صَفْحَةُ ٣٩.
[٤] الْمَصْدَرُ السَّابِقُ، صَفْحَةُ ٤١.
[٥] الِانْتِصَارُ لِلْخَيَّاطِ، صَفْحَةُ ٩٨.
https://t.me/TheHermit93
❤3
#تعليقة
الحمد لله على وجود هكذا دراسات وأبحاث تتحرّى الحقيقة التاريخية وتطرح أسئلة لا يطرحها المقلِّدة، وتفتح مشاريع أخرى للراغبين في البحث والمعرفة.
وكثير من الملاحظات التي قالها الفاضل الغزي على تراث زيد الشهيد رحمة الله تغشاه جيدة، وقوله أن كثيرا من الخلافات الكلامية لا علاقة للصحابة بها إثباتا ولا نفيا = صادق.
كنت أقول هذا كثيرا لأصحابي في المدارسات وغيرها، وأن إدخال الصحابة في هذا وجعل هذه الأقوال قولَ السلف ومذهبهم جدل بالباطل.
وجزى الله خيرا السيد محمد الحسيني على جهوده في إبراز التراث الزيدي.
https://t.me/TheHermit93
الحمد لله على وجود هكذا دراسات وأبحاث تتحرّى الحقيقة التاريخية وتطرح أسئلة لا يطرحها المقلِّدة، وتفتح مشاريع أخرى للراغبين في البحث والمعرفة.
وكثير من الملاحظات التي قالها الفاضل الغزي على تراث زيد الشهيد رحمة الله تغشاه جيدة، وقوله أن كثيرا من الخلافات الكلامية لا علاقة للصحابة بها إثباتا ولا نفيا = صادق.
كنت أقول هذا كثيرا لأصحابي في المدارسات وغيرها، وأن إدخال الصحابة في هذا وجعل هذه الأقوال قولَ السلف ومذهبهم جدل بالباطل.
وجزى الله خيرا السيد محمد الحسيني على جهوده في إبراز التراث الزيدي.
https://t.me/TheHermit93
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
#تساؤلات_عقدية [١]
[النبي السّامي في الشرق الأوسط]
النبي بالمعنى السامي -نسبة إلى الشعوب السامية-، وهو الذي يزعم أن الإله اصطفاه وأوحى إليه برسالة وأمره بتبليغها: لا وجود له خارج الشرق الأوسط، فيما نعرفه من المصادر التاريخية المتاحة.
🔴تنبيه: ليس مرادنا كل من زعم الاتصال بما وراء المادة نحو الكهنة والعرافين والمتنبئين.
إذا تأملنا ما وصل إلينا من نقوش وكتابات ومدونات الأمم الأخرى، المتحضرة منها كالمصريين القدماء والهند والصين والأزتيك والإنكا، وغير المتحضرة كقبائل إفريقيا وآسيا الوسطى والهنود الحمر، فإننا لا نجد نبيًا بهذا المعنى؛ بل لا نجد هذا النموذج في العقل الجمعي والثقافة الموروثة، ولا نجد مفهومًا مطابقًا له في اللغات نفسها.
ولا يقال كان ولم يصلنا، فإنه يبعد جدًا أن يوجد ثم ينعدم ذكره عند جميع الأمم المتحضر منها وغير المتحضر ويبقىٰ في هذه البقعة فقط.
فلقائل أن يقول: لعل هذا شيء ابتدعته الشعوب السامية. فلأي شيء اختص الله هذه الشعوب من بين الأمم بهذا الفضل، لا سيما مع كثافة النبوة في هذه المنطقة وانعدامها -فيما وصل إلينا من السجل التاريخي- في غيرها؟
وأرجو أن تكون المقاربة علمية غير لاهوتية؛ فالأدلة الشرعية هنا غير تامة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، فلا يلزم أن يُراد به الاستغراق لكل الأمم، بدلالة الأمم التي كانت في الفترة بين محمد وعيسى.
وقد قال بعضهم إن آلهة هذه الشعوب كانوا أنبياء، وهذا غير جيد؛ فإننا لا نكاد نعرف نبيًا جُعل إلهًا إلا عيسى، وهذه حالة نادرة وشاذة، بينما نجد في المقابل آلهة كثيرة جدًا كان أصلها أسلافًا عُظِّموا، أو مصلحين وحكماء، أو ظواهر طبيعية أُضفيت عليها الصفة الإلهية، أو معاني ومفاهيم جرى تعظيمها وتأليهها.
وقال غيرهم: نجد عند المصريين والصينيين والهنود وغيرهم إلهًا أو قوة عليا، وعالمًا آخر، وثوابًا وعقابًا؛ وهذه أمور لا يستقل العقل بإدراكها (كذا قيل!)، إذن لا بد أن أصلها رسالات نبوية قديمة. هذا أيضًا غير جيد: لأن هذه التصورات يمكن أن تنشأ من غير نبي لأن الإنسان يواجه بصورة مشتركة مسائل كونية ووجودية واحدة: فمن ملاحظته انتظام العالم والأحداث قد يستنتج وجود علة أو فاعل أعلى، ومع ازدياد التجريد قد يتحول تعدد القوى إلى تصور إله أعلى أو خالق؛ ومن تجربة الموت والأحلام والحداد قد تنشأ فكرة أن الذات أو الروح تستمر بعد فناء الجسد؛ ثم إن ملاحظة أن الظالم قد يفلت من العقاب والمظلوم قد يموت دون إنصاف تخلق مشكلة العدالة، فيُفترض عالم آخر تستكمل فيه العدالة؛ ومن ثم يأتي طبيعيًا تصور الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار. فهذه الأفكار مترابطة ويمكن أن تتولد من التجربة الإنسانية المشتركة ومن آليات معرفية واجتماعية، ولذلك فإن وجودها في حضارات متباعدة لا يستلزم تاريخيًا أنها وصلت إليها بواسطة نبي.
فإذا كان الأمر كذلك، فهل خصوصية الشرق الأوسط في ظهور النبي بهذا المعنى المحدد مجرد ظاهرة ثقافية وتاريخية نشأت في هذه المنطقة، أم أن وراء هذا التركز تفسيرًا آخر؟
[النبي السّامي في الشرق الأوسط]
النبي بالمعنى السامي -نسبة إلى الشعوب السامية-، وهو الذي يزعم أن الإله اصطفاه وأوحى إليه برسالة وأمره بتبليغها: لا وجود له خارج الشرق الأوسط، فيما نعرفه من المصادر التاريخية المتاحة.
🔴تنبيه: ليس مرادنا كل من زعم الاتصال بما وراء المادة نحو الكهنة والعرافين والمتنبئين.
إذا تأملنا ما وصل إلينا من نقوش وكتابات ومدونات الأمم الأخرى، المتحضرة منها كالمصريين القدماء والهند والصين والأزتيك والإنكا، وغير المتحضرة كقبائل إفريقيا وآسيا الوسطى والهنود الحمر، فإننا لا نجد نبيًا بهذا المعنى؛ بل لا نجد هذا النموذج في العقل الجمعي والثقافة الموروثة، ولا نجد مفهومًا مطابقًا له في اللغات نفسها.
ولا يقال كان ولم يصلنا، فإنه يبعد جدًا أن يوجد ثم ينعدم ذكره عند جميع الأمم المتحضر منها وغير المتحضر ويبقىٰ في هذه البقعة فقط.
فلقائل أن يقول: لعل هذا شيء ابتدعته الشعوب السامية. فلأي شيء اختص الله هذه الشعوب من بين الأمم بهذا الفضل، لا سيما مع كثافة النبوة في هذه المنطقة وانعدامها -فيما وصل إلينا من السجل التاريخي- في غيرها؟
وأرجو أن تكون المقاربة علمية غير لاهوتية؛ فالأدلة الشرعية هنا غير تامة نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، فلا يلزم أن يُراد به الاستغراق لكل الأمم، بدلالة الأمم التي كانت في الفترة بين محمد وعيسى.
وقد قال بعضهم إن آلهة هذه الشعوب كانوا أنبياء، وهذا غير جيد؛ فإننا لا نكاد نعرف نبيًا جُعل إلهًا إلا عيسى، وهذه حالة نادرة وشاذة، بينما نجد في المقابل آلهة كثيرة جدًا كان أصلها أسلافًا عُظِّموا، أو مصلحين وحكماء، أو ظواهر طبيعية أُضفيت عليها الصفة الإلهية، أو معاني ومفاهيم جرى تعظيمها وتأليهها.
وقال غيرهم: نجد عند المصريين والصينيين والهنود وغيرهم إلهًا أو قوة عليا، وعالمًا آخر، وثوابًا وعقابًا؛ وهذه أمور لا يستقل العقل بإدراكها (كذا قيل!)، إذن لا بد أن أصلها رسالات نبوية قديمة. هذا أيضًا غير جيد: لأن هذه التصورات يمكن أن تنشأ من غير نبي لأن الإنسان يواجه بصورة مشتركة مسائل كونية ووجودية واحدة: فمن ملاحظته انتظام العالم والأحداث قد يستنتج وجود علة أو فاعل أعلى، ومع ازدياد التجريد قد يتحول تعدد القوى إلى تصور إله أعلى أو خالق؛ ومن تجربة الموت والأحلام والحداد قد تنشأ فكرة أن الذات أو الروح تستمر بعد فناء الجسد؛ ثم إن ملاحظة أن الظالم قد يفلت من العقاب والمظلوم قد يموت دون إنصاف تخلق مشكلة العدالة، فيُفترض عالم آخر تستكمل فيه العدالة؛ ومن ثم يأتي طبيعيًا تصور الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار. فهذه الأفكار مترابطة ويمكن أن تتولد من التجربة الإنسانية المشتركة ومن آليات معرفية واجتماعية، ولذلك فإن وجودها في حضارات متباعدة لا يستلزم تاريخيًا أنها وصلت إليها بواسطة نبي.
فإذا كان الأمر كذلك، فهل خصوصية الشرق الأوسط في ظهور النبي بهذا المعنى المحدد مجرد ظاهرة ثقافية وتاريخية نشأت في هذه المنطقة، أم أن وراء هذا التركز تفسيرًا آخر؟
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ معمر قَالَ سَأَلت الزُّهْرِيّ عَن حَدِيث يرويهِ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَ:
أُفٍّ! دعهم ودع حَدِيثهم.
- العلل ومعرفة الرجال
وروى عبدالرزاق عن معمر، قال:
كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي عليه السلام، فسألته عنهما يوماً، فقال:
ما تصنع بهما وبحديثهما، الله أعلم بهما، إني لأتهمهما في بني هاشم!
- ابن أبي الحديد
أُفٍّ! دعهم ودع حَدِيثهم.
- العلل ومعرفة الرجال
وروى عبدالرزاق عن معمر، قال:
كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي عليه السلام، فسألته عنهما يوماً، فقال:
ما تصنع بهما وبحديثهما، الله أعلم بهما، إني لأتهمهما في بني هاشم!
- ابن أبي الحديد
#حديث
[حضور المواطن الشريفة ليس صكَّ براءة]
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَقِيتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقُلْتُ : طُوبَى لَكَ ؛ صَحِبْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَايَعْتَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثْنَا بَعْدَهُ". رواه البخاري.
https://t.me/TheHermit93
[حضور المواطن الشريفة ليس صكَّ براءة]
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِشْكَابَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَقِيتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقُلْتُ : طُوبَى لَكَ ؛ صَحِبْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَايَعْتَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثْنَا بَعْدَهُ". رواه البخاري.
https://t.me/TheHermit93
#تاريخ
[ماذا صنع جيش عائشة بالصحابي البدري!]
قال ابن كثير في "البداية" : قال ابن الجوزي : وفيها - سنة ٥٧ هـ - توفي عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي ، وهو أخو عبادة وسهل ابني حنيف ، بعثه عمر لمساحة خراج السواد بالعراق ، واستنابه عمر على الكوفة ، فلما قدم طلحة والزبير صحبة عائشة ، وامتنع من تسليم دار الإمارة نتفت لحيته وحواجبه وأشفار عينيه ومثل به ، فلما جاء علي وسلمه البلد قال له : يا أمير المؤمنين ، فارقتك ذا لحية ، واجتمعت بك أمرد . فتبسم عليٌّ ، وقال : لك أجرُ ذلك عند الله."
https://t.me/TheHermit93
[ماذا صنع جيش عائشة بالصحابي البدري!]
قال ابن كثير في "البداية" : قال ابن الجوزي : وفيها - سنة ٥٧ هـ - توفي عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي ، وهو أخو عبادة وسهل ابني حنيف ، بعثه عمر لمساحة خراج السواد بالعراق ، واستنابه عمر على الكوفة ، فلما قدم طلحة والزبير صحبة عائشة ، وامتنع من تسليم دار الإمارة نتفت لحيته وحواجبه وأشفار عينيه ومثل به ، فلما جاء علي وسلمه البلد قال له : يا أمير المؤمنين ، فارقتك ذا لحية ، واجتمعت بك أمرد . فتبسم عليٌّ ، وقال : لك أجرُ ذلك عند الله."
https://t.me/TheHermit93
😢2
#حديث
#فائدة_حديثية
[غلو اليهود والمتنطِّعة عند أبي موسى]
- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ". رواه مسلم.
تعليق: والذي يبول قائما لا يسلَمُ من رَشَاش البول، فدلَّ فعله صلوات الله عليه وعلى آله على العفو عن هذا اليسير الذي يعسر الاحتراز منه، وفعل أبي موسى خلاف السنة، وفيه من تكلُّف اليهود ما فيه، واستشهاده بهم يرجح ذلك.
وعلى كل حال قد طُعن في دين أبي موسى ومواقفه، ورماه حذيفة بن اليمان بالنفاق، فعن الأعمشِ عن شَقيقٍ قال: "كُنَّا مع حُذَيفةَ جُلوسًا، فدَخَلَ عبدُ اللهِ وأبو موسى المسجِدَ، فقال: أحدُهُما مُنافِقٌ، ثم قال: إنَّ أشبهَ الناسِ هَديًا ودَلًّا وسَمتًا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عبدُ اللهِ، والإسناد صحيحٌ.
وذكر عمار لعن رسول الله وعلى آله له ولفرقة الاغتيال التي اعترضت رسول الله منصرفه من تبوك، فقال له أبو موسى: قد استغفر لي رسول الله بعد ذلك، فقال عمار: سمعتُ اللعن ولم أسمع الاستغفار.
زِد على ذلك موقفه في التحكيم وانحرافه عن علي بن أبي طالب، وإكرام معاوية لولده وإيصاء يزيد بهم ووصفه لأبيهم أبي موسى بالأخ.
وكونه من القراء، وقد صح عن رسول الله أنه قال: "أكثر منافقي أمتي قراؤها ".
فكل هذه الأمور تفيد أنه مطعون في رواياته إذا انفرد عن رسول الله بشيء، وأنه لا يصح بناء الفقه على روايات هكذا رجل، ولا تفيده متابعة أبي هريرة وصغار الصحابة؛ لعدم الأمن من أخذهم منه، حتى مع تصريحهم بالسماع فيها من رسول الله؛ لأن الرواة قد يتساهلون في التصريح بالسماع في حق الصحابي لإدراكه زمن رسول الله وإمكانه سماعه، ويكتشف هذا بالنظر إلى المتون المنقولة، فعندما يروي أبو هريرة وابن عباس أحاديث في غزوة بدر مثلا فجزما هما لم يحضراها، وهلم جرا.
والله الهادي.
https://t.me/TheHermit93
#فائدة_حديثية
[غلو اليهود والمتنطِّعة عند أبي موسى]
- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ وَيَقُولُ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْتُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ". رواه مسلم.
تعليق: والذي يبول قائما لا يسلَمُ من رَشَاش البول، فدلَّ فعله صلوات الله عليه وعلى آله على العفو عن هذا اليسير الذي يعسر الاحتراز منه، وفعل أبي موسى خلاف السنة، وفيه من تكلُّف اليهود ما فيه، واستشهاده بهم يرجح ذلك.
وعلى كل حال قد طُعن في دين أبي موسى ومواقفه، ورماه حذيفة بن اليمان بالنفاق، فعن الأعمشِ عن شَقيقٍ قال: "كُنَّا مع حُذَيفةَ جُلوسًا، فدَخَلَ عبدُ اللهِ وأبو موسى المسجِدَ، فقال: أحدُهُما مُنافِقٌ، ثم قال: إنَّ أشبهَ الناسِ هَديًا ودَلًّا وسَمتًا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عبدُ اللهِ، والإسناد صحيحٌ.
وذكر عمار لعن رسول الله وعلى آله له ولفرقة الاغتيال التي اعترضت رسول الله منصرفه من تبوك، فقال له أبو موسى: قد استغفر لي رسول الله بعد ذلك، فقال عمار: سمعتُ اللعن ولم أسمع الاستغفار.
زِد على ذلك موقفه في التحكيم وانحرافه عن علي بن أبي طالب، وإكرام معاوية لولده وإيصاء يزيد بهم ووصفه لأبيهم أبي موسى بالأخ.
وكونه من القراء، وقد صح عن رسول الله أنه قال: "أكثر منافقي أمتي قراؤها ".
فكل هذه الأمور تفيد أنه مطعون في رواياته إذا انفرد عن رسول الله بشيء، وأنه لا يصح بناء الفقه على روايات هكذا رجل، ولا تفيده متابعة أبي هريرة وصغار الصحابة؛ لعدم الأمن من أخذهم منه، حتى مع تصريحهم بالسماع فيها من رسول الله؛ لأن الرواة قد يتساهلون في التصريح بالسماع في حق الصحابي لإدراكه زمن رسول الله وإمكانه سماعه، ويكتشف هذا بالنظر إلى المتون المنقولة، فعندما يروي أبو هريرة وابن عباس أحاديث في غزوة بدر مثلا فجزما هما لم يحضراها، وهلم جرا.
والله الهادي.
https://t.me/TheHermit93
👎3👍1
[التخنث المعرفي: من آفات أخلاق المعرفة]
بقلم: أبي علي المطبخي
ليست المعرفة مجرد تحصيل للظنون واستظهار للمتون، بل هي في جوهرها موقفٌ أخلاقي صارم يقوم على الصدق في طلب الحق، والثبات على قوله، والنأي بالذات عن التدليس والتلبيس، وإنَّ لُبَّ طالبِ العلم أن يكون وقّافًا عند الحقيقة متى تبدّت له؛ داعيًا إليها، ممتثلاً لها في خاصةِ نفسه قبل العامَّة، غير معادٍ لأهلها ولا مستوحشٍ من قِلّتهم.
غير أنَّ الواقع يكشِفُ عن آفةٍ مستشريةٍ لدى أكثرِ المنتسبين للعلوم الشَّرعية، وقد سمَّيتُها بـ "التَّخنثُ المعرفي"؛ استعارةً من المعنى اللغوي للتَّخنث الذي يفيد معنى التَّثني واللين والطَّراوة وانسياق الشَّيءِ مع ما يحيط بها.
ومن صُوَرِهِ أنَّك تجدُ الماشي في طريق العلم يدرس السنين الطِّوال بلا شغف بالحقيقةِ وبحثٍ عنها، يردد ما وجد ويستهلك ما قيل.
ومن صوره أيضًا: أنَّه إن بحث واستقرت في باطنه قناعة راسخة، جَبُنَ لسانه عن التصريح بها وإشهارها، وثنَى عطفه عن الامتثال لها.
يتجلى هذا الخلل الأخلاقي في تحول طالب العلم إلى كائنٍ هُلامي، يتماوج كالعجينة اللينة ليلائم قالب كلِّ مجلسٍ؛ فيداهن مراعاةً لشيخٍ يُتقى غضبه، أو مركزٍ يُرجى نواله، أو سلطةٍ يُخشى سخطها، أو قبيلةٍ يُراعى عُرفها. وأسوأ من ذلك، أنه قد يتصنع التخشع والتورع سترًا لخَوَرِه، بل قد يبلغ به الحال أن يعاديَ القائلين بالحق الذي استيقن منه هو في سرّه، ليصرف عن نفسه الشُّبهةَ، ويستبقي مكانته الاجتماعية وحظوته عند المشايخ والكُبراء.
وههنا يبرز تساؤل طالما أشغل الناس: إذا كان حملة العلوم الشرعية يعتقدون الحق في بواطنهم ثم يستحوذ عليهم الجبن، فمتى يظهر الحق للناس؟ وكيف يستقيم للحق وجهٌ إذا كان جَمهرتُه يتواطؤون على كتمانه، بل ويطعنون فيمن يتجاسر على إظهاره؟!
إن العلم إذا تجرد عن أخلاق المعرفة؛ كالصدق والعدل وحسن القول تحوّل إلى أدوات زينة وطقوس شائهةٍ أفسد النفوس الشريفة وزاد الخبيثةَ خبثًا.
https://t.me/TheHermit93
بقلم: أبي علي المطبخي
ليست المعرفة مجرد تحصيل للظنون واستظهار للمتون، بل هي في جوهرها موقفٌ أخلاقي صارم يقوم على الصدق في طلب الحق، والثبات على قوله، والنأي بالذات عن التدليس والتلبيس، وإنَّ لُبَّ طالبِ العلم أن يكون وقّافًا عند الحقيقة متى تبدّت له؛ داعيًا إليها، ممتثلاً لها في خاصةِ نفسه قبل العامَّة، غير معادٍ لأهلها ولا مستوحشٍ من قِلّتهم.
غير أنَّ الواقع يكشِفُ عن آفةٍ مستشريةٍ لدى أكثرِ المنتسبين للعلوم الشَّرعية، وقد سمَّيتُها بـ "التَّخنثُ المعرفي"؛ استعارةً من المعنى اللغوي للتَّخنث الذي يفيد معنى التَّثني واللين والطَّراوة وانسياق الشَّيءِ مع ما يحيط بها.
ومن صُوَرِهِ أنَّك تجدُ الماشي في طريق العلم يدرس السنين الطِّوال بلا شغف بالحقيقةِ وبحثٍ عنها، يردد ما وجد ويستهلك ما قيل.
ومن صوره أيضًا: أنَّه إن بحث واستقرت في باطنه قناعة راسخة، جَبُنَ لسانه عن التصريح بها وإشهارها، وثنَى عطفه عن الامتثال لها.
يتجلى هذا الخلل الأخلاقي في تحول طالب العلم إلى كائنٍ هُلامي، يتماوج كالعجينة اللينة ليلائم قالب كلِّ مجلسٍ؛ فيداهن مراعاةً لشيخٍ يُتقى غضبه، أو مركزٍ يُرجى نواله، أو سلطةٍ يُخشى سخطها، أو قبيلةٍ يُراعى عُرفها. وأسوأ من ذلك، أنه قد يتصنع التخشع والتورع سترًا لخَوَرِه، بل قد يبلغ به الحال أن يعاديَ القائلين بالحق الذي استيقن منه هو في سرّه، ليصرف عن نفسه الشُّبهةَ، ويستبقي مكانته الاجتماعية وحظوته عند المشايخ والكُبراء.
وههنا يبرز تساؤل طالما أشغل الناس: إذا كان حملة العلوم الشرعية يعتقدون الحق في بواطنهم ثم يستحوذ عليهم الجبن، فمتى يظهر الحق للناس؟ وكيف يستقيم للحق وجهٌ إذا كان جَمهرتُه يتواطؤون على كتمانه، بل ويطعنون فيمن يتجاسر على إظهاره؟!
إن العلم إذا تجرد عن أخلاق المعرفة؛ كالصدق والعدل وحسن القول تحوّل إلى أدوات زينة وطقوس شائهةٍ أفسد النفوس الشريفة وزاد الخبيثةَ خبثًا.
https://t.me/TheHermit93
❤4👍2
#تاريخ
#أعلام_الزيدية
[من كلام أبي طالب الهاروني في الخليفة عثمان وتفسيقه]
قال أبو طالب الهاروني الحسني رحمه الله (ت:424هـ) في "الدّعامة في الإمامة" : "ولأنَّ المعلوم من حال الصحابة الإطباق على أن الفسق يسقط الإمامة، ولهذا طالبوا عثمان بالاعتزال لما نقموا عليه ما نقموا".
وقال يصف حالة المهاجرين معه : "وفي أيام عثمان لمَّا انحطَّ أمرُه وأقدم على الأحداث التي أنكرها المسلمون عليه، وانحرفَ عنه أكثر أصحابه، واستخفُّوا بسيرته وخالفه أعيانهم ووجوههم ونازعوه، كعبدالله بن مسعود، وعمار بن ياسر رحمة الله عليهما، واستوحش منه كبارُ الناس كطلحةَ، وعبدِ الرحمن بن عوف، ووجد علي عليه السلام في النكير عليه فرصةً، فكان يواقِفُه ويردُّ عليه، ويجْبَهُهُ في كثير من الأوقات بما يَسُوؤه".
وقال في أعوان عثمان وخاصَّته: "سفهاء بني أمية لعنهم الله، ولا شك في فسقهم وكفرهم وعداوتهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم كمروان وذويه". انتهى المراد.
https://t.me/TheHermit93
#أعلام_الزيدية
[من كلام أبي طالب الهاروني في الخليفة عثمان وتفسيقه]
قال أبو طالب الهاروني الحسني رحمه الله (ت:424هـ) في "الدّعامة في الإمامة" : "ولأنَّ المعلوم من حال الصحابة الإطباق على أن الفسق يسقط الإمامة، ولهذا طالبوا عثمان بالاعتزال لما نقموا عليه ما نقموا".
وقال يصف حالة المهاجرين معه : "وفي أيام عثمان لمَّا انحطَّ أمرُه وأقدم على الأحداث التي أنكرها المسلمون عليه، وانحرفَ عنه أكثر أصحابه، واستخفُّوا بسيرته وخالفه أعيانهم ووجوههم ونازعوه، كعبدالله بن مسعود، وعمار بن ياسر رحمة الله عليهما، واستوحش منه كبارُ الناس كطلحةَ، وعبدِ الرحمن بن عوف، ووجد علي عليه السلام في النكير عليه فرصةً، فكان يواقِفُه ويردُّ عليه، ويجْبَهُهُ في كثير من الأوقات بما يَسُوؤه".
وقال في أعوان عثمان وخاصَّته: "سفهاء بني أمية لعنهم الله، ولا شك في فسقهم وكفرهم وعداوتهم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم كمروان وذويه". انتهى المراد.
https://t.me/TheHermit93
❤1👍1
#تاريخ
[طمع أنس بن مالك الأنصاري في مال سيرين]
قال الذهبي في "أعلام النبلاء" : "محمد بن سيرين ... مولى أنس بن مالك ، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبوه من سبي جرجرايا تملَّكه أنس ، ثم كاتبه على ألوف من المال ، فوفاه وعجَّل له مال الكتابة قبل حلوله ، فتمنَّع أنسٌ من أخذه لمَّا رأى سيرين قد كَثُر ماله من التجارة، وأمَّل أن يرثه ، فحاكمه إلى عمر فألزمه تعجيل المؤجل".
https://t.me/TheHermit93
[طمع أنس بن مالك الأنصاري في مال سيرين]
قال الذهبي في "أعلام النبلاء" : "محمد بن سيرين ... مولى أنس بن مالك ، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبوه من سبي جرجرايا تملَّكه أنس ، ثم كاتبه على ألوف من المال ، فوفاه وعجَّل له مال الكتابة قبل حلوله ، فتمنَّع أنسٌ من أخذه لمَّا رأى سيرين قد كَثُر ماله من التجارة، وأمَّل أن يرثه ، فحاكمه إلى عمر فألزمه تعجيل المؤجل".
https://t.me/TheHermit93
👎4❤1😐1
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
[ما بعد العدالة]
يتساءل البعض: ما الفائدة من البحث والتنقيب والتفتيش والفحص في أحوال الصحابة؟
والجواب: أن هذا البحث ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مرحلة ثانية، تسبقها مرحلة أولى لا بد منها، وهي مناقشة أصل الدعوى التي يقوم عليها التصور السني التقليدي، أعني دعوى أن الصحابة جميعًا عدول، وأن الراوي، بمجرد ثبوت رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به وموته على الإسلام، يكون عدلًا ضابطًا فيما يرويه عنه.
فإذا نوقشت هذه الدعوى، ولم يثبت بدليل معتبر من الكتاب أو السنة أو العقل أن مجرد الصحبة تستلزم العدالة والضبط في الرواية، انتقل البحث إلى المرحلة الثانية: دراسة أحوال الصحابة أفرادًا، كما تُدرس أحوال سائر الرواة.
وعندئذ لا يكون السؤال: «هل هو صحابي؟» هو السؤال الحاسم في قبول روايته، وإنما يُنظر في حال كل راوٍ من جهة عدالته وضبطه، وفي ومروياته، وفي القرائن التاريخية والنقدية المتعلقة به، ثم يُحكم على روايته بحسب ما يثبت في حقه.
فمن بحث في روايات أنس بن مالك، مثلًا، وخلص، بناءً على الأدلة والقرائن التي يراها معتبرة، إلى وجود ما يؤثر في ضبطه أو في بعض مروياته، كان من مقتضى هذا المنهج أن يتوقف في تلك الروايات بقدر ما يقتضيه الدليل. ومن بحث في روايات أبي هريرة وانتهى إلى ثبوت ما يقدح في صدقه، لا أقل يتوقف في ما انفرد به. وكذلك من بحث في أحوال أبي موسى الأشعري وانتهى إلى ثبوت ما يقدح في عدالته، فإنه سيتعامل مع رواياته على هذا الأساس. ومن درس روايات عائشة وخلص إلى وجود تحيز أو ميل في بعض القضايا، بحيث يؤثر ذلك في وثاقة روايتها في تلك المسائل، فإنه سيأخذ ذلك في الحسبان عند تقويم مروياتها المتعلقة بها.
والمقصود هنا ليس التسليم مسبقًا بصحة هذه الأحكام على أنس أو أبي هريرة أو أبي موسى أو عائشة، وإنما المقصود بيان المنهج الذي يترتب على رفض العدالة الجماعية للصحابة: أن تُبحث هذه الدعاوى نفسها، وأن تُختبر أدلتها، وأن يُعامل الصحابي، من حيث الأصل النقدي، بوصفه راويًا يمكن أن يُبحث في عدالته وضبطه، لا بوصفه راوياً ثبتت عدالته وضبطه بمجرد الصحبة.
وهنا تظهر أهمية هذه المرحلة الثانية؛ إذ إن نتيجة البحث لن تكون مجرد تغيير الحكم على هذا الصحابي أو ذاك، بل قد تمتد إلى إعادة تقييم عدد كبير من الروايات التي قامت عليها صورة السنة النبوية في التصور التقليدي.
فإذا ثبت عند الباحث، بعد فحص الأسانيد والمتون والطرق والقرائن التاريخية، أن بعض الرواة من الصحابة لا تتحقق فيهم شروط العدالة أو الضبط، أو أن بعض مروياتهم لا يمكن الوثوق بها، فإن الروايات التي تنفرد بها تلك الطرق ستتأثر تبعًا لذلك. وكلما اتسع نطاق هذا الفحص، اتسعت معه آثاره في بنية السنة النبوية.
ولا تقتصر فائدة دراسة أحوال الصحابة على نقد الرواية؛ بل يستفاد منها كذلك في فهم اختياراتهم الفقهية وتفسير مواقفهم العملية. فليس من الصواب، من حيث المنهج، أن يُفترض ابتداءً أن كل اختيار فقهي صدر عن صحابي إنما صدر عن اجتهاد علمي معتبر، أو أن كل موقف اتخذه كان نتيجة ترجيح مجرد بين الأدلة.
فالصحابي، كسائر البشر، قد يتأثر في اختياره الفقهي أو موقفه العملي بعوامل متعددة تتصل بشخصيته وظروفه ودوافعه؛ فقد يكون الدافع علميًا اجتهاديًا، وقد يكون راجعًا إلى ضعف أو عجز، أو خوف أو جبن، أو طمع، أو مصلحة، أو ضغط اجتماعي أو سياسي، أو غير ذلك من العوامل التي يمكن أن تؤثر في الإنسان وفي اختياراته.
ومن هنا فإن دراسة شخصية الصحابي، والوقوف ــ بقدر ما تسمح به المصادر والقرائن ــ على ظروفه النفسية والاجتماعية والسياسية، وعلى علاقاته ومصالحه ومخاوفه وطموحاته، قد تكشف لنا عن حقيقة الدافع الذي حمله على اختيار قول فقهي معين أو اتخاذ موقف معين، بدل أن نفترض ابتداءً أن ذلك الاختيار كان ثمرة اجتهاد فقهي محض.
وهذه الفائدة، وإن كانت تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية بالنسبة إلى الفائدة الأولى المتعلقة بنقد الرواية وإعادة تقييم بنية السنة، فإنها ليست قليلة الشأن؛ إذ يمكن أن تسهم في إعادة قراءة جانب من الفقه المنقول عن الصحابة، وفي التمييز بين ما كان منهم اجتهادًا علميًا قائمًا على نظر في الأدلة، وبين ما قد يكون مرتبطًا بظروف شخصية أو سياسية أو اجتماعية أو نفسية خاصة.
وعليه، فإن البحث في أحوال الصحابة لا يكون بحثًا تاريخيًا زائدًا عن الحاجة، بل يصبح ــ بعد مناقشة أصل العدالة الجماعية ــ جزءًا من منهج أوسع لإعادة فحص الرواية والفقه والتاريخ: فندرس الصحابي أولًا بوصفه راويًا يمكن نقد عدالته وضبطه، ثم ندرس شخصيته وظروفه لفهم مروياته واختياراته ومواقفه، وبذلك قد تتغير، تبعًا لنتائج هذا الفحص، صورة السنة النبوية وصورة الفقه الموروث عن الصحابة كما استقرتا في التصور التقليدي.
يتساءل البعض: ما الفائدة من البحث والتنقيب والتفتيش والفحص في أحوال الصحابة؟
والجواب: أن هذا البحث ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مرحلة ثانية، تسبقها مرحلة أولى لا بد منها، وهي مناقشة أصل الدعوى التي يقوم عليها التصور السني التقليدي، أعني دعوى أن الصحابة جميعًا عدول، وأن الراوي، بمجرد ثبوت رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به وموته على الإسلام، يكون عدلًا ضابطًا فيما يرويه عنه.
فإذا نوقشت هذه الدعوى، ولم يثبت بدليل معتبر من الكتاب أو السنة أو العقل أن مجرد الصحبة تستلزم العدالة والضبط في الرواية، انتقل البحث إلى المرحلة الثانية: دراسة أحوال الصحابة أفرادًا، كما تُدرس أحوال سائر الرواة.
وعندئذ لا يكون السؤال: «هل هو صحابي؟» هو السؤال الحاسم في قبول روايته، وإنما يُنظر في حال كل راوٍ من جهة عدالته وضبطه، وفي ومروياته، وفي القرائن التاريخية والنقدية المتعلقة به، ثم يُحكم على روايته بحسب ما يثبت في حقه.
فمن بحث في روايات أنس بن مالك، مثلًا، وخلص، بناءً على الأدلة والقرائن التي يراها معتبرة، إلى وجود ما يؤثر في ضبطه أو في بعض مروياته، كان من مقتضى هذا المنهج أن يتوقف في تلك الروايات بقدر ما يقتضيه الدليل. ومن بحث في روايات أبي هريرة وانتهى إلى ثبوت ما يقدح في صدقه، لا أقل يتوقف في ما انفرد به. وكذلك من بحث في أحوال أبي موسى الأشعري وانتهى إلى ثبوت ما يقدح في عدالته، فإنه سيتعامل مع رواياته على هذا الأساس. ومن درس روايات عائشة وخلص إلى وجود تحيز أو ميل في بعض القضايا، بحيث يؤثر ذلك في وثاقة روايتها في تلك المسائل، فإنه سيأخذ ذلك في الحسبان عند تقويم مروياتها المتعلقة بها.
والمقصود هنا ليس التسليم مسبقًا بصحة هذه الأحكام على أنس أو أبي هريرة أو أبي موسى أو عائشة، وإنما المقصود بيان المنهج الذي يترتب على رفض العدالة الجماعية للصحابة: أن تُبحث هذه الدعاوى نفسها، وأن تُختبر أدلتها، وأن يُعامل الصحابي، من حيث الأصل النقدي، بوصفه راويًا يمكن أن يُبحث في عدالته وضبطه، لا بوصفه راوياً ثبتت عدالته وضبطه بمجرد الصحبة.
وهنا تظهر أهمية هذه المرحلة الثانية؛ إذ إن نتيجة البحث لن تكون مجرد تغيير الحكم على هذا الصحابي أو ذاك، بل قد تمتد إلى إعادة تقييم عدد كبير من الروايات التي قامت عليها صورة السنة النبوية في التصور التقليدي.
فإذا ثبت عند الباحث، بعد فحص الأسانيد والمتون والطرق والقرائن التاريخية، أن بعض الرواة من الصحابة لا تتحقق فيهم شروط العدالة أو الضبط، أو أن بعض مروياتهم لا يمكن الوثوق بها، فإن الروايات التي تنفرد بها تلك الطرق ستتأثر تبعًا لذلك. وكلما اتسع نطاق هذا الفحص، اتسعت معه آثاره في بنية السنة النبوية.
ولا تقتصر فائدة دراسة أحوال الصحابة على نقد الرواية؛ بل يستفاد منها كذلك في فهم اختياراتهم الفقهية وتفسير مواقفهم العملية. فليس من الصواب، من حيث المنهج، أن يُفترض ابتداءً أن كل اختيار فقهي صدر عن صحابي إنما صدر عن اجتهاد علمي معتبر، أو أن كل موقف اتخذه كان نتيجة ترجيح مجرد بين الأدلة.
فالصحابي، كسائر البشر، قد يتأثر في اختياره الفقهي أو موقفه العملي بعوامل متعددة تتصل بشخصيته وظروفه ودوافعه؛ فقد يكون الدافع علميًا اجتهاديًا، وقد يكون راجعًا إلى ضعف أو عجز، أو خوف أو جبن، أو طمع، أو مصلحة، أو ضغط اجتماعي أو سياسي، أو غير ذلك من العوامل التي يمكن أن تؤثر في الإنسان وفي اختياراته.
ومن هنا فإن دراسة شخصية الصحابي، والوقوف ــ بقدر ما تسمح به المصادر والقرائن ــ على ظروفه النفسية والاجتماعية والسياسية، وعلى علاقاته ومصالحه ومخاوفه وطموحاته، قد تكشف لنا عن حقيقة الدافع الذي حمله على اختيار قول فقهي معين أو اتخاذ موقف معين، بدل أن نفترض ابتداءً أن ذلك الاختيار كان ثمرة اجتهاد فقهي محض.
وهذه الفائدة، وإن كانت تأتي في الدرجة الثانية من الأهمية بالنسبة إلى الفائدة الأولى المتعلقة بنقد الرواية وإعادة تقييم بنية السنة، فإنها ليست قليلة الشأن؛ إذ يمكن أن تسهم في إعادة قراءة جانب من الفقه المنقول عن الصحابة، وفي التمييز بين ما كان منهم اجتهادًا علميًا قائمًا على نظر في الأدلة، وبين ما قد يكون مرتبطًا بظروف شخصية أو سياسية أو اجتماعية أو نفسية خاصة.
وعليه، فإن البحث في أحوال الصحابة لا يكون بحثًا تاريخيًا زائدًا عن الحاجة، بل يصبح ــ بعد مناقشة أصل العدالة الجماعية ــ جزءًا من منهج أوسع لإعادة فحص الرواية والفقه والتاريخ: فندرس الصحابي أولًا بوصفه راويًا يمكن نقد عدالته وضبطه، ثم ندرس شخصيته وظروفه لفهم مروياته واختياراته ومواقفه، وبذلك قد تتغير، تبعًا لنتائج هذا الفحص، صورة السنة النبوية وصورة الفقه الموروث عن الصحابة كما استقرتا في التصور التقليدي.
👍4👎3
Hermit
#تاريخ [طمع أنس بن مالك الأنصاري في مال سيرين] قال الذهبي في "أعلام النبلاء" : "محمد بن سيرين ... مولى أنس بن مالك ، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أبوه من سبي جرجرايا تملَّكه أنس ، ثم كاتبه على ألوف من المال ، فوفاه وعجَّل له مال الكتابة قبل…
[طمع الصحابي أنس بن مالك في المال]
قال: أخبرنا بكّار بن محمّد، عن أبيه قال: كان أنس بن مالك من أحرص أصحاب محمّد على المال.
ابن سعد
https://t.me/TheHermit93
قال: أخبرنا بكّار بن محمّد، عن أبيه قال: كان أنس بن مالك من أحرص أصحاب محمّد على المال.
ابن سعد
https://t.me/TheHermit93
👎2❤1🤬1
Hermit
Photo
[صحابي لا يشرب من إناء مفضَّض لكن يقتل عمّارا!]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ ، قَالَ : كُنَّا بِوَاسِطِ الْقَصَبِ عِنْدَ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ : فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : أَبُو الْغَادِيَةِ ، اسْتَسْقَى مَاءً، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مُفَضَّضٍ، فَأَبَى أَنْ يَشْرَبَ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ : " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ". أَوْ : " ضُلَّالًا ". شَكَّ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. " يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ " فَإِذَا رَجُلٌ (عمّار) يَسُبُّ فُلَانًا (عثمان)، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ، لَئِنْ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ فِي كَتِيبَةٍ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ، إِذَا أَنَا بِهِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ، قَالَ : فَفَطِنْتُ إِلَى الْفُرْجَةِ فِي جُرُبَّانِ الدِّرْعِ، فَطَعَنْتُهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَإِذَا هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، قَالَ : قُلْتُ : وَأَيُّ يَدٍ كَفَتَاهُ، يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ، وَقَدْ قَتَلَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ!. رواه عبد الله في المسند بسند صحيح.
ورواه أحمد بإسناد صحيح آخر مختصرا: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، وَعَفَّانُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا غَادِيةَ يَقُولُ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَقُلْتُ لَهُ : بِيَمِينِكَ ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَا جَمِيعًا فِي الْحَدِيثِ : وَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ... الحديث ولم يذكر قصة قتل عمّارٍ.
قلتُ: قال ابن عبد البرِّ في "الاستيعاب" : "أدرك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غلام، روى عنه أنه قَالَ: أدركت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أيفع، أرد عَلَى أهلي الغنم، وله سماع من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض وَكَانَ محبًا فِي عُثْمَان، وَهُوَ قاتل عمار بْن ياسر، وَكَانَ إذا استأذن عَلَى معاوية وغيره يقول: قاتل عمار بالباب، وَكَانَ يصف قتله إذا سئل عنه لا يباليه، وفي قصته عجب عند أهل العلم، روى عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذكرنا أنه سمعه منه، ثم قتل عمارًا، وروى عنه كلثوم ابن جبر". اهــ
وقال الذهبي في"أعلام النبلاء" - ولا أدري أي نبلٍ فيه - : من وجوه العرب ، وفرسان أهل الشام . يقال : شهد الحديبية". اهــ .
وقال ابن الأثير في "أسد الغابة" : " روى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه، قال: بينا الحجاج جالسا، إذ أقبل رجل مقارب الخطوة، فلما رآه الحجاج، قال: مرحبا بأبي غادية، وأجلسه على سريره، وقال: أنت قتلتَ ابنَ سميَّة؟ قال: نعم، قال: كيف صنعت؟ قال: صنعت كذا حتى قتلتُه، فقال الحجاج لأهل الشام: من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ عظيمِ الباع يوم القيامة، فلينظر إلى هذا، ثم سارَّه أبو غادية يسأله شيئا، فأبي عليه، فقال أبو غادية: نوطِّئ لهم الدُّنيا ثمَّ نسألهم فلا يعطونَنَا، ويزعم أنِّي عظيمُ الباع يوم القيامة! أجل والله إن من ضرسُه مثل أُحد، وفخذُه مثل وَرْقان، ومجلسُه مثل ما بين المدينة والربذة، لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أن عمارا قتله أهل الأرض لدخلوا النار". اهــ.
1️⃣
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ ، قَالَ : كُنَّا بِوَاسِطِ الْقَصَبِ عِنْدَ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ : فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : أَبُو الْغَادِيَةِ ، اسْتَسْقَى مَاءً، فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ مُفَضَّضٍ، فَأَبَى أَنْ يَشْرَبَ، وَذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ : " لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ". أَوْ : " ضُلَّالًا ". شَكَّ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. " يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ " فَإِذَا رَجُلٌ (عمّار) يَسُبُّ فُلَانًا (عثمان)، فَقُلْتُ : وَاللَّهِ، لَئِنْ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ فِي كَتِيبَةٍ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ، إِذَا أَنَا بِهِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ، قَالَ : فَفَطِنْتُ إِلَى الْفُرْجَةِ فِي جُرُبَّانِ الدِّرْعِ، فَطَعَنْتُهُ، فَقَتَلْتُهُ، فَإِذَا هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، قَالَ : قُلْتُ : وَأَيُّ يَدٍ كَفَتَاهُ، يَكْرَهُ أَنْ يَشْرَبَ فِي إِنَاءٍ مُفَضَّضٍ، وَقَدْ قَتَلَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ!. رواه عبد الله في المسند بسند صحيح.
ورواه أحمد بإسناد صحيح آخر مختصرا: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، وَعَفَّانُ ، قَالَا : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ كُلْثُومٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا غَادِيةَ يَقُولُ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَقُلْتُ لَهُ : بِيَمِينِكَ ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَا جَمِيعًا فِي الْحَدِيثِ : وَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ ... الحديث ولم يذكر قصة قتل عمّارٍ.
قلتُ: قال ابن عبد البرِّ في "الاستيعاب" : "أدرك النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ غلام، روى عنه أنه قَالَ: أدركت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا أيفع، أرد عَلَى أهلي الغنم، وله سماع من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض وَكَانَ محبًا فِي عُثْمَان، وَهُوَ قاتل عمار بْن ياسر، وَكَانَ إذا استأذن عَلَى معاوية وغيره يقول: قاتل عمار بالباب، وَكَانَ يصف قتله إذا سئل عنه لا يباليه، وفي قصته عجب عند أهل العلم، روى عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذكرنا أنه سمعه منه، ثم قتل عمارًا، وروى عنه كلثوم ابن جبر". اهــ
وقال الذهبي في"أعلام النبلاء" - ولا أدري أي نبلٍ فيه - : من وجوه العرب ، وفرسان أهل الشام . يقال : شهد الحديبية". اهــ .
وقال ابن الأثير في "أسد الغابة" : " روى ابن أبي الدنيا، عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه، قال: بينا الحجاج جالسا، إذ أقبل رجل مقارب الخطوة، فلما رآه الحجاج، قال: مرحبا بأبي غادية، وأجلسه على سريره، وقال: أنت قتلتَ ابنَ سميَّة؟ قال: نعم، قال: كيف صنعت؟ قال: صنعت كذا حتى قتلتُه، فقال الحجاج لأهل الشام: من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ عظيمِ الباع يوم القيامة، فلينظر إلى هذا، ثم سارَّه أبو غادية يسأله شيئا، فأبي عليه، فقال أبو غادية: نوطِّئ لهم الدُّنيا ثمَّ نسألهم فلا يعطونَنَا، ويزعم أنِّي عظيمُ الباع يوم القيامة! أجل والله إن من ضرسُه مثل أُحد، وفخذُه مثل وَرْقان، ومجلسُه مثل ما بين المدينة والربذة، لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أن عمارا قتله أهل الأرض لدخلوا النار". اهــ.
1️⃣
❤3
Hermit
[صحابي لا يشرب من إناء مفضَّض لكن يقتل عمّارا!] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى الْعَنَزِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ ، قَالَ…
علَّق ابن حجرٍ في "الإصابة": "وهذا منقطع، وأبو معشر فيه تشيع مع ضعفه، وفي هذه الزيادة تشنيع صعب، والظنّ بالصحابة في تلك الحروب أنهم كانوا فيها متأوّلين، وللمجتهد المخطئ أجر، وإذا ثبت هذا في حق آحاد الناس، فثبوته للصحابة بالطريق الأولى".
قلتُ: ولد أبو معشر السندي المدني مولى بني هاشم (٨٠هـ) والحجاج مات (٩٥هـ)، والتَّشيع مظنَّة مزيد الصدق والتثبت، وأبو معشر عالم بالأخبار والتاريخ والمغازي، فليس تضعيفه هنا شيئا ذا جدوى.
قال أبو يعلى الخليلي:"أبو معشر له مكان في العلم والتاريخ، وتاريخه احتج به الأئمة، وضعفوه في الحديث، ولم يتَّفقوا عليه، وروى عنه الكبراء مثل: ابنِ المبارك، ويونسَ المؤدب، ووكيع، وابنه محمد بن أبي معشر، ويتفرَّد بأحاديث، وأمسك الشافعي عن الرواية عنه".
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وذكر"مغازي أبي معشر"؛ فقال: "كان أحمد بن حنبل يرضاه، ويقول: كان بصيرًا بالمغازي".
والظنُّ بالصحابة - يا ابن حجر - أن يُعرَضُوا على كتاب الله وسنة رسوله كغيرهم من الناس، وقد وجدنا في القرآن والسنة المتواترة والمشهورة أن منهم مرتدُّون ، ومنافقون، وبغاة مجرمون، ومنهم مفتونون متعلقون بالدنيا، ومنهم من خُتم له بالنار، ومنهم من يُذاد عن الحوض، فلا يجوز أن يحرَّف كتاب الله ومنطق التاريخ لأجل أهواء موروثة ومذاهب معبودة من دون الحق.
وقتْلُ أبي الغاديةِ لعمّار مشهورٌ عند أهل الصَّنعة، وأي شناعة أعظمُ مِن هذه حتى تستعظمَ غيرَها يا ابنَ حجرٍ !!
فائدة: قراءة مثل هذه الأحاديث في هذا الباب لا يصح الاعتماد فيها على كتب الحديث منفردة؛ لأن من أهل الحديث من أجاز لنفسه تحت تأويلات فاسدة أن يتصرف في المنقول، فيقطع بعض ما يستشنعه أو يدلِّس أسماء معظميه، فلا مزحل من قراءة كتب التاريخ والسير فإنها عامَّة تأتي بالقصة تامَّة، وبلغةٍ جزلة.
ولِتعلموا هذا قارنوا بين رواية عبد الله بن أحمد وأحمد نفسه في "المسند" وبين رواية ابن سعد لنفس الحادثة.
قال ابن سعد في "الطبقات" : قال: أخبرنا عفان بن مسلم ومسلم بن براهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جبر قال: حدثني أبي قال:
كنتُ بواسطِ القصبِ عند عبدِ الأعلى بنِ عبد الله بن عامر فقلت: الإذنَ، هذا أبو غادية الجُهني. فقال عبد الأعلى: أدخلوه، فدخل عليه مقطَّعات له فإذا رجلٌ طُوال ضَرْبٌ من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة، فلمَّا أن قعد قال: بايعت رسول الله، قلتُ: بيمينك؟ قال: نعم، وخطبنا رسول الله، يوم العقبة فقال: يا أيها الناس ألا إن دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمةِ يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ فقلنا نعم، فقال: اللهم اشهد، ثم قال: ألا لا ترجعوا بعدي كفَّارا يضرِبُ بعضكم رقابَ بعض، قال ثم أتبَعَ ذا فقال: إنَّا كنَّا نعد عمار بن ياسر فينا حَنَانًا، فبينا أنا في مسجد قباء إذ هو يقول: ألا إن نَعثلًا هذا لعثمان، فألتفت فلو أجدُ عليه أعوانًا لوطئته حتى أقتلَه، قال قلت: اللهم إنَّك إن تشأ تمكني من عمار، فلمَّا كان يوم صفين أقبل يَسْتَنُّ أول الكتيبة رَجِلًا حتى إذا كان بين الصَّفينِ فأبصرَ رجلٌ عورةً فطعنه في ركبته بالرمح فَعَثَرَ فانكشف المغفَرُ عنه، فضربتُه فإذا رأسُ عمارٍ.
قال: فلم أر رجلًا أبين ضلالةً عندي منه، إنه سمع من النبي، عليه السلام، ما سمع ثم قتل عمارا.
قال واستسقى أبو غادية فأتي بماء في زجاج فأبى أن يشرب فيها، فأتي بماء في قدح فشرب، فقال رجل على رأس الأمير قائم بالنبطية: أوى يد كفتا يتورع عن الشَّراب في زجاج ولم يتورع عن قتل عمار!
https://t.me/TheHermit93
2️⃣
قلتُ: ولد أبو معشر السندي المدني مولى بني هاشم (٨٠هـ) والحجاج مات (٩٥هـ)، والتَّشيع مظنَّة مزيد الصدق والتثبت، وأبو معشر عالم بالأخبار والتاريخ والمغازي، فليس تضعيفه هنا شيئا ذا جدوى.
قال أبو يعلى الخليلي:"أبو معشر له مكان في العلم والتاريخ، وتاريخه احتج به الأئمة، وضعفوه في الحديث، ولم يتَّفقوا عليه، وروى عنه الكبراء مثل: ابنِ المبارك، ويونسَ المؤدب، ووكيع، وابنه محمد بن أبي معشر، ويتفرَّد بأحاديث، وأمسك الشافعي عن الرواية عنه".
وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وذكر"مغازي أبي معشر"؛ فقال: "كان أحمد بن حنبل يرضاه، ويقول: كان بصيرًا بالمغازي".
والظنُّ بالصحابة - يا ابن حجر - أن يُعرَضُوا على كتاب الله وسنة رسوله كغيرهم من الناس، وقد وجدنا في القرآن والسنة المتواترة والمشهورة أن منهم مرتدُّون ، ومنافقون، وبغاة مجرمون، ومنهم مفتونون متعلقون بالدنيا، ومنهم من خُتم له بالنار، ومنهم من يُذاد عن الحوض، فلا يجوز أن يحرَّف كتاب الله ومنطق التاريخ لأجل أهواء موروثة ومذاهب معبودة من دون الحق.
وقتْلُ أبي الغاديةِ لعمّار مشهورٌ عند أهل الصَّنعة، وأي شناعة أعظمُ مِن هذه حتى تستعظمَ غيرَها يا ابنَ حجرٍ !!
فائدة: قراءة مثل هذه الأحاديث في هذا الباب لا يصح الاعتماد فيها على كتب الحديث منفردة؛ لأن من أهل الحديث من أجاز لنفسه تحت تأويلات فاسدة أن يتصرف في المنقول، فيقطع بعض ما يستشنعه أو يدلِّس أسماء معظميه، فلا مزحل من قراءة كتب التاريخ والسير فإنها عامَّة تأتي بالقصة تامَّة، وبلغةٍ جزلة.
ولِتعلموا هذا قارنوا بين رواية عبد الله بن أحمد وأحمد نفسه في "المسند" وبين رواية ابن سعد لنفس الحادثة.
قال ابن سعد في "الطبقات" : قال: أخبرنا عفان بن مسلم ومسلم بن براهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جبر قال: حدثني أبي قال:
كنتُ بواسطِ القصبِ عند عبدِ الأعلى بنِ عبد الله بن عامر فقلت: الإذنَ، هذا أبو غادية الجُهني. فقال عبد الأعلى: أدخلوه، فدخل عليه مقطَّعات له فإذا رجلٌ طُوال ضَرْبٌ من الرجال كأنه ليس من هذه الأمة، فلمَّا أن قعد قال: بايعت رسول الله، قلتُ: بيمينك؟ قال: نعم، وخطبنا رسول الله، يوم العقبة فقال: يا أيها الناس ألا إن دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمةِ يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ فقلنا نعم، فقال: اللهم اشهد، ثم قال: ألا لا ترجعوا بعدي كفَّارا يضرِبُ بعضكم رقابَ بعض، قال ثم أتبَعَ ذا فقال: إنَّا كنَّا نعد عمار بن ياسر فينا حَنَانًا، فبينا أنا في مسجد قباء إذ هو يقول: ألا إن نَعثلًا هذا لعثمان، فألتفت فلو أجدُ عليه أعوانًا لوطئته حتى أقتلَه، قال قلت: اللهم إنَّك إن تشأ تمكني من عمار، فلمَّا كان يوم صفين أقبل يَسْتَنُّ أول الكتيبة رَجِلًا حتى إذا كان بين الصَّفينِ فأبصرَ رجلٌ عورةً فطعنه في ركبته بالرمح فَعَثَرَ فانكشف المغفَرُ عنه، فضربتُه فإذا رأسُ عمارٍ.
قال: فلم أر رجلًا أبين ضلالةً عندي منه، إنه سمع من النبي، عليه السلام، ما سمع ثم قتل عمارا.
قال واستسقى أبو غادية فأتي بماء في زجاج فأبى أن يشرب فيها، فأتي بماء في قدح فشرب، فقال رجل على رأس الأمير قائم بالنبطية: أوى يد كفتا يتورع عن الشَّراب في زجاج ولم يتورع عن قتل عمار!
https://t.me/TheHermit93
2️⃣
❤2