Hermit
Video
#تأملات_فنية
[رياضيات الإلْف[1] وعاطفة البشر: تشريح اللحظة التي صاغت فلسفة "فريرن" الوجودية]
بقلم: أبي علي المطبخي
الهدوءُ الذي يعقب النصرَ غالبًا ما يكون أشدَّ صَخَبًا من المعركة ذاتها، في الحلقة الرَّابعة من أنمي (Sousou no Frieren 2023)، وخاصَّة في ذلك المشهد الاسترجاعي الذي يجمع أفراد فرقة الأبطال فوق الجسر الملكي في حوارٍ قصيرٍ، نشهَدُ مواجهةً عميقةً عن حقيقةِ العلاقةِ بين مفهوم "الوجود"و"الزمن"، وجدوى العلاقات الإنسانية تحت ظلال الفناء الحتمي.
في هذه الأسطرِ، أحاوِل تأمُّلَ هذا المشْهدِ من ناحيتين، وكيف اختصر المخرِجُ في دقائق معدودة جوهرَ فكرةِ العمل كلِّه.
أولاً: غلطُ النسبة المئوية (عندما يصطدم الزمن الكمّي بالكيفي)
تنطلق الإلْف "فريرن" في نظرتها للعلاقات من منطق رياضي بارد، ينتمي إلى ما يُعرف في علم النَّفس بـ "العدمية الدفاعية" [2]، بالنسبة لكائن يعيش آلاف السنين كـ "الإلف"، فإن رحلةً استغرقتْ عشْرَ سنوات مع البشر لا تمثل سوى أقل من 1% من عمرها.
▪️الزمن الكمّي (Quantitative Time): ترى فريرن الوقت كعملة أو مورد؛ وبما أن عمر البشر قصير جداً، فإن الاستثمار العاطفي والتَّعليمي فيهم هو -بحسابات الأرقام- "تبديد للوقت"، هي تقولها بصراحة: "سيموتون سريعًا مهما علمتهم، هذه مضيعة للوقت".
▪️الزهد الاستباقي كآلية دفاع: خَلْفَ هذا البرود يختبئ خوفٌ دفينٌ من "الحِدَاد المستمر"، نعم، تدرِكُ فريرن أنَّ فتح بابَ قلبِها للبشر يعني تحويل خلودها المستقبلي إلى مقبرةٍ أبديَّةٍ مِن الذكريات المؤلمة، فالعزلة التي تحاولُ صُنعها هنا ليستْ جفاءً، بل درعٌ عاطفي لتجنبِ آلام الفقد الحتمي.
التحول الفلسفي: فريرن هنا تقع في مغالطة وجودية؛ إنها تقيس قيمة التجربة بمدتها الزمنية (الكم)، وتغفل عن قيمتها الجوهرية (الكيف).
ثانياً: سيميائية [3] الصورة (فلسفة الشهاب والخلود الراكد)
بصرياً، كُتب هذا المشهد بلغة سينمائية شديدة الذَّكاء، حيث تضافرت عناصر البيئة والخلفية لتعميق الصراع النفسي المطروح:
1. زَخّة الشُّهُب.. البشر في مرآة السماء
بينما يدور الحديثُ عن الموت والحياة، تُمطَرُ السماءُ ليلاً بالشُّهب، وفي السيميائيَّة البصريَّةِ، يمثل الشهاب الرمز المثالي للإنسان:
- كائن يظهر فجأة في عَتْمَةِ الكون متوهِّجًا، ثمَّ ينطفِئ في ثوانٍ معدودة.
- ومن جهةٍ أخرى، تمثِّل السماء الليلية الثابتة والواسعة خلود "فريرن".
- والمفارقة البصرية تطرح سؤالاً صامتاً على المشاهد: هل يتنافى قِصَرُ عمرِ الشِّهاب مع كونه مضيئاً وجميلاً؟
هيميل وهيتير يلمعان كالشهب في عمر فريرن، وهي الحقيقة التي تعجَزُ عن رؤيتها في تلك اللحظة الفاتِنة لغلبةِ الحس الكميّ.
2. التوزيع الحركي والكادرات (تشريح المشهد)
- العزلة داخل الكادر: تُعرَض فريرن في لقطات منفردة (Solo Shots)، نظراتها معلقة بالأفق البعيد والنجوم الساكنة، مما يعكس انفصالها الوجداني عن الحاضر.
- الاتصال الإنساني: في المقابل، يظهر البشر (هيميل وهيتير) متقاربين في الكادر، يشعرون ببعضهم البعض، ويبتسمون بامتنان لـ "الآن"؛ لأنهم لا يملكون ترف التفكير في الأبدية.
- جدران العاصمة: الخلفية تُظهر أسوار القلعة الحجرية الضخمة الثَّابتة، رمزاً للخلود الراكد، بينما يتدفق الماء أسفل الجسر متحركًا، رمزًا لزمن البشر المتلاشي.
ثالثاً: حكمة القزم.. وعي المنطقة الوسطى
عندما تعلن فريرن منطقها الجاف، يأتي الرد الصادم من القزم "آيزن": "ليس هذا هو المغزى من العلاقات".
اختيار "آيزن" ليكون صاحب هذا الرد هو ضربة معلم من الناحية الدرامية والفلسفية:
- الأقزام في هذا العالم يعيشون عمرًا متوسطًا (بضعة قرون)؛ فهم ليسوا عابرين كالبشر، وليسوا خالدين كالإِلْف.
- وبسببِ هذا الموقع البرزخي/الوسطي، يمتلك آيزن حكمة مزدوجة: هو يدرك رعبَ الفناء الذي يعيشه البشر ويتحسَّسُ قِصَر حيَوَاتِهم، ويفهم أيضًا بُطء الزَّمن لدى فريرن.
- عندما يرفُضُ آيزن معادلة فريرن، فإنه يعيد تعريف "معنى العلاقة": "العلاقات لم توجد لتستمر إلى الأبد، بل وُجدت لتُعاش تفاصيلها في لحظتها"، فالأثر العاطفي الذي نتركه في الآخرين -مهما كان قصيرًا- هو الشيء الوحيد الذي يمنحُ الوجودَ معناه.
.........................
[1] كائنات خالدة تقريبًا لا تأثير للشيخوخة والمرض عليها، ويكون فصل أرواحها عن أجسادها بإصابة بليغة أو حزن عميق.
[2] هي تبني الفرد فكرة أن "لا شيء يهم في النهاية" أو "كل العلاقات زائلة ولا قيمة دائمية لها"، ليس كقناعة معرفية مجردة، بل كدرع لحماية الذات من ألم الفقد، أو خوفاً من الفشل ومواجهة الخيبات، وفي السياسة هي "تخلي الطرف الأضعف عن أمل المقاومة لعدم تكافؤ القوى".
[3] في اللغة والدراسات الأدبية: علم السيميولوجيا الذي يدرس الرموز، واللغات غير اللفظية، والإشارات في النصوص والأعمال الفنية لفهم دلالاتها العميقة.
1️⃣
[رياضيات الإلْف[1] وعاطفة البشر: تشريح اللحظة التي صاغت فلسفة "فريرن" الوجودية]
بقلم: أبي علي المطبخي
الهدوءُ الذي يعقب النصرَ غالبًا ما يكون أشدَّ صَخَبًا من المعركة ذاتها، في الحلقة الرَّابعة من أنمي (Sousou no Frieren 2023)، وخاصَّة في ذلك المشهد الاسترجاعي الذي يجمع أفراد فرقة الأبطال فوق الجسر الملكي في حوارٍ قصيرٍ، نشهَدُ مواجهةً عميقةً عن حقيقةِ العلاقةِ بين مفهوم "الوجود"و"الزمن"، وجدوى العلاقات الإنسانية تحت ظلال الفناء الحتمي.
في هذه الأسطرِ، أحاوِل تأمُّلَ هذا المشْهدِ من ناحيتين، وكيف اختصر المخرِجُ في دقائق معدودة جوهرَ فكرةِ العمل كلِّه.
أولاً: غلطُ النسبة المئوية (عندما يصطدم الزمن الكمّي بالكيفي)
تنطلق الإلْف "فريرن" في نظرتها للعلاقات من منطق رياضي بارد، ينتمي إلى ما يُعرف في علم النَّفس بـ "العدمية الدفاعية" [2]، بالنسبة لكائن يعيش آلاف السنين كـ "الإلف"، فإن رحلةً استغرقتْ عشْرَ سنوات مع البشر لا تمثل سوى أقل من 1% من عمرها.
▪️الزمن الكمّي (Quantitative Time): ترى فريرن الوقت كعملة أو مورد؛ وبما أن عمر البشر قصير جداً، فإن الاستثمار العاطفي والتَّعليمي فيهم هو -بحسابات الأرقام- "تبديد للوقت"، هي تقولها بصراحة: "سيموتون سريعًا مهما علمتهم، هذه مضيعة للوقت".
▪️الزهد الاستباقي كآلية دفاع: خَلْفَ هذا البرود يختبئ خوفٌ دفينٌ من "الحِدَاد المستمر"، نعم، تدرِكُ فريرن أنَّ فتح بابَ قلبِها للبشر يعني تحويل خلودها المستقبلي إلى مقبرةٍ أبديَّةٍ مِن الذكريات المؤلمة، فالعزلة التي تحاولُ صُنعها هنا ليستْ جفاءً، بل درعٌ عاطفي لتجنبِ آلام الفقد الحتمي.
التحول الفلسفي: فريرن هنا تقع في مغالطة وجودية؛ إنها تقيس قيمة التجربة بمدتها الزمنية (الكم)، وتغفل عن قيمتها الجوهرية (الكيف).
ثانياً: سيميائية [3] الصورة (فلسفة الشهاب والخلود الراكد)
بصرياً، كُتب هذا المشهد بلغة سينمائية شديدة الذَّكاء، حيث تضافرت عناصر البيئة والخلفية لتعميق الصراع النفسي المطروح:
1. زَخّة الشُّهُب.. البشر في مرآة السماء
بينما يدور الحديثُ عن الموت والحياة، تُمطَرُ السماءُ ليلاً بالشُّهب، وفي السيميائيَّة البصريَّةِ، يمثل الشهاب الرمز المثالي للإنسان:
- كائن يظهر فجأة في عَتْمَةِ الكون متوهِّجًا، ثمَّ ينطفِئ في ثوانٍ معدودة.
- ومن جهةٍ أخرى، تمثِّل السماء الليلية الثابتة والواسعة خلود "فريرن".
- والمفارقة البصرية تطرح سؤالاً صامتاً على المشاهد: هل يتنافى قِصَرُ عمرِ الشِّهاب مع كونه مضيئاً وجميلاً؟
هيميل وهيتير يلمعان كالشهب في عمر فريرن، وهي الحقيقة التي تعجَزُ عن رؤيتها في تلك اللحظة الفاتِنة لغلبةِ الحس الكميّ.
2. التوزيع الحركي والكادرات (تشريح المشهد)
- العزلة داخل الكادر: تُعرَض فريرن في لقطات منفردة (Solo Shots)، نظراتها معلقة بالأفق البعيد والنجوم الساكنة، مما يعكس انفصالها الوجداني عن الحاضر.
- الاتصال الإنساني: في المقابل، يظهر البشر (هيميل وهيتير) متقاربين في الكادر، يشعرون ببعضهم البعض، ويبتسمون بامتنان لـ "الآن"؛ لأنهم لا يملكون ترف التفكير في الأبدية.
- جدران العاصمة: الخلفية تُظهر أسوار القلعة الحجرية الضخمة الثَّابتة، رمزاً للخلود الراكد، بينما يتدفق الماء أسفل الجسر متحركًا، رمزًا لزمن البشر المتلاشي.
ثالثاً: حكمة القزم.. وعي المنطقة الوسطى
عندما تعلن فريرن منطقها الجاف، يأتي الرد الصادم من القزم "آيزن": "ليس هذا هو المغزى من العلاقات".
اختيار "آيزن" ليكون صاحب هذا الرد هو ضربة معلم من الناحية الدرامية والفلسفية:
- الأقزام في هذا العالم يعيشون عمرًا متوسطًا (بضعة قرون)؛ فهم ليسوا عابرين كالبشر، وليسوا خالدين كالإِلْف.
- وبسببِ هذا الموقع البرزخي/الوسطي، يمتلك آيزن حكمة مزدوجة: هو يدرك رعبَ الفناء الذي يعيشه البشر ويتحسَّسُ قِصَر حيَوَاتِهم، ويفهم أيضًا بُطء الزَّمن لدى فريرن.
- عندما يرفُضُ آيزن معادلة فريرن، فإنه يعيد تعريف "معنى العلاقة": "العلاقات لم توجد لتستمر إلى الأبد، بل وُجدت لتُعاش تفاصيلها في لحظتها"، فالأثر العاطفي الذي نتركه في الآخرين -مهما كان قصيرًا- هو الشيء الوحيد الذي يمنحُ الوجودَ معناه.
.........................
[1] كائنات خالدة تقريبًا لا تأثير للشيخوخة والمرض عليها، ويكون فصل أرواحها عن أجسادها بإصابة بليغة أو حزن عميق.
[2] هي تبني الفرد فكرة أن "لا شيء يهم في النهاية" أو "كل العلاقات زائلة ولا قيمة دائمية لها"، ليس كقناعة معرفية مجردة، بل كدرع لحماية الذات من ألم الفقد، أو خوفاً من الفشل ومواجهة الخيبات، وفي السياسة هي "تخلي الطرف الأضعف عن أمل المقاومة لعدم تكافؤ القوى".
[3] في اللغة والدراسات الأدبية: علم السيميولوجيا الذي يدرس الرموز، واللغات غير اللفظية، والإشارات في النصوص والأعمال الفنية لفهم دلالاتها العميقة.
1️⃣
❤3
Hermit
#تأملات_فنية [رياضيات الإلْف[1] وعاطفة البشر: تشريح اللحظة التي صاغت فلسفة "فريرن" الوجودية] بقلم: أبي علي المطبخي الهدوءُ الذي يعقب النصرَ غالبًا ما يكون أشدَّ صَخَبًا من المعركة ذاتها، في الحلقة الرَّابعة من أنمي (Sousou no Frieren 2023)، وخاصَّة في ذلك…
رابعاً: الاحتفاء باللَّحظة.. كيف يواجِهُ الفَانُون رعبَ الموت؟
في ذروة الثقل الفلسفي للمشهد، يتدخل الكاهن "هيتير" مقاطعاً برفع نخب الشراب محولاً النقاش الصارم إلى لحظة مرحة وصاخبة.
هذا التدخل يخدم المشهد على مستويين:
▪️فنياً: يمنع المشهد من السقوط في فخ الوعظ المباشر أو الميلودراما [4] المُمِلَّة، ويعيد التوازن العاطفي للمشاهد (Comic Relief).
▪️فلسفياً: هذا التصرف هو التجسيد الحي لـ "مواجهة الفناء الحتمي" عند الإنسان في الواقع، فالبشر يعلمون أنهم سيموتون غدًا لا محالةَ، لكنهم لا يقضون أنفاسَهُمُ القصيرة في البكاء على أعتاب الموت، بل في الاحتفاءِ باللَّحظة الرَّاهنة، وصناعةِ البهجة، ومشاركةِ الضحك، إنهم يواجهون رعب النَّهاية بالحبِّ والمرح، وهو الأمرُ الذي ستقضي فريرن بقية حياتها (ورحلتها الجديدة) تحاول فهمه.
خاتمة
إن هذا المشهد ليس مجرد ذكرى تمر بها البطلة، بل هو الركيزة الوجودية التي بُني عليها الأنمي بالكامل، إنَّه يشرَح لنا لماذا بكت فريرن بحُرْقةٍ عند قبر هيميل؛ بَكَتْ لأنَّها أدركت -متأخرة جداً- أنَّ الـ 1% من عمرها الذي قضته معهم كان هو الجزء الوحيد الذي نبضَتْ فيه بالحياة الحقيقية، وأنَّ حكمة "آيزن" كانت صحيحة منذ البداية: المغزى من العلاقات ليس الديمومة، بل الأثر.
.................................
[4] الميلودراما : عمل درامي تُضخَّم فيه الأحداث والحبكة والشخصيات لإثارة ردود فعل عاطفية قوية لدى الجمهور، وتركز الميلودراما في الأدب والمسرح والسينما على الحبكة المبالغ فيها أكثر من التركيز على بناء الشخصيات، وغالبًا ما تُمنح شخصيات الميلودراما أدوارًا نمطيَّة، كما تُضخِّم الصراعات لإثارة مشاعر الشخصيات وأدائها المبالغ فيه.
2️⃣
https://t.me/TheHermit93
في ذروة الثقل الفلسفي للمشهد، يتدخل الكاهن "هيتير" مقاطعاً برفع نخب الشراب محولاً النقاش الصارم إلى لحظة مرحة وصاخبة.
هذا التدخل يخدم المشهد على مستويين:
▪️فنياً: يمنع المشهد من السقوط في فخ الوعظ المباشر أو الميلودراما [4] المُمِلَّة، ويعيد التوازن العاطفي للمشاهد (Comic Relief).
▪️فلسفياً: هذا التصرف هو التجسيد الحي لـ "مواجهة الفناء الحتمي" عند الإنسان في الواقع، فالبشر يعلمون أنهم سيموتون غدًا لا محالةَ، لكنهم لا يقضون أنفاسَهُمُ القصيرة في البكاء على أعتاب الموت، بل في الاحتفاءِ باللَّحظة الرَّاهنة، وصناعةِ البهجة، ومشاركةِ الضحك، إنهم يواجهون رعب النَّهاية بالحبِّ والمرح، وهو الأمرُ الذي ستقضي فريرن بقية حياتها (ورحلتها الجديدة) تحاول فهمه.
خاتمة
إن هذا المشهد ليس مجرد ذكرى تمر بها البطلة، بل هو الركيزة الوجودية التي بُني عليها الأنمي بالكامل، إنَّه يشرَح لنا لماذا بكت فريرن بحُرْقةٍ عند قبر هيميل؛ بَكَتْ لأنَّها أدركت -متأخرة جداً- أنَّ الـ 1% من عمرها الذي قضته معهم كان هو الجزء الوحيد الذي نبضَتْ فيه بالحياة الحقيقية، وأنَّ حكمة "آيزن" كانت صحيحة منذ البداية: المغزى من العلاقات ليس الديمومة، بل الأثر.
.................................
[4] الميلودراما : عمل درامي تُضخَّم فيه الأحداث والحبكة والشخصيات لإثارة ردود فعل عاطفية قوية لدى الجمهور، وتركز الميلودراما في الأدب والمسرح والسينما على الحبكة المبالغ فيها أكثر من التركيز على بناء الشخصيات، وغالبًا ما تُمنح شخصيات الميلودراما أدوارًا نمطيَّة، كما تُضخِّم الصراعات لإثارة مشاعر الشخصيات وأدائها المبالغ فيه.
2️⃣
https://t.me/TheHermit93
❤3
مجالس أبي علي.pdf
832.6 KB
#جزء_حديثي
1- بعض كلامٍ في صفةِ البطين في حق علي عليه السَّلام
2- وبحثٌ في صفة عيسى عليه السَّلام بيننا وبين أهل الكتاب.
https://t.me/TheHermit93
1- بعض كلامٍ في صفةِ البطين في حق علي عليه السَّلام
2- وبحثٌ في صفة عيسى عليه السَّلام بيننا وبين أهل الكتاب.
https://t.me/TheHermit93
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
وهذه طريقة عامة المفسرين من أهل الكلام كل واحد منهم يستدل بالآية على ضد ما يستدل بها مخالفه عليه.
ومن قرأ تفاسيرهم رأى كيف يغلب حب النفس على الإنسان فيخرج به الى نقض أساس دينه وتشويه محاسنه ويرحم اللّٰه أبا العلاء حيث يقول:
وكم من فقيهٍ خابطٍ في ضلالةٍ
وحجته فيها الكتاب المنزّلُ
والملحد يشحن كتابه بالكفر والخرافات وأنواع الإلحاد ويجعل القرآن حجة على كفره ويؤول النصوص القرآنية للوصول الى هذا الغرض كما فعل أهل التفسير من المتصوفة.
ومن قرأ تفاسيرهم لم يصدق أن القرآن أنزل بلسان عربي مبين .. وأكثر الناس يقرأون كل ما يبصرون ويعتقدون كل ما يقرأون لا يفرقون في الأقوال بين حق وباطل ولا فى الرجال بين مسلم ومبتدع وملحد والأمر لله العلي الكبير.
- السيد محمد بدر الدين الحلبي
ومن قرأ تفاسيرهم رأى كيف يغلب حب النفس على الإنسان فيخرج به الى نقض أساس دينه وتشويه محاسنه ويرحم اللّٰه أبا العلاء حيث يقول:
وكم من فقيهٍ خابطٍ في ضلالةٍ
وحجته فيها الكتاب المنزّلُ
والملحد يشحن كتابه بالكفر والخرافات وأنواع الإلحاد ويجعل القرآن حجة على كفره ويؤول النصوص القرآنية للوصول الى هذا الغرض كما فعل أهل التفسير من المتصوفة.
ومن قرأ تفاسيرهم لم يصدق أن القرآن أنزل بلسان عربي مبين .. وأكثر الناس يقرأون كل ما يبصرون ويعتقدون كل ما يقرأون لا يفرقون في الأقوال بين حق وباطل ولا فى الرجال بين مسلم ومبتدع وملحد والأمر لله العلي الكبير.
- السيد محمد بدر الدين الحلبي
❤1👌1
#الحكمة_العملية
"إن رجال التَّقدم بأتمِّ معنى الكلمة هم أولئك الذين يُجِلُّونَ الماضي كثيرا".
إرنست رينان
https://t.me/TheHermit93
"إن رجال التَّقدم بأتمِّ معنى الكلمة هم أولئك الذين يُجِلُّونَ الماضي كثيرا".
إرنست رينان
https://t.me/TheHermit93
❤7
#بحث_حديثي
[شذوذ لفظة "فَسَيراني في اليَقظةِ]
- البخاري (٦٩٩٣): حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ.
قلتُ: هذا الحديثُ صحَّ من حديثِ عشرَةٍ من الصَّحابةِ، وهم:
1- أبو قتادة الأنصاري عند البخاري والدَّارمي وفي الزُّهريات.
2- أبو سعيد الخدْري عند البخاري وابن ماجه وأحمد في "المسند".
3- جابر بن عبد الله الأنصاري عند مسلمٍ في موضعين، وابن ماجه وأحمد في "المسند".
4- عبد الله بن مسعود عند التَّرمذي وقال: حسن صحيحٌ، وابن ماجه والدارمي وأحمد في "المسند" في أربعة مواضع.
5- أنس بن مالك عند البخاري وأحمد في "المسند".
6- أبو جُحَيْفةَ السُّوائي عند ابن ماجه.
7- ابن عباس عند ابن ماجه وأحمد في "المسند" في ثلاثة مواضع.
8- عبد الله بن عمرو عند الطَّبرانيّ في "الكبير" و"الأوسط".
9- طارق بن أشيم الأشجعي عند أحمد في "المسند".
10- أبو هريرةَ.
ولنوسِّعْ الكلام على حديثِ أبي هريرة؛ لأنَّ لفظةَ "فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ" لم ترد إلا من حديثِه، فنقول: روى هذا الحديثَ عن أبي هريرة خمسةٌ، وهم:
1- عبد الرحمن الحُرَقِي عند ابن ماجه، وليس فيه هذه اللفظة.
2- ذكوان أبو صالحٍ عند البخاري وأحمد في "المسند" في موضعين، وليس فيه هذه اللفظة.
3- ابن سيرين عند مسلم والتِّرمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، وأحمد في "المسند"، وليس فيه هذه اللفظة.
4- كليب الجَرمي عند أحمد في "المسند" في موضعين، وليس فيه هذه اللفظة.
5- أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
ولنوسِّعْ الكلام على رواية أبي سلمة، فنقول: رواها عن أبي سلمة رجُلان:
1- محمد بن عمرو بن علقمة الليثي عند أحمد في "المسند" في موضعين بثلاثة أسانيد، وليس فيه هذه اللفظة، بل قال: "من رآني في المنام فقد رأى الحقَّ"
تنبيهٌ: محمد بن عمرو ثقةٌ مكثِرٌ، وفي حديثِه عن أبي سلمة بعض الوهمِ، قال ابن معينٍ: "كان محمد بن عمرو يحدِّث مرَّةً عن أبي سلمة بالشيءِ رأيه، ثمَّ يحدّث به مرَّة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرةَ" اهـ.
لكنَّي أظنُّ الوهم قد وقع من محمِّد بن عمرو في نسبةِ هذا الحديثِ لأبي هريرة، لأنَّ الحديثَ مطابِقٌ لفظًا لحديثِ أبي قتادة الأنصاري عند البخاري وأحمد وفي "الزهريات"، والذي يرويه عن أبي قتادة أبو سلمة نفسُه راوي حديثِ أبي هريرة، فتداخل في ذهن محمد بن عمرو فجعله من حديثِ أبي هريرة، فلفظ: "من رآني في المنام فقد رأى الحقَّ" لفظ حديثِ أبي قتادة.
والخلاصةُ: أنَّ هذا اللفظ لم يرد من حديث أبي هريرة بما ذكرتُ وبمقارنة ألفاظ حديثِ أبي هريرة الأخرى من طريق أبي صالحٍ وابن سيرين وعبد الرَّحمن مولى الحُرَقة وكليب الجرمي.
ولندخل إلى الراوي الثاني، وهو:
2- الزهري، وذلك عند البخاري ومسلم وأبي داود، وكل هذه الطُرق راجعة إلى رواية يونسَ بن يزيد الأيلي (عند البخاري مسلم وأبي داود) وابن أخي الزُّهري (عند مسلم) كلاهما عن الزُّهري عن أبي سلمة.
-أمَّا رواية مسلم وأبي داود فقد رُويتْ على الشَّك والتَّردُّدِ: " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ".
- ورويتْ على سبيل الجزم عند البخاري: " " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي"
قلتُ: الشِّق الثاني "أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ" = موافقٌ لغيره من حديثِ أبي هريرة وحديثِ الصَّحابة الثَّمانية، ويبقى لفظ "فَسَيَرانِي في اليَقظَةِ"، فمن أين أتى؟
والجوابُ: أنه قد تكلَّم النَّقدةُ في رواية يونس الأيلي وابن أخي الزّهري عن الزُّهري نفسِه، وقالوا: فيها أوهام وأخطاء، فهذه من أوهامهما وأخطائهما، وحال ابن أخي الزهري أضعف من حال الأيلي عندهم.
سؤالٌ: هل ورد هذا اللفظُ عن غير أبي هريرة؟
الجوابُ: أخرج الطَّبراني في "الجامع الكبير" (٦٦٠): ٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُقْبَةَ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ، سَمِعَ مَالِكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْخَثْعَمِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي».
1️⃣
[شذوذ لفظة "فَسَيراني في اليَقظةِ]
- البخاري (٦٩٩٣): حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ.
قلتُ: هذا الحديثُ صحَّ من حديثِ عشرَةٍ من الصَّحابةِ، وهم:
1- أبو قتادة الأنصاري عند البخاري والدَّارمي وفي الزُّهريات.
2- أبو سعيد الخدْري عند البخاري وابن ماجه وأحمد في "المسند".
3- جابر بن عبد الله الأنصاري عند مسلمٍ في موضعين، وابن ماجه وأحمد في "المسند".
4- عبد الله بن مسعود عند التَّرمذي وقال: حسن صحيحٌ، وابن ماجه والدارمي وأحمد في "المسند" في أربعة مواضع.
5- أنس بن مالك عند البخاري وأحمد في "المسند".
6- أبو جُحَيْفةَ السُّوائي عند ابن ماجه.
7- ابن عباس عند ابن ماجه وأحمد في "المسند" في ثلاثة مواضع.
8- عبد الله بن عمرو عند الطَّبرانيّ في "الكبير" و"الأوسط".
9- طارق بن أشيم الأشجعي عند أحمد في "المسند".
10- أبو هريرةَ.
ولنوسِّعْ الكلام على حديثِ أبي هريرة؛ لأنَّ لفظةَ "فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ" لم ترد إلا من حديثِه، فنقول: روى هذا الحديثَ عن أبي هريرة خمسةٌ، وهم:
1- عبد الرحمن الحُرَقِي عند ابن ماجه، وليس فيه هذه اللفظة.
2- ذكوان أبو صالحٍ عند البخاري وأحمد في "المسند" في موضعين، وليس فيه هذه اللفظة.
3- ابن سيرين عند مسلم والتِّرمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، وأحمد في "المسند"، وليس فيه هذه اللفظة.
4- كليب الجَرمي عند أحمد في "المسند" في موضعين، وليس فيه هذه اللفظة.
5- أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
ولنوسِّعْ الكلام على رواية أبي سلمة، فنقول: رواها عن أبي سلمة رجُلان:
1- محمد بن عمرو بن علقمة الليثي عند أحمد في "المسند" في موضعين بثلاثة أسانيد، وليس فيه هذه اللفظة، بل قال: "من رآني في المنام فقد رأى الحقَّ"
تنبيهٌ: محمد بن عمرو ثقةٌ مكثِرٌ، وفي حديثِه عن أبي سلمة بعض الوهمِ، قال ابن معينٍ: "كان محمد بن عمرو يحدِّث مرَّةً عن أبي سلمة بالشيءِ رأيه، ثمَّ يحدّث به مرَّة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرةَ" اهـ.
لكنَّي أظنُّ الوهم قد وقع من محمِّد بن عمرو في نسبةِ هذا الحديثِ لأبي هريرة، لأنَّ الحديثَ مطابِقٌ لفظًا لحديثِ أبي قتادة الأنصاري عند البخاري وأحمد وفي "الزهريات"، والذي يرويه عن أبي قتادة أبو سلمة نفسُه راوي حديثِ أبي هريرة، فتداخل في ذهن محمد بن عمرو فجعله من حديثِ أبي هريرة، فلفظ: "من رآني في المنام فقد رأى الحقَّ" لفظ حديثِ أبي قتادة.
والخلاصةُ: أنَّ هذا اللفظ لم يرد من حديث أبي هريرة بما ذكرتُ وبمقارنة ألفاظ حديثِ أبي هريرة الأخرى من طريق أبي صالحٍ وابن سيرين وعبد الرَّحمن مولى الحُرَقة وكليب الجرمي.
ولندخل إلى الراوي الثاني، وهو:
2- الزهري، وذلك عند البخاري ومسلم وأبي داود، وكل هذه الطُرق راجعة إلى رواية يونسَ بن يزيد الأيلي (عند البخاري مسلم وأبي داود) وابن أخي الزُّهري (عند مسلم) كلاهما عن الزُّهري عن أبي سلمة.
-أمَّا رواية مسلم وأبي داود فقد رُويتْ على الشَّك والتَّردُّدِ: " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ".
- ورويتْ على سبيل الجزم عند البخاري: " " مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي"
قلتُ: الشِّق الثاني "أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ" = موافقٌ لغيره من حديثِ أبي هريرة وحديثِ الصَّحابة الثَّمانية، ويبقى لفظ "فَسَيَرانِي في اليَقظَةِ"، فمن أين أتى؟
والجوابُ: أنه قد تكلَّم النَّقدةُ في رواية يونس الأيلي وابن أخي الزّهري عن الزُّهري نفسِه، وقالوا: فيها أوهام وأخطاء، فهذه من أوهامهما وأخطائهما، وحال ابن أخي الزهري أضعف من حال الأيلي عندهم.
سؤالٌ: هل ورد هذا اللفظُ عن غير أبي هريرة؟
الجوابُ: أخرج الطَّبراني في "الجامع الكبير" (٦٦٠): ٦٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّائِغُ الْمَكِّيُّ، ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُقْبَةَ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ، سَمِعَ مَالِكَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْخَثْعَمِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي».
1️⃣
❤1❤🔥1
Hermit
#بحث_حديثي [شذوذ لفظة "فَسَيراني في اليَقظةِ] - البخاري (٦٩٩٣): حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ…
قال الهيثميُّ في "المجمع": وفيه مَن لم أعرفْهُ.
والحديث في "الصغير" بلفظه برقم ٨٦٩٠ ص ١٣٢ ورَمَزَ المصنِّف له بالصِّحَّةِ.
قلتُ: شُرَيْحُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُقْبَةَ المَعَافِرِيُّ مجهولٌ، ومالكُ الخَثْعَمِي الشَّهْرَانِي مختلفٌ في صُحبَتِه، ورمزُ السُّيوطيِّ له بالصِّحة إن أراد المعنى فهو متواترٌ سندًا كما تقدَّم، وإن أراد عين هذه اللفظةِ فقد تبيَّن غلطُ هذا ممَّا سبق أيضًا.
وقد حاسَ الشُّراح في هذه اللفظة وأكثروا من التأويلات، وأخذها المتصوفةُ فبنوا عليها قصورًا فارهات، وحكموا على منكِر مذهبهم بمخالفةِ الوحي، ومشاقَّة النبيِّ صلوات الله عليه وعلى آله، وتعجيز الله في قدرتِه، ومصادمةِ أهل الطريق وسدَنَتِه، وكل ذلك إن كان على هذه اللفظة فهو أوهى من شعرة، وإن كان على مباني فلسفية فالقوم ليس لهم بها معرفة، بل يحرمونها وينسبون أهلها إلى الزَّندقة، ولكنَّهم اعتصموا بالإمكان، ومعلوم أن دائرةَ الإمكان أوسع، ورمي كلِّ شيءٍ فيها أسمج.
على أن الرؤية المناميَّة في نفسها محل بحثٍ، وكيف تقع لمن لم ير النبيَّ صلوات الله عليه وعلى آله حقيقةً ؟ ومن المعلوم أنَّ الأوصاف الإجماليَّة لا تعيِّن الشَّخص كالرؤية، ولا تفصل بينه وبين غيره فصلًا يميزه عن البشرية، وعلى القول بالمعرفة الوجدانية فهل فمنشَأ الوجدان معلوم أم مجهولٌ، هل الله هو الذي خَلَقَ الصورة المتخيلة أم الشيطان أم ركبتها النَّفسُ؟
وعلى كلٍّ فالنَّفس المتهيِّئة للرُّؤى والمشاهدات الحسيَّة تقوى مخيلتها وتصوِّر لها أمورًا كاذبة، وبعضهم قديما يستعمل مواد مهلوسة من النباتات - التي الأصل فيها الإباحة - فيتعاطاها فيرى أنَّه رأى النبيَّ والملائكة والعالم المَلَكُوتي وسَبَحَ في أرجائه وتزوَّج وأوْلَدَ وَشَاخَ ثم عاد إلى العالم الحقيقي.
وأما التَّعاطي السَّاذج مع إخبارات كتب المتصوفة وما فيها من "كرامات" فلستُ مِن دَدٍ ولا الدَّدُ منِّي [1].
والله الهادي ...
...............................
[1] قال الأزهري في "تهذيب اللغة" : "ددّ: رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (مَا أَنَا مِن دَدٍ وَلَا الدَّدُ منّي) ، وَقد مرَّ تَفْسِيره، وَقَالَ أَبُو عبيد: الدَّد اللَّهْو واللَّعب: قَالَ وَقَالَ الْأَحْمَر: فِي الدَّد ثلاثُ لُغاتٍ، يُقَال: هَذَا دَدٌ على مثالي يَدٍ ودمٍ، وَهَذَا دداً على مِثَال قفاً وعَصاً، وَهَذَا دَدَنٌ على مِثال حزنٍ. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: دَدٌ، ودَدا وديدٌ وديدانٌ وَدَدَنٌ ودَيْدَبون: اللَّهْو، الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت: مَا أَنا من ددي وَلَا ددي مِنِّيَهْ، يُرِيد مَا أَنا من الْبَاطِل وَلَا الباطلُ مني، قَالَ: وَمن الْعَرَب من يَحذِفُ الْيَاء فَيَقُول: مَا أَنا من دَدٍ وَلَا دَدٌ مني، وَقَالَ اللَّيْث: دَدٌ حِكَايَة الاستنان للطَّرب، وضَرْبِ الْأَصَابِع فِي ذَلِك، وَإِن لم تضرب بعد الجري فِي بِطالةٍ فَهُوَ دَدٌ". انتهى.
2️⃣
https://t.me/TheHermit93
والحديث في "الصغير" بلفظه برقم ٨٦٩٠ ص ١٣٢ ورَمَزَ المصنِّف له بالصِّحَّةِ.
قلتُ: شُرَيْحُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُقْبَةَ المَعَافِرِيُّ مجهولٌ، ومالكُ الخَثْعَمِي الشَّهْرَانِي مختلفٌ في صُحبَتِه، ورمزُ السُّيوطيِّ له بالصِّحة إن أراد المعنى فهو متواترٌ سندًا كما تقدَّم، وإن أراد عين هذه اللفظةِ فقد تبيَّن غلطُ هذا ممَّا سبق أيضًا.
وقد حاسَ الشُّراح في هذه اللفظة وأكثروا من التأويلات، وأخذها المتصوفةُ فبنوا عليها قصورًا فارهات، وحكموا على منكِر مذهبهم بمخالفةِ الوحي، ومشاقَّة النبيِّ صلوات الله عليه وعلى آله، وتعجيز الله في قدرتِه، ومصادمةِ أهل الطريق وسدَنَتِه، وكل ذلك إن كان على هذه اللفظة فهو أوهى من شعرة، وإن كان على مباني فلسفية فالقوم ليس لهم بها معرفة، بل يحرمونها وينسبون أهلها إلى الزَّندقة، ولكنَّهم اعتصموا بالإمكان، ومعلوم أن دائرةَ الإمكان أوسع، ورمي كلِّ شيءٍ فيها أسمج.
على أن الرؤية المناميَّة في نفسها محل بحثٍ، وكيف تقع لمن لم ير النبيَّ صلوات الله عليه وعلى آله حقيقةً ؟ ومن المعلوم أنَّ الأوصاف الإجماليَّة لا تعيِّن الشَّخص كالرؤية، ولا تفصل بينه وبين غيره فصلًا يميزه عن البشرية، وعلى القول بالمعرفة الوجدانية فهل فمنشَأ الوجدان معلوم أم مجهولٌ، هل الله هو الذي خَلَقَ الصورة المتخيلة أم الشيطان أم ركبتها النَّفسُ؟
وعلى كلٍّ فالنَّفس المتهيِّئة للرُّؤى والمشاهدات الحسيَّة تقوى مخيلتها وتصوِّر لها أمورًا كاذبة، وبعضهم قديما يستعمل مواد مهلوسة من النباتات - التي الأصل فيها الإباحة - فيتعاطاها فيرى أنَّه رأى النبيَّ والملائكة والعالم المَلَكُوتي وسَبَحَ في أرجائه وتزوَّج وأوْلَدَ وَشَاخَ ثم عاد إلى العالم الحقيقي.
وأما التَّعاطي السَّاذج مع إخبارات كتب المتصوفة وما فيها من "كرامات" فلستُ مِن دَدٍ ولا الدَّدُ منِّي [1].
والله الهادي ...
...............................
[1] قال الأزهري في "تهذيب اللغة" : "ددّ: رُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (مَا أَنَا مِن دَدٍ وَلَا الدَّدُ منّي) ، وَقد مرَّ تَفْسِيره، وَقَالَ أَبُو عبيد: الدَّد اللَّهْو واللَّعب: قَالَ وَقَالَ الْأَحْمَر: فِي الدَّد ثلاثُ لُغاتٍ، يُقَال: هَذَا دَدٌ على مثالي يَدٍ ودمٍ، وَهَذَا دداً على مِثَال قفاً وعَصاً، وَهَذَا دَدَنٌ على مِثال حزنٍ. ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي: يُقَال: دَدٌ، ودَدا وديدٌ وديدانٌ وَدَدَنٌ ودَيْدَبون: اللَّهْو، الْحَرَّانِي عَن ابْن السّكيت: مَا أَنا من ددي وَلَا ددي مِنِّيَهْ، يُرِيد مَا أَنا من الْبَاطِل وَلَا الباطلُ مني، قَالَ: وَمن الْعَرَب من يَحذِفُ الْيَاء فَيَقُول: مَا أَنا من دَدٍ وَلَا دَدٌ مني، وَقَالَ اللَّيْث: دَدٌ حِكَايَة الاستنان للطَّرب، وضَرْبِ الْأَصَابِع فِي ذَلِك، وَإِن لم تضرب بعد الجري فِي بِطالةٍ فَهُوَ دَدٌ". انتهى.
2️⃣
https://t.me/TheHermit93
❤3
Hermit
Photo
[حركة الحسين وتوحيد الأنبياء: عندما يكون "ترك المسجد" عينَ العبادة]
بقلم: أبي علي المَطبخي
وأنَّا أقلِّبُ صفحاتِ بعض المواقع ظهرتْ لي مقولةٌ عجيبة سرَّحتُ الفِكر فيها طويلًا، هذه المقولة لعالم الاجتماع علي محمد تقي شريعتي رحمه الله ( ت:1397هـ)، وألهمتني هذه الأسطر التي أحاول فيها تشريح مقولتِه وتشعيبها.
توطئة
ثَمّ لحظاتٌ تاريخية مفصليَّة تتجاوز إطارَ الزمان والمكان لتطرحَ على الإنسان سؤالًا وجوديًّا ومصيريًّا، وهو: أين نَجِدُ الله حقًّا؟
هل نجدُه في الانكفاء داخل المعابدِ والصوامعِ، أم في ميادين النِّزالِ وقصفِ المدافع؟!
هل يمكن أن تتحوَّل المعابدُ إلى أوكارٍ للشَّياطين، والطُّقوس إلى عادةٍ وروتين؟ [1]
متى تصيرُ ساحاتُ القتالِ سُوحُ فتنةٍ وضلال وجُرمٍ وخَبال؟!
حين اتَّخذ الحسين بن علي قراره التَّاريخي بالرَّحيلِ عن مكَّة عشيةَ بَدْءِ مناسك الحجِّ، والنَّاس يَسِيْلُون إليها من كلِّ فَجٍّ عميق، لم يكن هذا الرَّحيلُ استخفافًا بالمناسك، بل كان إعادة تعريف لمفهومِ التَّدينُ الذي به نَجِدُ الله، لقد لخَّص د. علي شريعتي هذا المشهد العظيم في مقولته العجيبةِ تلك : "ترك الحسينُ الناس تطوفُ حول بيتِ الرَّبِ، وذهب لِيَطوفَ حول ربِّ البيتِ". والإنصافُ أنَّها جملةٌ تهزُّ الفؤاد، وتملؤه بالأسئلةِ، وتوقِظُ النَّفسَ مِن رُقادِ "التَّدين الشكلي" لتصل بها إلى جوهرِ التَّوحيد والعبوديَّة.
جذور الصراع: الخلاف مع قريش كان سياسياً واجتماعياً
لكي نفهم الإجابة على سؤال: لماذا تحول الدين في أوقات كثيرة إلى طقوس شكلية، علينا العودة إلى نقطة البداية: دعوة الرسول في مكة، إن الكثير من القراءات السَّطحية للتاريخ تختَزِلُ صراعَ قريشٍ مع النبي - صلوات الله عليه وعلى آله- في خلاف عقدي "لاهوتي" حول أسماء الآلهة وصفاتها، وهذا قصور شديدٌ.
لم تكن قريشٌ تمانع أن يُضاف "الله" كإله إضافي في الكعبة التي كانت تعج بمئات الأصنام، ولم يكن يزعجها أن يمارس النبيُّ صلوات الله عليه وعلى آله طقوسَه التعبدية في بيته، بل لم يكن عند قريشٍ حاجز من عبادة ربِّ محمَّد مدَّةً وأن يعبُد محمَّدٌ آلهتهم مدَّةً حتَّى يشاركَهم ويشارِكوه المنافع كما في سبب نزول سورة الكافرون، كل هذا قدَّمتْه قريشٌ، لكن الأزمة الحقيقية التي فجرت الصِّراع كانت أزمةً سياسيَّةً واجتماعيَّةً بامتياز؛ فقريش أدركتْ بذكائها السياسي أن كلمة "لا إله إلا الله" ليست ترنيمة دينية فقط، بل هي:
1- إعلان لثورةٍ وتفكيكٌ للمنظومة الطَّبقيَّةِ المتجذِّرة: إنَّ نفيَ الإلهيَّة عن غير الله يلازِم إسقاطَ الشَّرعيَّةِ مِن أصلِها عند الطُغاة، والقياصرة، والملوك، وسادة القبائل الذين يستعبدون البشر بادعاء الإلهيَّة كفرعون، أو تحريف الأديان كاليهود والنَّصارى، أو خدمة سَاحِ الآلهةِ كالوثنيين.
2- تقويضٌ للاحتكار الاقتصادي والسياسي: كانت الكعبة بالنسبة لقريش مركز النفوذ السياسي والاقتصادي، وجاء التوحيد ليعلن المساواة المطلقة بين السَّادة والعبيد والموالي، لذا، كان صراع قريش سياسياً لحماية امتيازاتها وسلطتها الاعتبارية والمادية ضد دين يرى في "العدل الاجتماعي" و"التحرر الإنساني" ركناً أساسياً لا يكتمل الإيمان إلا به.
المنظور القرآني للظلم: التوحيد يرفض الاستبداد
إن تتبع آيات القرآن الكريم يكشف بوضوح أن جوهر الرسالة الإلهية مبني على محاربة "الظلم" بجميع أشكاله، بل إن القرآن جعل الظلم نقيضًا مباشرًا للتَّوحيد، فحين يعِظُ العبد الصالح لقمان رحمه الله ابنَهُ قائلًا: {يا بُنيَّ لَا تُشركْ باللَّه إِنَّ الشِّركَ لَظلمٌ عظيمٌ}، فإنّ الآية ترسِمُ علاقة مفهوميَّة بين الشرك والظلم.
لماذا الشرك ظلم عظيم؟
جـ: لأنَّ الشرك شرعنةٌ للاستبداد؛ فعندما يمنح الإنسان صفات الإلهية والربوبية والحاكميَّة المطلقة لبشر مِثْلِه، فإنَّه يفتح الباب على مصراعيه لظلم العباد، وبناءً على هذا التأصيل، يقسم القرآن الظلم إلى شبكة مترابطة لا تتجزَّأ:
1. ظلم العبدِ حقَّ الله (الشرك): وهو تشويه للحقيقة الكونية وتنازل من الإنسان عن حريته التي كفلها الله له لصالح فراعنةِ الأرض.
2. ظلم العبد لنفسه بالوقوف عند القشور: وهو التَّدين الآمن الذي يكتفي بأداء الأركان عاداتٍ اجتماعيَّةً مفرَّغةً من المعنى والروح، فيُورِثُ ركودَ الأمَّة وموتَ وعيها.
3. ظلم العبد لغيره (الاعتداء والمُمَالأة): وهنا تكمن المفارقة الصادمة؛ حين تجد رجلًا يصوم ويصلي، لكنَّه في تفاصيل حياته اليومية يوالي العصاة، ويجالِس الجبابرة، ويأكل من دنياهم، ويعطيهم من دينه بقدر الذي أكل بل أكثر متغافلاً عن قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}.
.......................
[1] الروتين : (اسم)
طريقة محدَّدة تجري على وتيرة واحدة في عملِ الأشياء
الروتين : (إدارة)
تعبير عاميّ يطلق على الأعمال التي تتّسم بالرتابة، وخصوصًا ما كان منها غير ضروري أو معقّد بصورة مفتعلة.
1️⃣
بقلم: أبي علي المَطبخي
وأنَّا أقلِّبُ صفحاتِ بعض المواقع ظهرتْ لي مقولةٌ عجيبة سرَّحتُ الفِكر فيها طويلًا، هذه المقولة لعالم الاجتماع علي محمد تقي شريعتي رحمه الله ( ت:1397هـ)، وألهمتني هذه الأسطر التي أحاول فيها تشريح مقولتِه وتشعيبها.
توطئة
ثَمّ لحظاتٌ تاريخية مفصليَّة تتجاوز إطارَ الزمان والمكان لتطرحَ على الإنسان سؤالًا وجوديًّا ومصيريًّا، وهو: أين نَجِدُ الله حقًّا؟
هل نجدُه في الانكفاء داخل المعابدِ والصوامعِ، أم في ميادين النِّزالِ وقصفِ المدافع؟!
هل يمكن أن تتحوَّل المعابدُ إلى أوكارٍ للشَّياطين، والطُّقوس إلى عادةٍ وروتين؟ [1]
متى تصيرُ ساحاتُ القتالِ سُوحُ فتنةٍ وضلال وجُرمٍ وخَبال؟!
حين اتَّخذ الحسين بن علي قراره التَّاريخي بالرَّحيلِ عن مكَّة عشيةَ بَدْءِ مناسك الحجِّ، والنَّاس يَسِيْلُون إليها من كلِّ فَجٍّ عميق، لم يكن هذا الرَّحيلُ استخفافًا بالمناسك، بل كان إعادة تعريف لمفهومِ التَّدينُ الذي به نَجِدُ الله، لقد لخَّص د. علي شريعتي هذا المشهد العظيم في مقولته العجيبةِ تلك : "ترك الحسينُ الناس تطوفُ حول بيتِ الرَّبِ، وذهب لِيَطوفَ حول ربِّ البيتِ". والإنصافُ أنَّها جملةٌ تهزُّ الفؤاد، وتملؤه بالأسئلةِ، وتوقِظُ النَّفسَ مِن رُقادِ "التَّدين الشكلي" لتصل بها إلى جوهرِ التَّوحيد والعبوديَّة.
جذور الصراع: الخلاف مع قريش كان سياسياً واجتماعياً
لكي نفهم الإجابة على سؤال: لماذا تحول الدين في أوقات كثيرة إلى طقوس شكلية، علينا العودة إلى نقطة البداية: دعوة الرسول في مكة، إن الكثير من القراءات السَّطحية للتاريخ تختَزِلُ صراعَ قريشٍ مع النبي - صلوات الله عليه وعلى آله- في خلاف عقدي "لاهوتي" حول أسماء الآلهة وصفاتها، وهذا قصور شديدٌ.
لم تكن قريشٌ تمانع أن يُضاف "الله" كإله إضافي في الكعبة التي كانت تعج بمئات الأصنام، ولم يكن يزعجها أن يمارس النبيُّ صلوات الله عليه وعلى آله طقوسَه التعبدية في بيته، بل لم يكن عند قريشٍ حاجز من عبادة ربِّ محمَّد مدَّةً وأن يعبُد محمَّدٌ آلهتهم مدَّةً حتَّى يشاركَهم ويشارِكوه المنافع كما في سبب نزول سورة الكافرون، كل هذا قدَّمتْه قريشٌ، لكن الأزمة الحقيقية التي فجرت الصِّراع كانت أزمةً سياسيَّةً واجتماعيَّةً بامتياز؛ فقريش أدركتْ بذكائها السياسي أن كلمة "لا إله إلا الله" ليست ترنيمة دينية فقط، بل هي:
1- إعلان لثورةٍ وتفكيكٌ للمنظومة الطَّبقيَّةِ المتجذِّرة: إنَّ نفيَ الإلهيَّة عن غير الله يلازِم إسقاطَ الشَّرعيَّةِ مِن أصلِها عند الطُغاة، والقياصرة، والملوك، وسادة القبائل الذين يستعبدون البشر بادعاء الإلهيَّة كفرعون، أو تحريف الأديان كاليهود والنَّصارى، أو خدمة سَاحِ الآلهةِ كالوثنيين.
2- تقويضٌ للاحتكار الاقتصادي والسياسي: كانت الكعبة بالنسبة لقريش مركز النفوذ السياسي والاقتصادي، وجاء التوحيد ليعلن المساواة المطلقة بين السَّادة والعبيد والموالي، لذا، كان صراع قريش سياسياً لحماية امتيازاتها وسلطتها الاعتبارية والمادية ضد دين يرى في "العدل الاجتماعي" و"التحرر الإنساني" ركناً أساسياً لا يكتمل الإيمان إلا به.
المنظور القرآني للظلم: التوحيد يرفض الاستبداد
إن تتبع آيات القرآن الكريم يكشف بوضوح أن جوهر الرسالة الإلهية مبني على محاربة "الظلم" بجميع أشكاله، بل إن القرآن جعل الظلم نقيضًا مباشرًا للتَّوحيد، فحين يعِظُ العبد الصالح لقمان رحمه الله ابنَهُ قائلًا: {يا بُنيَّ لَا تُشركْ باللَّه إِنَّ الشِّركَ لَظلمٌ عظيمٌ}، فإنّ الآية ترسِمُ علاقة مفهوميَّة بين الشرك والظلم.
لماذا الشرك ظلم عظيم؟
جـ: لأنَّ الشرك شرعنةٌ للاستبداد؛ فعندما يمنح الإنسان صفات الإلهية والربوبية والحاكميَّة المطلقة لبشر مِثْلِه، فإنَّه يفتح الباب على مصراعيه لظلم العباد، وبناءً على هذا التأصيل، يقسم القرآن الظلم إلى شبكة مترابطة لا تتجزَّأ:
1. ظلم العبدِ حقَّ الله (الشرك): وهو تشويه للحقيقة الكونية وتنازل من الإنسان عن حريته التي كفلها الله له لصالح فراعنةِ الأرض.
2. ظلم العبد لنفسه بالوقوف عند القشور: وهو التَّدين الآمن الذي يكتفي بأداء الأركان عاداتٍ اجتماعيَّةً مفرَّغةً من المعنى والروح، فيُورِثُ ركودَ الأمَّة وموتَ وعيها.
3. ظلم العبد لغيره (الاعتداء والمُمَالأة): وهنا تكمن المفارقة الصادمة؛ حين تجد رجلًا يصوم ويصلي، لكنَّه في تفاصيل حياته اليومية يوالي العصاة، ويجالِس الجبابرة، ويأكل من دنياهم، ويعطيهم من دينه بقدر الذي أكل بل أكثر متغافلاً عن قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}.
.......................
[1] الروتين : (اسم)
طريقة محدَّدة تجري على وتيرة واحدة في عملِ الأشياء
الروتين : (إدارة)
تعبير عاميّ يطلق على الأعمال التي تتّسم بالرتابة، وخصوصًا ما كان منها غير ضروري أو معقّد بصورة مفتعلة.
1️⃣
❤4
Hermit
[حركة الحسين وتوحيد الأنبياء: عندما يكون "ترك المسجد" عينَ العبادة] بقلم: أبي علي المَطبخي وأنَّا أقلِّبُ صفحاتِ بعض المواقع ظهرتْ لي مقولةٌ عجيبة سرَّحتُ الفِكر فيها طويلًا، هذه المقولة لعالم الاجتماع علي محمد تقي شريعتي رحمه الله ( ت:1397هـ)، وألهمتني هذه…
حقائب مليئة بالهدايا.. وعقول فارغة
في هذا السياق من التَّدين الشكلي، يأتي تحذير علي شريعتي الآخر المكمل لهذه الفكرة حين قال: "من لم يدركْ معنى الحجِّ، سيعودُ مِن مكة بحقيبةٍ مليئةٍ بالهدايا وعقلٍ فارغٍ".
إن هذا الوصف الدقيق يختصر مأساة "التَّسليع الدِّيني"؛ حيث صارتِ العباداتُ التَّغييريَّةُ الكبرى كالحجِّ، الذي هو في أصله مؤتمر لإعلان البراءة من المشركين والطغاة وتحقيق المساواة التامة في اللباس والمكان إلى مجرد "سياحة دينية" واستهلاك مادي، يعود المرء منه محمَّلًا بالمظاهر والألقاب، لكنَّ عقلَه فارغٌ مِن أي وعي حقيقي بواجباته تجاه مجتمعِهِ وأمَّتِه، هذا النَّمط من التَّدين هو المفضل لدى الفراعنةِ عبر التَّاريخ؛ لأنَّه ينتج أفرادًا "متقوقعين في صوامعهم، عاجزين ومستسلمين في مجتمعاتهم، وقتما شاء أكرمهم واستعملهم، وإن غضب وَطِئهم وَطْء النِّعال"
الوجه الآخر للمأساة: تحويل الحركةِ الحسينية إلى "مسرحيات وفلكلور [1]"
"التدين القشري" لم يقتصر على تفريغ شعيرة الحج أو الصلاة فحسب، بل امتد لينتج نسخته المقابلة والأشد خطورة على نفسِ الحركات الإصلاحيَّة، فمثلًا: في الأوساط الشيعية الإماميَّة في العصور المتأخرة (من القرن العاشر الهجري) ، تظهر المفارقة الصارخة التي فككها شريعتي في نقده لما أسماه "التشيع الصفوي" في مقابل "التشيع العَلَوي".
لقد تحولت حركة الحسين الإبائيَّة—التي قام أُسُّها على رفضِ الظُّلم والفساد السياسي—إلى "طقس سَنَوي" يُعاد تدويره واجتراره كل عام كغاية في ذاته، وبدلاً من أن تكون عاشوراء مدرسة لاستلهام رَفْضِ الفسادِ، تحولت إلى مظاهر وشعائر مفرَّغة من أي مضمون تغييري:
1- مظاهر الجزع السطحي: غرق الكثيرون في طقوس "التطبير"، و"اللطم"، و"التطيين"، وعروض "التشابيه" والمسرحيات التي تختزل مأساة كربلاء في البكاء والاستدرار العاطفي وطلب الثواب والزيارات الفردية، بل تحوَّلت لمادة هزلية مضحكةٍ، فأضحتْ هذه المظاهرُ صَدًّا عن الحسين وفكره، وسدًّا منيعا دونه.
2- الانفصال عن الواقع: الغريب في هذا المشهد القبيح هو هذا الانفصال الوجداني؛ فحين تنتهي هذه المواسم الدينية العاطفية، وتجف دماء التطبير ودموع اللطم، يعود أكثرُ هؤلاء الممارسين إلى سابق عهدهم، فتجدهم ينخرطون في موالاة الظالمين، وإثارةِ مسائل العنصريات القبلية الجاهلية، والاصطفافات السياسية النفعية، وممالأة الفاسدين الذين يسرقون أقوات الفقراء.
"إنَّ من يبكي على الحسين العطشان في التاريخ، ثم يسكت عن الطغاة الذين يعطشون الشعوب في الحاضر، لم يفهم من كربلاء شيئا."
وليس واقع العراق المعاصر منا ببعيد؛ حيث تُرفع الرايات الحسينية على أسوار المؤسسات والشوارع، وتُقام أضخم المواسم الشعائرية، بينما يرزح الواقع تحت وطأة الفساد السياسي، والمحاصصة الطائفية، والظلم الاجتماعي، إنه الإفراط في "عاطفة الطَّقْس" والتفريط التام في "وعي القضية".
وقد يقول أحدهم لم تذكر الطَّائفة الأُخرى أهلَ السُنَّةِ و"الجماعة" فأقول: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ)، وكيف تريدني أن أتكلَّم مع قومٍ رضوا لأنفُسِهم أن يكون فخارُهم وشعارُهم إلى جماعةٍ اجتمعتْ على فرعون هذه الأمَّة، وهل عام "الجماعة" هذا إلَّا ثُلمةٌ في الدين دَفَعَ الحسينُ وأهلُه وأصحابُه ثمنَ إصلاحِه بدمائهم؟!
الخلاصة: كسر القشرة الصلبة
كلما طال الأمد على الأمم، ران على دينها الركود، فتتشكل فوق جوهره النقي "طبقة صلبة لكنها قشرية" من التقاليد الجامدة والطقوس الخاوية، سواء كانت هذه القشرة متمثلة في "حقيبة هدايا" يعود بها حاجّ غافل، أو في "ضربة سيف" يَشُجُّ بها مُطبِّرٌ رأسَه وهو يوالي الفاسدين في حاضره وماضيه.
إن هذه القشرة الصُّلبة توهِمُ النَّاس بأنهم متدينون، وعلى الخير ماضون، ومخالفهم ضال، والحقُّ أنَّهم من الأخسرين أعمالًا ﴿الذينَ ضَلَّ سعيهُم في الحياةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسَبونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا﴾
لقد كان نهوضُ الحسينِ بن علي هو المِعْوَلُ الذي كسَّر هذه القشرة؛ أراد أن يثبت للأمة أن العبادة الحقيقية ليس طقسًا تؤدِّيه وأنت مغمض العينين عن غايتِه. فإذا غاب العدل، وسُحقت كرامة الإنسان، وصار الأمر نهْبًا للطغاة، فإن "ترك المسجد" و"ترك الشعائر الجامدة" والنزول إلى ساحات الإصلاح هو عين العبادة، وأمّ الوِراثة، وهو الطواف الحقيقي حول "رب البيت".
السَّلام عليك أبا عبد الله الحسين
السَّلام عليك يا داعيَ الله وربَّانيَّ آياتِه
السَّلام عليك يا تاليَ كتاب الله وتَرجُمانَه
السَّلام عليك أيُّها العلمُ المنصوبُ إِلى يومِ القيامة
.........................
[1] فُلكُلور: (اسم)
(الثقافة والفنون) فولْكُلور؛ تراث شعبي؛ مجموع التقاليد الشعبيَّة والعادات الخاصّة بثقافة بلدٍ ما وحضارته فُلْكلور شعبيّ/تراثيّ/غنائيّ.
2️⃣
https://t.me/TheHermit93
في هذا السياق من التَّدين الشكلي، يأتي تحذير علي شريعتي الآخر المكمل لهذه الفكرة حين قال: "من لم يدركْ معنى الحجِّ، سيعودُ مِن مكة بحقيبةٍ مليئةٍ بالهدايا وعقلٍ فارغٍ".
إن هذا الوصف الدقيق يختصر مأساة "التَّسليع الدِّيني"؛ حيث صارتِ العباداتُ التَّغييريَّةُ الكبرى كالحجِّ، الذي هو في أصله مؤتمر لإعلان البراءة من المشركين والطغاة وتحقيق المساواة التامة في اللباس والمكان إلى مجرد "سياحة دينية" واستهلاك مادي، يعود المرء منه محمَّلًا بالمظاهر والألقاب، لكنَّ عقلَه فارغٌ مِن أي وعي حقيقي بواجباته تجاه مجتمعِهِ وأمَّتِه، هذا النَّمط من التَّدين هو المفضل لدى الفراعنةِ عبر التَّاريخ؛ لأنَّه ينتج أفرادًا "متقوقعين في صوامعهم، عاجزين ومستسلمين في مجتمعاتهم، وقتما شاء أكرمهم واستعملهم، وإن غضب وَطِئهم وَطْء النِّعال"
الوجه الآخر للمأساة: تحويل الحركةِ الحسينية إلى "مسرحيات وفلكلور [1]"
"التدين القشري" لم يقتصر على تفريغ شعيرة الحج أو الصلاة فحسب، بل امتد لينتج نسخته المقابلة والأشد خطورة على نفسِ الحركات الإصلاحيَّة، فمثلًا: في الأوساط الشيعية الإماميَّة في العصور المتأخرة (من القرن العاشر الهجري) ، تظهر المفارقة الصارخة التي فككها شريعتي في نقده لما أسماه "التشيع الصفوي" في مقابل "التشيع العَلَوي".
لقد تحولت حركة الحسين الإبائيَّة—التي قام أُسُّها على رفضِ الظُّلم والفساد السياسي—إلى "طقس سَنَوي" يُعاد تدويره واجتراره كل عام كغاية في ذاته، وبدلاً من أن تكون عاشوراء مدرسة لاستلهام رَفْضِ الفسادِ، تحولت إلى مظاهر وشعائر مفرَّغة من أي مضمون تغييري:
1- مظاهر الجزع السطحي: غرق الكثيرون في طقوس "التطبير"، و"اللطم"، و"التطيين"، وعروض "التشابيه" والمسرحيات التي تختزل مأساة كربلاء في البكاء والاستدرار العاطفي وطلب الثواب والزيارات الفردية، بل تحوَّلت لمادة هزلية مضحكةٍ، فأضحتْ هذه المظاهرُ صَدًّا عن الحسين وفكره، وسدًّا منيعا دونه.
2- الانفصال عن الواقع: الغريب في هذا المشهد القبيح هو هذا الانفصال الوجداني؛ فحين تنتهي هذه المواسم الدينية العاطفية، وتجف دماء التطبير ودموع اللطم، يعود أكثرُ هؤلاء الممارسين إلى سابق عهدهم، فتجدهم ينخرطون في موالاة الظالمين، وإثارةِ مسائل العنصريات القبلية الجاهلية، والاصطفافات السياسية النفعية، وممالأة الفاسدين الذين يسرقون أقوات الفقراء.
"إنَّ من يبكي على الحسين العطشان في التاريخ، ثم يسكت عن الطغاة الذين يعطشون الشعوب في الحاضر، لم يفهم من كربلاء شيئا."
وليس واقع العراق المعاصر منا ببعيد؛ حيث تُرفع الرايات الحسينية على أسوار المؤسسات والشوارع، وتُقام أضخم المواسم الشعائرية، بينما يرزح الواقع تحت وطأة الفساد السياسي، والمحاصصة الطائفية، والظلم الاجتماعي، إنه الإفراط في "عاطفة الطَّقْس" والتفريط التام في "وعي القضية".
وقد يقول أحدهم لم تذكر الطَّائفة الأُخرى أهلَ السُنَّةِ و"الجماعة" فأقول: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ)، وكيف تريدني أن أتكلَّم مع قومٍ رضوا لأنفُسِهم أن يكون فخارُهم وشعارُهم إلى جماعةٍ اجتمعتْ على فرعون هذه الأمَّة، وهل عام "الجماعة" هذا إلَّا ثُلمةٌ في الدين دَفَعَ الحسينُ وأهلُه وأصحابُه ثمنَ إصلاحِه بدمائهم؟!
الخلاصة: كسر القشرة الصلبة
كلما طال الأمد على الأمم، ران على دينها الركود، فتتشكل فوق جوهره النقي "طبقة صلبة لكنها قشرية" من التقاليد الجامدة والطقوس الخاوية، سواء كانت هذه القشرة متمثلة في "حقيبة هدايا" يعود بها حاجّ غافل، أو في "ضربة سيف" يَشُجُّ بها مُطبِّرٌ رأسَه وهو يوالي الفاسدين في حاضره وماضيه.
إن هذه القشرة الصُّلبة توهِمُ النَّاس بأنهم متدينون، وعلى الخير ماضون، ومخالفهم ضال، والحقُّ أنَّهم من الأخسرين أعمالًا ﴿الذينَ ضَلَّ سعيهُم في الحياةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسَبونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا﴾
لقد كان نهوضُ الحسينِ بن علي هو المِعْوَلُ الذي كسَّر هذه القشرة؛ أراد أن يثبت للأمة أن العبادة الحقيقية ليس طقسًا تؤدِّيه وأنت مغمض العينين عن غايتِه. فإذا غاب العدل، وسُحقت كرامة الإنسان، وصار الأمر نهْبًا للطغاة، فإن "ترك المسجد" و"ترك الشعائر الجامدة" والنزول إلى ساحات الإصلاح هو عين العبادة، وأمّ الوِراثة، وهو الطواف الحقيقي حول "رب البيت".
السَّلام عليك أبا عبد الله الحسين
السَّلام عليك يا داعيَ الله وربَّانيَّ آياتِه
السَّلام عليك يا تاليَ كتاب الله وتَرجُمانَه
السَّلام عليك أيُّها العلمُ المنصوبُ إِلى يومِ القيامة
.........................
[1] فُلكُلور: (اسم)
(الثقافة والفنون) فولْكُلور؛ تراث شعبي؛ مجموع التقاليد الشعبيَّة والعادات الخاصّة بثقافة بلدٍ ما وحضارته فُلْكلور شعبيّ/تراثيّ/غنائيّ.
2️⃣
https://t.me/TheHermit93
❤4
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر رجلاً مألفاً لقومه محبّبًا سهلاً، وكان أنسَبَ قريشٍ لقريش، وكان تاجراً ذا خُلُقٍ ومعروف، فجعل لمّا أسلم يدعو إلى اللّٰه وإلى الإسلام مَن وثِق به من قومه، مِمَّنْ يَغشاه، ويجلس إليه، فأسلم بدعائه: عثمان، والزُّبير، وعبد الرحمن بن عَوف، وطلحة بن عُبَيدالله، وسعد بن أبي وقاص، فجاء بهم إلىٰ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين أسلموا وصلُّوا، فكان هؤلاء النَّفر الثمانية أوّل من سبق بالإسلام وصلُّوا وصدَّقوا. اهـ
هذه الرواية تستحق التأمل ثبوتًا من جهة الكيفية التي تتشكل بها الروايات التأسيسية في الذاكرة التاريخية.
الرواية تجعل أبا بكر سببًا في إسلام عدد من أبرز السابقين إلى الإسلام، منهم الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص (كلهم من "العَشَرة").
فيتساءل اليقظ: أليس الزبير ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وسعد من بني زهرة، وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم. أليس بعيدًا ألا يدعوهم بنفسه عليه السلام ويوكل هذا إلىٰ أبي بكر؟ ثم ألم يكونوا صبيانًا صغارًا فأي صلة بينهم وبين رجل كهل من بطن بعيد من بطون قريش؟
لا يدل ظاهر الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم، إذ قد يكون المقصود أن أبا بكر كان سببًا مباشرًا في إسلامهم أو في اصطحابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغتهم الدعوة. لكن اجتماع هذا العدد من كبار السابقين في خبر واحد يجعل الباحث يتوقف، ويتساءل: هل تعكس الرواية الواقع كما وقع، أم أنها صيغت – أو أُعيد ترتيبها – بعد استقرار مكانة هؤلاء النفر وأبي بكر في الوعي الإسلامي، فأصبحت البدايات تُروى على نحو ينسجم مع ما آل إليه أمرهم؟
وهذا لون معروف في الدراسات التاريخية، حيث يُحذر من تفسير البدايات في ضوء النهايات، أو مما يسمى بالإسقاط اللاحق؛ إذ قد تعيد الذاكرة الجمعية بناء بعض تفاصيل الماضي بما يتوافق مع الصورة التي استقرت لاحقًا في الأذهان. فبعد أن صار أبو بكر أفضل الصحابة عند جمهور المسلمين، وصار هؤلاء من كبار السابقين، أصبح من الطبيعي أن تنشأ روايات تجمع بينهم منذ اللحظات الأولى للدعوة، بما يمنح السرد التاريخي قدرًا من الاتساق والرمزية.
هذه الرواية تستحق التأمل ثبوتًا من جهة الكيفية التي تتشكل بها الروايات التأسيسية في الذاكرة التاريخية.
الرواية تجعل أبا بكر سببًا في إسلام عدد من أبرز السابقين إلى الإسلام، منهم الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص (كلهم من "العَشَرة").
فيتساءل اليقظ: أليس الزبير ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وسعد من بني زهرة، وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم. أليس بعيدًا ألا يدعوهم بنفسه عليه السلام ويوكل هذا إلىٰ أبي بكر؟ ثم ألم يكونوا صبيانًا صغارًا فأي صلة بينهم وبين رجل كهل من بطن بعيد من بطون قريش؟
لا يدل ظاهر الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم، إذ قد يكون المقصود أن أبا بكر كان سببًا مباشرًا في إسلامهم أو في اصطحابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغتهم الدعوة. لكن اجتماع هذا العدد من كبار السابقين في خبر واحد يجعل الباحث يتوقف، ويتساءل: هل تعكس الرواية الواقع كما وقع، أم أنها صيغت – أو أُعيد ترتيبها – بعد استقرار مكانة هؤلاء النفر وأبي بكر في الوعي الإسلامي، فأصبحت البدايات تُروى على نحو ينسجم مع ما آل إليه أمرهم؟
وهذا لون معروف في الدراسات التاريخية، حيث يُحذر من تفسير البدايات في ضوء النهايات، أو مما يسمى بالإسقاط اللاحق؛ إذ قد تعيد الذاكرة الجمعية بناء بعض تفاصيل الماضي بما يتوافق مع الصورة التي استقرت لاحقًا في الأذهان. فبعد أن صار أبو بكر أفضل الصحابة عند جمهور المسلمين، وصار هؤلاء من كبار السابقين، أصبح من الطبيعي أن تنشأ روايات تجمع بينهم منذ اللحظات الأولى للدعوة، بما يمنح السرد التاريخي قدرًا من الاتساق والرمزية.
👎2
#تاريخ
[انحسار الفكر التاريخي في عصور النَّهضة]
قال التَّيموميُّ في "المَدَارِسِ التَّاريخِيَّةِ الْحَدِيثَةِ" : وَلَا يَعُودُ انْحِسَارُ الْفِكْرِ التَّارِيخِيِّ النَّقْدِيِّ فَقَطْ إِلَى الِاسْتِبْدَادِ السِّيَاسِيِّ وَالتَّزَمُّتِ الدِّينِيِّ، وَإِنَّمَا يَعُودُ كَذَلِكَ إِلَى الشَّغَفِ بِالْعُلُومِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، خَاصَّةً فِي الْقَرْنِ السَّابِعَ عَشَرَ. وَقَدْ اعْتَبَرَ الْكَثِيرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَرْمُوقِينَ مِثْلَ دِيكَارْتَ عِلْمَ التَّارِيخِ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ، لَكِنْ مِنْ جَمِيلِ الصُّدَفِ أَنَّ الْمَفَاهِيمَ الْعِلْمِيَّةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا عَالِمٌ مِثْلُ دِيكَارْتَ فِي خِطَابِهِ فِي الْمَنْهَجِيَّةِ — مِثْلَ الشَّكِّ الرَّادِيكَالِيِّ، وَكَيْفِيَّةِ بُلُوغِ الْحَقِيقَةِ بِوَاسِطَةِ اسْتِخْدَامِ مَقُولَاتِ الْبَدَاهَةِ، وَالتَّحْلِيلِ، وَالتَّأْلِيفِ، وَالْإِحْصَاءِ — قَدْ سَاعَدَتِ الْمُؤَرِّخِينَ لَاحِقاً عَلَى تَطْوِيرِ عِلْمِهِمْ؛ الْمُؤَرِّخُونَ الْوَضْعِيُّونَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ».
https://t.me/TheHermit93
[انحسار الفكر التاريخي في عصور النَّهضة]
قال التَّيموميُّ في "المَدَارِسِ التَّاريخِيَّةِ الْحَدِيثَةِ" : وَلَا يَعُودُ انْحِسَارُ الْفِكْرِ التَّارِيخِيِّ النَّقْدِيِّ فَقَطْ إِلَى الِاسْتِبْدَادِ السِّيَاسِيِّ وَالتَّزَمُّتِ الدِّينِيِّ، وَإِنَّمَا يَعُودُ كَذَلِكَ إِلَى الشَّغَفِ بِالْعُلُومِ وَالرِّيَاضِيَّاتِ، خَاصَّةً فِي الْقَرْنِ السَّابِعَ عَشَرَ. وَقَدْ اعْتَبَرَ الْكَثِيرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمَرْمُوقِينَ مِثْلَ دِيكَارْتَ عِلْمَ التَّارِيخِ عَدِيمَ الْفَائِدَةِ، لَكِنْ مِنْ جَمِيلِ الصُّدَفِ أَنَّ الْمَفَاهِيمَ الْعِلْمِيَّةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا عَالِمٌ مِثْلُ دِيكَارْتَ فِي خِطَابِهِ فِي الْمَنْهَجِيَّةِ — مِثْلَ الشَّكِّ الرَّادِيكَالِيِّ، وَكَيْفِيَّةِ بُلُوغِ الْحَقِيقَةِ بِوَاسِطَةِ اسْتِخْدَامِ مَقُولَاتِ الْبَدَاهَةِ، وَالتَّحْلِيلِ، وَالتَّأْلِيفِ، وَالْإِحْصَاءِ — قَدْ سَاعَدَتِ الْمُؤَرِّخِينَ لَاحِقاً عَلَى تَطْوِيرِ عِلْمِهِمْ؛ الْمُؤَرِّخُونَ الْوَضْعِيُّونَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ».
https://t.me/TheHermit93
❤1
#تاريخ
[إعلان حقوق الإنسان الصَّادر عن الثَّورة الفرنسية عام 1789م]
كلّفت الجمعية التأسيسية خمسة نواب - ديمونييه، لا لوزيرن، ترونشيه، ميرابو، وريدون - بدراسة مسودات الإعلانات المختلفة، ودمجها في إعلان واحد، وتقديمه إلى الجمعية. وبندًا بندًا، جرى التصويت على الإعلان الفرنسي في الفترة ما بين 20 و26 أغسطس 1789.
في ديباجتها وموادها السبعة عشر، تحدد الحقوق "الطبيعية وغير القابلة للتصرف"، وهي الحرية والملكية والأمن ومقاومة القمع؛ وتعترف بالمساواة أمام القانون ونظام العدالة، وتؤكد مبدأ الفصل بين السلطات.
تم التصديق عليه في 5 أكتوبر من قبل لويس السادس عشر تحت ضغط من الجمعية والشعب الذي هرع إلى فرساي، وكان بمثابة مقدمة لأول دستور للثورة الفرنسية عام 1791. وبينما تم تجاهل النص لاحقًا من قبل العديد من الثوار، وتلاه إعلانان آخران لحقوق الإنسان في عامي 1793 و1795، فإن نص 26 أغسطس 1789 هو الذي صمد، وألهم نصوصًا مماثلة في العديد من الدول الأوروبية ودول أمريكا اللاتينية طوال القرن التاسع عشر؛ وعلى هذا النص تأسست الدساتير الفرنسية لأعوام 1852 و1946 و1958.
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي وقع في باريس في 10 ديسمبر 1948، تمامًا مثل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي وقعت في روما في 4 نوفمبر 1950، لهما نفس الأصول.
لقراءة المواد السبعة عشر ..... 🔻
https://www-elysee-fr.translate.goog/en/french-presidency/the-declaration-of-the-rights-of-man-and-of-the-citizen?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=tc
https://t.me/TheHermit93
[إعلان حقوق الإنسان الصَّادر عن الثَّورة الفرنسية عام 1789م]
كلّفت الجمعية التأسيسية خمسة نواب - ديمونييه، لا لوزيرن، ترونشيه، ميرابو، وريدون - بدراسة مسودات الإعلانات المختلفة، ودمجها في إعلان واحد، وتقديمه إلى الجمعية. وبندًا بندًا، جرى التصويت على الإعلان الفرنسي في الفترة ما بين 20 و26 أغسطس 1789.
في ديباجتها وموادها السبعة عشر، تحدد الحقوق "الطبيعية وغير القابلة للتصرف"، وهي الحرية والملكية والأمن ومقاومة القمع؛ وتعترف بالمساواة أمام القانون ونظام العدالة، وتؤكد مبدأ الفصل بين السلطات.
تم التصديق عليه في 5 أكتوبر من قبل لويس السادس عشر تحت ضغط من الجمعية والشعب الذي هرع إلى فرساي، وكان بمثابة مقدمة لأول دستور للثورة الفرنسية عام 1791. وبينما تم تجاهل النص لاحقًا من قبل العديد من الثوار، وتلاه إعلانان آخران لحقوق الإنسان في عامي 1793 و1795، فإن نص 26 أغسطس 1789 هو الذي صمد، وألهم نصوصًا مماثلة في العديد من الدول الأوروبية ودول أمريكا اللاتينية طوال القرن التاسع عشر؛ وعلى هذا النص تأسست الدساتير الفرنسية لأعوام 1852 و1946 و1958.
إن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي وقع في باريس في 10 ديسمبر 1948، تمامًا مثل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي وقعت في روما في 4 نوفمبر 1950، لهما نفس الأصول.
لقراءة المواد السبعة عشر ..... 🔻
https://www-elysee-fr.translate.goog/en/french-presidency/the-declaration-of-the-rights-of-man-and-of-the-citizen?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=tc
https://t.me/TheHermit93
elysee.fr
The Declaration of the Rights of Man and of the Citizen
Find the history and the full text of the declaration of the rights of man and of the citizen of 1789, quoted in the preamble of the Constitution of the Fifth Republic.
#تاريخ
[التاريخ القديم تاريخ الملوك]
يقول فولتير ( ت: ١٧٧٨م) في إحدى كتاباته: "يبدو لي أنَّ التاريخَ لم يُنْظَرْ إليه إلا باعتباره عملياتِ تجميعٍ كُرُونُولُوجِيَّةٍ[١]، ولم يُكْتَبْ لا من مَوْقِعِ المواطنةِ ولا من مَوْقِعِ الفلسفةِ.... لقد حاولتُ قَدْرَ المستطاع كتابةَ تاريخِ العاداتِ والعلومِ والقوانينِ والتقاليدِ والخرافاتِ.. إنِّي لم أُعَايِنْ إلى حدِّ الآن سوى تاريخِ الملوكِ، أُرِيدُ الآن معاينةَ تاريخِ البشرِ".
"المدارس التاريخية الحديثة" للهادي التَّيمومي.
.....................
[١] الكرونولوجيا (chronology) : علم يُعْنَى بتقسيم الزمن إلى فترات وتعيين التواريخ الدقيقة للأحداث وترتيبها وفقًا لتسلسلها الزمني [عامة]
https://t.me/TheHermit93
[التاريخ القديم تاريخ الملوك]
يقول فولتير ( ت: ١٧٧٨م) في إحدى كتاباته: "يبدو لي أنَّ التاريخَ لم يُنْظَرْ إليه إلا باعتباره عملياتِ تجميعٍ كُرُونُولُوجِيَّةٍ[١]، ولم يُكْتَبْ لا من مَوْقِعِ المواطنةِ ولا من مَوْقِعِ الفلسفةِ.... لقد حاولتُ قَدْرَ المستطاع كتابةَ تاريخِ العاداتِ والعلومِ والقوانينِ والتقاليدِ والخرافاتِ.. إنِّي لم أُعَايِنْ إلى حدِّ الآن سوى تاريخِ الملوكِ، أُرِيدُ الآن معاينةَ تاريخِ البشرِ".
"المدارس التاريخية الحديثة" للهادي التَّيمومي.
.....................
[١] الكرونولوجيا (chronology) : علم يُعْنَى بتقسيم الزمن إلى فترات وتعيين التواريخ الدقيقة للأحداث وترتيبها وفقًا لتسلسلها الزمني [عامة]
https://t.me/TheHermit93
❤2
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
[الانفكاك عن العقل الجمعي]
قُلۡ إِنَّمَاۤ أَعِظُكُم بِوَ ٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَ ٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ۚ
المعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصا. متفرّقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا؛
أمّا الاثنان: فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر الصحيح على جادة الحق وسننه.
وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ويعرض فكره على عقله وذهنه وما استقرّ عنده من عادات العقلاء ومجاري أحوالهم.
والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى: أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول، ومع ذلك يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب.
- الزمخشري
قُلۡ إِنَّمَاۤ أَعِظُكُم بِوَ ٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَ ٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ۚ
المعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصا. متفرّقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا؛
أمّا الاثنان: فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر الصحيح على جادة الحق وسننه.
وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ويعرض فكره على عقله وذهنه وما استقرّ عنده من عادات العقلاء ومجاري أحوالهم.
والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى: أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول، ومع ذلك يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب.
- الزمخشري
👌3❤1
Forwarded from صندوقُ الدُّنيا
صندوقُ الدُّنيا
Video
[من الاستبداد السياسي إلى الاستبداد الأسري]
وجود النظام السياسي المستبد لا يلزم منه ضرورة أن كل الأسر في ذلك المجتمع ستكون مستبدة، والعكس صحيح كذلك. فالعلاقة بينهما ليست علاقة سببية ميكانيكية، بل علاقة ديناميكية تبادلية؛ فالنظام السياسي يؤثر في الثقافة العامة، وهذه الثقافة تدخل الأسرة، ثم الأسرة تربي أفرادًا يحملون تصورات معينة عن السلطة والطاعة، وهؤلاء الأفراد يعيدون إنتاج النظام السياسي وهكذا في حلقة مشؤومة.
الاستبداد السياسي لا يعمل فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل ينتج منظومة من القيم والتصورات حول السلطة والطاعة والخضوع تصير جزءًا من ثقافة المجتمع. ففي النظام الذي لا يعرف تداول السلطة ولا المشاركة ولا المساءلة، يعتاد الناس على تصور معين للسلطة: (١) أن القرار يأتي من الأعلى، (٢) وأن من يملك القوة يملك حق الأمر والنهي، (٣) وأن الاعتراض تمرّد أو فوضى.
ومع طول الأمد تتغلل هذه الثقافة من المجال السياسي إلى المؤسسات والعلاقات اليومية: إلى المدرسة، والجامعة، والعمل، والأسرة.
فيصبح الأب في بعض البيئات ممثلًا لنموذج الحاكم داخل البيت، ويصبح الزوج ممثلًا لنموذج السلطة داخل العلاقة الزوجية، ويصبح المعلم ممثلًا لنموذج السلطة داخل الصف. وليست العقدة في وجود السلطة بحد ذاتها؛ فكل علاقة إنسانية لا بد لها من قدر من التنظيم والمسؤولية، وإنما الداء تحول السلطة من مسؤولية ورعاية إلى حق في السيطرة والإخضاع.
فالسلطة يمكن أن تُجعل ضربين: (١) سلطة هي تكليف ومسؤولية، هدفها الرعاية والإصلاح وتحقيق المصلحة. (٢) وسلطة هي امتياز تمنح صاحبها حق فرض إرادته لا لشيء إلا لأنه في رتبة أعلى. وهذه الثانية هي الاستبداد.
وهذا المعنىٰ قد طرقه كثير من المفكرين، من أبرزهم الطبيب والمحلل النفسي Wilhelm Reich في كتابه The Mass Psychology of Fascism، حيث قال:
"للدولة السلطوية ممثلها في كل أسرة، وتصبح الأسرة السلطوية المصنع الذي تُشكَّل فيه بنية الدولة وأيديولوجيتها."
وفكرة رايش الأساسية أن العلاقة ليست باتجاه واحد بل هي ما تقدم من أنها ديناميكية تبادلية؛ فالأسرة تنتج الفرد الذي يقبل النظام السلطوي، والنظام السلطوي بدوره يعزز نموذج الأسرة السلطوية. الدولة تؤثر في الأسرة، والأسرة تعيد إنتاج القيم التي يحتاجها النظام.
ويشرح الفيلسوف البرازيلي Paulo Freire في كتابه Pedagogy of the Oppressed كيف يمكن للقهر أن يعيد إنتاج نفسه، فيقول:
"المقهورون، بدل أن يسعوا إلى التحرر، يميلون هم أنفسهم إلى أن يصبحوا قاهرين."
يقول أن الإنسان الذي عاش في بيئة تقوم على الخضوع لسلطة مطلقة بدل أن يرفض منطق السلطة نفسه = ينتظر أن يصبح هو صاحب السلطة. فإذا أصبح أبًا، أو زوجًا، أو مديرًا، أو معلمًا، فقد يعيد إنتاج النموذج الذي عاش تحته.
وهذا لا يعني أن كل أب نشأ في مجتمع سلطوي سيصبح مستبدًا، ولكنه يوضح كيف يمكن للثقافة السلطوية أن تنتقل عبر الأجيال.
وهذا الذي شرحناه نلاحظه في خطاب صاحب المقطع. نعم، هذا الخطاب لا يكفي وحده للحكم على صاحبه بأنه يدعو إلى الاستبداد الأسري، فهو يقر بأن التسلط إذا تحول إلى عادة دائمة ومستمرة يصبح مشكلة.
كما أن القول بأن للوالدين دورًا في التوجيه واتخاذ بعض القرارات ليس أمرًا مستغربًا في أي تصور تربوي؛ فالأسرة ليست علاقة بين أفراد متساويين في كل مرحلة من مراحل العمر، وهناك مسؤوليات وواجبات.
لكن النقطة المهمة هي: كيف تُفهم هذه السلطة؟
فاللافت في الخطاب ليس مجرد القول بأن الوالد قد يفرض قرارًا في بعض الحالات، وإنما الافتراض الكامن في العبارة:
“إذا ما أفرض رايي عليكم، من أفرض رايي عليه؟”
هذه ليست مجرد جملة عابرة، بل تعكس تصورًا للسلطة، وكأن الأصل في العلاقة الأسرية هو أن أحدًا لا بد أن يفرض رأيه على الآخر.
ونحن نسأل: لماذا يكون الأصل هو فرض الرأي، وليس الإقناع أو التشاور أو اتخاذ القرار المشترك عندما يكون ذلك ممكنًا؟ ولماذا تصويره بأنه حق لا بد أن يمارس متىٰ ما وُجد المحل القابل؟!
المتحدث يحاول الرد على من يصف هذا السلوك بالاستبداد، فيقول: إذا لم يكن متكررًا، فلا مشكلة. وهذه نقطة يمكن قبولها جزئيًا. فليست كل ممارسة للسلطة استبدادًا كما مر في التفريق بين ضربي السلطة. لكن المقطع لا يضع معيارًا واضحًا للتمييز بينهما، بل يجعل المعيار هو عدد مرات فرض الرأي!
والأسئلة الأهم: هل القرار قابل للتفسير؟ هل يراعي مصلحة الابن؟ هل يمكن مناقشته؟ هل يعترف للأبناء بقدر من الاستقلال مع تقدمهم في العمر؟ هذه الأسئلة لا تظهر في الخطاب.
الخطاب يفترض أن العلاقات الإنسانية تقوم على التدرج الهرمي: شخص يملك حق إصدار القرار، وشخص آخر وظيفته الامتثال.
وهذا نموذج سلطوي، ليس بالضرورة استبداديًا، لكنه قريب من الثقافة التي تعطي الأولوية للسلطة على الحوار.
وأكثر جملة لفتت انتباهي هي: “مو كل شيء يقنعك.”
وجود النظام السياسي المستبد لا يلزم منه ضرورة أن كل الأسر في ذلك المجتمع ستكون مستبدة، والعكس صحيح كذلك. فالعلاقة بينهما ليست علاقة سببية ميكانيكية، بل علاقة ديناميكية تبادلية؛ فالنظام السياسي يؤثر في الثقافة العامة، وهذه الثقافة تدخل الأسرة، ثم الأسرة تربي أفرادًا يحملون تصورات معينة عن السلطة والطاعة، وهؤلاء الأفراد يعيدون إنتاج النظام السياسي وهكذا في حلقة مشؤومة.
الاستبداد السياسي لا يعمل فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل ينتج منظومة من القيم والتصورات حول السلطة والطاعة والخضوع تصير جزءًا من ثقافة المجتمع. ففي النظام الذي لا يعرف تداول السلطة ولا المشاركة ولا المساءلة، يعتاد الناس على تصور معين للسلطة: (١) أن القرار يأتي من الأعلى، (٢) وأن من يملك القوة يملك حق الأمر والنهي، (٣) وأن الاعتراض تمرّد أو فوضى.
ومع طول الأمد تتغلل هذه الثقافة من المجال السياسي إلى المؤسسات والعلاقات اليومية: إلى المدرسة، والجامعة، والعمل، والأسرة.
فيصبح الأب في بعض البيئات ممثلًا لنموذج الحاكم داخل البيت، ويصبح الزوج ممثلًا لنموذج السلطة داخل العلاقة الزوجية، ويصبح المعلم ممثلًا لنموذج السلطة داخل الصف. وليست العقدة في وجود السلطة بحد ذاتها؛ فكل علاقة إنسانية لا بد لها من قدر من التنظيم والمسؤولية، وإنما الداء تحول السلطة من مسؤولية ورعاية إلى حق في السيطرة والإخضاع.
فالسلطة يمكن أن تُجعل ضربين: (١) سلطة هي تكليف ومسؤولية، هدفها الرعاية والإصلاح وتحقيق المصلحة. (٢) وسلطة هي امتياز تمنح صاحبها حق فرض إرادته لا لشيء إلا لأنه في رتبة أعلى. وهذه الثانية هي الاستبداد.
وهذا المعنىٰ قد طرقه كثير من المفكرين، من أبرزهم الطبيب والمحلل النفسي Wilhelm Reich في كتابه The Mass Psychology of Fascism، حيث قال:
"للدولة السلطوية ممثلها في كل أسرة، وتصبح الأسرة السلطوية المصنع الذي تُشكَّل فيه بنية الدولة وأيديولوجيتها."
وفكرة رايش الأساسية أن العلاقة ليست باتجاه واحد بل هي ما تقدم من أنها ديناميكية تبادلية؛ فالأسرة تنتج الفرد الذي يقبل النظام السلطوي، والنظام السلطوي بدوره يعزز نموذج الأسرة السلطوية. الدولة تؤثر في الأسرة، والأسرة تعيد إنتاج القيم التي يحتاجها النظام.
ويشرح الفيلسوف البرازيلي Paulo Freire في كتابه Pedagogy of the Oppressed كيف يمكن للقهر أن يعيد إنتاج نفسه، فيقول:
"المقهورون، بدل أن يسعوا إلى التحرر، يميلون هم أنفسهم إلى أن يصبحوا قاهرين."
يقول أن الإنسان الذي عاش في بيئة تقوم على الخضوع لسلطة مطلقة بدل أن يرفض منطق السلطة نفسه = ينتظر أن يصبح هو صاحب السلطة. فإذا أصبح أبًا، أو زوجًا، أو مديرًا، أو معلمًا، فقد يعيد إنتاج النموذج الذي عاش تحته.
وهذا لا يعني أن كل أب نشأ في مجتمع سلطوي سيصبح مستبدًا، ولكنه يوضح كيف يمكن للثقافة السلطوية أن تنتقل عبر الأجيال.
وهذا الذي شرحناه نلاحظه في خطاب صاحب المقطع. نعم، هذا الخطاب لا يكفي وحده للحكم على صاحبه بأنه يدعو إلى الاستبداد الأسري، فهو يقر بأن التسلط إذا تحول إلى عادة دائمة ومستمرة يصبح مشكلة.
كما أن القول بأن للوالدين دورًا في التوجيه واتخاذ بعض القرارات ليس أمرًا مستغربًا في أي تصور تربوي؛ فالأسرة ليست علاقة بين أفراد متساويين في كل مرحلة من مراحل العمر، وهناك مسؤوليات وواجبات.
لكن النقطة المهمة هي: كيف تُفهم هذه السلطة؟
فاللافت في الخطاب ليس مجرد القول بأن الوالد قد يفرض قرارًا في بعض الحالات، وإنما الافتراض الكامن في العبارة:
“إذا ما أفرض رايي عليكم، من أفرض رايي عليه؟”
هذه ليست مجرد جملة عابرة، بل تعكس تصورًا للسلطة، وكأن الأصل في العلاقة الأسرية هو أن أحدًا لا بد أن يفرض رأيه على الآخر.
ونحن نسأل: لماذا يكون الأصل هو فرض الرأي، وليس الإقناع أو التشاور أو اتخاذ القرار المشترك عندما يكون ذلك ممكنًا؟ ولماذا تصويره بأنه حق لا بد أن يمارس متىٰ ما وُجد المحل القابل؟!
المتحدث يحاول الرد على من يصف هذا السلوك بالاستبداد، فيقول: إذا لم يكن متكررًا، فلا مشكلة. وهذه نقطة يمكن قبولها جزئيًا. فليست كل ممارسة للسلطة استبدادًا كما مر في التفريق بين ضربي السلطة. لكن المقطع لا يضع معيارًا واضحًا للتمييز بينهما، بل يجعل المعيار هو عدد مرات فرض الرأي!
والأسئلة الأهم: هل القرار قابل للتفسير؟ هل يراعي مصلحة الابن؟ هل يمكن مناقشته؟ هل يعترف للأبناء بقدر من الاستقلال مع تقدمهم في العمر؟ هذه الأسئلة لا تظهر في الخطاب.
الخطاب يفترض أن العلاقات الإنسانية تقوم على التدرج الهرمي: شخص يملك حق إصدار القرار، وشخص آخر وظيفته الامتثال.
وهذا نموذج سلطوي، ليس بالضرورة استبداديًا، لكنه قريب من الثقافة التي تعطي الأولوية للسلطة على الحوار.
وأكثر جملة لفتت انتباهي هي: “مو كل شيء يقنعك.”