قناة : أ.د. فؤاد البنا
3.48K subscribers
24.4K photos
7 videos
44 files
1.13K links
أستاذ الفكر السياسي الإسلامي -جامعة تعز .
هذه القناة خاصة بمقالات وأبحاث وكتب أ. د. فؤاد البنا
Download Telegram
#العاقل
أ.د. فؤاد البنا
العاقل هو من يطلق المدارك التي تثوي في رأسه حتى لا يقع على رأسه في المهالك.
وفي هذا السبيل فإن العاقل لا يخطئ التمييز بين الحق والباطل، حيث لا تلتبس عليه الطرق ولا تتشابه عليه البقر، إذ يمتلك القدرة على اكتشاف الأوفر خيراً والأشد شراً، ويستطيع تكييف شخصيته بحيث تتحمل الشر الأصغر من أجل درء شر أكبر، وتستطيع تفويت الخير الأصغر من أجل جلب خير أكبر.
#الزبيري رجلٌ بخَمس مَهام!
أ.د فؤاد البنا
لم يكن محمد محمود الزبيري رجلاً عادياً، فقد كان يعلم أن الرجولة بالمفهوم القرآني شيء عظيم، ولذلك فقد أودعت الأقدار في شخصيته عددا من المواهب والمدارك والطاقات التي يندر أن تجتمع في شخص واحد، وكان رجل بمهام عديدة لدرجة يمكن القول معها بأنه كان يَكمن تحت إهابه عددٌ من أعظم الرجال على النحو الآتي:

الأول: ثائرٌ وطني مخَر عُباب السياسة وامتطى جواد النضال الدائب في مقارعته للظلم ومحاربته للكهنوت الذي جثم على صدر اليمنيين قرونا من الزمن الأسود؛ فزرع فيهم الجهل والفقر والمرض، وأشاع في أوساطهم الفرقة والعصبيات والبطالة والسلبية واليأس، ليبقى متفردا بحكم البلاد واستعباد كل من فيه، والاستئثار بكل ما فيه من خيرات!

الثاني: مصلح اجتماعي امتلك مقاليد الفهم لعلل شعبه، واعتلى نواصي السنن الاجتماعية والفقه الحضاري، ليجد تركة ثقيلة من التخلف الذي صنعته أجهزة الإمامة عبر قرون من الخبث والأبلسة؛ فانطلق أي الزبيري بكل ما يمتلك من إيجابية، ليعيد حرث تربة المجتمع اليمني حتى لا يقبل الاستعباد باسم الدين ولا الاستبداد تحت أي اسم أو لافتة، ولقد كابد إكراهاته وجاهد ضعفه، وبذل كل مستطاعاته في سبيل معالجة أدواء المجتمع اليمني وتجفيف منابع آفاته الاجتماعية.

الثالث: أديبٌ كبير، امتلك ناصية الشعر واعتلى مقام النثر، وأجاد فنون الرواية والخطابة والحوار الراقي مع قدرة هائلة على الإقناع؛ وبلغت شاعريته حدا جعل القائمين على إصدارات (شعراء الدعوة الإسلامية) في عمّان يضعونه في الترتيب رقم الأول ضمن الجزء الأول من الأجزاء التسعة.

الرابع: مفكر حكيم، وهبه الله عقلا ذكيا وقلبا شفافا، ففقه دينه على أحسن وجه، وفهم واقعه كما هو دون تهويل أو تهوين، وما زال يرتقي في سماء الفكر والمعرفة ويجني الكثير من الخبرات حتى وصل إلى ذروة الحكمة، ولو لم يكن مصلحا اجتماعيا ومناضلا سياسيا شغلته أوجاع الناس واستغرقت أوقاته حل المشاكل وإيجاد مخارج للمآزق والأزمات ومواجهة الظلَمة والمبطلين في جبهات عدة، لولا ذلك لكان له إنتاج فكري أكبر، ولصار له شأن عظيم بين كبار مفكري الأمة الإسلامية.

والخامس: مربي مسؤول، فقد امتلك شخصية (كاريزمية) كبيرة دفعت كثيرين للانجذاب إليه، ولم يكن من أصحاب (قُل كلمتك وامشِ) بل كان صاحب هم وهمة دفعته للاهتمام بتربية أجيال من اليمنيين الذين يرفضون الضيم ويواجهون الظالمين؛ لدرجة أنه لم يتحمل إكمال دراسته الأزهرية في مصر، بل انقطع تماما عن الدراسة وعاد إلى بلاده، فأسس جمعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بفهم شمولي وترتيب واع للمنكرات، حتى أنه تصدى لظلم الإمام يحيى في وقت مبكر، مما حدا به لإدخاله السجن، وفي هذا السبيل تتلمذ على يديه كثيرون صار لهم شأن في قيادة العمل الوطني والسياسي في اليمن، ومنهم الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر والشيخ عبدالمجيد الزنداني والأستاذ عبدالملك الطيب.

وكان في كل هذه الشخصيات والأدوار إنسانٌ رائقٌ يطير بجناحي التدين الراقي والوطنية الرائعة، فلم يهدأ له بال وهو يسمع صرخات المظلومين، ولم يعرف استراحة محارب وهو يحس بمواجع المستضعفين ويرى فواجع الأغلبية الساحقة من اليمنيين، ولم يتوقف قطار فاعليته العجيب عن التحرك إلا حينما سقط جسمه مضرجا بدمائه وارتقت روحه إلى بارئها تعانق السماء وتجاور النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

📚 منتدى الفكر الإسلامي 📚
*الزبيري رجلٌ بخَمس مَهام!*



*أ.د.فؤاد البنا – مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية*



http://www.umayya.org/articles/umayya_articles/21956
#حبال العقل!
أ.د. فؤاد البنا
العاقل حقا هو من يستخدم (حبال عقله) في تقييد (مكونات شخصيته) المنفلتة ومنعها من الانطلاق بدون عقال من مقاصد الشرع أو مصالح الواقع.
وعليه فإن المرء لا يكون (عاقلاً) حتى يجيد (ربط) خطام نفسه بكبح جماح غرائزه، وحتى يتقن (تقييد) عواطفه ومنعها من الانفعال الأعمى، و(يعصب) لسانه حتى لا تخرج عن المشروع والمعروف، و(يغل) يديه حتى لا تطول بالباطل على حقوق الغير، و(يكبل) رجليه حتى لا تمشي إلى الحرام ولا تنقاد للظلم.
#الزمن عند العاقل
أ.د. فؤاد البنا
يتميز العاقل بطرائق تعامله الناجعة مع كل شيء، حيث يمتاز تعامله مع الزمان بقدرة هائلة على استثمار الدقائق وتثمير الدروس في البناء، فهو يتعامل بوعي مع الماضي؛ إذ يغربل بذكاء فيأخذ ما يساعده على إعمار حاضره ويستبعد ما عدا ذلك، وفي معامل الحاضر يُعِد المعادلات المطلوبة لصناعة الآتي بالكفائة المفترضة، وفي ورشة حاضره يصنع الجسور المطلوبة لارتياد المستقبل بالنجاح المطلوب.
آفة الخوارج
لقد انساق الخوارج وراء الخوالج التي كانت تعتمل في دواخلهم، كرد فعل على الأوضاع التي تراجعت عن المثاليات الإسلامية، وانساقوا وراء انفعالاتهم فارتكبوا أفعالا مروعة بحق أمتهم!
لقد كان الخوارج صادقين في انتمائهم لهذا الدين لكنهم لم يمتلكوا بوصلة الرشد نتيجة تلاوتهم للقرآن من غير تدبر، وقرائتهم للواقع من غير تبصر!
ومن ثم فقد انقادوا وراء (عواطفهم) ولم يحجزوها ب(خطام العقل)؛ فارتبكوا في علاقاتهم وارتكبوا الكثير من الحماقات وهم يعتقدون أنهم يُحسنون صُنعاً!
أ.د. فؤاد البنا
#عطاء الإيمان
أ.د. فؤاد البنا
سيظل الإيمان مجرد دعوى بلا دليل أو شعارا بلا ظل من حقيقة، إن لم يتم تجسيده في أعمال نافعة، وسيظل شجرة زينة إن لم تثميره في أعمال صالحة تعمر الأرض وتصنع الحياة وفق منهج السماء، وإن لم يتم تحويله إلى رحمة سابغة تُداوي القلوب وتُبلسم الجروح، وما لم يتجسد في أخلاق تُمتّن الأواصر وتقوي العلائق.
وسيبقى الإيمان دعوى بلا برهان إذا لم يحض أيدي المؤمنين على مساعدة الضعفاء وإعطاء المحتاجين، وإذا لم يدفع الأقدام للسعي في قضاء حوائج المساكين.
#ما أجمل أن يكون المرء من أهل الدّأب دون أن يتخلى عن الأدب، وما أرقى أن يكون من أهل التأنّي دون أن يذهب به نحو التواني.
بارك الرحمن جمعتكم.
أ.د. فؤاد البنا
#تبادل مقاعد!
أ.د. فؤاد البنا
هناك تبادل مقاعد للأسف الشديد بين الإنسانيين من غير المسلمين وبين قساة القلوب وغلاظ الأكباد من المسلمين، فقد رأينا من الكفار من يُبلسمون جروح المكلومين ويخففون أوجاع المصابين، ومن يحملون أسباب الحياة الكريمة إلى مجموعات من المحرومين، بينما رأينا متأسلمين ينفثون حممَ الكراهية ويفجرون براكين الحقد ضد إخوان لهم بل وقد يشنون عليهم حروباً هوجاء، فقط لأنهم مختلفون عنهم في الانتماء الطائفي والفكري أو مختلفون معهم في رأي سياسي ومصلحة متغيرة!
#اتحاد المسيحيين وافتراق المسلمين!
أ.د. فؤاد البنا
اجتمع زعماء العالم المسيحي بطوائفه الثلاث الكبرى: الكاثوليكية وزعيمتها فرنسا، والبروتستانتية وزعيمتها الولايات المتحدة الأمريكية، والأرثوذكسية وزعيمتها روسيا، وأرسلوا رسائل قوية تدعم أرمينيا بطريقة ذكية لا تستفز عواطف عامة المسلمين، بينما تعاني أذربيجان المسلمة من خذلان المسلمين حيث لم تقف معها إلا تركيا، أما بقية الدول فهي بين متآمرة بصورة سافرة نكاية بتركيا وبين سلبية لا يهمها الأمر أو منشغلة بجراحاتها.
وللأسف فقد صار هذا الموقف هو السائد في معظم القضايا الإسلامية العادلة، حيث انقسام البلدان الإسلامية بين الخذلان والانشغال وبين التآمر الصريح.
#دموعُ الهواجس!
أ.د. فؤاد البنا
للهواجس أعين خرافية شديدة الحساسية، حيث تتوهم مؤامرات وتتوجس خيفة من خيالات، وتخاف من أشباح لا ظل لها من الحقيقة ولا وجود لها في الواقع!

وعندما يستشرف المستقبلَ المتوجسون وأصحاب المخاوف العليلة؛ فإنهم يُكبّرون ما هو صغير ويُعظمون ما هو حقير، ويَشمون روائح المؤامرات المتوهمة من وراء حجب الحقيقة، بل وتجدهم يعرجون اليوم من شوكة غد!

إننا بحاجة للعناية بقلوبنا والاهتمام بأرواحنا، فنعطيها زادها بطريقة متوازنة وبصورة مستمرة؛ حتى لا تصيبنا الأمراض النفسية، ولنظل أسوياء أقوياء، حتى لا نرى الحَبّة قبّة بل نرى كل شيء كما هو من دون تهويل أو تهوين!
#كتائب الأفكار!
الإسلام هو دين الفطرة البشرية التي تتوازى فيها المادة مع النفخة العلوية، حيث ينبغي أن تتولى الأشواق الروحية السمو بالغرائز الترابية وتمنعها من الانحطاط بأصحابها في الحضيض، ودون أن تجتثها أو تمنع من إشباعها بطريقة سوية، وبجانب ذلك فإن الإسلام يمتلك مقومات القوة الذاتية التي تمنحه مقدرة فائقة على إقناع العقول وإسعاد القلوب؛ ولذلك فإنه لا يستخدم القوة في نشر رسالته وإنما يستخدمها في قمع الظالمين وتحرير بني الإنسان من الأغلال التي تهدر كرامتهم وتمنعهم من حرية الاختيار.
وبسبب ذلك فإن قرابة نصف المسلمين يعيشون في بلدان لم تصلها جيوش الإسلام، وإنما وصلتها كتائب من الأفكار الراقية التي جسّدتها ممارسات رائعة لكثير من التجار، والذين أصبحوا دعاة يجيدون تجسيد عظمة الإسلام في سلوكياتهم حتى صاروا إعلانات متحركة لعرض محاسن الإسلام.
ومما يُعجب له أن أكثر هؤلاء كانوا من التجار الذين وضعوا الأموال في جيوبهم بينما بقيت قلوبهم تنبض بحب خالقهم، الذي أنعم عليهم بهذا الدين العظيم، فكانت أفعالهم خير داع للناس إلى دينهم فدخلوه أفواجاً!
أ.د. فؤاد البنا
ُبّاد الحكام!
ما أغرب أن ترى مسلمين يتخذون من حكامهم أوثاناً تُعبد بجانب الله، فقد اتخذوا حكامهم وقادتهم أرباباً من دون الله، ولم يقتصر بعضهم على طاعتهم في معصية الله، بل ذهبوا للإشادة بأعمالهم المخزية كأنها أعمال الأماجد، ولا تزال ألسنتهم تلهج بذكر خلالهم القبيحة. ولا تجدهم يتبرؤون مما قاموا به من انتهاك لثوابت الإسلام المعلومة بالضرورة ومن تجاوز لتعاليمه السامية.
ولا يتردد هؤلاء عن رفع صورهم والتهافت على مواكبهم رغم تفريطهم بمصالح المسلمين وخيانتهم لمبادئهم، ورغم موالاتهم لأعداء الملة وتماهيهم مع مخططات اجتثاث الأمة من الوجود!
أ.د. فؤاد البنا
#آفات المصلين!
أ.د. فؤاد البنا
لم يجعل الإسلام الصلاة عمود الدين إلا لأنها تتضمن منهجا لترقية العقل وتزكية الروح، ولتطهير القلب والوجدان من الأدران وزراعة أشجار الإرادة في عرصات الشخصية.

وفي عصرنا هذا قلّ من يقيمون الصلاة بقوامها العقلي الذي يتضمن الوعي بمقاصدها، ومن يقيمونها بقوامها الروحي الذي يتضمن الاتصال بخالق الوجود واستمداد الطاقة الروحية منه، ويقيمونها ٠١بقوامها المادي الذي يتضمن كمال التذلل والالتزام بتعاليم المشرع، والاستفادة الجسمية التي تساعد على الاستمتاع بالعافية والحياة الطيبة.

وبسبب عدم إقامة الصلاة بحق؛ فقد وجدنا أناسا يصلون لكنهم لا يتورعون عن معاقرة الكبائر ومضاجعة الموبقات؛ حيث رأينا من يصلون (الفجر) دون أن تصدّهم عن ممارسة (الفجور)، ورأينا من يصلون (الظهر) دون أن تحجزهم عن عشق آفة (الظهور)، ويصلون (العصر) وهم غائبون عن روح (العصر)، ويصلون (المغرب) وشخصياتهم تنحدر في طريق (الغروب)، ويصلون (العشاء) لكنهم أبداً لم يتخلصوا من (العشَى الفكري)!
#ذاكرة اليمنيين بين شاهر عبدالحق وعبدالواسع هائل!
أ.د. فؤاد البنا
مهما قلنا عن ما أصاب فطر الناس من تشوهات وفساد، فلا يزال للحق مسحته وللخير مساحته في نفوسهم، ويظهر ذلك الخير في المحكات العملية وفي الشدائد والنوائب التي تمتحن معادن الناس وتستخرج خبايا أنفسهم.

وعلى سبيل المثال كان رجل الأعمال المعروف عبدالواسع هائل سعيد قد أصيب قبل بضعة أشهر بفيروس كورونا، فامتلأت قلوب الملايين بغيوم من الأحزان، وضجت ألسنتهم بذكر مناقبه والدعاء له والتضرع لله من أجل أن ينقذه من بين براثن كورونا الذي كاد أن يفتك به وهو في عمره الكبير.
ولا غرابة في حب الناس له، فقد كان في مقدمة أسرته المشهورة بعمل الخير طيلة عقود من العطاء اللامتناهي، وظل قريبا من الضعفاء والمساكين، يلملم شتات نفوسهم ويبلسم جروح قلوبهم، ويجتهد في صناعة الفرحة لهم بقدر استطاعته هو وأسرته الكريمة.

وفي المقابل مات قبل بضعة أيام رجل أعمال من ذات المنطقة التي ينتمي إليها عبدالواسع هائل، وربما كان أغنى منه وهو شاهر عبدالحق، فلم يبكه اليمنيون رغم عواطفهم الجياشة، ولم يحزن على موته أحد، بل قام كثير من رواد التواصل الاجتماعي باستدعاء مقارنات صامتة بينه وبين كبير أسرة آل السعيد الحاج هائل سعيد أنعم؛ فتشبعت وسائل التواصل الاجتماعي بالثناء عليه والدعاء له، وفي المقابل وصل الأمر ببعض هؤلاء إلى حد الشماتة من موت شاهر عبدالحق، بطريقة هزلية كأن يقول أحدهم: مات شاهر عبدالحق فرحم الله الحاج هائل سعيد الذي كان يفعل كذا وكذا، ويعدد مناقبه !

وفي مثل هذه المواضع تتجلى الطبيعة الإيجابية للعاطفة الجمعية عند اليمنيين، وتبرز الذاكرة الإحسانية لتقول للمحسن أحسنت وتقبل الله منك ورضي عنك وزاد أولادك من فضله.
وهو لعمري درس بالغ النصاعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد من رجال المال والأعمال، ولا سيما في مثل هذه الظروف التي تكالبت فيها الشدائد على الأغلبية الساحقة من اليمنيين.

🖊 للاشتراك في قناة أ.د. فؤاد البنا إضغط على الرابط👇🏼
https://ⓣelegram.me/ProFB
#نكبة التفكير!
أ.د. فؤاد البنا
قال ديكارت: أنا أفكر إذاً أنا موجود، أما لسان حال المواطن العربي فيقول: أنا أفكر إذاً أنا مهدد الوجود!
فالعقل في قفص الاتهام عند زعماء الاستبداد السياسي والفكري، والتفكير صورة من صور الزندقة، والخروج على التقاليد الموروثة خروج من الإسلام، ومفارقة المألوف يجلب النكبة لأصحابه!
🔮 الرئيس ماكرون يدق طبول صدام الحضارات!
أ.د. فؤاد البنا
من المعلوم أن الثقافة الغربية هي أكثر الثقافات استعلاءً على الآخر الذي تصفه بأوصاف الهمجية والبربرية والتخلف، منذ عصور الإغريق والرومان، وصولا إلى احتكار الخلاص حتى على مستوى الطوائف المسيحية التي أزهقت ملايين الأنفس في صراعها البَيني على احتكار الحقيقة لنفسها وشيطنة كل من لم يسر في ركابها ولم يدخل حظيرتها، ثم شنت من ذات المنظور حروباً صليبية على العالم الإسلامي طيلة قرنين من الزمن!

ومن يقرأ تأريخ القرون الوسطى في أوروبا بوعي؛ يدرك أن نشأة التيار البروتستانتي إنما كان بتأثر قادته بالثقافة الإسلامية التي كانت نموذجا عالميا في الرقي الحضاري الذي برز من خلال مظاهر كثيرة، ومن أهمها التسامح في المتغيرات مع الغيرة على الثوابت؛ مما أوجد مساحة واسعة للتعدد والتنوع، فنشأت الفرق الكلامية والمذاهب الفقهية والطرق الصوفية والتيارات الفلسفية والاتجاهات الاجتماعية، ولتصطرع العقول دون أن تضطغن القلوب، ولتتنوع الآراء دون أن تتعدد الرايات، ولا يلغي هذه الحقيقة بالطبع وجود بعض الانغلاق هنا أو التعصب هناك وخاصة في القرون الأخيرة.

وبفعل من الضغط الذي مارسته البروتستانتية التي كانت تتقدم باستمرار، وبعد شلالات من الدماء وأكوام من الجثث التي سقطت في الحروب الدينية (الطائفية) في أوروبا؛ تراجعت الكاثوليكية عن المقاومة وتوصل الحداثيون إلى ضرورة فصل الدولة عن الكنيسة وتطبيق العلمانية التي تجعل الدين لله والوطن للجميع، وتفترض أن البشر متساوون في الكرامة وأن الحقوق ينبغي أن تكون متساوية وفق قواعد صارمة لا استثناء فيها لأي أحد مهما كان دينه أو طائفته أو عرقه!

ورغم قيام الدولة المدنية الحديثة فقد ظلت البلدان ذات الخلفية الكاثوليكية هي الأقل قبولا بالآخر والأشد جرما في حق الشعوب التي استعمرتها، وفي هذا السياق شن البرتغاليون والإسبان حروب إبادة جماعية ضد مسلمي شبه جزيرة أيبيريا في أوروبا عبر حروب دموية وما عرف بمحاكم التفتيش الرهيبة، ثم ضد الشعوب التي غزوها في شرق إفريقيا التي كان بعضها يتبع لسلطنة عمان، وضد كثير من جزر المحيط الهندي التي كان أغلب أهلها يدينون بالاسلام، وعلى رأسها الفيليبين التي قتل ملكها المسلم وتم تفريغ معظم جزرها من السكان المسلمين بطرائق شتى، وتم تغيير اسمها من (عذراء ماليزيا) إلى (الفيليبين) نسبة إلى ملك إسبانيا في ذلك الزمن!

وفي الموجة الثانية من الاستعمار الأوروبي للعالم الإسلامي كانت فرنسا وإيطاليا الكاثوليكيتان هما الأكثر إجراماً في حق الشعوب المقهورة، كما فعلت فرنسا في الجزائر وإيطاليا في ليبيا، مما لم يحدث له نظير في مستعمرات البلدان البروتستانتية وعلى رأسها بريطانيا !

ويتضح من هذه المقدمة التأريخية أن البلدان الكاثوليكية هي الأقل هضما لثقافة المساواة بين الشعوب والأشد ميلا لاجتثاث الآخر وفي المقدمة المسلمين، فهم من فتحوا أنحاء واسعة من أوروبا، سواء في الموجة العربية التي فتحت شبه جزيرة أيبيريا ووصلت إلى جنوب فرنسا مقيمة حضارة أندلسية عظيمة استمرت زهاء ثمانية قرون، أو الموجة العثمانية التي فتحت معظم بلدان شرق أوروبا وصولا إلى فيينا وجنوب إيطاليا.

وقد حاول الغرب في العصر الحديث التظاهر بالانبتات عن الميراث التأريخي المثقل بجرائم استئصال المخالفين من الأديان والثقافات الأخرى بل والمختلفين في إطار الثقافة الغربية الواحدة، لكن المحكات العملية تُبرز هذا العداء إلى العلن ولاسيما في البلدان الكاثوليكية التي تزدهر فيها دعوات الصدام الثقافي وصراع الحضارات أكثر من غيرها!

وتنبعث هذه الدعوات الاستئصالية بصورة أشد في فرنسا التي تعتبر نفسها زعيمة العالم الكاثوليكي وممثلته الدائمة في مجلس الأمن الدولي الذي يجتهد أعضاؤه في أن يتحكموا بمقاليد العالم تحت شعارات إنسانية براقة!

وفي هذا السياق تأتي مخاوف الرئيس الفرنسي ماكرون من موجات النزوح واللجوء التي يقوم بها مسلمون، في بلدان تعاني من حروب لم يكن العامل الخارجي غائبا في إشعال أوارها وإشاعة أوزارها؛ وذلك حتى لا تتحرر الشعوب من ربقة الاستبداد الذي وضعه الأوروبيون حارسا لميراثهم الاستعماري بعد أن أجبرتهم حركات التحرر على أن يأخذوا عصاهم ويرحلوا!

وفي ذات السياق تأتي مخاوف ماكرون ومن على شاكلته، من انبعاث المارد العثماني من جديد في تركيا، حيث يسابقون الليل بالنهار من أجل تحجيم تركيا وتفجير الألغام المزروعة في طريقها، سواء كانت قنابل عرقية وطائفية وسياسية داخل البلد أو خارجها على شكل قنابل حدودية ذات خلفيات عصبوية متنوعة!

وفي هذا الإطار يأتي انحياز ماكرون الكامل والمندفع إلى جانب اليونان ضد تركيا وإلى جانب القبارصة اليونانيين ضد القبارصة الأتراك، وأخيرا انحاز بكل وضوح بجانب أرمينيا الأرثوذكسية ضد أذربيجان الشيعية؛ لأنها تحظى بدعم من تركيا!

ومع حرص الساسة الغربيين على عدم إطلاق تصريحات واضحة تنتقد الإسلام ذاته أو ما
يشي عن استبطانهم لخلفيتهم المسيحية في قراراتهم ومواقفهم؛ خوفاً من إيقاظ المارد الإسلامي الذي ذوى في نفوس المسلمين بفعل من موجات الغزو الثقافي ومخلفات عصور التخلف التي أورثت كثيرين من المسلمين تديناً سلبيا باردا، رغم هذا الحرص إلا أن الرئيس الفرنسي ماكرون دأب في الفترة الماضية على إطلاق تصريحات تنتقد الإسلام ذاته وتتهمه بأنه يعاني من أزمة وأنه يدفع بالمسلمين نحو الإرهاب، بل ويعلن أنه بصدد اتخاذ إحراءات عديدة لإيجاد إسلام فرنسي!!

وقد وصل الأمر بماكرون إلى حد ظهوره بكل وضوح وهو يدق طبول الحرب ضد الإسلام في تطبيق عملي لأفكار رواد (صدام الحضارات) وعلى رأسهم المفكر الأمريكي صموئيل هنتجتون الذي نظّر لهذا الأمر في كتابه الشهير الذي ظهر منذ نحو ثلاثة عقود ولقي احتفاء بالغا من اليمين الغربي بينما انتقده التيار الإنساني في الغرب!

ويبدو ماكرون بدعوته الأوروبيين للتصدي للإسلام وللأتراك، في الفترة الأخيرة، وكأنه قد أزال المسافة بين حزبه وبين اليمين الفرنسي المتطرف الذي يرى أن المسلمين خطر كبير يحدق بالثقافة الغربية والفرنسية منها بالخصوص، أن لم يتم طرد المسلمين من أوروبا وإبقاء من تشتد الحاجة إليهم تحت صور من الرقابة والاستعباد!

ويبدو أن ماكرون قد أعلنها صريحة مدوية بعد أن كانت خَفيةً مضمرة؛ حينما رأى أنظمة عربية عديدة قد صارت غربية أكثر من الغرب ذاته وصهيونية أكثر من الصهاينة أنفسهم، وصارت تلقي بكل ثقلها في ذات المعترك الذي يتهم الإسلام بالتخلف ويصم المسلمين بالإرهاب!